img13.jpg

نعم أنا أصولي!

لقد أصبحت الأمازيغية، في السنين الأخيرة، “ملفا ضروريا” لكل منبر إعلامي جديد يريد فرض حضوره في سوق الإعلام المكتوب، والتعريف بنفسه لدى المعلنين والممولين من الذين “يهمهم أمر” الأمازيغية. فإعداد ملف عن الأمازيغية أصبح بمثابة “شهادة الكفاءة المهنية” التي تنهي بها الصحيفة فترة تدريبها لتدخل مرحلة السحب بأعداد كبيرة. فهذا ما رأيناه في بدايتها بما نشرته من مقالات حول الأمازيغية قبل أن تظهر صفحة “من القلب إلى القلب”؛ وكذلك أسبوعية “الصحيفة” التي ذاع صيتها بما كتبه على صفحاتها اليزيد البركة (الأمازيغية ليست لغة ولا ثقافة لها وكلماتها لا تتعدى 300 كلمة!). ونفس الشيء تفعله اليوم الأسبوعية الجديدة “الحدث” التي لم تنتظر طويلا لتخصص ملفا حول الأمازيغية بعددها الخامس ليوم 26 أكتوبر 2000، وبالطريقة المعلومة، لتثبّت بذلك أقدامها في الساحة الإعلامية.
اختارت “الحدث” لملفها حول الأمازيغية عنوانا بالغ الدلالة بقدر بلاغة دلالة اللون الأحمر الذي كتب به على صفحة الغلاف: »هل تهدد “الأصولية الأمازيغية” وحدة الوطن؟«. السؤال مصاغ بطريقة ذكية جدا: فإذا كان السؤال يطرح مسألة “تهديد” الأمازيغية لوحدة الوطن كموضوع للنقاش والتساؤل لم يُحسم فيه بعدُ، فإنه في نفس الآن يمرر مفهوم “الأصولية الأمازيغية” كحقيقة قائمة وثابتة، وليست موضوع أي نقاش أو تساؤل. فالتساؤل والنقاش ينصبان على نتائج “الأصولية الأمازيغية” (تهديدها أو عدم تهديديها للوحدة الوطنية)، وليس على وجودها أو عدم وجودها. فصيغة السؤال توحي للقارئ، بل تفرض عليه، أن “الأصولية الأمازيغية” ظاهرة موجودة وقائمة ومؤكدة. وهذا هو الهدف الحقيقي من العنوان، بل ومن الملف بكامله. وما التساؤل حول تهديد أو عدم تهديد “الأصولية الأمازيغة” لوحدة الوطن، فليس إلا وسيلة لجعل القارئ يستدخل ويقتنع بأن هناك “أصولية أمازيغية” دون أن يتساءل أو يناقش حقيقة وجود هذه “الأصولية”. فالغاية من السؤال ليس ما يسأله عنه، بل ما يسأل به: “الأصولية الأمازيغية”. هذا فضلا على أن صيغة السؤال ستجعل الكثيرين يقتنعون بأن هناك “أصولية أمازيغية” دون أن يشتروا الجريدة أو يقرأوها: فكل من مر بالكشك وقرأ العنوان ترتسم لديه فكرة أن هناك “أصولية أمازيغية” قد تهدد الوحدة الوطنية!
وبفتحها ملفا حول “الأصولية الأمازيغية” تكون “الحدث” صحيفة جديدة بالفعل لأنها جدّدت في طريقة تناولها لموضوع الأمازيغية موظفة في ذلك مفهوما ومصطلحا جديدا هو “الأصولية الأمازيغية”. فهي لم تربط الأمازيغية بـ”الظهير البربري” كما هي العادة في التحليلات الشائعة للمسالة الأمازيغية، بل استعملت مفهوم “الأصولية” ـ تمشيا مع موضة العصر ـ التي أصبحت ظاهرة تحتل الواجهة وموضوعا لانشغالات وندوات ومؤتمرات دولية.
ينطبق على هذه الحالة، أي نعت الحركة الأمازيغية بـ”الأصولية”، المثل الشائع المعروف: “ضرب وبكى، سبق وشكا” ذلك أن الأمازيغية، التي كانت طيلة أزيد من خمسين سنة ضحية كل الأصوليات التي عرفها الوطن، الأصولية القومانية؛ الأصولية العروبية؛ الأصولية البعثية؛ الأصولية اليسارية؛ الأصولية المخزنية؛ الأصولية الحزبية؛ الأصولية اللغوية؛ الأصولية الإسلاموية… هاهي تصبح جلادا، تصبح “أصولية” تهدد الوحدة الوطنية! والحقيقة أن بعض أخطاء الأمازيغيين هو أنهم لا يعرفون كيف يكونون “أصوليين” و”متطرفين” في مواجهة من يهضم حقوقهم بأصولية وتطرف. لقد جنى عليهم جزئيا اعتدالهم وحسن سيرتهم.
لن أساير محمد ضريف في تعريفه الذي أعطاه للأصولية، تعريف وضعه بشكل يزكي تحليله ويتماشى مع التخريجات التي يريد أن يخلص إليها: »… فهذا ينطبق على التيار المتطرف داخل الحركة الأمازيغية الذي يعبر بشكل مكشوف عن عدائه للعنصر العربي وعدائه للعربية، وبالتالي عدائه للإسلام«. سأنطلق من تعريف بسيط، لا فلسفة فيه، لمفهوم “الأصولية الأمازيغية”، وليس “الأصولية” بصفة عامة، تعريف إن لم يكن يشمل كل الأصوليات، فهو ينطبق تماما على “الأصولية الأمازيغية”. فلفظ “الأصولية”، مرتبطا بالأمازيغية، يعني ما يعنيه مدلوله اللغوي لا لأقل ولا أكثر، أي العودة إلى الأصول، الارتباط بالأصول، إحياء الأصول، التمسك بالأصول، الاعتزاز بالأصول… وعليه، “فالأصولية الأمازيغية” ـ إن كانت هناك أصولية أمازيغية ـ هي تلك الحركة التي تدافع عن الأصول الهوياتية والثقافية والتاريخية واللغوية للأمازيغية والأمازيغيين. وبهذا المعنى المحدد لمفهوم “الأصولية الأمازيغية”، فأنا أصولي، نعم أنا أصولي، وفخور أن أكون أصوليا، أي أدافع عن أصولي الهوياتية والثقافية والتاريخية واللغوية وأطالب بالاعتراف بها ورد الاعتبار لها والحفاظ عليها.
فوصف الحركة الأمازيغية ب”الأصولية” ليس ذما وقدحا إذن، بل هو مدح وتشريف لها واعتراف بمجهودها في مجال الدفاع عن أصول وجذوره الوطنية حتى لا تنسى وتموت وتفنى. وليس في هذه “الأصولية الأمازيغية” أية »نزعة ترفض التكيف مع الأوضاع المستجدة استنادا إلى قراءة ماضوية للموروث« (محمد ضريف). لا شك أن الأستاذ محمد ضريف يقصد با”لأوضاع المستجدة” مرحلة ما بعد الاستقلال التي أقصيت فيها الأمازيغية وعرّب التعليم بشكل كادت معه الأمازيغية أن تموت وتختفي نهائيا لولا مناعتها الداخلية العجيبة. هنا اتفق مع الأستاذ ضريف أن الحركة الأمازيغية ترفض بالفعل التكيف مع الإقصاء والاغتيال والاحتقار، لأن التكيف هنا يعني قبول الإعدام بدون ارتكاب جريمة وبدون محاكمة. ف”الأصولية الأمازيغية”، إن كانت فيها عودة إلى الماضي، فليس من أجل البقاء فيه، بل من أجل تجاوز الحاضر والانطلاق نحو المستقبل. فإذا كانت “الأصولية الأمازيغية” تذكّر بأمجاد “يوغرطا” و”ماسينيسا”، فذلك لأنهما نموذج في الوطنية والتضحية من اجل “تامازغا”، وليس من أجل استعادة النظام السياسي والاجتماعي لعصرهما، أو اعتناق معتقداتهما واتباع طريقة تفكيرهما، كما تفعل الأصولية الإسلاموية التي تذكّر بالخلفاء الراشدين بهدف إقامة نظام الخلافة مطابق للذي كان سائدا في عهد هؤلاء الخلفاء الراشدين.
وإذا كانت الحركة الأمازيغية “أصولية” و”ماضوية” لأنها تعتز بأصولها وماضيها الأمازيغي، فإن اليابان وفرنسا وبريطانيا وإسرائيل والصين وإسبانيا… وكل الدول المتقدمة، ستكون إذن بلدانا “أصولية” وماضوية” لأنها تعتني وتعتز بماضيها، وتمجد رموزها التاريخية، وتفتخر بأصولها الهوياتية والتاريخية والثقافية واللغوية، مع أنها رائدة التقدم الاقتصادي والتفوق العلمي والتكنولوجي. فنعْم “الأصولية” و”الماضوية” إذن، هذه التي تجمعنا في بعض المميزات مع اكثر البلدان تقدما.
ثم لماذا نتهم “بالأصولية” لأننا نتمسك بأصولنا وندافع عنها ونطالب بالاعتراف بها والحفاظ عليها، في حين أن أول درس يّلقن للتلميذ في التاريخ يتعلق بأصول العرب: القبيلة بشبه الجزيرة العربية قبل الإسلام؟ أليست ثقافتنا المكتوبة وإعلامنا ومقرراتنا التعليمية كلها تمجيدا لعقبة وموسى بن نصير وخالد بن الوليد وإمرئ القيس وعنترة وجمال عبد الناصر وصدام حسين…؟ أليست هذه “أصولية عربية”؟ أليس من الأولى أن يعرف التلميذ أصوله الوطنية ورموزه الأمازيغية كـ”يوغرطا” ويوبا” و”ماسينيسا” و”كسيلة” ود”يهيا”.. بدل شخصيات ورموز تاريخية أجنبية ومشرقية؟ فمن هو الأكثر “أصولية”: الذي يدافع عن الأصول الهوياتية والتاريخية والثقافية واللغوية للأمازيغية والأمازيغيين، أم من يقصي الأمازيغية بكل مضامينها وأصولها باسم أصول هوياتية وتاريخية وثقافية ولغوية أجنبية؟
في الحقيقة، لا يتهم الحركةَ الأمازيغية “بالأصولية” إلا من يعادي الأصول الأمازيغية؛ ولا يعادي الأصولَ الأمازيغيةَ إلا من ليست له أصول وطني، بل يعرف ويشعر انه “لقيط” لم تنبته هذه الأرض الأمازيغية. لهذا فهو يعمل جاهدا لقطع الجذور والأصول الأمازيغية واستبدالها بجذور وأصول أخرى مشرقية. وأمام إصرار المناضلين الأمازيغيين على بعث هذه الأصول وإحيائها والتعريف بها وتجديد الصلة بها بشكل لا رجعة فيه، أمام هذه النهضة الأمازيغية،لم يجد أعداء الأمازيغية، الذين يعتقدون أن لا أصول لهم بالوطن، إلا نعت هذه النهضة ب”الأصولية” للتخويف والترهيب والتنفير من الأمازيغية، لما تحيل عليه كلمة “أصولية” من إرهاب وعنف وتطرف وفتنة و”دماء”. نقول لهؤلاء: نعم نحن أصوليون لأن لدينا أصولا ضاربة في أعماق تاريخ تامازغا، ولسنا رحلا أو مهاجرين او “لقطاء”. فمن لا أصل له لا فرع له، ومن لا ماضي له لا مستقبل له، ومن »لا يتذكر ماضيه فهو محكوم عليه بأن يعيشه مرة ثانية«. فـ”الأصولية الأمازيغية” لا تهدد الوحدة الوطنية، بل تهدد الأصولية القومانية، والأصولية البعثية، والأصولية الحزبية، والأصولية الشرقانية، والأصولية الإسلاموية.

محمد بودهان

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal