img1.jpg

الخصوصيات الليبية أو ثقافة الذنب والعار (1)

د. محمد الطاهر الجراري

مقدمة:
الهوية هي النواة التي تبنى عليها شخصية الفرد والجماعة وتميزها عن غيرها عبر مجموعة الظواهر والصفات والملامح.

وتـتشكل الهوية من البيئة الجغرافية بكل تنوعاتها ومن المناخ بكل اختلافاته، ومن الدين الذي يكون منظومة القيم التي تصوغ عليها الجماعة أنظمتها وسلوكها وفكرها، ومن اللغة التي هي وعاء الأفكار والمشاعر والرموز وقناة توصيلها من جيل لآخر.

ومن الطبيعي أن تختلف ردة فعل الجماعات الإنسانية المختلفة حيال كل هذه المظاهر الطبيعية والفكرية وكذلك أسلوب تفاعلها مع هذه المظاهر، والذي يشكل في النهاية التراث الذي هو عهدة أو حمولة حضارية وثقافية يتناقلها ويحملها جيل من جيل.

من هنا يمكن أن نقول إن هناك هوية عامة وأساسية يشترك فيها الليبيون مع غيرهم من شركائهم العرب والمسلمين هي الهوية العربية الاسلامية. وخصوصية ضيقة جداً، تشبه خصوصية القطعة داخل اللوحة الفسيفسائية الواسعة، تميزهم عن غيرهم من العرب والمسلمين، فرضتها البيئة الطبيعية المحلية وردة الفعل الإنسانية حيالها. ولكن أهمية التعرف عليها كبيرة لتسهيل تعشيق مفاصل الأمة بشفافية وواقعية وصولاً للتوحد المنشود.

وتحاول هذه الورقة تتبع هذه الخصوصية في الفترة الممتدة من أواخر القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، والتي شهدت التحدي الكبير الذي شكلته الظاهرة الاستعمارية الغربية على هوية الشعب الليـبي وخصوصيته الليبية العربية الإسلامية. وأبسط تعريف للاستعمار هو تضاد بين إرادتين أصلية وغازية، تحاول كل منهما إثبات وجودها على حساب الأخرى(1).

وهذا ما أرادته إيطاليا بغزوها لليبيا سنة 1911، مما استفز الشعب الليـبي واستنفره للدفاع عن ذاته وخصوصيته التي صار من الممكن تبين خطوطها العامة وتحديد بعض معالمها عبر هذه المحنة وتداعياتها.

وتضع الورقة النقاط التالية مسارًا لنقاشها :

الخصوصية السكانية والدينية وخصوصيات المجال البدوي والحضري والخصوصية السياسية متمثلة بنموذجين هما الجمهورية الطرابلسية وفترة عمر المختار.

وتقترح الدراسة لازمتي الذنب والعار كمنطلقين رئيسيين لكل أو جل التصرفات البشرية في ليبيا المتمحور عقلها الجماعي، وفق هذه النظرة، حول الدين الذي يجب أن يقبل بلا كيف والعرف المعقود على قاعدة الاحترام الشديد للأجداد والسلف عموما.

وهي في مجملها انطباعات واستنتاجات شخصية انتقائية حول وقائع وأحداث آثرت أن لا أكرر ذكر أسمائها وأماكنها حتى لا تفهم على أنها حقائق وفضلت إحالة القارىء إليها مباشرة في مصادرها حتى يرى فيها هو رأيه الخاص إيجابا أو سلبا.

خصوصية السكـان :

يكوّن الأفارقة والبربر (الأمازيغ) (2)، العنصر الأقدم توطنا في ليبيا، بعدهم جاء الفينيقيون خلال الألف الأول قبل الميلاد، ثم الاغريق خلال القرن السابع قبل الميلاد، ثم الرومان خلال القرن الثالث قبل الميلاد، ثم الجرمان خلال القرن الرابع الميلادي ثم العرب في القرن السابع الميلادي(3).

وتؤكد الكتابات التاريخية الأوربية أمثال كتابات ستاتيوس Statius القرن الأول الميلادي، وأبوليوس Apuleius القرن الثاني الميلادي، وأولبيان Ulpian القرن الثالث الميلادي، وجيرومJerome توفي في القرن الخامس الميلادي، وبروكوبيوس Procopius توفي في القرن السادس الميلادي، والقديس أوغسطين توفي في القرن الخامس الميلادي، وكاتب كتاب تأريخ الأباطرة الرومان Historia Augusta القرن الثالث الميلادي، وسالوست Sallust القرن الأول قبل الميلاد وترتيليان Turtilian القرن الثاني الميلادي، الأصل الشرقي لسكان شمال أفريقيا وفي أضعف الأقوال قرابتهم السلالية منهم

وهجرتهم من الشرق – الجزيرة العربية وفلسطين – إلى منطقة شمال أفريقيا(4).

والواقع أنه بعد الاستقرار الفينيقي بشمال أفريقيا منذ الألف الثاني ق.م وامتزاجهم الواسع مع السكان خصوصا في المدن والمناطق الساحلية عموما يصعب القول بشمال أفريقيا ذات العنصر الواحد النقي كما أثبتت الوقائع التاريخية فيما بعد(5).

فالتمازج السكاني كان قويا لدرجة أن الإمبراطور سبتيموس سيفيروس، كنموذج عسكري وسياسي، والقديس أوغسطين، كنموذج فكري، كانا ليبيين أصيلين يتحدثان. الفينيقية كلغـة قومية ويتصرفـان بعاطفة وطنية زائدة تجاه وطنهم ليبيا – شمال أفريقيا – وقومهم الليبيين بربرا كانوا أم أفارقة أم فينيقيين أم مزيج منهم جميعا.

وقد استمر هذا التمازج قويا على كامل المنطقة باستثناء المناطق الجبلية الداخلية المعروفة بطبيعتها المحافظة أينما وجدت في العالم. وقد مهد هذا التمازج التاريخي الطويل الأرضية للإسلام وحملته من العرب والعربية مما سهل التقاء العنصرين ووحدهما جميعا تحت راية الرسالة الجديدة وحمسهما – عربا وبربراً وأفارقة- لنشرها في بقية الأصقاع وما طارق بن زياد إلا نموذج فقط.

وتدعم هذا الاتجاه الأدلة التاريخية من آثار ونقوش ونقود، أغلبها ترى أن الأهالي في ليبيا وحتى القرن الخـامس الميلادي كانت لغتهم الشائعة هـي : اللغة الفينيقية(6) وبعدها صارت العربية.

ويزيد الواقع الاجتماعي والفكري واللغوي وحتى الشكل الجسدي من تدعيم هذه الأدلة التاريخية فكلا العنصرين العربي والبربري ذوا طباع اجتماعية متقاربة في التمسك بالخصوصيات الضيقة والاعتزاز بها حتى ولو كان على حساب الكليات أحيانا وذلك كله في إطار مفاهيم ضيقة لديمقراطية الطباع والتصرفات التي يبلغ حبهم لها وتمسكهم بها درجة الأنانية المفرطة والضارة أحياناً. وحور الاثنان مفاهيم الشورى الإسلامية الرائعة إلى ديمقراطية مدجنة وبسيطة تقوم على الأخوة والقرابة والمعاشرة المباشرة أو المعرفة والجدال الذي غالبا ما يحسم بالتراضي(7) الأبوي. ويتساوى العنصران في اعتزازهما العفوي وغير المركب بقيم الفروسية والحكمة والحرية الملتزمة بحدود النظام الأبوي الصارم.

أما الميل الديني الممتزج بقداسة الأجداد وبالأضرحة والخرافة فهو أصيل عند الفريقين اللذين يتكلمان لغة تتميز بحروف حلقية مثل القاف والعين والضاد.

ويعدد البكري أسماء عدد من القبائل العربية التي سبقت بني هلال وبني سليم في الاستقرار بالشمال الأفريقي، ويؤكد هذا التوجه المؤرخ الفاسي الشهير على ابن أبي زرع في كتابه ” الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية ” والذي أورد فيه وثيقة تعود لسنة 80ه/699م، وهي عبارة عن حوار (8) جرى بين حسان بن النعمان أحد قادة الفتح الإسلامي بالمغرب (مُتوفَّى سنة 705م) وشيوخ قبائل زناتة الذين خاطبهم حسان بقوله : ” يا معشر زناتة أنتم إخواننا في النسب فلم تخالفوننا وتعينون علينا أعداءنا؟ أليس أبوكم بر بن قيس عيلان ” ؟ فردوا عليه قائلين : بلى. ولكنكم معشر العرب تنكرون لنا ذلك وتدفعوننا عنه فإذا أقررتم بالحق ورجعتم إليه فاشهدوا لنا به على أنفسكم ” ثم اجتمع أعيان قيس وأشراف زناتة ووقعوا وثيقة إخاء وصلح تؤكد الأصل المشترك للفريقين.

ويزكي هذا الاتجاه أن كل دول شمال أفريقيا البربرية العنصر اتخذت لنفسها أسماء عربية واستخدمت اللغة العربية في دواوينها وتعاملاتها ومن هذه الدول دولة بني الخطاب من قبيلة هوارة وعاصمتهم زويلة بفزان واستمروا يحكمون المنطقة من القرن العاشر إلى الثاني عشر الميلادي ومثلهم المرابطون والموحدون والمرينيون وسواهم كثير.

وقد ساعد الإسلام كثيرًا على صهر العنصرين كما إن التطابق والتكافؤ في المستوى الحضاري قد شجع التمازج بينهما وزادت الظروف الجغرافية من إلزامية الانصهار بين الشركاء على التراب الليـبي وذلك لأنها فرضت، خصوصا على شريحة التجار وخدماتهم، انفتاحا قسريا بسبب طرق القوافل التي ألزمت الكثير من السكان بضرورة التعامل مع الغريب ونقل تجارته بين الشمال والجنوب والشرق والغرب والعكس. وتمثل ليبيا أيضا منخفضا واسعا بين مركزي الحضارة في مصر وتونس شجع على الاستقرار فيه انعدام السلطة المركزية القوية مما يقلل من فرص المقاومة المنظمة ضد القادمين، وخير دليل على ذلك هجرة الهلاليين والسليميين، خلال القرن الحادي عشر الميلادي، الذين استوطنوا المنطقة وزادوا من تأكيد وحدتها السكانية ويكونون الآن القاعدة السكانية البدوية (9) في ليبيا وتكون صنهاجة وزناته الأساس السكاني للقسم البربري بينما يكون القريشيون (الأشراف وغير الأشراف) والأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج وبقية الأعراق القاعدة الحضرية، وإلى جوارهم توجد جماعة الكوروغلية وهم أبناء الجنود الانكشارية والرقيق الأبيض من زوجات أو أزواج ليبيين، وقد أعطيت لهم عدة امتيازات زمن الحكم العثماني مما دفع البعض لادعاء الانتساب لهم.

كما أن نسبة الأفارقة زادت خلال القرون الأربعة الأخيرة نتيجة لازدياد التجارة الصحراوية وجلبهم للعديد من الأفارقة الذين استوطنوا البلاد وتمازجوا مع بقية المواطنين وكونوا جزءا من التركيبة السكانية لليبيا، يضاف إلى هؤلاء اليهود حتى النصف الثاني من القرن العشرين وأيضا الكريتيون ذوو الأصول اليونانية.

شهد القرن الخامس عشر والسادس عشر حركة سكانية واسعة زادت من الاختلاط السكاني الليـبي وتجانسه. وذلك نتيجة للنشاط العسكري والتجاري الأوروبي بأسبانيا وشواطىء الأطلسي والمتوسط وتغير طرق القوافل اضطر الكثيرون من سكان أسبانيا والمغرب إلى التزحزح جنوبا وشرقا طلبا للأمان والاستقرار فهاجرت جماعات من مسلمي الأندلس إلى شمال أفريقيا واستقر بعضهم في تاجوراء، ودرنة، وإلى تلك الفترة يعود استقرار قطاع كبير من السكان الذين يطلق عليهم مرابطون كأشراف ودان وما تفرع عنهم وحضيرات سبها ومرابطي الشاطىء من ذرية عبدالله سبال العين الجداوي الأنصاري وغيرهم كثير(10).

وفي نفس الفترة بدأت جماعات من مصراتة وتاجوراء وزليطن ومسلاتة وغيرها من المدن والواحات والقبائل الهجرة والاستيطان في بنغازي ودرنة وطبرق والمرج وطلميثة وسواها من المدن والمستوطنات.

وفي بعض الأحيان تبنت السلط الحكومية جهد مزج السكان بترتيبات رسمية مثال ذلك ما وقع زمن ولاية علي رضا باشا سنة 1869 الذي قام بجمع مواطنين من الزاوية والجبل والمنشية ومن مدينة طرابلس وحملهم في سفن ومعهم مؤن واتجه بهم إلى مناطق بومبة وتوكرة وطبرق وهناك أمّن لكل أسرة بضع رؤوس من الماعز وعفاهم من الضرائـب وقـدم لهم مساعدة ماديـة

قدرها عشرون (20) قرشا وحبوباً وأمّن لهم مساكن قامت الدولة ببنائها(11).

وقد زادت وسائل المواصلات الحديثة واتساع المدن وانتشار التعليم خلال القرن العشرين، من اختلاط السكان وتجانسهم الذي وجد في الدين واللغة خير دعامتين لتقويته وترسيخه علاوة على تطابق الظروف المعيشية والاجتماعية مما دفع أوغسطيني إلى القول : ” في جماعات العرب والبربر تنوب البـداوة (حياة الترحـال) عن العاطفة أو الشعور الإقليمي نحو تلك القبيلة أو الجماعة. لهذا لا يجب تناول شجرة تلك القبائل من الجانب الحرفي فقط لأنها في الواقع لا تمثل، (حسب) وجهة نظرنا حاليا سوى مجموعات عرقية (اتـنوغرافية) متماسكة الأصول المتفرعة، بحيث أصبحت طبقا لقاعدتي الجوار والإقامة عبارة عن جماعة ذات ظروف تاريخية مشتركة وميول سياسية استطاعت أن تقرر نوعا من التحالف أو التنافس الوراثي “(12). وعليه يمكن القول بكثير من الواقعية إن التركيب السكاني في ليبيا خلال الفترة المقصودة بالدراسة قد فقد مضمونه العرقي السلالي المتشدد وتحول في كثير من الأحيان وحتى داخل القبيلة والمنطقة الواحدة إلى مجرد مصطلح إداري أو اجتماعي يوحى بترابط اجتماعي مصلحي أكثر منه عرقي وذلك بدليل أنه داخل القبيلة الواحدة أو التجمع السكاني الواحد يوجد أكثر مـن عنصر وسلالة تلتف كلها حول مسمى جغرافي أو بشري قد لا يمت لكثير منهم بصلة، لكنهم يلتفون حوله ويتعصبون له لأسباب اجتماعية أو اقتصادية أوسياسية (13).

الخصوصية الدينية :

إذا كانت العنصرية العرقية الإغريقية وقوانين المواطنة الرومانية الصارمة قد حالت دون التفاعل العنصري والفكري بين الليبيين وكل من الإغريق والرومان والبيزنطين فإن العرب وهم حملة الدين الإسلامي قد فرض عليهم تمثل هذا الدين السماوي بين الأجناس فكرا وعملا خصوصا مع التماثل الكبير بينهم وبين من سبقهم من الليبيين في العادات والتقاليد والصفات النفسية والاجتماعية والأعراق مما سهل التمازج والتفاعل بين الفريقين. وقد صهر الدين الإسلامي الجميع في بوتقة روحية سامية قوامها أن لا فرق لعربي على غيره إلا بالتقوى. مما سهل عملية الامتزاج العرقي بين عناصر المجتمع المختلفة المستظلة جميعها بظل الإسلام المالكي أو الأباضي غير العنصري بدليل أن المالكية قد شقت طريقها حتى بين العديد من القبائل الكبيرة والمؤثرة من ذات الأصول البربرية والعكس صحيح.

وعموما فإن الأكثرية الساحقة في ليبيا تعتمد في تشريعها على التأويل المالكي مما يعطي تفسيرًا لقصيدة ابن عاشر التي يقول في أحد أبياتها :

عقيدة الأشعري وفقه مالك وطريقة الجنيد السالـك

واعتمدت المالكية في نظرتها على العقلانية ومحاربة البدع مما ساعد في فترات تاريخية معينة على انتشار طرق إصلاحية دينية كالسنوسية التي تشبه الوهابية في محاربتها للبدع والخرافات.

وكتاب الإسلام هو القرآن المكتوب بالعربية وهذا يفسر تمسك الشعب الليـبي باللغة العربية كطريق موصل لقراءة القرآن وتفسيره حتى صار حفظ القرآن وعلومه هي عماد الحياة الثقافية المتمركزة حول الجامع والكتاب وانطلاقا من القرآن وعلومه برز علم التصوف الذي نشر الأضرحة والزوايا في كل زاوية في البلاد الليبية(14).

وعم الفكر التصوفي في ليبيا حتى صبغ الحياة كلها بما ينسجم مع شح الموارد والظروف الطبيعية الصعبة وتكوين البشر، فصار مفهومها قائما على الزهـد فيها وعـدم الاهتمام بمظاهرها الخارجية والاستعداد ليوم الحساب في الآخرة، وعلى هذا الأساس نظر إلى المظاهر الحضارية على أنها قيود تحيل الإنسان إلى عبد للظروف الخارجية بينما الأصوب، ووفقا لتأويل العقل الجماعي الليـبي للدين، هو حرية الإنسان وخلاصه من استعباد الظروف الخارجية حضارية كانت أو جسدية.

هذا التأويل التقشفي للدين والحياة وغير المتوازن أحيانا بين خيري الدارين ساعد كثيرا على التصدي للغزو الخارجي وخاصة للاستعمار الإيطالي فيما بعد وقد لخص أحد قادة المرحلة هذا المفهوم التضادي بين الإيطاليين والليبيين بقوله : ” إن الحضارة التي يريد الإيطاليون إدخالها إلى بلادنا تجعل منا عبيدًا للظروف، ولذا وجب علينا أن نحاربها فهي تبالغ في إضفاء الأهمية على قشرة الحياة الخارجية – كالتقدم الفني والآلي مثلا – وتعتبر مظاهر الأبهة والسلطان معيارا للحكم علي قيمة الفرد والأمة في حين تستهين بالنمو الداخلي للانسان”(15).

وقد استعين بالدين في تأطير الأدوار الاجتماعية وتحديدها بما يتناسب والأعراف في كثير من الأحيان وكلما كان ذلك ممكنا. خصوصا فيما يتعلق بالمرأة والرجل دورًا ومكانة. فبداية وكأي جماعة بشرية تعيش في محيط جغرافـي ومناخي صعب تصبح القوة العضلية والفحولة شرطين لازمين للحياة. مما ينعكس سلبا على مكانة المرأة وواقعها. وترتب عليه ضعف في دور المرأة وتقليل من مكانتها عكسته كل الأعراف والقيم الاجتماعية الليبية التي استعانت حتى بالدين للتمكين لمفاهيمها المعظمة لدور الرجل وتحويطها بهالة من القدسية والشرعية واستلت من المصحف الشريف كل ما يدعم الدور الرجولي ويشبع غروره العضلي رغـم وضوح الدين في المساواة الفكرية شبه التامة بين الرجل والمرأة. يقول تعالى ” والمؤمنون والمؤمنت بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهوْن عن المنكر ويقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله ان الله عزيز حكيم” (16).

كما أثر الدين في نظرة الليـبي للحياة وتأطير أدوار فئاته الاجتماعية أثر ايضا في تركيبته فأوجد شريحة اجتماعية جديدة تستند في بقائها على المرجعية الدينية وهي جماعة المرابطين التي ضمت قطاعا واسعا من الشعب الليـبي وكان لها دور فاعل في حركة المقاومة للاستعمار الإيطالي. لهذا لابد من التعرف السريع على بداياتها وتفرعاتها وآثارها.

هناك ثلاثة أنواع من المرابطين وهم مرابطو نسب ومرابطو بركة ومرابطو تحالف أو “صدقان” أو صف، لأنهم حلفاء القبائل الكبيرة وأصدقاؤها المرتبطون معها بحلف تقوم القبائل الثانية بموجبه بتوفير الرعاية والدعم اللازم للمرابطين “الصدقان” وقت الحروب والمنازعات وتوفير المواد الغذائية لهم أثناء المجاعات وفي المقابل تقوم القبائل المرابطة بتوفير الضيافة للقبائل العربية والإعالة وصرف الأجور والإقراض من الحبوب والحيوانات(17).

ولا يتمتع هذا القسم من المرابطين بالإعفاء الضريبي من قبل الدولة العثمانية (18).

أما القسم الثاني من المرابطين فيعودون في نسبهم إلى رسول الله r ويلتمس منهم البركة لهذا النسب ويسمون بالأشراف.

وأما القسم الثالث والأخير من المرابطين فهم مرابطو البركة المشهود لهم بالتقوى والصلاح والسلوك المستقيم في المجتمع ويمثـلون تنوعا عرقيا ناجما عن انصهار العناصر الرئيسية بالمنطقة مع العرب. وقد اتخذت جميعها الحضارة العربية الإسلامية إطارا مرجعيا لها وفي حين التزم البعض بمبادىء الحياة المستقرة اتخذ البعض القبيلة شكلا تنظيميا يتمحور حول نسب واحد اصطلاحي أو حقيقي. وأغلبهم ينتمون سلاليا إلى أحد الأولياء الصالحين الذين يعود نسبهم في الأغلب إلى أحد الحجاج القادمين من الغرب الجنوبي وبالذات الساقية الحمراء وذلك ابتداء من القرن الرابع عشر، ومع تفاقم الخطر الأوروبي في منتصف القرن الخامس عشر وعجز الدول الإسلامية القائمة عن صدّه انتشرت ظاهرة التصوف الجهادي وتأسيس الرباطات والزوايا لمقاومة الكفار ونشر الإسلام، وهكذا تأسست دولة أولاد محمد الشريفة بفزان (19)، ودعمتها زاوية المرابطين الحضيريين بسبها وزاوية المرابط عبدالله الجداوي الخزرجي الأنصاري بمناطق الشاطىء وفي الشمال تمكن العثمانيون من طرد المسيحيين وتولوا بعد ذلك مهمة الدفاع عن الشواطىء الليبية وغيرها عوضا عن المرابطين وزواياهم(20). لكن الزاوية لم تختف وقد تكيفت مع الوضع السياسي الجديد واقتسمت الأدوار مع العثمانيين فأعطيت نصيبا مهما في الناحية الاجتماعية والثقافية كفض المنازعات القبلية وتوطيد العلاقات الطيبة بين شرائح المجتمع وافتداء الأسرى وإيواء اللاجئين وإطعام الفقراء والمساكين وتأمين الحد الأدنى من التعليم لسكان المناطق البعيدة والمهمشة واستقبال الحجيج وتسهيل مشقة سفرهم للبقاع المقدسة(21). ويدخل في دور الزاوية حماية الفارِّ والمطارد من الدولة، ودخوله للزاوية يعني احتماءه بحرم مقدس يمنع الدولة من الوصول إليه أحيانا وقد أعفت الدولة العثمانية هذه الفئة من الضرائب والالتزامات الحكومية الأخرى بما فيها التجييش. واستمر هذا الوضع المتميز للمرابطين وزواياهم حتى منتصف القرن التاسع عشر عندما بدأت الدولة تغيير نظامها الإداري وإدخال تشريعات حديثة عليه. وتمشيا مع ذلك حاول المرابطون تجديد أنفسهم وأدوراهم وزواياهم عن طريق اعتماد فكرة إحياء المفاهيم الإسلامية وتجديدها والمساهمة في محاربة الغزاة الأوروبيين الذين عجزت الدولة المركزية مرة أخرى عن إيقاف اعتداءاتهم على الديار الإسلامية(22) فتأسس العديد من الزوايا أهمها بليبيا زاوية محمد بن علي السنوسي التي استطاعت استقطاب العـديـد من الفـئات من المناطق المختلفة (23). وعن طريقهم استطاعت أداء دور أساسي في الحياة العامة في الفترة تحت الدرس حتى تمكنت في النهاية من اختراق الجماعات القبلية والمدنية وأن توصل مفاهيمها ومبادئها داخل المدينة ونخبتها وتجاوزت كل ذلك إلى الحكم وتكوين النخبة السياسية التي تسلّمت السلطة في البلاد وبالكامل بعد سنـة 1950م وتركزت حولها السلطة السياسية والدينية وصارت ليبيا كلها محكومة من قبل الزاوية إلى حين قيام الثورة سنة 1969م(24).

يتبع…

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal