img14.jpg

الشعب الذي قاوم العولمة منذ ثلاثين قرنا

ألحت عليّ ابنتي الصغرى كي أرافقها إلى قرى البربر في جبال مطماطة. كانت تبحث في موضوع إبداع الطفل في مجال اللًّعِب والألعاب. ابنتي هذه تُدَرّس فنون الأشكال Design produit بمدرسة الفنون الجميلة. وكانت ترجو من زيارتها لتلك القرى أن تتأكد من بلورة الفكرة التي دفعتها لاختيار هذا الموضوع الصعب والطريف، إذ لم تجد أبحاثًا كثيرة في هذا المجال. وتتمثل أطروحتها في أنّ طفل المدن الحديثة، خلافا لطفل القرى النائية، يفتقر إلى الإبداع والاستنباط في لَعِبه وألعابه.

حللنا بتلك الجبال الجميلة، وكانت في أبهى حلتها بعد أن هطلت عليها أمطار الربيع وازدانت ببعض الحشائش، غطّت اصفرارها الأبدي. قصدنا إحدى القرى، وكم كانت خيبتنا كبيرة عندما وجدنا أنّ جل سكانها هجروها، لكن البلدة ظلّت شامخة، تحطّ بيوتها المتراصة على صخور الجبل الأملس، مكدّسة بعضها على بعض. كان لي هناك صديق عاكف على قمّة الجبل، جاعلا من بيته القديم متحفا للسياح، وقد جمع فيه أشياء كثيرة تذكّر بتاريخ القرية، وتشهد على مدى رقيّ سكانها القدامى. أدوات من الموادّ الطبيعيّة كانوا يصنعونها بأيدهم، ويستعملونها في حياتهم اليومية قبل أن تزحف عليهم الحضارة العصرية بأدوات وآلات لم يراع صنّاعها لا اختلافات المناخ ولا أصول الحضارات. أدوات صناعيّة من البلاستيك تفتقر إلى أبسط قواعد الذوق الحضاري السليم.

كان صاحبي شابا في الثلاثين من عمره، لكنه يمتلك معرفة وفهما وممارسة تفوق سنه. عندما شرحنا له الموضوع، تنهد وقال:
– لا يوجد أطفال في قريتنا، رحلوا مع أهلهم إلى المدن.
– ومن يقطن القرية؟
– بعض العجائز والشيوخ الذين ظلّوا متشبثين بالأرض إلى يوم رحيلهم عن الدنيا.
كانت القرية تشبه الحصن، لا يمكن للزائر الغريب التنقل داخلها، فأزقتها تلتوي على بعضها البعض، تصب أحيانا في منحدر خطير، وأحيانا أخرى تؤدي إلى أزقة مسدودة، أو أبواب عريضة مصنوعة من خشب النخيل مهترئة. وقد شرح لي صديقي كيف أن كل بيوت القرية يؤدي بعضها إلى بعض من خلال دهاليز محفورة بين البيوت تكون مداخلها سرية لا يعرفها إلاّ بعض شيوخ القرية، وتلك الدهاليز تؤدي إلى نفق طويل يبتعد عن القرية بضعَ كيلومترات. وعندما سألته:
– لماذا كل هذا العناء؟
– لأن سكانها كانوا من الأمازيغ.
– تعني البربر؟
– هذه الكلمة دخيلة علينا، نحن شعب الأمازيغ أي الشعب السيد.
– وما دخل الأمازيغ في هذه الهندسة الغريبة؟
– ما أن تضعف حضارة حتى تبتلعها حضارة أخرى. تلك سنّة الحضارات منذ النشأة. شعب الأمازيغ كان عرضة منذ بداية التاريخ إلى زحف الحضارات الغازية، ولكنه رفض أن يُبتلع.

أعدت سؤالي مازحا:
– ولماذا كل هذا العناء؟
– لأنكّ لن تُبْتَلع إذا ظللتَ تمتلك ما يميزك عن غيرك.
شعبنا عريق، وعراقته في لغته التي تحدّت كل الحضارات العاتية: فينيقية، لاتينية، وندالية، بيزنطية، عربية، فرنسية. لقد أخذ الشعب الأمازيغي من كل هذه الحضارات دون أن تبتلعه لأنه عرف كيف يحافظ على لغته، فتميز عن تلك الحضارات وأصبح سيد نفسه.
– وهل يصمد شعب الأمازيغ أمام زحف العولمة؟
كان بيت صديقي على قمّة الجبل، نظر إلى الأفق، ثم أعلن:
– سأصاحبكم إلى قرية تبعد بضعَ كيلومترات عن الطريق الرئيسية، وسترون كيف أنّ الأمازيغ ما زالوا يمارسون نفس وسائل الدفاع عن وجودهم.

انتقلنا إلى قرية توجد على أحد المرتفعات الكثيرة المنتشرة على امتداد البصر، وهي جبال مطماطة، تنطلق من مشارف شط الجريد بقبلي إلى قلب الصحراء بليبيا، وجل سكانها في الماضي القريب كانوا من البربر أو الأمازيغ كما يحلوا لصاحبي تسميتهم. كانت الطريق ضيقة ووعرة، بعضها يغطيه الإسفلت والبعض الآخر مفروش بالحصباء، وكانت البيوت القصيرة المبنية بالحجارة الرملية التي تعترضنا من حين لآخر لا توحي بوجود بشري.

سألت صاحبي عن سر هذا الصمت في هذه البيوت، فقال:

– رحل سكانها إلى المدينة لكنهم يعودون إليها في الصيف. لا بد للأمازيغي من العودة في الصيف حيث تقام الأعراس، وزيارة الأولياء، ويتعرف الشبان على زوجات المستقبل، الأمازيغي الحر لا يتزوج سوى أمازيغية، ولو أنّ بعضهم أخذ يتخلى عن هذه العادة.
بعد عناء كبير وصلنا القرية الجاثمة على قمّة الجبل. لم تكن تختلف كثيرا عن القرى الجبلية الأخرى: أزقة ملتوية وبيوت قصيرة، بعضها مبني بالإسمنت وله هندسة عصرية لا تتناسب مع مجموع هندسة البيوت الأخرى – ربما أخذ الزحف الحضاري يطول البيوت قبل أن يطول اللغة – وعند ساحة القرية توقفنا أمام دكان العطار، حانوت يعرض صاحبه فيه كل ما يلزم من المواد الغذائية. تحدّث صاحبي إلى الدكانيّ بلغة البربر التي لا أفقهها، فرحب بنا، ثم طلب من أحد الأطفال أن يصطحب ابنتي إلى أحد البيوت حيث قامت بأبحاثها.

ظللت بالدكان ما يقارب الساعتين أترقب ابنتي، ورأيت كيف أنّ كل سكان القرية يتخاطبون بلغة البربر بينهم بينما يتكلمون معي باللغة العربية. سألت صاحب الدكان عن سرّ معرفة كل السكان للغتين، البربرية والعربية، فأجاب أنّ الطفل الأمازيغيّ يتعلّم لغة أمه، ثم يتعلم العربية بالمدرسة، أما الكبار الذين لم يذهبوا إلى المدارس فيتعلمونها عندما يهاجرون إلى المدن. سألته:
– هل في القرية من لا يعرف العربية؟
– العجائز والنساء اللاتي لم يغادرن القرية. أما الرجال فيتقنون العربيّة.

في الحقيقة لم أفهم لماذا تصرّ هذه المجموعات الصغيرة على الاحتفاظ بلغتها، في الوقت الذي يعلم الجميع أنها لم تكن قطّ مهددة في كيانها. لا يوجد عرق بربري، فقد اندمج البربر منذ انتشار الإسلام في هذه الربوع في الحضارة العربية الإسلامية، بل أنّ جل الدول الكبيرة التي حكمت المغرب العربي كان أصحابها من أصول بربرية، وحتى العربية التي يتكلّم بها أغلبية سكان شمال إفريقيا متأثرة في نطقها وفي بعض تراكيبها باللغة البربرية. ولم يسجل التاريخ أحداثا كبيرة وقعت بين البربر والعرب. ولم يقع منع اللغة البربرية في أي فترة من فترات تاريخ هذه الربوع حتى تقع ردّة فعل لتتشبث هذه المجموعات بلغة ليست لها كتابات هامة، ولم تنتج أدبا ذا قيمة. إذن لا بد أنّ شيئًا في طبيعة البشر يدفعهم إلى حماية لغة الأم.

إنّها الأم يا سيدي ! إنها حامي اللغة والعادات والثقافة الشعبية. ثم إنّ اللغة عنصر من عناصر شخصية الفرد والمجموعة. اللغة هي في الآن نفسه حميمية وعامة، وهي اللحمة التي تقوي أواصر المحبة والإخاء والانتماء داخل المجموعة. وصيانة اللغة هو واجب مقدس لأنه بدونها تتلاشى تلك اللحمة وبالتالي تتفتت المجموعة. وهذا ما فهمه البربر منذ آلاف السنين. وهذا ما يجب أن يفهمه اليوم مستعملو الخليط اللغوي العربي الفرنسي الذي لا طعم له ولا رائحة ولا معنى. نسمع في شوارعنا وفي محلاتنا العمومية في كثير من بلدان شمال إفريقيا لغة من هذا القبيل يتحدّث بها بعض الشباب وبعض المثقفين، ودخلت في لافتات الإشهار وحتى في بعض الإذاعات غير المسؤولة، أو لنقل الجاهلة بهذه القضية.

اللغة كائن حي ينمو ويتطور بطريقة طبيعية، ولا أعتقد أنّ لغة أي شعب بحاجة إلى عباقرة حتى تنمو وتبقى ما بقي ذلك الشعب، وهذا ما برهن عليه البربر وشعوب أخرى في أصقاع كثيرة من العالم، كشعب الباسك الذي يعيش بين فرنسا وإسبانيا، والذي حافظ على لغته منذ آلاف السنين، وهي اللغة المختلفة عن اللغة اللاتينية وحتى عن الهندوأوروبية.

لسائل أن يسأل إن كان وراء التخاطب بهذه اللغة الهجينة مشروع عولمي يسعى إلى الزحف على شخصيتنا فبدأ بإلباسنا زيا لم نكن نلبسه، وسرب لنا عادات لم تكن منا، وها هو اليوم يبعث في لغتنا فيروسا ربما يصيبها بالوهن فتعجز عن اللتعبير عن إرادتنا، لأنه في آخر المطاف يريد أن يصل إلى سلبنا تلك الإرادة التي تجعلنا نصرخ من حين إلى آخر بأننا لن نرضخ دائما، ولن نُبتلع.

اكتشفت حقيقة مقاومة البربري للغزو اللغوي. كانت المرأة تقف سدا منيعا لتصون لغة الأجداد، وتغرس في الأجيال المتلاحقة حب اللغة، وحب الأرض، وبذلك رسّخت إنسانية البربري الذي عاشت لغته آلاف السنين، وما زالت تعيش إلى اليوم رغم كل الهجمات الشرسة عليه وعلى لغته. تحية إعجاب لتلك المرأة البربرية المناضلة في صمت، وراء جدران البيوت الجبلية المحفورة في الجبل، وداخل الأحواش المطماطية التي لا مثيل لهندستها في العالم.

الغريب أنّنا في تونس لم نعِ بعد أنّه علينا حماية هذه اللغة. الغريب أن نرى لغات بعيدة عنا كل البعد مثل اليابانية والصينية والروسية تُدرّس في معهد اللغات، ولا نرى البربرية التي ناضل أصحابها وهم من بني جلدتنا من أجل أن تبقى نقية يتحدث بها الطفل والشيخ، متروكة بين جبال وشعاب مطماطة ربما تزحف عليها صحراء العولمة في يوم من الأيام فتدفنها في الرمال.
آن الأوان أن يخصص قسم لدراسة اللغة البربرية في بلادنا كما هو الشأن في الجزائر والمغرب.

قرأت في تقرير لليونسكو أنّ ما يقارب الألف لغة قد ماتت منذ أن حكمت لغات أوروبا الاستعمارية أصقاعا كثيرة في العالم. موت لغة يعني أكثر من موت فصيلة من الحيوانات، إنه موت جزء من عبقرية الإنسان. وكما عملنا على تخصيص محميات لإنقاذ بعض الحيوانات المهددة بالانقراض، علينا أن نحمي اللغة البربرية في تونس. فهي جزء من ثقافتنا وشخصيّتنا.
عمل لا أظنه صعبًا على جامعتنا.

بقلم الكاتب التونسي \ الهادي ثابت
http://tunisie10.wordpress.com/2008/02/

هذه المقالة تحتوي على تعليق (1)

تعليق واحد ل “الشعب الذي قاوم العولمة منذ ثلاثين قرنا”

  1. سماعيا says:

    العقل عندما لا تحجب عنه الاديولوجية الدينة والسياسية والمداهب القومية الروئية فانه يكفي لطفل ان يقوده الى الحقيقة.

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal