img3.jpg

قدسية الأمومة

هذه قصة الأسطورة نانا تالا كما كتبتها العالمة الفاضلة زعيمة سليمان الباروني، وهي مطابقة لتلك القصة التي أخبرتنا بها أمهاتنا وجداتنا إلا أن عالمتنا الفاضلة قامت بسردها بشكل مفصل ورائع، وقد أعطت لـ نانا تالا اسم سليمة كما هو واضح من القصة ومع ذلك فان هنالك أقوال أخرى على نانا تالا ولكنها مشابهة لنفس الحكاية حيث يرى بعض الباحثون أنا نانا تالا هي امرأة كانت قبل الإسلام وكانت نصرانية على الدين المسيحي على عكس ما نقراه في هذه القصة التي تخبرنا أنها مسلمة.
ومن القصة نلاحظ بعض عادات أهل الجبل حيث كانوا يرحلون أثناء المواسم الزراعية إلى مزارعهم البعلية والى الجفارة في مواكب بل مهرجان زراعي حيث الأقارب وبالأخص أبناء العمومة “- لان مزارعهم تكون بجنب بعض نتيجة لتوارت الأرض عن الأجداد-” يذهبون مع بعض مثلا إلى الطاهر في أيام الصيف وبالأخص أوسو حيث التين أو الكرموس ” ئيمطّكن ⁄ تازارت” يكون قد نضج، أو أثناء موسم الحصاد، وتكون “تسارفت” غالبا هي منزلهم أثناء تلك الرحلة والتي هي شبيهة بالكهف إلى أنها تكون عادة تحت سطح الأرض في مكان منبسط وتحتوي على درج “ئتدرييوين” في مدخلها، وقد تحتوي أيضا داخلها على بعض الغرف.
واليكم القصة كما هي مأخوذة من كتاب ” قصص الفكر القومي” للعالمة الفاضلة زعيمة الباروني:
بينما كان الشاب ميلود داخل للقرية من جهة الوادي الفسيح، وعلى كتفه كنبوت صغير مملوء بالتين اللذيذ، سمع ضجة، فعرف من البعض أن هناك جملا لأحد الأعراب، يتقاولون على نحره واقتسامه، كعادة أهل القرى الجبلية في طرابلس الغرب من قديم الزمان. فقال الشاب لأحدهم: كنت بكرت اليوم لبستان لي بعيد، للخدمة فيه، لأنه محتاج للتصليح، وأشعر بالتعب، ولكن سأعود إليكم فاذكرني للجماعة.. قال هذا. ثم وضع “الكنبوت” فأخرج منه حبات من بواكر ” التين الخضراوي” الملقح، فتناولها الرجل المسن شاكرا ولسان حاله يقول: غلة ابن الحلال! هنيئا لأمك الصبورة ثبت الله أجر مسعاها، وهداك للبر بها. ثم أردف: سآخذها إلى حفيدتي لأنها عينة مباركة. قال هذا فأخرج من رباط جرده الاشخم النظيف منديلا كبيرا ربطها فيها وابتعد مسلما.
وصل ميلود إلى منزله الصغير في وسط القرية والشمس لا تزال واهية الحرارة، وقرية ” أقطرس” القديمة الوجود، القليلة السكان في الأجيال الأخيرة، هادئة أكثر من كل وقت، لذهاب أكثر أهلها إلى موسم التين في بساتينهم المتفرقة على جنبات الأودية القريبة، وأطراف الجبل المتسلسل.
حيا والدته الوقورة كعادته، ودخل حجرته، فكانت والدته جالسة على دكة صغيرة في جانب الفناء النظيف، تذكر الله وتشكره كعادتها في أيام الجمعة حيث لا عمل لها من أعمال الغزل والنسيج، وبعد الفطور، وخروج ابنها وقد أكلوا من التين ما سرهم، قالت الزوجة الشابة لحماتها: مار أيك يا خالة، إنني أحبذ الذهاب إلى ” الغسيل” والرجوع قبل فوات موعد طهي العشاء فوافقت محبذة، لأنها أبدلت رداءها الأبيض الوحيد، وغطاء رأسها، وعباءتها، فوضعتها أمامها وقالت: في رعاية الله يا بنيتي! فخرجت الشابة النشيطة مسرورة، إلى النبع الصغير الذي كان مزدحما بأمثالها كما هي العادة في أيام الجمع من فصل الصيف.
كانت السيدة سليمة هادئة الطبع وقورة، طيبة القلب ترملت في سن مبكرة، ورفضت الزواج ثانيا لئلا تترك وحيدها، يتيما من الجانبين، فحدبت عليه تربيه، وتدير له أملاكه المحدودة، فكانت صناعة الصوف قوام حياتهما لأنها امرأة مجدة، متقنة في عملها، ولأمر ما أخذها الوجوم فمرت بذاكرتها صفحات الماضي- في ذلك اليوم- فاستعرضتها جميعا.. فكم شقيت بعد زوجها الطيب القلب! إلى أن بارك الله في وحيدها فأصبح رجلا، وزوجا، وأبا لبضعة أطفال، وقد اشتهر بحسن السيرة، والجوار، قانع، هانيء البال دائما ولله الشكر. فوجدت كأن رسالتها قد انتهت وان كانت لا تزال في ردائد الخمسين وقد عم الشيب شعر رأسها وأخذ جسمها السليم- بعزة الله- يضعف، وتعجز عن العمل الشاق، ولأمر ما آلمتها هذه الذكريات، وفي شبه عتاب بينها وبين نفسها، وجدت: أن ابنها بدأ يتغير كلما تقدمت سنه، على عكس الأخيار من أهل تلك القرية المعروفة بالطباع الهادئة والخشوع، هذا بالرغم من أن زوجته لا بأس بها في جميع معاملتها لها كأم مباركة، إلا أن جفاء ابنها المكبوت، مع انعدام الأسباب المعقولة، أخذ يحير قلبها ويعكر نظرتها إلى تلك الحياة القانعة، ويزهدها في البقاء أكتر.
فقد أصبح لا يطيل مجالستها، ولا يحفل لغيابها أو حضورها، حتى أشعرها بتلك الوحشة العميقة التي ما كانت تخالج نفسها الطيبة، فقد كان لها بمثابة كل شيء، فلولا وجود ابنه البكر محمد البالغ من العمر السابعة، يبادلها العطف ويكافئها بحبه الملائكي عما ضحت له بشبابها مختارة.. لعدت نفسها غريبة بين العشيرة والأخوال.
وأخيرا ترقرق الدمع في عينيها الكئيبتان، فكرهت الاستسلام لتلك الهواجس، فنهضت تمسح، وتنفض هنا وهناك، إلى أن حان وقت الظهر. فكان الغذاء وخروج الشابة للعين دون أن تخبر زوجها بذلك لقرب المكان وقصر مدة تغيبها عن المنزل واكتفائها برضا حماتها كالعادة. فبينما وقفت السيدة “سليمة” تصلي العصر في حولي كنتها الأحمر لطهارته، دخل ابنها هاتفا باسم الزوجة فعز عليها أن يراها في ملبس زاهي منافي لوقارها وتقشفها، فبالغت في تغطية أطرافها، فتقدم وبدون أن يشك في أنها ليست زوجته، أو يلاحظ قصرها وانحنائها، مع طول زوجته وانتصاب قامتها وقال:
خذي ياستي! لا توريه لوالدتي! والدتي هذيك النارية تأكل وتشمت بي! فلفت يدها فتناولت منه” كدس” اللحم السمين، ثم تظاهرت بإتمام الصلاة والإطالة فيها حتى خرج.. فعندئذ نهضت فوضعت اللحم في مكان أمين من القطط، ثم مشطت شعرها وضفرته على الطريقة المتبع عند كبيرات السن من سكان الجبل. فلما رجعت كنتها، تناولت ثيابها منها شاكرة، داعية لها بالخير العميم وأخبرتها في هدوئها الدائم: أنه أحضر لحم جمل فانهضي لتحضير العشاء.. إذ كان العصر أذن أو كاد.
***
بينما الشابة منهمكة في عملها نشوانة، دخلت الأم إلى حجرتها الخاصة، فلبست رداءها الأبيض وعباءتها من الصوف البيضاء أيضا و ” سباطها” الغدامسي من الجلد الأسود، وتناولت مغزلا ولفة من الصوف الممشط الصالح للغزل، الكافي لبضعة أيام ثم دخلت إلى مخزن المأكولات، فأخذت من ” قفة” التمر الفزاني الذي اشتراه ابنها من ” الفزازنة” الوافدين إلى المركز حسب وصية تلك الأم المدبرة لاستخراج ” الرب” الضروري ” لعكاك” الزيت والسمن فتناولت حفنة واحدها بيدها اليمنى قائلة: بسم الله، فوجدتها سبع حبات لا غير، ثم ملأت إبريقها الصغير ماء، وخرجت في هدوء دون أن تنتبه لها الشابة، ولا من في الأزقة الضيقة، إلى أن مرت بفسحة الأرض التي في آخر القرية من جهة الغابة المملوءة بأشجار الزيتون المعاصرة، فلمحها حفيدها الذي كان يلعب مع جماعة من أترابه كعادتهم في مساء كل يوم بعد أن يصرفهم فقيه القرية من الكتاب ويخرج معزته الوحيدة إلى تلك الإسناد أحيانا لتأكل مما أبقته حرارة الصيف من كلأ، فتشبث بها فلم يمكنها التخلص منه رغم إرجاعه مرارا إلى جوانب القرية. فقال لها: لن أرجع، إن ذهابك متأخرة سيضطرك للمبيت وأنا لا أفارقك ولا يسعني النوم بعيدا عنك، فرافقها وانحدرا إلى الوادي وهي صامتة، كأنها تظن بالوقت أو تتخطف المسافة إلى ذلك الركن الحبيب إلى نفسها منذ طفولتها دون أن تجد لذلك تعليلا. انها لم تفكر يوما ما في مقاضاة أحد ولا التجأت لغريب، أو قريب. فكانوا يستغربون منها تلك العزة الخالصة والانطواء الكريم.. فكان أخوالها يزورونها في كل مناسبة ونفوسهم مليئة بالخشوع، ولكنها لم تفكر في ذلك المساء مثلا في الذهاب اليهم ولو لمبيت ليلة واحدة أو قضاء نهار. شغل الطفل بالمنظر الجميل منظر الوادي الطويل، ذو المجرى الضيق، وقد كست جوانبه أشجار ” القدوم” و ” التين” وأنواع ” السدر”. في وقت الغروب. واستمر يتبعها ووجهتهما المصب الذي كان أعلاه ملتقى لبضعة أودية تنساب من ” الظاهر” سطح الجبال القريبة وأطراف ” القبلة” كلما نزلت الأمطار في ربوعها، فقبل أن يتم غروب الشمس بقليل وصلت السيدة تقود حفيدها إلى الدكة الطبيعية الكائنة في تجويف المصب. فجلست مطمئنة، تتنفس الصعداء، وفي ذلك السكون المطلق، وهدوء المساء اللطيف، سمعت آذان المغرب من مسجد القرية، فاهتزت له وتنهدت في حسرة، ثم أخرجت الثمرات السبع وأفطرت على واحدة، إذ كان من عادتها- منذ أن ترملت- أن تصوم يومي الخميس والجمعة، ثم أعطت الثمرات الباقية- وهن ست حبات- لحفيدها. وكذلك فعلت بالماء بعد أن أخذت جرعة فأعطت الطفل الكفاية، وقامت للصلاة، وبعد أداء الفريضة جلست تدعو الله وتسترحمه وتتوسل إليه سبحانه وتعالى أن يعز مقام الأمومة فلا يردها على عقبيها. واسترسلت في مناجاتها إلى أن حان العشاء فصلته، ثم فرشت لطفلها طرفا من ” عباءتها” فأخذته في أحضانها كالعادة تقرأ له بعض السور التي يحفظها، ويسمع منه إلى أن أخذه النعاس فنام رغم ظلام تلك الليلة، ووحشة المكان، فقد كانت أصوات الثعالب، والذئاب وكلاب القرية، تصل إلى مسامعها فتزيد مما بها وهي تحاسب نفسها وتسائل زمانها عما انتهت إليه آمالها، واطمئنانها فكررت تلك الجملة القاسية والدمع ينهمر على خذيها: ” خذي ياستي ماتوريش لوالدتي! هذيك النارية تأكل وتشمت بي!!” فرجعت تحصي أعمالها، وجهادها في سبيله، تعليمه، ختانه زواجه.. فازدادت آلامها وهي تقول: الحمد لله الذي كتب لنا الصبر طول السنين الماضية، وجعل التقصير منه.
وأخيرا توكلت على الله وغفت مستريحة الضمير ثابتة العزم في هناءة الإيمان، لان الله لم يجعل هذا اليوم من تقصيرها هي في واجباتها كأم.. أو من نقائص الأمومة المقدسة. فسوف تترك وحيدها يسعد بما شاء وكما يشاء، لأنها ستسكن هذا الوادي العديم المياه، لشعورها العميق بصلاحيته لها. مع أنها تكره الاستسقاء من آبار القرية القريبة ما دامت حرمت نفسها دخولها مرة أخرى، أو السكنى بعد اليوم.
انفضت ثلاثة أيام والسيدة وحفيدها يفطران ويتغذيان ويتعشيان من الثمرات السبع فتترك النوى في مكانه فتجده ثمرا.. وكذلك تجد الإبريق الصغير مملوءا. حتى كان صباح اليوم الرابع؛ وجدت النوى كما هو، كما وجدت الإبريق فارغا.. ليس به ولو قطرة واحدة تبل بها ريق حفيدها الصغير.. فتألمت في صبر، واجتهدت في إشغاله باللعب، والجري، وهي مستمرة تغزل على حافة الدكة، وتناجي ربها، لكن عند اشتداد الظهيرة استفحل العطش بالطفل خاصة، فأخذ يلهث، ويبكي من العطش والجوع، فعرضت عليه الرجوع لأبويه على أن تتولى هي تشييعه، ولكنه أبى، فعاهدها على الصبر معها إلى آخر ما تراه هي، عندئذ أسندته إلى ركبتها تهززه لينام، وهي تمد بقية الصوف خيوطا مسبحة لله مستغفرة، فإذا بها تلمس رطوبة في أسفل مغزلها، فتعيد الكرة في نفس المكان فتتحقق الأمر. فتنزل ذاكرة اسم الله، فتعالج الثرى بأناملها الطاهرة، فإذا بعين فوارة تنبجس بين يديها فسجدت السيدة في خشوع شاكرة ربها على نعماه وإعزازه لقدسية الأمومة من الهوان، فشربت بيدها ثلاث جرعات والماء يفيض ويكون بركة أمام الدكة المختارة. فلما تكاثر الماء وخافت من خطر الفيضان، حوطت العين بسياج من الثرى، وهي تقول: باسم الله كفى. باسم الله كفى، فكف اندفاع الماء. ثم أيقظت طفلها في حنان وسرور قائلة: قم بابني! فقد انبثق الماء بفضل الله قريبا منك، قم اشرب، واغتسل والعب، واشكر الله انه ولي المخلصين. ثم توضأت وصلت ركعتين لبلوغها أمنيتها من الاستقرار في الزاوية التي أحبتها وقصدتها في ساعة اليأس بدون تردد وجلست تدعو والدمع ينهمر من مآقيها، ونور اليقين يزداد إبتهارا من ملامحها الوقورة: اللهم أعينني في حياتي الجديدة كما أعنتني سابقا، اللهم إغفر لي ولولدي وبارك له في أعماله وذريته، اللهم لك الحمد أولا وأخيرا، اللهم كما هديتني في شبابي، وصبرتني للنوائب، قدس أمومتي، وشيخوختي بعد أن تحققت الإهانة، اللهم بارك إقامتي حيث سخرت لي هذه العين المباركة، وأكرم مثواي، وتقبل حسناتي واحشرني مع الصالحين. انك مجيب قريب.
***
أحضرت الشابة العشاء، فاستبطأت ابنها، ثم تذكرت حماتها أيضا، فطلبتها عند الجيران على غير عادتها مستغربة خروجها لغير ضرورة، ولكنها لم تجد للموقف تفسيرا يقنع ضميرها فلما علم الابن بخروجها للغسيل تذكر غلطته الكبرى فلم يستطع النظر الى عينيها الكئيبتين، وقد شعر بالندامة تحرق أحشاءه ولكنه لم يظهر بشيء. فخرج يبحث عند الأقارب والأحباب وخرج أهل القرية يتجولون بين شعاب الزيتون وحنايا الأودية القريبة، فلم يعثروا على شيء. حتى كان اليوم الرابع حيث تقدم بعض الأطفال الذين يرعون معزاتهم ولمحوا الطفل السعيد يلهو! فرجعوا إلى القرية بالخبر اليقين. فحضر الابن مستغفرا، فوجد أمه قد كنست الدكة وجمعت شيئا من الحطب تمهيدا للإقامة. فأكدت له بقلب الأم التي لا تعرف الحقد أنها غير غاضبة ولا متذمرة، وقد رأت لطف الله بها وإكرامه لأمومتها بهذه العين العذبة، ولذلك لن تغادر مكانها حية أو ميتة!!

ولم يفلح أحد في تغيير خطتها، وأخيرا قال أحد اخوانها اللذين يرون فيها تلك السيدة الطاهرة اللائقة حقا بالانزواء عن مضايقة الناس وسفاسفهم، لن نكرهها على تغيير ما عزمت عليه. بل سنجمع اللوازم لبناء حجرة في المكان الذي تشير عليه في هذا الوادي. ونرتب لها نفقة شهرية منا ومنك أيها الابن العاق! وتعيش بقية أيامها عيشة العباد السعداء إن شاء الله.
***
وبعد مضي مدة قصيرة من الزمن كان كل شيء على ما تحب السيدة سليم؛ حجرة مشمسة، قبالة الدكة من اليمين، ترتفع عن البحيرة العميقة قليلا. وفي مكان مأمون من خطر انصباب الوادي من علياه إلى ذلك الركن ليأخذ مجراه الجميل، نصبت وسط الحجرة منسجها واستراح بالها من كل وجه، حتى خزانتها قد امتلأت بالغذاء الوفير، والأواني الكافية لمثلها، كما جاءوا لها بمعزات بارك الله في ضرعها، منها يشربان ويذبحان، يتعهدها الطفل عند رجوعه من كتاب القرية إلى أن تعودت على السرح والرواح وحدها، في حفظ الله ورعايته. وعند الليل تقفل السيدة بابها وتنام هانئة مطمئنة مع طفلها الوفي في حبه لها. شاع الخبر وأخذ الناس بهيبة اعتزازها المقبول وأصبحوا يزورونها جماعات، ويأتون لها بزكاتهم وصدقاتهم، ويتبركون بذلك الماء العذب الصافي، فتكرم في الوافدين، وتطعم المسافرين وتبارك خطواتهم حتى لقبوها ” أم القرب” لسماحة طبعها وجودها المستمر لوجه الله. وكما أمر سبحانه وتعالى نبيه الكريم.
وأخيرا مرض الطفل الوفي مرضا خفيفا فتوفى. فأمرت بدفنه قريبا من البحيرة المباركة، مظهرة من آيات الصبر والتجلد ما أدهش عارفيها، رغم ما ألم بها من الوحشة التامة والانفراد، فسحقتها الكآبة في روعة وجلال، ولم تعش بعده طويلا، فتوفيت، وأوصت بأن تدفن بجانبه، في ذلك الركن الحبيب! فرأى الناس ” النور” يشع على ضريحها ليال متعددة، فبنوا عليها مسجد ” أم القرب” الشهير، الذي ازدانت به ضفة الوادي، وعمر به ركن البحيرة المباركة، وأخذ الناس يأمونه من كل صوب، يذبحون، بل ينحرون القرابين، ويقسم ذلك كله على الحاضرين بالسوية، لا فرق بين الصغير والكبير، وتكون زيارتها يوم الخميس عادة والإقامة فيها يوم الجمعة غالبا. حتى بلغ اعتناؤهم بتلك الزيارة مبلغا كبيرا في أواخر الحكم العثماني، حيث شعر أهل البلاد بشيء من الطمأنينة والسلام الداخلي، وأصبحت تلك الزيارات من مظاهر الجمال والسرور في درجة تفوق الوصف؛ يلتقي فيها القريب والبعيد من القبائل والعشائر، على السواء. ويترك المسجد في الزيارات العامة للنساء، ويجلس الرجال إلى فجوات الوادي المقابلة له، بينما الخدم يحضرون الطعام، نرى الرجال يتسابقون في السباحة، ومنهم من يقفز إلى البحيرة من أعالي المصب وهو ارتفاع عظيم بالنسبة لسكان الجبال، البعيدين عن البحر، وتكون ” الزغاريد” على المتفوقين من جانب النساء لا تنقطع.
ومن العادات المستحبة أو الأعمال المباركة، اشتغال الشابات بتحضير الروائح والبخور، ليتركن بعض ذلك على قبرها الطاهر، ليستعمله الزوار عند الحاجة، كما للفرسان أن يقوموا بأشواط ” الركض” قبل النزول إلى الوادي، وعند مفارقة سفحه، وإطلاق البارود تكريما لروحها العالية. وأعم تلك الزيارات كانت في فصل الربيع حيث يكون الوادي في حلله السندسية، معتدل الهواء. شافي النسمات، فيسهل على ” المربعين” قصدها. مراحل يسوقها الهناء وحب التبرك، فأحيانا يصادف ذلك وجود بعض أهل الطرق فيقومون بحضرة خارج المسجد، ينوه فيها المقصدون بفضل ” أم القرب” تنويها لا ينكره عليهم أحد، ومن ذلك قولهم:
يا أم القرب يا للا، يا ساكنة في الوادي.. الخ
وفي السنين الرخية الخصبة بلغ ثمن ما فيها من الأواني و الأثاث مبلغا كبيرا. لكثرة النذور والهدايا من كل صوب، فشاهد ذلك الركن المبارك مشاهد فيها فصول رائعة النتائج من ” علم النفس” والمعالجة بالعقيدة الراسخة علاجا يشبه السحر.
ومن أجمل ما هناك صفاء تلك البحيرة الصغيرة الضارب لونها للاخضرار والتي لا تجف مهما طال الجدب أو انقطعت السيول، والمعتزون ببركات أم القرب يعدونها شاهدا على صفاء قلبها من كل غش طيلة حياتها فإذا دخل ساحتها غشاش ما وجرت بعض السرقات تحمر المياه وتطفح على سطحها الديدان الحمراء الدقيقة بكثرة يتعذر معها شربها أو الطبخ منها فيتشفع الناس. ويحرقون البخور ويجدون في اظهار السارق من المجموع. ففي الحال تتلاشى الديدان ويصفو الماء ويصبح رائقا في لونه المائل لخضرة النعيم السرمدي!! فيتنفس الحاضرون الصعداء ويحمدون الله على زوال التذمر عن تلك الروح مما حدث في مقامها المبارك.
ولاتفاقهم على قوة روحانيتها يقولون في ذلك: أنها تظهر لبعض الأصفياء، والمظلومين في مناسبات يعقبها الخير العميم لأولئك السعداء!!
فسواء صدقنا بهذا أم جاملنا حواشي القومية مجاملة.. فهم يصفونها وصفا متفقا في اليقظة والمنام ويقولون جميعا: إنها ربعة القامة إلى القصر أقرب، ممتلئة الجسم في غير ترهل، شأن صحة أهل الجبال من سكان طرابلس الغرب، سواء كانوا من أصل أمازيغي أو عربي. نورانية الوجه، بيضاء الملبس، محنية الشعر، خافتة الصوت، أقدامها المباركة تشبه تلك الآثار التي يجدها الزائر على بعض الصخور في ذلك الوادي، كما يجد آثار معزاتها المخصبة.
***
هذه هي ” أم القرب” تتغير الأحوال وتتطور البلاد، وتمر الأيام، وتنسى الآثار، ولكن لا أظن ينقطع بل ينعدم من ينادي ” يا أم القرب!” مستنجدا بها عن الضائقات، أو يكره زيارة ذلك الوادي الساكن وركنه الأمين وان لم يعترف له أو لساكنته بشيء من البركات، أو يمل السمع في أوقات من العمر تلك القصائد الإنسانية التي يجيد نظمها المعتزون بأمثالها من الأولياء والصالحون.. قصائد من الذكر المجلي لمقام الروح الإنسانية وعزة نفسها، والتي تشيد بقدسية الأمومة الليبية منذ أجيال.. إلى أخر ما يكون للإنسان من حنين لمجال القومية وأركانها الحبيبة!
تانميرت
أوژلو ئيغس تويزا

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal