img5.jpg

عن الشيطان والمسؤولية والحرية؛ من القديس أغوسطين إلى الهوزالي

محمد المدلاوي

الدكتور: محمد المدلاوي

كان وما يزال تـقيـّا ورِعاً؛ وكل مظاهر هندامه وسلوكه تترجم ذلك. وبقدر ما كان ذلك يولّـِد لديه اعتزازا شخصيا واطمئنانا ضميريا، كان يولـّد لديه كذلك قلقا دائما: إنه الخوف من غواية الشيطان الذي أقسم قائلا “بعزتك لأغوينَّهمُ أجمعين إلا عبادَك المخلصين” أمام الخالق الذي يقول “واللهُ خلقكم وما تفعلون”. ولذلك فإن لعْـنَ الشيطان الرجيم، والتعوذَ بالله منه، لا يفارقان شفتيه سرا أو جهرا، حتى إن بعض من يؤمّهم يعزون ذلك منه إلى الوسواس، ويتندّرون من كثرة تكراره لآية “خُلق الإنسان ضعيفا” بمناسبة وبغير مناسبة.

تأكد الآن من صواب هوَسِ توجـّساته بعد أن أقـفـل عليه حارسُ السجن بابَ الزنزانة الحديدي قائلا في سخرية: “تـفـْـضّْـلْ ا-لـفـْـقـيه!”، وذلك على إثر محاكمة في قضية تلبّسٍ أخلاقية.

ليس وحيدا في حالته؛ فالصحف تورد عشراتِ النوادر من القليل الذي يتسرّب في هذا الباب إلى حيّز العلن؛ الجامع بينها هو تورُّطُ فئة ممن يتقلدون وظيفةَ تقويم الأخلاق في فضائح أخلاقية. هؤلاء ليسوا جميعا بالضرورة دجّالين. إلا أن الجامع بين غير الدجالين منهم هو ثقافة تصورهم للمسؤولية. إنها ثقافة تستمد جذورها من أعماق فكر الوثنية والشرك رغمَ كل مظاهر ولفظيات المرجعيات المردَّدة. ثقافةٌ يـُجرّد فيها الفرد من قُوى مُركـّبِه النفسي قوةً واحدة، هي “النفس الأمارة بالسوء” حسب تعبير ابن باجة، أو “الهو” (الليبيدو والنرجسية) حسب تصور فرويد، فيسقطها خارج الذات في عالم الغيب ويؤلهها بإعطائها القدرةَ المطلقةَ على احتواء الزمان والمكان وتسخير النفوس، وعلى احتكار إخراج الشر من سلبية العدم إلى حيز الوجود عن طريق تسخيرها له ولغيره، الذي يصبح بذلك التصور مجرد أداة جريمة، وبذلك يُـصَدر مسؤوليته خارجَ الحدود. هذه القوة المؤلـَّهة هي “الشيطانُ” بمفهومه العامّي، صنيعُ المانوية االهند-إيرانية القديمة، حيث يقوم إلاهـَا الشرِ والخير نِدّين. أما ذوو الألباب، ومنهم ‘الإمام المخفي’، صاحب “الرسالة الجامعة” لإخوان الصفا مثلا، فيردون تلك القوة إلى أصلها الملموس، أي إلى قرارة إرادة شخصية الفرد، الذي يشتمل مـُركـّبـُه النفسي كذلك على قوى أخرى، ومنها قوة “النفس اللوامة”، أو “الأنا الأعلى” حسب تصور فرويد، أي الضميرالمُستبطِنِ المعايير الاجتماعية. وتتمثل إرادة الفرد، المؤسِّـسة لحريته ومسؤوليته، أي “الأنا” المتـزن، أو “النفس الزكية” بتعبير الآخرين، في التوفيق بين قواه النفسية الداخلية والقوى الأخلاقية الخارجية. هذا التوفيق الإرادي، الذي يتم عبْـرَ تحالفِ العقل الموضوعي والنفس الزكية، هو الذي يؤسس أخلاقا داخلية حُرّة ومسؤولة، يختار الفاعلُ بمقتضاها الفعلَ الممكن وهو متحمل تبعاتِه عن وعي مسبق كما فعلتْ شخصية ‘فاوست’ في مسرحية ‘جوته’. وهذا ما يجعل ذاتيةَ الفرد تتجاوز في وعيها الوجودي انفصامَيةَ واانشطاريةَ ذهنية الشرك المتمثلة في تأليه بعض قواها كشيطان خارجي. وبذلك تحققُ الشخصية مزيةَ “التوحيد” على المستوى النفسي، وتتأهل بذلك لإدراك التوحيد اللاهوتي المجرد على المستوى العقلي. فـ”الــشر” عبارة عن مقولة عقلية تصورية مقابلة بالسلب للخير، “ولا أصل له في الإبداع [الأنطولوجيٍ] الأول” كما يقول صاحب الرسالة الجامعة لإخوان الصفا، وكما كان قد قال بذلك القديس أغوسطين في الاعترافات حيث يقول: “ومع ذلك، فقد اثمتُ، يا رب، يا إلهي، ملهمَ وخالقَ كل شيء ما عدا الإثم، الذي إنما أنت تلهم النفسَ بشأنه فجورها وتقواها”.
ولقد خاض ابن ‘سوق اهراس’ بالجزائر الحالية، القديس أغوسطين الإفريقي، مُهذِّب فكر أهل الكتاب، ومُرسي هيكل الكنيسة المسيحية في القرن الخامس الميلادي، حربا فكرية ضروسا ضد الفكر المانوي الإيراني القديم، الذي انتشر لعهده في شمال أفريقيا، والذي أعطى لقيمة “الشر” جوهرا وجوديا موجبا بدل اعتباره مجرد حالة سلبية، أي حالة انتفاء فعل الخير، كما يعتقد ذلك القديس؛ ثم زاد ذلك الفكر فألّه ذلك الجوهرَ تأليها. يقول كاتب مقدمة “الاعترافات” متحدثا عن صاحبها الذي كان معتنقا للفكر المانوي في بداية مشواره الفكري، ما يلي: “خلال المدة الطويلة التي تقلد فيها منصبَ الأسقفية، ظل القديس مناهضا ومحاربا مَهيبَ الجانب لكل أشكال البدع والهرطقة. ولقد استمر في التصدي بقوة لعدوه القديم، المتمثل في ذلك الخطأ الجسيم الذي وقع فيه “مانا” [مؤسس المانوية]، ذلك الفكر الثنائي الذي جدده زُرادشت، والذي لم يجد من تفسير لتجليات الشر في العالـَم غير تصوّرٍ يـُشرِك من خلاله مصدرَ الشر في صفات الله الطيّب الخيّر.” وفي هذا الصدد، يربط القديسُ نفسه ذلك الفكر بأصوله الوثنية، وذلك حين حديثه عن مؤلـِّهي الأجرام بقوله: “إنهم يسعون إلى إبطال هذه المبادئ الخلاصية (مبادئ التوراة والإنجيل) عندما يقولون مثلا: ‘إن العلة الحتمية للشر مصدَرُها السماء’، أو عند قولهم: ‘أن هذا الأمر من فعل كوكب الزهرة، أو المشتري، أو المريخ’، وذلك طبعا لتبرئة الإنسان، الذي هو عبارة عن لحم ودم وكبرياء، من كل خطيئة، وإلقاء مسؤوليتها، بالمقابل، على خالق ومبدع السموات والأجرام.” (Le Confessions, G. Flammarion 1964)

إنها الأخلاق الخارجية، الأخلاق الأجنبية، أخلاق العبد الآبـِـق؛ لإنها مؤسَّسة على مجردِ جزائيةِ خوفٍ وطمع إزاء جزائيةِ هيئةِ المجتمع القائم في الحضور، أو إزاء جزائيةِ هيئةٍ غيبية كيفما كان شكل تصورها؛ ولذلك يلجأ صاحب تلك الأخلاق إلى أساليب الكذب والاحتيال، بما في ذلك افتعالُ انفصام الشخصية تنصُّلا من المسؤولية، وإضفاءُ لباس الإيمان بالله والملائكة على ذاك الانفصام الذي يجرد من خلاله قواه الشريرة فيصدرها إلى الخارج. والخوف والطمع العاجلان إزاء الهيئة الأولى مقدَّمان، بطبيعة الحال في الممارسة، على نظيريهما إزاء الثانية. فالأُولى لا تقبل إلقاء المسؤولية على مشجب الشيطان مهما كانت قوة حضور خيال ذلك الكيان في ثقافتها الجمعية، ولا تقبل مجردَ عبارات التعوّذ والاستغفار كتكفير عن الخطايا، لأنها هيئةٌ تُـدبـّر فِعْـليات عالـَمٍ قائمٍ في الحضور.

وفي الأخير، فابن إنداوزال بالأطلس الصغير، الفقيه محمد بن علي الهوزالي مثلا، الذي كان قد فر منفيا من مسقط رأسه بــإنداوزال في نهاية القرن السابع عشر، فاحتمى بالزاوية الناصرية على إثر اقترافه جريمة قتل، عادَ إلى أهله بعد سنوات النفي متصوفا، بعد أن جاهد لسنين في نفسه الأمارة بالسوء إلى أن أحرز النصر عليها، وليس على قوة خارجية، فألف منظومته “بحر الدموع” بالأمازيغية المصمودية لينقل إلى المؤهلين من بني لسانه تجربته التي خبَرَ فيها قُوى النفس من شهوانية وأمارة بالسوء ولوامة، وزكية، فقال من بين ما قال في منظومته التي وإن تحدث فيها عن شخصية الشيطان وصفاته، فقد خلص فيها إلى ما يلي، مستوحيا ما حفظه من أدبيات في الموضوع، خصوصا ما قاله أمير شعر الأمداح النبوية والتشييد الروحي بفصيح العربية، محمد بن سليمان الجزولي المعروف بالبُصيري: فقال من بين ما قال في منظومته التي وإن تحدث فيها عن شخصية الشيطان وصفاته، فقد خلص فيها إلى ما يلي، مستوحيا ما حفظه من أدبيات في الموضوع، خصوصا ما قاله سلفـُه المصمودي الأصل، أمير شعر الأمداح النبوية والتشييد الروحي، محمد بن سليمان الجزولي، المعروف بالبُصيري:

(بحر الدموع، باللغتين الأمازيغية والعربية. تحقيق عمر أفا؛ ترجمة ابراهيم شرف الدين. 2009)
تدوينُنا الإملائي (Elmedlaoui 1999):

1 لعدو يلاّنّ غ-وكَـنس يـ-بنادم، نـّـفست نس اتّ يكَـان؛
2 يضوف-تينّ نيت، ار-ت يكّات غ-ينّا غ-كَيس يوفا ضّربت.
3 نـّـفست هاتي تانجموحت اد تكَا؛ ور-اتّ يقُّـاي بلا …
4 يلكَوما دوسنين صحانين، نغ نيت تلاّ غ-لكَيود.
5 نـّـفست يني-تّ توجّـيت ف-لغرض نس ور سار تـتوب
6 وان احشميّ توجّـيت ار يسّموم يمل ا-يشيب
7 ف-لحوبّ نس، يغ-اس تـّـياوكـّاس يتـّوتّ يصبر
8 ونـّا فتغلب نـّـفست نس اتينّ وفنت لبهايم
9 ونـّا-تّ يغلبن يرواس لمالايك، نـّـان لكتوب

ترجمتُـنا (نضع المرجعيات الأدبية بين قوسين بعد الأبيات التي تستوحيها):

‘1 إن عدوّ المرء كامن بين جوانحه؛ إنها نفسُه [الأمارة بالسوء]،
‘2 تتربّص به لتُوقعَ به كلما سنحت لها منه فرصة.
‘3 فالنفس جَموحةٌ لا يكبَح جِماحَها إلاّ …
‘4 لـُجـُمٌ متينةٌ، أو أن تُغَـلّ بالأصفاد”.
(من لي بِردّ جِماحٍ من غوايتها * كما تُرِدّ جِماحُ الخيل باللُجُمِ)
‘5 والنفس إذا ما تركتها على سجيّـتها لن تتوب أبدا.
(والنفس راغبةٌ إذا ما رغـّـبتـَها * وإذا تُـرَدُّ إلى قليل تـَقنعُ)
‘6 فهي كالطفل إذا ما تركته على الرضاع فقد يشيبُ
‘7 على ما أحبه، وإن تفطمْه نسِيَه وسلا عنه.
(والنفس كالطفل إن تـتركه شبّ على * حُبّ الرضاع، وإن تفطِمْه ينفطِمِ)
‘8 من طغَتْ عليه نفسُه، فالبهائم أحسن منه،
‘9 ومن تغلـّب عليها فهو يضاهي الملائكة كما ورد في الكتب.

محمد المدلاوي المنبهي

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal