img16.jpg

ادريس رواية شمال أفريقية / تعريب محمد الناصر النفزاوي (٣)

أصـــــداء الجـبـــل

هكذا كان، بإيجاز، تاريخ أجداد إدريس. ولقد كان له بهم شبه رجوليّ عندما كان يذهب، وهو صغير بعد أن يقضّي اليوم في المْسِيد(1) حيث كان مؤدّب يردّد على مسمعيه في صوت أجشّ رتيب سور القرآن، للاستلقاء تحت شجرة تين عجوز بين الكروم المثقلة حجنا، شارد البصر، مستنشقا بملء منخريه الهواء البليل الآتي من قمم تيزران في حين يرسم رفّ طيور الكروان، من فوقه، أشكالا حلزونية سريعة رشيقة. كان منذ العاشرة يبدي علامات نضج مبكر. وكان قد حفظ القرآن، غيبا، ومازال، بمقتضى العادة، يواصل، لعدم توافر ما هو أفضل، اجترار سور الكتاب المقدّس (2)في ألواح خشبية إلى جانب التلاميذ الآخرين ويقوم، عند غياب الفقيه، بدور المدرّب.

كان المْسِيد بيتا صغيرا بني بالحجر وغطّي بقشّ السقوف. وكان مظهره قديما. وهو لصيق بالمسجد ويقوم، أيضا، مقام الملجإ للقرويين أثناء العواصف المتكررة في هذه الأراضي المرتفعة المشجّرة. وفيه تقام الضيافات أي هذه الاحتفالات الشعبية بمناسبة هامة في حياة السكان. فيبدو إذّاك نهم الجبليّ، بعد أسابيع وغالبا بعد شهور من الكفاف الجبري، طليقا، وهو يرى أمامه غزارة اللّحم ووفرة مسكرة من الشاي المنعنع. ويقوم المْسِيد، أيضا، مقام معرض للجثث يغسل فيه الميت قبل قبره. كان البناء، عموما، أسود من السخام. وأثناء الشتاء تحرق، في خزانة، في طول أحد الحيطان، جذور العرعر وإبالات من خشب ميت تذهب النساء لالتقاطها في الغابة. كما تلقى فيها بيعان من السرخس. ويجرّ الرعاة وراءهم، في بعض الأحيان، عند عودتهم من المرعى، أشواكا وزعارير كاملة تحشر فيها بعثاكيلها وهي تقطر تُوتَ عُلَيْقٍ. أما استعمال المدفأة فلم يكن معروفا فيه. كانت الروازن محكمة السدّ. وكانت ألسنة المحرقة تلحس، بلا انقطاع، الجدران والسقف والباب وتترك عليها طبقة من الفسالة تتلون، بتتالي الأيام، بلون سبج ذي لمعان فسفوري. وعلى الأرض بسطت حصائر بالية من النخل ملطخة بالشحوم متآكلة خرقتها الثقوب والمزوق. ويسدّ الجزء الأسفل من شقة جدار المْسِيد مرتفع من التراب المطرق: إنه الدكانة التي يجلس عليها المؤدب ليملي السورة التي تقررت كتابتها على اللوحة وليتابع قراءة الصبية الفاترة.

كان المعلم فقيها جبليا في سن النضج ذا قوام فارع، عظميا، متغضّن وجه شاحب يظهره في مظهر مالك الحزين المضطرب الذي ألجأته العاصفة إلى هنا. وكان شعره الأشيب مشربا : الكُتّاب وهو مازال في الجزائر مثلا يطلق على المدرسة الابتدائية، ونحن ننصح القرّاء بأن يقارنوا بين هذا الفصل وما تضمّنته سيرة طه حسين من وصْف للكتّاب المصري .فبمثل هذه المقارنات وحدها تعرف خصائص الشعوب.

: هو يقصد القرآن، ولكننا نحافظ ،عمدا ، على ما يستعمل من ألفاظ.

بالشقرة. أما عيناه المتعبتان فكانتا على زرقة خزفيّة. وتعصّب عصابة(1) من النسيج الموصلي الأبيض رأسه مسفرة عن قذال عار شبيه بالإكليل الكبير. وخلافا لغيره من الفقيهين(2) الآخرين الذين تجبرهم العادة على ارتداء جلابة(3) من الصوف الأبيض الخام، كان معلم إدريس يلبس جلابة سوداء قصيرة تزينها ورود وزخارف من حرير متعددة الألوان.

وتوجد في زاوية من المْسِيد كومة من القصب الطويل وأعواد المصطكا والأسل يستعملها الفقيه، عند اللزوم وعند غير اللزوم، ليسترعي فوج أطفاله للنظام والانضباط. وعن هذا القصب وعن هذه العيدان تعرف رأس إدريس شيئا ما. لا لأن إدريس كان خبيثا إذ العكس هو الصحيح. فطبيعته الحالمة الوديعة كانت تبعده عن كل خبث. نعم، هو، طبعا، يحب أن يستغرق في اللهو. ولكن بعد الدرس. على أنه كان، على الرغم من ذهنه اليقظ كسولا شيئا ما. وكان يبدو، دائما، من فرط ما يستغرق في التأمل، نائما على لوحته. وهذا أمر يغيظ الفقيه العصبيّ الانفعالي.

إن هذا كان يمكن أن يكون هيّنا لأن الحالات المشابهة التي يتعرض فيها إدريس للتأديب كانت نادرة. فضربة مفاجئة في قمة الرأس لا يمكن أن تكون غاية في الجسامة إن لم تتكرر باستمرار. والحال أنه كان لإدريس جيران سيّؤُون. فلقد شاءت الصدفة أن يعيّن مجلسه وسط التلاميذ الجالسين في شكل دائري على الحصائر الممزّقة بين رفيقين من أكثر الرفاق تشويشا. كان أحدهما أسمر اللون(4)، في سنّه، ابن غماريّ هجر قبيلته بعد أن قتل، لخصام قديم، أحد أفراد الجماعة. أما الآخر فكان ابنا لأحد أقربائه البعيدين، جسيما، ممتليء الخدين، (5) صافي البشرة، ذا عينين كبيرتين سوداوين، بليد الذهن، يقضي وقته في نصب الشراك لصيد العصافير ولا يحضر الدرس إلا لإثبات الحضور. فالمثابرة لم تكن موضع اهتمام بالغ. وهكذا نَعِمَ الصغيران الشَّغِبَان بهذه الحالة. فلقد كانا عندما يحلان بالمْسِيد واللوحة تحت الجلابة يتربعان، محيطين بإدريس، على الحصير ويضعان اللوحتين على ركبتيهما ويردان الكبوشة إلى الوراء ثم يشرعان، اختلاسا، في إزعاجهما وهزلهما. وكان سي عبد السلام (كان هذا اسم الفقيه) قد قلاهما وركز عليهما، هما حصرا، رقابته فكان لا يحوّل عنهما نظرا. لذلك كان يلزمهما بالقيام بكل الأشغال المرهقة في المْسِيد.فهما اللذان كان يكلفهما بتزويده بالقصب وعصيّ الأسل. ولكم كانا على معرفة بالدغل!

وعندما يخترق القسم صوت أو ضحكة مكبوتة أو صوت محاكاة للعصافير كان سي عبد السلام يمسك بقصبته ويهوي بها، بكل قواه، ومن دون أن يتجشم عناء السؤال عن ماذا أو عن من، على دماغ الأسمر أو دماغ ممتلئ الخدين. فهو لم يكن يتحمل أيّ اعتراض إلا إذا دلّ أحد التلاميذ، بدافع الوشاية أو حبّا في الإنصاف، على المذنب الحقيقي. ومثل هذا يندر إجمالا.

وعندما يفتح الباب والمنورات، في أوقات الصحو، فيغمر الضوء المْسِيد ذا الجدران القاتمة، يوزّع الفقيه، بإنصاف، تأديبه اليومي على الشقّيّين. ولم يكن ليخطئ الهدف. وعند ذلك، لاخوف على إدريس. ولكن في الشتاء، وفي الأوقات المضبة، عندما يكون المْسِيد على الرغم من محرقتّه المضطرمة الخانقة، غارقا في غبش لا يساعد على تقوية ألق عيني سي عبد السلام الرافتين، تئز الضربة فوق الرؤوس وتقع، على غير هدى، في اتجاه الزاوية التي يكونها الأسمر وممتلئ الخدين وإدريس فيتلقى إدريس ضربات قاسية.

لقد تدرَّب المشاغبان على هذه المباراة فكانت عيونهما لا تفارقان البتة الفقيه الذي كان هو بدوره يراقبهما عن كثب. فما أن تسعى يد سي عبد السلام إلى الإمساك بالعصا حتى ينعطف رأسا العفريتين يمينا وشمالا. وفي لعبة التخبئة هذه، يتلقىّ إدريس، وهو الغارق في الحلم أو العميق الشعور ببراءته ليتحرك، الضربة على الدماغ أو الراسل.

أصبح هذا الأمر، لتماديه، مزعجا. وقد طالب إدريس مرات بتغيير مكان جلوسه ولكن المعلم اعترض على ذلك. فسي عبد السلام، إذا كان يتغاضى عن موضوع المثابرة، لا يلين عندما يتعلق الأمر بالنظام. ولذلك لجأ إدريس إلى حيلة. فكلما شقت ضربة الهواء كان يرفع لوحته فوق رأسه وينجح بفضل هذه الحركة الوقائية في التوقي منها أو التخفيف من وقعها عليه. هذه اللقية فتنت الأسمر وممتلئ الخدين فقلداها. فكانت الألواح ترفع على الأدمغة، غريزيا، عند أول تقطيب للحاجبين. كان سي عبد السلام تتملكه، حينئذ، نوبة من الغضب، فيتجه، بعد أن يرمي بعصاه ويدوس القصب وأعواد الأسل والمصطكّا، إلى حجرته الملاصقة لساحة الوضوء ويعود منها متقبض الشفتين مرتجف الأذنين مثلما يحدث لضبوط وهو يرى خرنقا نفرته رعونته، جارّا في يده هراوة قدت من فرع بهشية سيئة التهذيب ولكنها قادرة على أن تكسر فقار ظهر البغل الأكثر صلابة عند القبيلة.

وهكذا تكون الفلقة.

يبدو هذا التأديب كأنه حفلة. فإذا كان التلميذ الذي وقع عليه اختيار سي عبد السلام موضوعا للتعذيب يتراخى من الهلع لمجرد التفكير في مثل هذا العقاب فإن الآخرين، على العكس من ذلك، تتملكهم نشوة من أغرب النشوات. ولا يحتاج الفقيه إلى البحث عن متطوعين لإعانته. فالأيدي تمتد تبرعا.

وتتمثل الفلقة، قبل كل شيء، في تقييد رجلي التلميذ العاصي. كذلك تشد يداه إلى الظهر ثم يرفعه، بعد ذلك، رفاق كرماء في الوقت الذي تثبت فيه أيديهم العقبين وأصابع الرجل فإذا هو يعرض، وهو مقيد على هذه الهيئة، أخمص القدمين لضربات الجلاد الجيدة التوقيع. كانت هراوة سي عبد السلام تسمى رحيمة. ولم يحدث البتة أن خالف الاسم المسمى مثلما هو الأمر هنا. لقد كان المعلم هو الذي يستعملها عندما يكون عليه أن يؤدب أحد العصاة المشهورين. ولقد كان، بحقّ، ضليعا. كان قبل مباشرة الضرب، يصدر، مثلما يفعل رجل عارف بما يفرضه عليه الإنصاف الصارم من واجبات، حكمه ويحدد عدد الضربات المقررة. وهي تتراوح بين خمس وعشرين وثلاثين ضربة. وعادة ما يبدو المعلم متسامحا بالنسبة إلى المبتدئين والعصاة الاتفاقيين فيخفض العقوبة إلى عشر ضربات أو خمس عشرة ضربة. أما بالنسبة إلى الارتداديين فهي تصل إلى خمسين وأحيانا إلى خمس وسبعين. والوحيدان اللذان فازا بالمائة هما الأسمر وممتلئ الخدين وكان يعدّان ذلك من مآثرهما.

كان جسم سي عبد السلام، أثناء أداء وظيفته، ينقبض. وكان سي عبد السلام يرتجف وعيناه تتوقدان ويتلوّن نظره الأزرق المترنح، وقد أغشاه البخار، بلوينات متقزحة ساطعة وتشعث لحيته المبعثرة ذات اللون الأصفر الكبريتي وجها يتوسطه أنف قليل التسطح يبدو كأنه يزيد في خنسه. ويعينه في هذه المهمة تلميذ وظيفته عد الضربات هو الأسمر، عادة، الذي كان يطالب بدور مساعد الجلاد فيظفر به في الغالب. غير أن وظائف المساعد انحصرت، بعد أن جمع هو وممتلئ الخدين أكثر من تسعة أعشار الفلقات الموزعة بقليل، في تدخلات نادرة.

كان للأسمر نزعة مؤسفة هي الخطأ في إحصاء الضربات ولكن دائما في مضرة المعذب.فالعادة تقتضي أن يذكر بصوت عال عدد الضربات حالما تشرع الهراوة في عملها. ولكن الحقود كان ينتقص، عندما يبلغ الضرب نقطة ما، من العدد من دون أن يقع التفطن إلى الحيلة ثم يستأنف العد إلى النهاية. كانت الزيادة تتراوح بين خمس عشرة وثلاثين في المائة. وأحيانا تضاعف هذه الممارسة العدد الذي حدده حكم الفقيه. غير أن هذه الخدمة الإضافية كانت تتوقف على درجة تقدير الأسمر زميله وخاصة بالنسبة إلى من يمكنه، عند الاقتضاء، أن يقوم في مقامه في مثل هذه الوظائف الدقيقة عندما تقود صدف سلوك الأسمر الشَّغَّابِ في القسم إلى استبدال دوره قاضيا بدور المقاضى.

تلقّى إدريس الفلقة مرة واحدة. وحتى هذا كان بسبب نوع من سوء التفاهم. وهو لم يعرف البتة السبب الذي دفع بسي عبد السلام إلى أن يحكم بها عليه.

استحوذ ضحك عام مديد على المْسِيد كان سببه محاكاة مواء قطّ تجيده، بالمناسبة، حنجرة الأسمر أيما إجادة.

حاول إدريس في البداية، وقد جرفه تيار الفكاهة أن يتمالك نفسه. ولكنه لم يتمكن من أن يقاوم فورة الضحك التي استحوذت على التلاميذ جميعهم. وكان الأسمر الذي يمتلك مواهب مَقْمَاقٍ يواصل من دون أن يبدو شيء على وجهه، لعيبة الإيماء البريئة. وكل واحد منهم نفّس عن نفسه تنفيسا.

نهض سي عبد السلام يائسا ساخطا على موجة العصيان المفاجئة هذه موجها عينيه إلى المحفل الصغير المجتمع على قدميه وحدّق في الأسمر. لم يعد هذا غير مومياء مسمّرة في وداعته التي لا يقدّر أحد قدرها ثم التفت نحو ممتلئ الخدين. كان القديس الصغير، وقد سحب الإسكيم إلى الخلف، يتهزهز في هدوء لا مزيد عليه وكأنه يراجع درسا سبق أن حفظه. واصلت عين الفقيه دوريتها الدائرية. وفي اللحظة التي همّ فيها بأن يردها إلى الأسمر الذي كان يتحجر أكثر فأكثر في وضعته الجامدة، باغت نظره في وجه إدريس تقلصا في الشفتين قريبا من البسمة. ولقد كان هذا كافيا.

قفز سي عبد السلام خارج المسيد واجتاح صمت القبور القسم وتحولت وجوه التلاميذ إلى أقنعة كرنافال. انبعثت المومياء انبعاثا قليلا ورسمت الرأس حركة جدّ دقيقة نحو اليمين ثم استعادت، للتوّ، هيأة انجذابها الكهنوتيّ. أما الإسكيم فقد انتفض، لحظة، وأسفر عن زوجي عين لا معين يحدجان بنظرتيهما موقع الباب الذي يؤدّي إلى المسجد وكأن الرأس التي تسكنه كانت ترتب هروبا ما. ولكنها ارتدت، فورا، وقد عدلت عن هذا الرأي، في وداعة كلها فلسفة، إلى اللوحة.

آب سي عبد السلام ورحيمة تتدلّى في يده اليمنى وأسند ظهره إلى الدكانة وتابع نظرته الخاطفة المستقصية. كان دفق من اللعاب يقطر من شفتيه. ودب تنمُّلٌ في بواطن الأقدام وارتعشت الأكفال وملأ صمت كامل الغرفة التي كان يضيئها قدر من أشعة نور شاحب. كان التلاميذ يختلسون النظر إلى بعضهم البعض فلا همسة ولا سَعْوَلَة. ولم يتمكن أزيز جعل من كسر الهدوء المأتمي إلا قليلا.

إدريس، قف!

ما كاد ينطق باسم الضحية المرشحة للكفارة حتى انتصب الأسمر وممتلئ الخدين على ساقيهما وقد وسّع صدريهما شعور مضاعف بتنفّس الصعداء وبالفرحة. وتقدمت زمرة من صغار الكسالى على وقع بوق غير مرئي. فحوصر إدريس وقبض عليه وقيّد. وعبثا تخبط وسبّ وقنطر ورفس وسدد إلى وسط أنف ممتلىء الخدين الذي كان يحاول أن يفهمه محاسن الرواقية لكمة قويّة ترنح منها. كلّ هذا كان جهدا بلا طائل. فك الأسمر مسبحة الفقيه التي كانت تتدلى من وصلة مسمّرة في الحائط واستعد لعدّ الضربات واتخذ له، بشكل احتفالي، موقعا قرب المعلم. مزقت الرحيمة الهواء فهزّ صوت شبيه بصوت الآنية المكسرة الآذان. واحدة! صرخ الأسمر في حين بدأ الإبهام والسبابة يفرطان حبات البيدق: اثنتان! ثلاث ! أربع ! خمس !.

كانت الرحيمة تروح وتجيء. أحس إدريس من أول ضربة بألم مبرّح. فكأن شفرة موسى كانت تنغرز في اللحم.ومع ذلك فهو لم يتحرك واستعاد هدوءه وتقبض على شفتيه وتماسك حفاظا على كرامته المهانة وأقسم بأن لا يطلب أي حِلم.

أصبح الألم عند الضربة الثانية أكثر حدة .وتحمل الثالثة والرابعة. وعند الخامسة أحس بقواه تخور.وقسطت رجلاه وخيل إليه أن الأصابع والعرقوب قد غيّرا من موضعيهما. وثقلت ركبتاه وحصل لديه انطباع بأن نوعا من الشفرات المحماة يخترق جسده من جهة إلى أخرى. ورزح بطنه تحت ما يشبه ثقل كيس من الرصاص. عند الضربة السادسة بدأت أذناه تطنان، وأثارت أعصابه تموّجات صوت زيز حصاد ثاقب في حين قلصت تشنجات عضلية لا تقهر صدغيه. كانت نار شديدة تلهب حنجرته. واكتسى لسانه بمادّة بيضاء وانتفخ لسانه بين فكيه. سبع، ثمان، تسع… عشر! صرخ الأسمر برباطة جأش وهو يرفع المسبحة إلى مستوى صدره حتى يقتنع إدريس الذي كان يصارع الألم وعيناه نصف مغمضتين، أن قواعد القرع بالعصا وقعت مراعاتها بدقة. إحدى عشرة، اثنتا عشرة، ثلاث عشرة… عشرون… خمس وعشرون! كانت رحيمة تهتز من دون توقف. كاد إدريس أن يصرخ ولكنه تذكر عهده وتحولت الصرخة التي كبتت في الوقت المناسب إلى تمتمة خفيفة نائحة. تصلّبت عضلاته وتقبض جسده وغمر العرق جبهته وعاد طنين زيز الحصاد الذي أثار أعصابه منذ قليل إلى أذنيه وأحس أنه سينفجر. ست وعشرون، سبع وعشرون… واحد وعشرون !

إن الشقي انقص خمس ضربات من الضربات التي على إدريس أن يتلقاها. تفل سي عبد السلام في أصابعه وعركها وعاودت الرحيمة تطايرها. حومت الهراوة في الهواء و… وقعت على رأس النزق الغشاش.  ثلاثون! هتف الأسمر وهو يرفع يده إلى رأسه حيث انتصب تورم في حجم البيضة على الصدغ الأيسر. ثلاثون! إحدى وثلاثون !.

رنت بلا شفقة ضربة ثانية على الرأس ذاتها وأعاد الأسمر يده من جديد إلى جبهته ليتحقق، في غم، من انتفاخ تورم ثان فوق الصدغ الأيمن هذه المرة. ست وعشرون، سبع وعشرون… ثلاثون.

عادت الرحيمة، بعد أن أجبرت الأسمر على سلوك أكثر مطابقة لقواعد الحساب العشريّ، إلى دغدغة قدمي إدريس. كان المعذب يبدي علامات ضعف وأصبحت، الآن، رجة تهزه. وكان الجعل الذي طردته الضوضاء التي عقبت تقييد أعضاء إدريس من المْسِيد قد عاد فأضاف صوت مروحته إلى صفير الدبوس. انبجس الدم من باطن القدم اليسرى ودلت حركة متقطعة على ازدياد الألم.لقد انفلق ظفر إبهام وكان عقب الرجل اليمنى ينزف وعتمت دائرة سوداء متورمة وَظِيفَ مُشط القدم اليسرى. عندما استعاد إدريس حواسه كان ممددا على الدكانة ورجلاه ملفوفتان في قماش مبلل بماء ساخن. كانت يداه اللتان فكت عنهما القيود تؤلمانه. وكانت حمى على قدر من القوة تَهِيجُ أعضاءه. وتملكه غثيان شديد فنهض ليتقيّأ. على هذه الصورة حصل إدريس علىتعميد…الدم. كان التلاميذ ما يزالون متحلقين وكان سي عبد السلام يتهيأ بعد أن أسند الرحيمة إلى زاوية في المْسِيد، لاستنشاق قبضته من التبغ، في هدوء.

*
* *

تبغ النُُّشُوقِ ملذة من ملذات الجبل. والطبقة الميسورة تجيز لنفسها، من دون ملامة ضمير، وهي التي تركت استهلاك الكيف لعامة الناس، هذا العيب الصغير.

ومن جهة أخرى فإن ضرره محدود. وإذا غضضنا النظر عن خدش الجمالية وعادة العطس المستهجنة التي لا يعود في إمكان المرء أن يتخلص منها، فإنه ليس في عملية حشو المنخرين بكمية من التبغ المدقوق المعطر بأفضل أشذية الغابات شيء يستدعي الملامة. والأخلاق لا تستاء من ذلك. ومن النساء اللائي ينتمين، فلنقل، إلى نخبة البلد الاجتماعية من لا يرفضن تعاطيه في شغف دال على سذاجة مؤثرة. وبالمقابل فإن الكيف هو آفة البلد. إنه النظير الشمال الأفريقي للحشيش المصري والأفيون الصيني والأفسنتين الفرنسي والفودكا الروسية والكوكايين العالمية. والمخدرات، في كل مكان، وسواء أشربت أم دخّنت أم مضغت أم حقّّنت تتساوى. ومع ذلك ففي التبليد درجات. والاختلاف بين السّيدر والأفسنتين يناظر، معالفارق، الاختلاف بين التنفيحة والكيف. ذلك أن الكيف الذي يتكون من خليط حبات القنّب الهندي ذات الخصائص المنوّمة القوية وأوراق التبغ التي تمدّها بالشذا، مخدّر مقيت. ومن يتعلق به فهو، بالقوة، كائن لا أمل في شفائه. إنه، وهو المرشّح للسلّ المعرّض، دوريّا، لسورات الهذيان، يهدم، منذ وقت مبكّر، قواه وصحّته. والكيف يدخّن بواسطة البيبة. والبيبة المرّاكشية، أي السبسي، هي غليون هندي يتراوح طوله بين عشرين وثلاثين سنتيمترا. ويعلو الغليون المقدود من خشب الأرز أو الجوز أو بلوط الخَلَنْجِ، أحيانا، مَحرق تبغ من طين مشوي محمر. والسبسي هو، في الآن نفسه، ماعون الشغوف بالكيف وصديقه. ولهذا السبب غالبا ما يمثل السبسي ثروة صغيرة.

والسبسي الذي تطوقه خيوط من الفضة طليت بطلاء خزفي يحمل سليسلات كثيرة من المعدن ذاته تربط طرفي الساق. ومن هذه السليسلات تتدلى حُلَيَّات قديمة وقطع نقود من كل بلاد الأرض منها ما هو حري، بالتأكيد، بأن يثير غبطة علماء المسكوكات وأحجارُ ياقوت أحمر وزمرد غالي الثمن وأحجارُ عَيْنِ الهٍِِر ومسامير من العنبر مزخرفةُ الرأس وأحيانا قطعةٌ ذهبية وسَكِّينٌ بال رسمت عليه طغراء هذا الخليفة التركي ودَبْلُونٌ عليه صورة ملك من ملوك أسبانيا وجنيه يحمل تاريخ ضرب سكة أحد ملوك بيت هانوفر.

على أن الكيف لا يفتك فتكا ذريعا إلا بالفئات الفقيرة في المدن وفي عدد قليل من القبائل. فالعامة، كما هو الشأن في كل مكان، هي التي تستهلكه وتتأذى منه. ومن سوء حظ الجبل أنه عرف هذه العاهة على الرغم من أن الريف المجاور يكاد لا يعرفها. أما القبائل الأخرى فهي لم تصب بها بعد. ولكن في إمكان المرء أن يكون على يقين من أن مراكش مازالت بسبب احتكار إنتاج الكيف وبيعه اللذين أقرتهما فرنسا بواسطة إقامتها العامة واللذين يؤمنان لها أرباحا مجزية، بعيدة عن التخلص من هذه العاهة الاجتماعية.

إن استهلاك تبغ النشوق أقل خطرا. ويحصل عليه بسحق أوراق التبغ التي تنتشر زراعته في الجبل انتشارا كثيرا بعد قطفها ونشرها بعض الوقت على سقوف أكواخ القش حيث يعجل أوار شمس المتوسط بتجفيفها. وهي تدق، بعد ذلك، في أجران من الحجر.

ويجمع المسحوق الحاصل المغربل في بسط بيضاء رفيعة وتضاف إليه أعشاب معطرة مجففة مسحوقة، هي أيضا، أو مواد أخرى عطرية مثل المسك الذي تعد رائحته المدوخة من أفضل الروائح المستحسنة. ويدق كل هذا، مرة ثانية ثم يصر في أقماع ورقية ترتب في علب حماية له من فعل الحرارة والرطوبة المذيب.

ولناشق السعوط الذي يحترم نفسه مسعطه مثلما أن للمدخن سبسيّه. والمسعط نوعان: القصبة والجوزة. والأولى، مثلما يدل على ذلك اسمها العربي، أنبوب من القصب يتراوح طوله بين عشرة سنتمترات واثني عشر سنتيمترا مجهز بسدادة من الفلين أو، ببساطة، بقطعة قطن مندوف محزومة. إنه ماعون الفقراء أو الهواة الفاترين شيئا ما. وناشق السعوط الذي يستعمل القصبة لا يحظى، بين أمثاله، بالكثير من التقدير. ويسمح في الجبل حيث يعد الرخاء استثناء، بخرق هذه القاعدة. والناس، جميعهم تقريبا، يستعملون القصبة.

أما الجوزة فهي أكثر غلاء وأكثر أناقة وأكثر ارستقراطية. إنها، وهي التي اقتطعت من أخشاب نبيلة، تتطلب عملية نجارة أو صياغة من الدرجة الأولى. وهي ، في مقابل ذلك، تمد مالكها بشعور بالفخر مشروع. على أن هذا الشعور مشروط بجودة الخشب ومهارة الصنعة.

كان سي عبد السلام يملك جوزة أكسبته، أكثر بكثير مما أكسبته خصاله البيداغوجية وامتلاك الرحيمة، شهرة تمتد إلى عشرة فراسخ في جميع الجهات. فلقد صنعها، بناء على طلبه، أحد النجارين في فاس عندما ذهب للدراسة في القرويين. لقد صعد، قبل أن يذهب إلى العاصمة، حتى قمة تيزران. وهناك، وبعد أن شق له طريقا في أكاليل الثلج الأخيرة التي كانت تغطي الذروة، قطع، بمساعدة أحد القرويين، فرعا من واحدة من الصنوبريات الضخمة التي كانت فَناَدَاتُها، تَفْرَعُ في هذا المكان في الزمن الذي مر فيه حنبعل غير بعيد من هنا قبل حوالي عشرين قرنا. ومن الفرع المبتور الملقى على الثلج اقتطع حطيبة تَلَوََّنَ شكيرها بازرقاق دائري. وعندما وصل إلى فاس، اقتيد إلى نجار قريب من باب السجمة حيث كان نقاشو خشب مسنون، كلهم منحدرون من الصناع المهاجرين سابقا من إسبانيا، يعالجون الأرز والأكاجة والآبنوس فسلم واحدا منهم قطعة الأرز المقتطعة من لحم الشجرة الألفية المختلج. وفي مقابل ريال حسني واحد قدم له الآبنوسي، في أقل من ثلاثة أيام، معجزة صغيرة في الجمال سيذهب بها إلى صانع مزخرف في الدوح لإتمام العمل فيها.
لقد طليت الجوزة، وهي ذات شكل بيضوي وشبيهة بجوز صنوبر ذي جُولٍ محدّب الوسط ومحاطة بأقواس متراكزة، بادئ ذي بدء، بطبقة خفيفة من الطلاء الخزفي الأسود أكسبها إشعاعا انعكاسيا جميلا. ولقد غطى الصائغ، وهو تشيليني مراكشي حقيقي، الرأسَ بسلسلة فضية تغطي جزءها الأعلى حول العنق وتزخرفها زخارف ذات خطوط متعرجة غاية في كمال الصنع. ويعلو العنقَ مسمار من الفضة ذو سليسلات تقوم مقام القنية. وفوق القنية زهيرة صغيرة مثلثة الُقدّةَ طلب سي عبد السلام أن ترصع بثلاثة ألْعَاٍل صغيرة.

كان سي عبد السلام، دائما، يحمل جوزته ملفوفة في منديل كبير أحمر رسمت عليه زهور زرقاء وخضراء، كان يضعها في أحد جيوب زعبولته أي هذا الخرج الطويل من الجلد اللين ذي الأخمال المتدلية الذي يلبسه كل جبلي والذي يستعمله، في الآن نفسه، مستودعا ومخزن مؤونة. إضافة إليها تحتوي علبةٌ صغيرة من الجوز (إذ أن سي عبد السلام كان متعلقا بأخلاق سيباريس) عطورا متنوعة: مثل لبان جاوة والصندل والمسك والشب مع مَجْمَرَةٍ جدّ صغيرة يحرق فيها، بين الفينة والفينة قبضة من البخور. فكان يمرر، عندئذ، جوزته فوق الدخان، وقد تاه بصره في أحلام شهوة تكاد أن تكون دينية واشرأب منخاره تماما مثلما يفعل ابن آوى عندما يمر على مَشَمٍّ منه نسيم عليل خالطته رائحة طريدة غير مرئية.

وخلافا للأوروبي الذي ينشق ممتصا قبضته من التبغ يتصرف سي عبد السلام، مغربية منه، بطريقة مغايرة تماما. فهو يبدأ بإخراج منديله من الزعبولة ويبسطه ويتناول الجوزة بحيطة جديرة بعاشق حنون ويمسحها بتمهل بمنديل وكأنه يبتغي أن يزيد من مظهرها البراق. كان وجهه وهو يتربع على البورياء أو على الدكانة جاسا مسعطه يبدو على هيئة وجه ناسك مجذوب يقف أمام بعض الإيقونات المعجزة فيحمر خداه الشاحبان.
كان يسحب الأنبوبة ويرد كمّ جلابته الأيسر ويذر من المعطس المقلوب الذي أصبحت مؤخرته في الهواء ظاهر يده الممتدة وقد رفع إبهامها وبسطت سبابتها أفقيا وعطفت بقية الأصابع نحو الراحة على غرار إشارة موجهة إلى الصم البكم. وعندما يكون قد ملأ بالتبغ الحيز بين المعصم وآخر سُلَامِيٍّ في السبابة، يضع سي عبد السلام الجوزة على المنديل ويكّون، بخنصر اليد اليمنى، جَشَمَةً صغيرة يتراوح طولها بين خمسة وستة سنتيمترات ولكنها تحوي لا أقل من أربعة إلى خمسة غرامات من التبغ. ثم يرفع اليد اليسرى إلى مستوى الصدر. وعندئذ يتحول لون الوجه الأرجواني إلى لون قرمزي فاقع ويغشى البصر بفعل البخور وتسيل دموع على طول الخدين (مما يبكي الأسمر، أيضا) وترتجف الشفتان وتعلن الفم المنفرجة عن شهوانية لا تتناسب مع الأنف الأفطس التعيس المزروع في وجه الملاك المتمرد هذا. وينزل سي عبد السلام، عندئذ، وهو منبسط، الأنف على اليد ويُسْفِط بالمنخر الأيمن في غطيط شبيه بغطيط ضَيْوَنٍ عجوز يستريح بعد مغامراته الليلية، نصف الجشمة ويقلب وجهه ليقذف، بسفطة جديدة، ببقية التبغ إلى قعر المنخر الأيسر. بعد ذلك يركز نظره على حفل الأطفال فتشيع ابتسامة خفيفة دالة على مستوى الغبطة الذي بلغه الجذل في فكيه. لا شك أنه كان أيضا، إذا ما حكمنا عليه من خلال حالة الخدرة التي تلفه بصمت النواويس، يحلق في عالم من الغبطة والنعيم وفي النيرفانا.

كان التلاميذ يراقبونه وكان الأسمر يتابع، ويداه حول ركبتيه، تحولات سحنة معلمه بفضول شيطان مكبّل. كان ذلك يفتنه. وعندما يستحوذ سي عبد السلام، بعد نزوله من الجنة، على المنديل الأحمر ليجفف عرق وجهه، كان الأسمر هو الذي يطلق عطسة صاخبة تبهج الأولاد وتفر منها عصافير الدُّوِرٍّي الحاطة على حافة العوارض. ذلك أن الفقيه، وهو العريق المحنك في أخوية فرسان البودرة السمراء، لا يعطس بتاتا. وجهابذة ناشقي السعوط يتخلون، بطيبة خاطر، عن هذه المظاهر المنخرية للجهلة والمبتدئين.

على أن الفقيه لا ينشق السعوط إلا عندما يضطرب مزاجه إذ كان الهدوء يبقيه في رزانة ربانية. ولهذا السبب التجأ، بعد أن ضرب إدريس ضربا شديدا متواترا إلى الدكانة. وفي حين كان الأسمر يتحسس حَدَبَتيْه والأطفال يدلكون رجلي إدريس طلب سي عبد السلام، في الحال، نجدة جوزته.

*
* *

يتعاطى سي عبد السلام، غالبا، بين درسين ومن دون أن يغادر التلاميذ القسم، الخياطة، أو إذا شئنا، صنع الجلابيات والقشابيات. وليس يمكن لفقيه جبلي، إن لم يجمع عددا هائلا من المهن، أن يتجاسر فيسعى إلى الحصول على هذه الوظيفة. إنه قيم منزل حقيقي .ولذلك عليه أن يجمع عددا كبيرا من المعارف التي ترغم الجاهل على ألا يساومه البتة في ضريبة الإعجاب الصادق. كان سي عبد السلام معلم مدرسة وخياطا وبرادعيا وجزارا. وكان حائزا، في علم النبات وفي الطب وعلم البيطرة على معارف مثيرة للاهتمام. صحيح أن عياداته يمكن أن تقود إلى الجبانة مثلما يمكن أن تقود إلى أسفل شجرة الخروب العجوز التي يقوم ظلها مقام مكان النقاهة بالنسبة إلى المرضى المتماثلين إلى الشفاء. ولكن لا أحد يبلغ به الأمر إلى حد الاعتراض على مواهبه العلاجية. لم يكن تشخيصه المرض، طبعا، صائبا دائما. وكذلك علمه التشريحي. كانت يداه تتحسسان المِعى عندما يشتكي المريض من المعدة أو الرئتين عندما يكون القلب هو الذي يبدي أمارات ضعف. وكان يعالج النزف بالفصد. أما أنواع الصداع فلا يذهب بها في نظره، غير كَيٍّ صارم للراسِلَيْن. ويتحسن الأمر عندما يتعلق بتمشية البطن. ذلك أن سي عبد السلام اهتم، في فاس، بدراسات ابن البيطار وعرف بأنه كان طويل الباع في علم المفردات. كان يوم الجمعة، وهو عطلة، يجول في رفقة عدد من التلاميذ (وكان الأسمر وممتلئ الخدين اللذان يعرفان حق المعرفة الطوبوغرافيا الدغلية في عدادهم) عبر الجبال، شديد الانتباه، يقطف ويصنف عددا ضخما من النباتات التي يحسن تقدير خصائصها الإمساكية والمسهلة والمسكنة. وتضم قائمته الصيدلية صنفا كاملا من المخدرات والإكسيرات التي يعلم الله وحده وهو وَصْفَتَها.

وهو، باعتباره جراحا، نسيج وحده في معالجة العظام المنخلعة أو المنكسرة. ويذكر الناس، في جميع الجهات، عدد الظنابيب والتَرْقُوات التي أعادها إلى حالها الأولى. وتتميز طريقته في علاج الأسنان بالشدة. آه. لا. انه لا لجوء إلى كلاّبة الأسنان ولا إلى طرق التبنيج. كانت هناك كتيفات قديمة نشلها بعض لئام الأطفال من بيطار القرية مغطاة بالصدأ والدم معلقة باستمرار في جدار غرفته، فوق باقول يحوي عددا لا يستهان به من الأضراس والأنياب. وعندما يحضر المعالج في القسم يرسل الفقيه من يحضرها.

وبعد أن يجلس المريض ويتأكد من السن المُتَسَوِّسة يولج ملقطي السرطان الحديدي الضخم الصغيرين في فكي التعس الذي يحدق، وقد نسي فجأة مرضه، بعينين مذهولتين في هذا المطبّب الممارس الغريب. وما إن ينطبق فرعا الأداة على السن حتى يقوس سي عبد السلام، بقوة، ذراعه ويبرز الكتيفات ترافقها صرخة المريض والدم الذي ينبجس من النُّخْرُوِب المفرغ، وفي طرفها سن يعرضها الفقيه في فخار بَاسِمٍ على الصبية المنذهلين.

وأحيانا يخطئ سي عبد السلام السن المريضة ويكون، وقد بضع على وجه الخطأ، قد قلع، ببساطة تامة، ضرسا رائعة لا تحمل أي أثر للتسوّس. انه لا بد، عندئذ، من تكرار العملية. وليس للزبون أن يغتاظ لأمر تافه مثل هذا فسي عبد السلام حريص في هذا الشأن على سمعته. وعند أقل مقاومة يمسك التلاميذ، نزولا عند إشارة المعلم، بالمريض ويفتحون فكيه وكأنه تمساح صغير السن اصطيد في البحيرة يجبر على ابتلاع أكلته اليومية. ويتحقق سي عبد السلام، بتحسس سبابته السنين المحيطتين بالنخروب الدامي، من السن الأكثر زرقة ويمسك بها بين الملقطين اللذين يقطران دما وأكسيدا وبشدة خاطفة يطيح بها في الهواء وسط سيل من الرشاش المتورد فيتراخى المسكين، وقد أطار الألم عقله، على الأرض.وعندئذ يسرع الفقيه بإحضار غلاية صغيرة ينصبها على موقد تحترق فيه قضبان كَرْم. وما إن يبدأ الماء في الغليان حتى يخرج من أدراج علبة قليلا من السعتر المزعفر ويحضر منه نقيعا يصبه في قدح يضيف إليه قدرا ضئيلا من مسحوق الكافور والشب فيتناول المعالج هذه النقاعة الباخرة ويمضمض فمه ثلاث مرات أو أربعا. ولهذه النقاعة، حسب بحوث طب سي عبد السلام التطبيقي، مزية توقيف النزيف والوقاية من كل انتفاخ في الِلثَّة. فهي في نفس الآن، على ما يبدو، مصرّف دم ومُطَهِّر جراثيم. غير أن أكسيد الملقطين يفسد الأمر على كل هذا التطبيب المتهافت.

*
* *

اشتهر سي عبد السلام بوصفه جزارا، بأنه يستعمل الشفرة ببراعة كبيرة. وعملية السيطرة على كبش أو تيس وتقييدهما وتمرير حد الشفرة على الحلقوم لا تستغرق إلا دقيقة سريعة. كان، يعلق الحيوان، مستعينا في ذلك بالأسمر الحاضر في كل مكان باستثناء الاشتغال بلوحته، على أولى شجرة تين تصادفه. وفي أقل من ربع ساعة يكون قد سلخه وأفرغ كرشه وقصبه وسلمه ورديّ اللون داميا منتفخا لحما وشحوما شهية لأول طباخ مكلف بالشيّ أو بالطهو في الهواء الطلق. وهو يقبض إجباريا ثمنا لذلك الرأس والقوائم والجلد. وله الحق، أيضا، في عشاءين مقتطعين من الزردة.

ولكن سي عبد السلام لا يعرف كيف يبين حقا عن مواهبه العلمية إلا بوصفه خياطا خاصة. والثمن الذي يقبضه من خياطة الجلابات والسلاهم (وهذا هو الاسم المراكشي للبرنوس الجزائري) يمثل أهم موارده. هذا الصنف من اللباس يسمى في الجبل، البُرْشمَال. وهذه المهنة اليدوية تدخل ضمن مجموع الدروس التي يتلقاها الطلبة. وعلى المرء ألا يتعجب من ذلك. فكثير من طلبة السوربون لم يكونوا، في ذلك الزمن البعيد الذي طغت فيه روح الأكليروس في باريس ما قبل النهضة، يفعلون غير هذا لضمان خبزهم المنقوع اليومي.

كان سي عبد السلام، في القسم، يصنع جلاباته. والجلابة يمكن أن تصنع من الصوف أو من قماش قطني أو من الحرير. والمراكشي حائك ماهر. ونول نسيجه، مهما كان بدائيا، ينتج قماشا يتصف بجودة لا تمكن، على الإطلاق، الاستهانة بها. وفي القبائل، ومن ضمنها الجبل، ما زال الناس يستعملون، في النسيج، المغزل. والمرأة هي التي تغزل الصوف، بواسطة عمود مغزلي الشكل، بعد أن يغسل ويخلص من وَشَله .وهي تنجح في إنتاج قماش متين صميم يباع في السوق أو يستعمل في البيت. هذه الجلابات بيضاء أو سوداء أو ذات خيوط مشبوكة تشكل رسوما جغرافية.

ويعمد سي عبد السلام، وهو خياط الدشرة الأول، عندما يهم بخياطة الجلابة إلى قياس قامة الحريف، قبل كل شيء، مستعملا الذراع والشبر. إن هذه ليست بطريقة حسابية دقيقة ولكن سي عبد السلام لا يخطئ البتة قيد بوصة. ومن ناحية أخرى كان غندور القرية، دائما، راضيا عن نخسات إبره. وكان لباس واحدة من هذه الجلابات الجميلة السوداء المحشاة بأشرطة مرشقة وبزهور من الحرير، يبعث، حقا، على الغبطة. كان سي عبد السلام، بعد أن يفصل قماش الصوف، يجلس على الدكانة ويشبك ساقيه وينادي الأسمر أو تلميذا آخر ويعهد إليه بتثبيت البورشمال. وهو يباشر عمله على النحو التالي. كان يغرز في مخدته دزينة من الإبر التي خرقت عيونها خيوط طويلة من كتان أبيض تتآتى من بكرة صغيرة وضعت على جانبيه ثم يتناول بكرات أخرى من خيوط الصوف الملون اشتراها من بائع جوال يهودي كان يتلقاها من مزود من تطوان ويحلها، قاطعا خيطين أو ثلاثة أو أربعة خيوط متساوية الطول مختلفة الألوان مسويا بينها ويربط في أطرافها جديلة من سعف النخل الجاف أو قبشة من السوحر يكون على من يجلس قبالته أن يجيز بينها أصابعه. وفي آخر الأمر يثبت في الجلابة أطراف الخيط المتقابلة ويشرع في عمله. وفي كل نخسة كان التلميذ الذي يمسك بالأقواس المكونة من جديلة سعف النخل أو قبشة السوحر، يحولها بالأصابع من يد إلى يد أخرى. وهكذا يبدأ الفقيه بتثبيت أجزاء الجلابة ثم يخط خطوطا في أهداب البرنس في الأكمام. وبحكم هذا التقاطع الموقع ترسم الخياطة سليكات تتراوح غلاظتها بين سنتيمتر وسنتيمترين. هكذا يتم صنع البرشمال.

وعندما يتم صنع البرشمال يحضر سي عبد السلام علبة فيها خيطيات من الحرير ذات ألوان فاقعة: حمراء وخضراء وبرتقالية وصفراء أو زرقاء ويثبت على الخطوط المتراكبة باقات صغيرة تكسب الجلابة من بعيد رونقا جميلا من البرقشات اللماعة. هذه الجلابة قصيرة .فالحياة، في الجبل، تقتضي أن لا تتجاوز إلا نادرا الركبتين. ولونها يقترب من فوارق المروج ومن ريش ديك الخلنج وهو هذا الديك الذي اختير في عصور المغرب القديمة الوثنية رمزا للجنس. ويلبس الفتى الجبلي، فوق القشابية والتشامير والسروال، هذه الجلابة ذات الزركشات اللامعة . وتتدلى تحتها الزعبولة بعفرة جدائلها الجلدية المقصوصة ويغطي رجليه زوج بلغة مضاعفة النعل ذات اصفرار فاتح صنعت من جلد محبب محيطا رأسه بـخيط متقلدا في هيئة عسكرية البندقية الحجرية أو بندقية حرب السبعين أو قربينة المانشستر: إن هذا هو غندورنا قاطع الأدغال مخترق الأجراف كأنه قنطورس شاب أفلت من عرينه.

*
* *

يصفف التلاميذ ألواحهم، بعد انتهاء الدرس، في مشكاة في المْسِيد فلا فروض عليهم في المنزل. ومن الممكن جدا استظهار ما حفظ من السور في المدرسة أو، عند الاجتماع، حول الفقيه، بعد صلاة المغرب، ترتيل فقرات طويلة من القرآن مراعين توقيع المقاطع بتغيير فاتر في طبقات الصوت. ويعود التلميذ الذي قضى ليلته في استظهار السورة التي حفظها بالأمس، في الصباح، إلى مكانه في الحلقة ويعيد، واللوحة على الركبتين، سرا، سلسلة الآيات. وعندما يتأكد من أن الدرس حفظ جيدا، يقترب من الفقيه ويستظهر، في صمت عام، بسرعة، السورة. فإذا نال الاستظهار رضاء سي عبد السلام وإذا لم ترتكب أخطاء نطق ولا وقفات جد طويلة، فإنه يُهَنِّي، التلميذ ويطلب منه محو لوحته وإلا فإن كل شيء يعاد ويتلقى التلميذ، جزاء على ذلك، ضربات على الظهر متصلة قوية.

وعندما يتلقى التلميذ أمرا بغسل اللوحة يذهب إلى ساحة المسجد الصغيرة ويملأ من البئر التي توجد فيها سطل ماء يغطس فيه لوحته ويمسحها بقطعة من الصلصال ويعرضها للشمس أو للهب نار من التبن حسب الفصول. وبمجرد أن تجف اللوحة يسلمها التلميذ الفقيه الذي يكشطها ليذهب عنها الغبار ويخط عليها بظفر إبهامه خمسة عشر خطا أفقيا على الوجهين ثم يشرع في إملاء سورة جديدة. عندئذ يخرج التلميذ من جيبه دواة صغيرة من البلور سدت بقطعة خرقة أو بقصاصة من الورق ويتناول قلمه ويتهيأ للكتابة. وعلى المعلم أن يهجو الحروف. ذلك انه من الصعب على طفل الكتاب، حتى لو حفظ القرآن عشر مرات، أن يكوّن فكرة عن الرسم إذ لا يوجد وجه شبه بين المْسِيد والسنوات الأولى في مدرسة ابتدائية حديثة. ولن يبدأ التلميذ الجبلي بالتدرب على اكتشاف خبايا النحو وتركيب الجمل إلا في وقت لاحق عندما يلتحق بجامعة القرويين ثم يلتحق، بعد ذلك إن شاء الله (وهذا أمر نادر) وإن توفرت الإمكانات، بتونس أو بالقاهرة لإنهاء وإتمام تعليم ابتدأ على هذا النحو السيئ جدا.

ويحصل على الحبر بهذه الطريقة: يحرق شيء من الصوف حتى احتراقه التام وتسحق الألياف المسودة بعناية ويخلط المسحوق المستخرج منها بعد ذلك بالماء الفاتر وتسكب لاحقا في قوارير أو أوعية صغيرة من الصفيح حيث يحتفظ بها طيلة بعض الوقت بعد أن تحرك جيدا. هذه الطريقة القديمة شيئا ما تمكن من الحصول على حبر أصفر عسلي يستعمل للكتابة على الألواح وكذلك على الورق.

أما ريشة القصب فهي نوع لا يكاد يقل ملاءمة عن ريشة الأوز التي مكنت رابلي وفولتير من كتابة أعمالهما الرائعة. ويقصّ سيدي عبد السلام من قصبة جافة أقلامه الطويلة ويقرض أطرافها لتتخذ بدقة شكل الريشة الفولاذية المثلثة أو الإصبعية. وما أن يتم تلميذ حفظ السورة حتى يلزمه سي عبد السلام بالخاتمة الصغيرة. وهو لذلك يتناول قلمه ويرسم على اللوحة نجمة أو على الأصح خاتم سليمان الذي أصبحت دمغته شارة المخزن الرسمية. ويشب، بعد ذلك ،بإصبع موفق الخاتم بكمية من الدوائر والمعّينات وذلك يعني أن السورة قد حفظت. وتختتم نهاية حزب بخاتمة متوسطة. وهذا ما يدعو أولياء التلاميذ إلى إقامة مأدبة لا مفر من أن يحضرها كل جيش الطفيليين الذين يترددون على المسجد. ولسي عبد السلام، ومن دون أن تنص على ذلك شروط العقد بشكل صريح، الحق في بعض المكافآت العينية الإضافية من الزبدة والزيت والبيض والشاي والسكر أو الشموع. وإذا كان أَبَوَا الفائز من الأغنياء فإنه ينضاف إلى الهِبات الاعتيادية، في هذه المناسبة جدي أو زوجا دجاج أو قماش صوفي. أما إذا كان التلميذ، على العكس من ذلك، فقيرا فإن المعلم والتلاميذ يشتركون، بدافع من تقاليد التضامن المرعية في بلاد المغرب، في الاحتفال بالفائز المحتاج. وحتى متطفّلو الحي يأتون إلى المأدبة، وهذه عادة مؤثرة، وأيديهم محملة بالهدايا.

ويحدث، أحيانا، أن ينجح الأسمر في امتحاناته. إن هذا لنادر ولكنه قد يحدث في نهاية الأمر. ذلك أنه، وهو المولع بالفلسفة سواء ما كان منها براغماتيا أو تأمليا، لم يكن ينظر إلى التربية غير نظرة ازدراء متعال. لقد ولد، وهو ابن تيزران، ليعجب بذرى الجبال العالية وتحليق العقبان المهيب، هذه العقبان الجَسُورة المتعَاظِمَة رمز اللانهاية. ولكنه يبذل، عندما لا يشرد تفكيره بعيدا، ما في وسعه أن يبذل وخاصة عندما تتوقف عيناه اللتان لا تكفان عن الطواف طواف المشائين، على هذا العزيز ممتلئ الحذين ويشاهد البرنس الصغير وقد استغرق في نهاية المطاف في كلام اللوحة المبهم.

وتبلغ المأدبات التي تقام تكريما للأسمر درجة قصف حقيقي تسود فيه ِمتْعِيَّةٌ حقيقية فيأكل المرء بشره. لقد كان الناس يحبونه لأنه كان يشبه إلى حد ما وكيل إدارة المسجد ومضحك الحي ومساعد الفقيه ويميلون شيئا ما إلى نسيان هرجاته: فتنفخ الحياة في الزردة وتبلغ روح الدعابة مستوى غير معهود. وتنتشر التورية والغمز بين صفوف المولمين. وبما أن الناس في الجبل يتوفرون على رهافة في الذهن فإنهم يطلقون لأهوائهم العنان فتسود البشاشة إلى النهاية.

وعندما تنتهي الوليمة الفاخرة يتوزع الجمع في الحدائق حاملين المواقد وأطباق الشاي. وفي حين تدور طاسات صغيرة ينبعث منها بخور النعناع والقرنفل أو الليمون في كل الجهات، يستدر موسيقيُّ مرتجل (والجبلي، وهو ابن عم الأندلسي، موسيقي جبلة) من قمبره، أنغام موسيقى ساحرة. فتنبعث شكاوى وأناشيد وأغان عاطفية صيغت على نحو حزين عذب من هذين الوترين اللذين داعبتهما يَدُ هَاٍو لا تنقصه الموهبة. إن طبيعته لتعبر عن ذاتها وهو أمر شبيه بسنفونية بويسون. هي موسيقى من دون علامات موسيقية ولكنها على جمال آخذ. وهي لا تخضع لنظام نغمي ولكنها ساحرة بتلقائيتها وباستحضار تجارب حزينة عيشت أو تجارب بهجة دائمة. آه، لو مر موزارت من هنا! إنه كان يمكنه، بالتأكيد، أن يلتقط في هذه الترانيم الحية عناصر تستأهل أن تدرج في هللويا ثانية. إن المأدبة ستتواصل، من دون أن تفقد شيئا من هذه الأدفاق التي غالبا ما تتحول إلى مآدب زحلية الساعة تلو الأخرى. كان السبسي يدور بين الأفواه نافثا في ضوء القمر نفحات تتلاشى حلزونيا وذلك حتى مطلع سحر باهت انقض من جهة البحر ليعلن عن الشروق. كانت السماوات تضطرم وكانت تشكلية من الألوان لا تعد ولا تحصى تلون، عوضا عن النجوم الشاحبة، غابة النيران المتوهجة. وعندئذ تطلق القُبّره بوقسانها الصباحي في حين يبث الشحرور والسمنة أغنياتهما بين عطور الغابة الممتزجة بطل الفجر.
إن الجبل يستيقظ.

—————

‏(1)razza

(2) الفقيه يعني المؤدب فلا علاقة للفظ ، إذن، بعلم الفقه.
(3) الجلابة : لباس فوقي يعلوه رأس يلبسه المراكشيون.
‏(4)noiraud
‏(5): Joufflu

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal