img10.jpg

أوال (18)

ذهب الي الجزائر ليحاضروه فحاضرهم

من ذاكرة الطفولة ، لاأزال أذكر ملامح والدي المكفّهرة ذات يوم من العام 1980 م ، ولم أفهم حينها ذلك الوجوم الذي خيّم على وجه أبي ، وفهمت فيما بعد أن مرّد ذلك يعود الي فقدان ، معلم وشاعر وكاتب وشيخ جليل ، وقطب من أهم اقطاب الاباضية في افريقيا الشمالية أسمه علي يحي معمر . كان ذلك أول مرة يطرق هذا الاسم مسامعي ، وشاهدت والدي يسرع الي سيارته ، ومعه يصعد بعض الرجال _ عرفت فيما بعد انهم تلاميذ الشيخ _ وقد أغرورقت كل العيون بالدموع .
وقبل اسبوع مضى أرسل لي صاحب مؤسسة تاوالت موحمد ؤمادي ( عرم ) من المعلومات واسماء المخطوطات التي تركها الشيخ ، وكاد يضيف طلاقا أن أكتب شئ عنه في ذكرى وفاته الرابعة والعشرين لصالح تاوالت .
لقد أحترت من أين أبدأ الكلام عن هذا العفيف ؟، ومن أي الجوانب أدخل الي سيرته ،؟ فهو كاتب وشاعر ومثقف ، وسياسي وشيخ دين ، وواحد من أهم القيادات الليبية في زمنه ، فمن أي الجوانب ألج للكلام عنه ؟
وازدادت حيرتي عندما اعتقدت أن هذه السطور لن تكفي شيخنا حقه .
غير انني سأفعل ذلك استذكارا لشيخ فطن كان يوما استاذا لوالدي ولكثيرين من زملائه الليبيين ، ومربيا فاضلا ، لم يغادر هذه البسيطة ، حتى وضع بصماته واضحة عليها ، ولم يترك القلم من قبضته حتى قبضت عليه المنّية وهو يجلس خلف طاولته بمكتبه ، كان ذلك يوم 15 يناير 1980 م .
ولّد الشيخ علي يحي معمر بمدينة لالوت أو نالوت بليبيا ، والواقعة على قمة جبل نفوسة عام 1919 م ، وكانت اسرته تسكن بلدة تكويت ، والتي لاتبعد سوى انحدارة من جبل لالوت ، لتكون هذه البلدة قد استقبلتك ، وكذلك فعلت عندما استقبلت الطفل علي يحي معمر في كتّاب تكويت ، ليتعلم القراءة والكتابة وعلوم الدين .
لكن هذا الطفل سرعان ما اثار انتباه استاذه المرحوم _ عيسى يحي الباروني الكباوي _ وأضهر له بانه تلميذ غير عادي ، تنبئ ملامحه المنتبهة بنابغة صغير ، أكدها تواجده في المدرسة الابتدائية التي تأسست زمن ايطاليا .
وعندما وصل الشيخ _ رمضان بن يحي الليني الجربي _ قادما من تونس ويطلب ليبي ، لتدريس بعض علوم الدين والفقه الاباضي ، كان معمر ملازما لحلقاته حتى العام 1927 م ، عندما سافر الى جربة بتونس ، وكان عمره فقط 8 سنوات ليلتحق بحلقات الشيخ الجربي فيها ، لكن كل هذا يبدو غير كافيا ، او ان كل هذه الدروس لم ترض غروره ، فحزم امتعته تانية الي العاصمة تونس ، وتحديدا الى جامع الزيتونة الشهير ، وحتى جامع الزيتونة سيتركه فيمابعد الي معهد الحياة بالجزائر عام 1937 م ، ولم يترك تونس خلفه حتى أسس فيها جمعية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مع بعض زملائه الطلبة بجزيرة جربة التونسية .
وعندما وصل الى معهد الحياة بالقرارة _ الجزائر _ كان شابا يافعا بقرابة 18 ربيعا ، مملؤة بتجربة عصامية بامتياز ، وحب للاطلاع والتهام المعارف على اختلافها ، ولم يكن صعبا على ابن يحي معمر ان يكون بارزا في الجزائر ، وهو المشارك الفاعل في كل مناشط المعهد ،وهو الذي لايكل ولايمل من كتابة المقالات والمسرحيات ونظم الاناشيد في المناسبات الامر الذي جعل أحد أساتذته يقول عنه : ” أناشيده تلهب المشاعر ، وتحرك الشجون ، وتترك الجبان الرعديد ليثا هصورا ” ، كان أساتذته الشيخ بيوض ابراهيم والشيخ عدون وأخرين في المعهد ، كانوا قد وصلوا الى قناعة مفادها ، ان الطالب علي يحي معمر ، بالامكان اسناد مهمة التعليم اليه ، وحدث ذلك بعد ان ذهب اليهم ليدرس فقالوا له : انت مدرّس .
وعندما عاد الى وطنه الام عام 1945 م كان قد ترك في تونس والجزائر مايكفي لتذكيرهم بهذا اللالوتي الرائع .
وفي ليبيا يقوده تفكيره مرة أخرى الي الكلمة التى يعرف تأثيرها ويخبر مفعولها ، فأسس مجلة بعنوان _اليراع _ أغلقت بعد تلاثة أعداد من الصدور لاسباب سياسية ، لابد ان الكلمة الرصاصة سببها ، لن أستطيع ان اخوض في تفاصيل كثيرة ملاءت عالم هذا الرجل ، ولست في معرض تعديد مؤلفاته واشعاره ومقالاته وابحاثه الكثيرة ، لكنني أجد نفسي مضطرا الي الاشارة في هذه العجالة الي تلك المعاهد والمدارس التي أسسها الى تلك المنارات ومحارم العلم التي أطلقها للحياة .
مدرسة ابتدائية في جادو ، كان هو الصوت الاهم في تأسيسها ، ومن منا لايعرف معهد _ اسماعيل الجيطالي _ بمدينة جادو ، والذي خّرج لنا أجيال من المعلمين ، اعتمدت عليهم ليبيا على الاقل في شطرها الغربي ، وعلى المستوى الشخصي فان هذا المعهد يذّكرني بأساتذتي الطيبين الذين تخرجوا من هناك ، وبدورهم علموني أنا وكثيرين من زملائي ، ولابد ان للشيخ علي يحي معمر دّين في رقبتي ، ولابد انه أسس هذه المنابر العلمية ، لادراكه بان صدقة جارية وعلم ينتفع به ، أغلى من كنوز الدنيا كلها .
وعلى غرار نفس العطاء كان له الفضل الاول في تأسيس مدرسة الفتح وجمعية الفتح بالعاصمة طرابلس منتصف السبعينات وهي مؤسسات لاتزال قائمة . …….
ومن منا لايعرف مجلده الضخم _ الاباضية في موكب التاريخ _ والذي اصبح من أمهات الكتب .
واذا كان لابد لنا من الاستشهاد برفاقه الذين عرفوه عن قرب ، يقول الشيخ سالم ابن يعقوب عن الشيخ معمر : لقد شارك بكل خلية فيه وبما أوتي من شجاعة ادبية ، وصدق نية ، وحسن استعداد ، يلقي القصائد الشعرية وينظم الاناشيد الحماسية ، ويؤلف المسرحيات ، ويرتجل الخطب النارية ، مما جعل منه رائد الشباب وقائده حينها ” يقترب علي يحي معمر من السياسة بانتسابه الي _ الحزب الوطني _ الذي تأسس عقب خروج الطليان من ليبيا ويبدو ان عالمه الصاخب بالبحث والكتابة والتأليف ، كل ذلك جعله يتفرغ الي القاء الدروس التي كان يلقى من خلالها احترام كبير ، والتفت الي مؤلفاته التي نشر منها ، ما يكفي للغرق فيها لشهور ، ومنها ما ظل قيد خزانته .
يحزنني هنا بعد فوات الاوان ، ماتعرض له هذا الرجل من اعتقالات ، ويحزنني وايضا بعد فوات الاوان ، أن يقاد هذا الطاهر الي زنزانات نتّنة في وطنه الطاهر ،ولم ينجوا حتى ابنائه من ذلك استنادا الي مبداء العقوبات الجماعية التي لايزال وطني يشهدها .
أعترف بأن هذا اوال قليل في حضرة شيخنا الشاعر ، الذي ذهب الى العلم باكرا وغادرنا باكرا ، عن عمر يناهز الستين ..
وأعترف بانني فهمت لاحقا سبب حزن والدي الشديد ، ذات يوم من العام 1980 م ، ولم يبقى لي الا ان أرفع كفّي الي جبهتي وأقول : سلام عليك في قبرك ، أيها اللالوتي الورع .

ماسينيسا كاباون

دجيغ تن دوس د ؤ سيغ د .

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal