img16.jpg

إليس ئنغ (2)

لدى دراسة وظيفة أي لغة من اللغات، يمكن الانطلاق من جانبين , الأول يتمثل في اعتبارها أداة للتواصل تمكن الناس من تبادل معلومات فيما بينهم. وهذا المظهر واقعي، ويمكن إدراكه بكيفية مباشرة جدا، غير أنه يعد المظهر الأكثر سطحية في اللغة. ومن شأن الاهتمام به في المقام الأول أن يقودنا إلى الحديث عن الجماعات اللغوية باعتبارها جماعات بينها تفاهم لغوي يمكن ربطه بعناصر اجتماعية أخرى كمستوى العيش والسكـن والنشاط المهني ، و التاني يشير إلى أن اللغة هي ما بِه و عبره تتحقق التنشئة الاجتماعية للفرد و هيكلة وجوده الاجتماعي. هذه اللغة التي تدخل الفرد في علاقة مع المجتمع تدرجه في عملية مزودجة حيث يُعترَفُ له بهوية – هوية عضو داخل المجتمع – ويحصُلُ على اعتراف مقابلَ قبول قانون الجماعة. بهذا المعنى، فاللغة تحدد البنية الرمزية للجماعة, هنا سؤال .. اليست اللغة الامازيغية هي المصدر الإثرائي الاول للهوية الأمازيغية ؟ .. من هنا يمكننا إدراك البعد الرئيسي لحملة القومجية العروبية , وهي التطهير اللغوي في إطار مسح الهوية ., فمنطقة شمال أفريقيا كانت وما تزال الموطن الأصلي والأساسي للأمازيغ عبر عشرات القرون, في حين جاء إليها العرب مع الفتح الإسلامي وفي موجات لاحقة وخاصة بعد انهيار آخر دولة إسلامية في أسبانيا.

واجه الأمازيغ القدامى قدوم موجات بشرية كبيرة ابتداءاً من الفينيقيين والإغريق والرومان ثم العرب منذ الفتح الإسلامي للمنطقة, وانتهاء ًبحملات الإستعمار الأوربية منذ القرن التاسع عشر , وكان المحتلون المتعاقبون يبذلون أقصى الجهود لاحتواء سكان البلاد الأصليين وصهرهم في لغتهم وثقافتهم وديانتهم وحضارتهم. ولم ينجح في ذلك إلا العرب نسبيا, بسبب تبني سكان هذه المنطقة الدين الإسلامي والمشاركة فيما بعد في الدفاع عنه واعتباره جزءاً من هويتهم الثقافية ذات الأوجه المتعددة. ومع أن الأمازيغ قد تبنوا في مختلف مراحل التاريخ لغة وثقافة وأحيانا ديانة الشعوب القادمة إلى مناطقهم أو التي اجتاحتهم, فأنهم حافظوا على عدد كبير من المسائل الأساسية التي ما تزال تميز عادات وتقاليد وطقوس الأمازيغ في البلدان التواجد الامازيغي , ونعني بها ما يلي:

1. استمرار وجودهم كمجموعة بشرية تنحدر من قبائل أمازيغية ضاربة بالقدم تقطن هذه المنطقة؛ و إستقرارهم ضمن مساحات مقفلة ترفض الإنصهار في بوتقة الفوج القادم .

2. المحافظة على اللغة الأمازيغية كتابة وقراءة, رغم ضعف العناية بها خلال عهود عديدة وعدم تطورها المناسب وفق التطور الجاري في اللغات الأخرى؛ إلا أن اللغة بقيت لغة الحوار في المجتمع الامازيغي .

3. استمرار وجود وتطور الثقافة الأمازيغية, بما فيها العادات والتقاليد والأعياد والتراث المشترك المتراكم عبر تاريخ مشترك, علماً بأن الكثير من هذا التراث غير مكتوب, بل كان وما يزال يتم تناقله شفاها وهو محفوظ في الصدر وعبر ممارسته العملية من قبل الأجيال المتتابعة

وإذا كان الأمازيغ قد حافظوا بهذا القدر أو ذاك وبشكل متباين ومن منطقة إلى أخرى في الشمال الأفريقي, على وجودهم ولغتهم وثقافتهم, فأنهم عجزوا في واقع الأمر عن المشاركة الفعالة في تطوير لغتهم وثقافتهم الأمازيغية المكتوبة, إذ استمرت ولفترة طويلة, وهي ما تزال تعاني من ضعف كبير في التعبير عن الحداثة الراهنة والتكيف معها. ولا يتحمل الأمازيغ تبعات أو مسؤولية ذلك, بل تتحملها حركات المد القومجي التي تعاقبت على حكم المناطق المختلفة من شمال أفريقيا على امتداد قرون طويلة والتي مارست سياسات مناهضة ومعرقلة لتطوير وإغناء اللغة والثقافة الأمازيغية, بما فيها سياسات التعريب, وفي فترة الهيمنة الفرنسية مورست سياسة الفرنسة أيضاً في مناطق الإستعمار الفرنسي .

لم يواجه الأمازيغ في دول تواجدهم عقدة اللغة العربية والحضارة العربية الإسلامية طيلة قرون خلت, إذ أنهم كانوا يتعاملون معها من خلال الدين الإسلامي الذي تبنوه وساهموا بفعالية مشهودة في تكريسه وترسيخه في المنطقة, كما شاركوا بشكل متميز في النضالات المناهضة للاحتلال لبلادهم. ولكنهم وبمرور الزمن واجهوا حالتين ملموستين أولا محاولات جادة ومتواصلة لتعريبهم وفرض العروبة عليهم وكأن. أي أنهم واجهوا محاولات غير منقطعة لصهرهم في المجتمع والحضارة أو الثقافة العربية, ومحاولة الدمج بين الإسلام والقومية العربية وكأنهما شيء واحد, وهما ليس كذلك, رغم كون لغة القرآن هي العربية, إذ أن القوميين العرب سعوا إلى تكريس شعار محدد رفع على امتداد عقود عديدة هو “العروبة والإسلام” معا, وأهمل كلية موضوع الأمازيغية أو موضوع العرب من غير المسلمين في بلدان أخرى؛ و ثانيا واجهت الجماهير الأمازيغية جحودا من مجموعات من القوميين العرب المتسمين بالتعصب القومي والعنصرية, وفي عدم تقدير أهمية مشاركتها في النضال وفي دعم الإسلام, وكذلك في إنكار دور القادة الأمازيغ الذين شاركوا في الدعوة والفتوحات الإسلامية, إذ أن العرب دأبوا على تسمية القادة العسكريين من أصل أمازيغي في الإسلام على أنهم قادة عرب بدلا من القول بكونهم من القادة المسلمين الأمازيغ كما هو واقع أو حقيقة هؤلاء القادة.وقد كنا قد اوردنا في هذا الصدد أسم طارق بن زياد في مقالة سابقة .

من هنا يطرح سؤال آخر هل للغة تاثير على مسارات التاريخ و تكوين اللبنة التكوينية للدولة و الامة حتى تأخد مسألة التطهير اللغوي كل هذه المساحة ؟ .

نعود لمسألة تعريف اللغة و ما تفضي اليه اللغة كما أسلفنا الذكر , فاللغة تتمثل في اعتراف الجماعة بالفرد باعتباره أحد أعضائها، الأمر الذي يُمَكِّنُه من معرفة أنه فرد, ، فالفرد لا ينال هذا الاعتراف إلا مقابل قبوله لغة الجماعة، أي قبول ما يُمنَح له من كلمات بأصواتها، ومعانيها، وقواعدها. وكل هذا يمثل في الواقع قانونا وإطارا وتصورا – للعالم المحيط بالفرد – مفروضا ومحددا مسبقا . ورغم أن هذا القانون المفروض على الناشئ اللغوي يبدو طبيعيا , فإنه في الواقع تخطيط في منتهى الدقة تفرضه اللغة على تلقائيته، وتفرضه الثقافة فيما وراء ذلك. ونقصد هنا بالثقافة مجموع القيود التي تفرضها الحياة الاجتماعية.

يتضح مما سبق أن اللغة تتجاوز مجرد أداة للتواصل. فهي تشمل مجموع الإطار الاجتماعي بضغوطه ومتطلباته. ولذلك يمكن اعتبارها والثقافة متكافئتين فهما معا تشكلان القوانين والقيم التي على الفرد أن يقبلهما كي يدمج في المجتمع ولا يتعرض للنبذ والتهميش، ويُعْتبَر بالتالي غير ســـوي .إذا ما من شك ان اللغة تعد احد اهم مكونات الوحدة الشاملة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وفي هذا الصدد نعرض نماذج من المدنيات الاخرى والدول الحديثة للتدليل على العامل اللغوي في البناء المدني بعيد عن التقييم الاخلاقي والحضاري و مسالة التعريب و أزمة الهوية و الامازيغية , و منها يمكننا معرفة مدى أهمية العامل اللغوي في التركيبة الأساسية للهوية .

ففي طريق تحقيق الاتحاد السوفييتي عملت الحكومة على فرض اللغة بالقوة بما سمي بالتطيهر اللغوي في موازاة التطهير الديني والعرقي للوصول الى الوحدة الاجتماعية والسياسية وفي كوريا كان اول مرسوم بعد انتهاء احتلال اليابان لها حظر تداول لغة المحتل .وفي الصين كان اول قرار بعد نجاح (ماوتسي تونغ) في عام 1949م التوحيد اللغوي وقد اختاروا اللغة الخانية لغة بكين , وفي فرنسا فرضت الحكومة الفرنسية اللغة بالقوة ـ في المدارس ـ وكانوا يسخرون بل يطردون الذي يتكلم باللهجة المحلية , حتى في الاراضي المحتلة استطاع الصهاينة في مشروعهم احياء اللغة العبرية الميتة منذ الف سنة من خلال ثلاثة عوامل عامل التخاطب والعامل السياسي (القومي) والعامل الديني (التربوي) .

نقف عن السرد بعد أن أطلنا و نعدكم بان لنا عودة

ولكم الحكم

طاروا ئن تمورانس

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal