img3.jpg

الانتقال الى الاقتصاد الإنتاجي والاكتشافات الآثارية فى الصحراء الليبية

طلب مني تقديم لمحة موجزة مسحية الطابع للإنجازات فى مجال البحث الجاري فى الصحراء الليبية، وذلك فى إطار الموسم الثقافي بكلية الآداب/جامعة سبها. هدف هذه المحاضرة لن يكون فقط تقديم موجز للنتائج التى توصلت إليها معاول علماء الآثار العاملين فى الوقت الراهن فى الصحراء الليبية [أشير هنا الى اتفاقى مع كوبر بأن استخدام الاسم التقليدي لوحدة جغرافية أكبر مثل “الصحراء الليبية” يبدو أنه الأكثر مناسبة اليوم بدلاً عن اللجوء لاستخدام مصطلحات من نوع “غرب السودان”، و”غرب النوبة” أو”الصحراء الغربية” أو “صحراء مصر الغربية”، وهى مصطلحات قد يكون مرحباً بها لأسباب الجغرافيا السياسية، لكنها من الناحية العلمية أقل ملاءمة لتمييز المنطقة كجزء من المشهد- الذى يشمل أجزاء من مصر وليبيا والسودان- والتى وفرت إطاراً بيئياً خاصاً للتطور الإنساني]. بل سأحاول مناقشة بعض الاستنتاجات المبدئية مع التركيز على بعض الصلات الثقافية المتداخلة، بخاصة بين وادي النيل والصحراء الى الغرب منه. هذه المحاولة ستبذل رغم أنني لا أدعي فى الوقت الراهن تمكني من تحليل سوي القليل من المواد التى تمَّ تنقيبها فى الصحراء الليبية من قبل كل البعثات العاملة فى الوقت الراهن، بالتالي فإن قراءتي قد تعتمد الى حد ما على وجهة نظر انطباعية للمصنوعات الفخارية والرسوم الصخرية والتى يمكن إسقاطها فى مخطط كم معتبر من التواريخ الراديو كربونية.

يتركز موضوع هذه المحاضرة على بداية إنتاج الطعام وهو موضوع أثبت بصورة متزايدة أنه يمثل أحد أهم المحاور فى علم الآثار الأفريقي. إنه مهم فى حد ذاته نسبة للأنظمة الجغرافية المختلفة، والظروف المناخية القديمة، والتطورات التقنية التى تطوقها. على كل، إذا كان للمرء أن يتقبل الفرضيَّة القائلة بأن المجتمعات المعاصرة تمتد جذورها الى تلك المرحلة التاريخية فإن إنتاج الطعام أشد أهمية لعلاقته وتأثيره على الأحداث والتطورات الأفريقية المعاصرة.

رغم أن هناك اتفاق حول حقيقة أن ظروف العصر الحجرى الحديث تتوافق غالباً مع تحول اقتصادي للمجتمعات ما قبل التاريخية، ورغم أن العديد من الباحثين يشددون على صعوبة إدراك واختبار الطبيعة المحددة للمحتوى الاقتصادي آثارياً، فإنهم يحسون بقدر من التحرر فى استخدام مصطلح “العصر الحجري الحديث” جاعلينه يعتمد فقط على سمات معينة (فى الأساس الفخار). يبدو لنا أنه من الضرورة التشديد ليس فقط على التطورات التقنية، لكن قبل كل شئ، على التحولات الاقتصادية والاجتماعية التى شهدتها مجتمعات الصحراء ووادي النيل خلال الهولوسين.

أصبح واضحاً منذ فترة أن المفاهيم القابعة فى أساس مصطلح “النيوليتى”(العصر الحجرى الحديث) كما هو مطبق بالنسبة للصحراء بحاجة الى إعادة نظر؛ ومعروف جيداً ان التقدم النظرى الهائل قد تحقق من خلال السعى للوصول الى تفسير مناسب ومتناسق لمجمل المعطيات التى تراكمت فى السنوات الأخيرة فى المتحف ما قبل التاريخى الذى تمَّ الكشف عنه فى القارة الافريقية عبر مدار السرطان. يبدو ثابتاً الآن، فى الحقيقة، ان النقلة النيوليتية (1) لا يمكن تثبيتها فى جراب واحد لنوع من التركيب الصارم، ذلك ان الماضى قد أبان ان التعريفات الصارمة تتهاوى بالتدريج كلما تحققت إنجازات علمية جديدة؛ تزداد معرفتنا اتساعا، وتتعرض أساليب الباحثين الى تعديلات. لكن ذلك لا بدَّ ان يكون وفق مبادئ محددة والتى، بعيداً عن جعلها أسيرة تصنيفات مسبقة ثابتة، تضعها فى مركز منظومة منفتحة لا مجال فيها للمحدوديات القديمة غير الضرورية. هكذا هو الوضع بالنسبة للعديد من مناطق الصحراء حيث تسجل البينة المادية المحددة بالنسبة للعملية التى تحقق عبرها تدجين النباتات والحيوانات غياباً كلياً، إلا أن ذلك لا يعنى ان مثل تلك العملية لم تك جارية. لا نستطيع أن نستنتج كونها كانت جارية بالفعل من مجرد “مفاتيح” تسمح لنا – آخذين فى الحسبان مستوى تطورنا الذهنى – بالتعرف على نوع مختلف من الوعى الخاص بمجموعة إنسانية هى فى وضع، وتعرف ذلك، أعلى بالنسبة “للطبيعة” التى ظلت دوماً قاعدة لغذائها الى جانب كونها مسرحاً لميلادها وتطورها.

شهدت الصحراء، فقط فى حالات استثنائية، نمواً مدينياً، كما هو مشهود فى المناطق الأفريقية الأخرى، ذلك بفعل ظروف الصحراء المناخية. كانت واحات الصحراء هى المراكز التقليدية للتجارة والتبادل الذى استمر حتى يومنا. على أية حال فإن البحث الجاري يشير الى أن الصحراء كانت البؤرة الأصيلة لتطور ثقافة تعتمد الرعي أساساً لها، وهو تحول ترك تأثيرات أساسية على مجمل مسار تاريخ القارة الأفريقية. لقد تم توثيق الاقتصاد الإنتاجي الرعوي، جنباً الى جنب مع استغلال الحبوب البرية فى الصحراء بدءاً من منتصف الهولوسين، مع بعض البينات التى يرجع تاريخها الى حوالي 10.000 سنة مضت. فى الواقع، يمكن افتراض أن نموذجاً واضحاً ومتعمداً لاستغلال البيئة، مع وسائل أساسية لمراكمة الموارد، يمكن التعرف عليه فى فترة أسبق، فى حوالي 18.000 سنة مضت، فى كوش.

أوضح البحث الجاري فى السنوات الأخيرة كيف أنه، فى نهاية البليستوسين، شهدت المجموعات الإنسانية فى الصحراء الليبية وبيئاتهم الجغرافية تحولات مركبة. فى هذه المحاضرة سيتم التشديد على هذا التغير والطرق التى تمَّ بها وتاريخ وقوعه. صورة لأفق أول، يمكن ملاحظة نشاطات قبل تدجينية فى الأطوار المبكرة للهولوسين، عندما كانت الصحراء ووادي النيل تؤلفان نظاماً إيكولوجياً واحداً. شملت الإستراتيجية الاقتصادية للجماعات استخدام سلسلة من التقنيات، جاعلة استغلال البيئة أكثر فاعلية: الصيد، وجمع النباتات، وصيد الأسماك. فى وقت متزامن مع هذا بدأت فى البيئات الأكثر جفافاً مثل الصحراء الليبية أولى تجارب رعى الأبقار التى قادت الى أن تصبح الأبقار المصدر الرئيس للبروتين، ساحبة هذا الدور من الأسماك. فى هذا الوقت كان هناك مصدران لهما القدر المعلى بالنسبة لنمو الجماعات الإنسانية- الماء ووفرة الحبوب البرية.

لا تسعى المحاضرة المقدمة الى تتبع التجارب الحذرة لإنتاج الطعام فى الصحراء ولا لإبراز تأثيرات تلك التجارب على مخرجات الهولوسين الأوسط. إلا أن الورقة تنطلق من فرضيَّة أنه بالرغم من أن تلك التجارب لم تفض الى تأسيس اقتصاد زراعي فى الصحراء فإنها سمحت بنقل الخبرة الى وادى النيل، وأثرت على الثقافات النيوليتية المحلية (الفيوم A، والبدارى، ونقادة).

فرضية أساسية لهذه المحاضرة تكمن فى افتراض ان تاريخ القارة فى مجمله حُتم بصورة نهائية بفعل بداية الجفاف الذى أصاب الصحراء حوالي 5.000 ق.م. وفرت التحركات السكانية التى حفزها هذا الجفاف دوافع أساسية لنشوء المدنية الفرعونية فى وادي النيل. أثرت هذه العملية بدورها على توزيع السكان واللغات الى يومنا فى مجمل القارة بصورة أساسية بحيث يجوز للمرء عد الجفاف الذى ضرب الصحراء والنتائج الايكولوجية التى نجمت عنه، بالتالي، قوة دافعة فى تاريخ أفريقيا.

تحتم الزراعة وفى المقام الأول الرعي أساس الحياة الإنسانية وشكلها فى أجزاء كبيرة من القارة الافريقية. يصبح ذلك بصورة خاصة بالنسبة لمناطق جافة واسعة والتى تغطى أكثر من ثلث مجمل القارة. هنا بالتحديد طور الرعاة البدو إستراتيجيات إعاشة على مدى آلاف السنوات ساعدت فى تكييف نمط الحياة الإنسانية لمواجهة تحديات بيئة قاسية.

تحديداً خلال أزمان التحول الثقافي الأشد، فى بداية الهولوسين، حدثت إعادة تعمير الصحراء الليبية فى شمال القارة والتى تعد عموماً أحد أكثر أقسام ما قبل تاريخ العالم القديم إثارة، بعد الامتداد أبعد الى الجنوب فى نهاية عصر الجليد أصبحت الظروف الحياتية فى الصحراء أكثر عدوانية مما هى عليه اليوم. فى حوالي 12.000 سنة مضت تحسنت الظروف ومع صحوة الحيوانات والنباتات ادعى الناس الصحراء ملكاً لهم مجدداً. انطلاقا من هذه الخلفية يجد علماء الآثار أنفسهم فى موقع نقطة بداية مذهل يمكن مقاربته بذلك الذى يجد فيه عالم الأحياء القادر على ملاحظة ظهور الحياة على جزيرة بركانية جديدة آخذة فى الظهور من البحر (كوبر). فى حالة الصحراء الشرقية فان مجمل العملية واضحة بما فى ذلك نهايتها ولذلك فان موضوع الاستقصاء محدد للغاية زمنيا. فى أيامنا هذه فان الصحراء الليبية فيما بين واحة الخارجة ووادي هور وفيما بين الكفرة ووادي النيل- وهى مساحة 720.000 كيلومتر مربع.

المؤشرات الدالة على تدجين الأبقار فى صحراء مصر الغربية بحوالى فترة مبكرة من الألفية التاسعة ق.م.، غض النظر عن الخلاف بشأن ذلك، تبدو صحيحة وفق اختبارات الدنا DNA الحديثة. الأدلة الأكثر قدماً من السودان تؤرخ على كلٍ بالألفية الرابعة، ومن شرق أفريقيا بالألفية الثالثة ق.م.

تقع جبال الأكاكوس بالقرب من الحدود الجزائرية، فى فزان فى أقصى جنوب غرب الجماهيرية. المنطقة ذات شكل أقرب للمثلث، فى حدود الإحداثيات 24° 00´ شمال- 10° 20´ شرق- 26° 00´ شمال- 11° 20´ شرق. أقرب الواحات سردلس (العوينات) وغات. السمات الجيومورفولوجية والصخرية لهذه السلسلة قام الباحث الإيطالي ماركلونجو بتحليلها (2). إجمالا فإن ارتفاع السلسلة أقل قليلاً من الألف متر بحيث أصبح ممكناً استكشاف السقائف الصخرية الواقعة فى أعلى منحدراته. المنطقة متسعة جغرافياً (حوالي 1100 كيلومتر مربع).

استقصاء واستكشاف ما قبل تاريخ تادرارت أكاكوس بدأ منذ الستينات بمبادرة من فابريزيو موري، الذى نجح عبر سلسلة من مواسم العمل فى ان يجلب الى دائرة الضوء مركب مثير للإعجاب للفن الصخري يحمل الكثير من الشبه بما تمَّ الكشف عنه فى تاسيلي بالجزائر. وقد نشر موري نتائج اكتشافاته فى الأكاكوس فى كتاب صدر فى عام 1965 وقد تمت ترجمته الى العربية ونشره من قبل مركز جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي (حالياً مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية). قلب البحث تمثل فى وادي تشوينت، الذى سمح بملاحظة تواتر طويل لتلك الأعمال الفنية المرتبطة ببقايا إقامة إنسانية. أجريت أعمال التنقيب الإستراتيجرافية ونشرت النتائج فى كتاب باربارا باريش المشار اليه أدناه. وفرت تلك الحفريات بينة دالة على الإقامة الإنسانية فى سلسلة تادرارت أكاكوس فى فترة، على أساس أسلوب التأريخ بالكربون المشع 14، تمتد من الألفية الخامسة حتى الألفية الرابعة ق.م.

فى تلك الفترة، على كلٍ، توجهت الجهود البحثية الى تصنيف الفن الصخري وفهمه. قدم موري تصنيفاً حينها من وجهة نظر أخذت فى الحسبان الجوانب الأسلوبية (الحيوانات المتوحشة الضخمة، والرؤوس المستديرة، والرعوية، والحصان، والمثلثات المزدوجة) والتى أصبحت فيما بعد، على عكس نواياه، تعد بمثابة مراحل كرونولوجية.

لدى محاولة تناول موضوع الثقافة والبيئة، فإن عالم الآثار اليوم لا يمكنه أن يتغاضى عن الأهمية لكل من المفهومين فى فرع المعرفة المسمى علم الآثار. المفهومان يتطلبان الرجوع الى مبادئ الايكولوجيا الثقافية والجيواركيولوجيا. الثقافة – وبهذا أقصد المجموعة التى تعبر عن مثل تلك الثقافة – تعيش فى العلاقة المتبادلة مع البيئة الطبيعية: تحتم البيئة ليس فحسب جوانب الثقافة المادية وإنما أيضاً الخيارات الاقتصادية و خصائص الإقامة والديموغرافيا.

التشديد الذي يضعه علم الآثار الوظيفي على المفهوم الإجرائي للثقافة، أي للثقافة بوصفها نتاجاً لوظيفية نظاموية، يقودني الى الدفع ببعض مسائل إستراتيجية البحث الى الصدارة. أجريت تقييمات لأبعاد الظواهر المكانية. شمل ذلك الابتعاد عن الاهتمام “بوحدة الموقع الآثارى” التقليدية وتوجيه تركيز البحث الى اطر إقليمية أكثر اتساعاً. كذلك أصبح جلياً ضرورة الاهتمام بعمليات الترسيب، والى عمليات تكون الموقع الآثارى وزواله (المعتمد اعتماداً كبيراً على تقلبات البيئات القديمة)، والى المحتويات الطباقية وديناميات ما بعد الترسيب. الى جانب تلك الاعتبارات علينا ألا نغفل إجراء الدراسة من حيث الموضوعات ذات الصلة بتوزيع الموارد (الماء ، والنباتات ، والحيوان، والمواد الخام) لارتباط ذلك بطبيعة البيئة.

النقاط الأخيرة هذه تمَّ تطويرها، كما هو معلوم، بخاصة في مجال الجيوأركيولوجيا، وهو فرع للمعرفة أبان لعلم الآثار الطرق التي يمكن من خلالها تطبيق المبادئ والتقنيات الكمية، بخاصة لدراسة البيئة، في البحث الآثارى. معروف ان أعمال بوتزر تمثل تطويراً أساسياً لمبادئ علم الآثار الوظيفي، وتوفر قاعدة متينة للبحث الآثارى الهادف الى مدنا ليس فحسب بالأدوات النظرية بل بالأدوات التقنية كذلك التي يحتاجها عالم الآثار. مثال على ذلك نجده في فهم بوتزر للثقافة بوصفها “مفهوماً لا يتخذ قيمة ميتافيزيقية لنظام، ولا هي بنظام مثالي لسلوك المجتمع” وهو الفهم الذي تطور في مجال الايكولوجيا الثقافية. على كل يمكن ملاحظة رؤية التحول في كلا الحالتين من الاهتمام بالأدوات وتصنيفها التيبولوجى الى الاهتمام بالتحولات في السلوك، أي التحول الى الدينامية التي ينظم بها الناس وجودهم من خلال تفاعلهم مع الآخرين وبيئاتهم الثقافية والطبيعية والميتافيزيقية… من هذا المنطلق أحاول فى هذه المحاضرة تقديم الخطوط العامة لما قبل تاريخ الصحراء الليبية من واقع رؤية تتسم بالتشديد على تطور الاقتصاد ونمط الحياة العام دون إهمال للتعريف والتعاقب والعلاقات المتداخلة للصناعات المسماة”. هكذا يبدو لي ان التحول الأكثر تجلياً في سلوك الجماعات الصحراوية في منتصف الهولوسين المبكر يمكن رؤيته في التجارب الأولى لإنتاج الطعام، أي الانتقال من حالة اعتماد على البيئة الى حالة تنظيم “فعلية” للموارد وإنتاجها. اتفاقاً مع عالم آثار ما قبل التاريخ المصري حسن أقول بأن إنتاج الطعام يمكن رؤيته بوصفه نتيجة دينامية تكيفية افرزها استغلال اصطفائي مارسه الإنسان، نتيجة خبراته المتراكمة، على البيئة.

ورغم انه من الممكن ملاحظة ان الوظيفية النظاموية ومفاهيم التكيف ذات الصلة بها قد تؤدي الى تفسير ميكانيكي للظواهر الثقافية التي تستبعد الإسهام الفردي، فانه لا يمكن إنكار ان مفهوم النظامي يسمح بالوصول الى درجة تحكم وقياس كمي للمعطيات بدرجة ما كان من الممكن الوصول لها من خلال النماذج التقليدية. فيما يتعلق بالمجتمع الإنساني، هناك اتفاق عام بأن التغير يمكن ان يحدث لا بفعل البيئة وحدها وانما أيضاً بفعل عناصر أخرى مثل الديموغرافيا والأيديولوجيا الرمزية. لكنه وعلى أية حال فإن تأثير البيئة في ظروف الصحراء كان عنصراً هاماً، بل وحاسماً، في تحديد قرارات الجماعات. كانت إمكانيات الاختيار لا زالت عديدة لدى جماعات الهولوسين المبكر، وكان ازدهار المدنية على طول مجاري المياه بخاصة نتاجاً لقرارات اتخذتها الجماعات الإنسانية في تلك المرحلة. لكنه وفيما بعد مع بروز الأطوار الجافة التي ميزت الهولوسين المتأخر أضحت القيود، التي فرضتها البيئة الأكثر صرامة، تتطلب تغيرات فى موقع الإقامة وتبدلات فى الإستراتيجية الاقتصادية. ويصر كلارك وبراندت على علماء الآثار الذين يكرسون أبحاثهم لعملية الانتقال الى إنتاج الطعام لتركيب نماذج للتغير الثقافي “مناسبة لإنجاز فهم أكثر شمولية للسؤال لماذا لجأ الإنسان بداية الى تدجين النباتات والحيوانات..” (Clark, Brandt 1984:2). بهذا الخصوص يجدر بي الإشارة الى أن الصيغة المنتظمة تبرر استخدام نماذج للسلوك الإنساني، يتم بعدها ترتيب المعطيات الناتجة عن الملاحظة. إنها نماذج ذات استخدام شمولي، وتستخدم عادة فى محتويات اثنواركيولوجية. فى الواقع، أثبتت الدراسات الخاصة بمجتمعات الصيد- الجمع عدم فاعلية التفسيرات التقليدية الاستقرائية واقترحت تناولاً تعميمياً يقوم على أساس نماذج وصفية لنمط حياة الصيادين- الجامعين (Bronitsky[ed.]; Hardesty; Hayden; Rindos). نموذج تفسيري تم طرحه فى 1988 من قبل ردنج فيما يتعلق بهذه المسائل. انه يحلل بمصطلحات شمولية إشكالية الانتقال من الصيد والجمع الى إنتاج الطعام، آخذا فى الحسبان النماذج السابقة والمفاهيم المبدئية للايكولوجيا والجغرافيا البشرية. يعود نموذج ردنج الى نظرية البحث عن الطعام المثلى لكنه يفترض ان الأهداف التى تنسب للمجموعات من حيث السلوك يمكن التمييز بينها على أساس الطريقة التى يتشكل بها المجتمع. بالتالي، فإن التفسيرات المفضلة يجب ان تكون بالقدر نفسه متنوعة ومرنة.

افترض علم الآثار الإجرائي ان إنتاج الطعام هو العنصر الأساس، فى والمؤشر الرئيس للتغير فى، وضع الجماعات الإنسانية فى الهولوسين المبكر والأوسط، شاملاً فى مثل هذه العملية كل تقدم ذو طبيعة تقنية. باستخدام هذا التناول أحاول هنا التحدث عن الانتقال من الصيد- الجمع الى الرعي وسط جماعات الصحراء الليبية. جسم المعطيات التى سأستخدمها لتركيب النموذج واختباره توفر من أبحاثي الميدانية التى أجريتها فى النوبة السودانية والى الغرب منها وفى مساك ستافت بالصحراء الليبية ومن ثراء البينة التى وفرتها أبحاث العديد من الآثاريين العاملين فى الصحراء الليبية بمفهومها الواسع.

التحول الاقتصادي فى الصحراء الليبية

النموذج الوصفي البيئي المستخدم هنا سبق أن ناقشته فى بحث سابق قدمته فى ندوة (2002). فى هذا النموذج، ينظر لإنتاج الطعام بوصفه تعديلاً للجماعات المعتمدة كلياً على اقتصاد استحواذي تلاؤماً مع ضغوط بيئية. يشدد النموذج، بخاصة، الذى تقوم به تقلبات الموارد كعنصر فى زيادة القاعدة الاعاشية المستغلة (بهذا الخصوص أنظر هايدن 1981). لدى تفسيري للمعطيات الآثارية، وضعت تشديد خاص على الوحدات القياسية البيئية. لهذا السبب، فإن مناقشة البينة المتمثلة فى الأدوات الصنعية وفى التغير فى الاستراتيجية الاقتصادية تمَّ تشكيلها آخذاً فى حسباني نتائج الدراسات لمختلف جوانب البيئة. أشار البحث الجيومورفولوجي بوضوح الى وجود، بخاصة على امتداد المنحدر الشرقي لتادرارت أكاكوس، مياه جوفية. تلك المياه الجوفية لا بدَّ وقد تراكمت خلال الأطوار الرطبة الغنية وتمَّ تخزينها على مدى مراحل زمنية وجرى استهلاكها ببطء، لصالح العالمين النباتي والحيواني. إضافة، فإن احتفاظ موارد المياه الجوفية فقط فى الحزامات الأخرى- الى الشرق والى الغرب على حد سواء- قد يكون شجع قدراً معيناً من قابلية التحرك بالنسبة لمواقع الإقامة الإنسانية، وهى فرضية طرحها ماركولونجو.

أشار تحليل اللقاحات الى وجود عالم نباتي أكثر انفتاحاً فى تين طرة (الواقعة على الجانب الشرقي لتادرارت أكاكوس)، مما عمل لمصلحة استخدام الإنسان للأرض بفاعلية أكثر. بالعكس من ذلك، فى المناطق المغطاة مثل حوض تشوينت، فإن التأثير الذى مارسه الوضع الهيدرولوجي للمنحدر الشرقي وفر مناخات محلية ذات طقس أعلى رطوبة وزاد الترسبات المحلية وهو ما دللت عليه دراسة شولتز (1987). قاد هذا الوضع الى تمركز موارد المياه، وهى ظاهرة استمرت حتى عندما أخذت موارد الحزامات الهامشية فى النضوب (بدءاً تقريباً من 5.000 ق.م.).

تؤكد دراسة فاسيليكوفا الأخيرة (1993) للعينات النباتية الطويلة (بذور وفواكه) النتائج التى تمَّ اقتناءها من تحليل اللقاحات وتوفر معلومة إضافية مفصلة هامة. إنها تظهر انه كان هناك ثراء فى المادة النباتية فى مستويات الإقامة وهو ما يشكل نتاجاً على الأقل جزئياً لاستخدام الإنسان المتعمد لمثل تلك الموارد. البينة الجديدة الناتجة عن أبحاث فاسيليكوفا تؤكد النموذج الاقتصادي الذى اقترحته باربارا باريش لمجموعات أطوار تين طرة. من ثمَّ يبدو لي أنه يجوز القول، انطلاقاً من النتائج الموضحة أعلاه، ان الصيادين-الجامعين-صائدي الأسماك، الذين فضلوا الإقامة فى المنحدر الشرقي لتادرارت أكاكوس، قد يكونوا قاموا بدور فى عملية ما قبل اصطفاء الأنواع المرشحة للتدجين. البينة الإستراتيجرافية فى المواقع الثلاثة- الكهفين، وطرة شرق، وطرة شمال- تشير ان هذا النوع من الاستغلال استمر من الألفية الثامنة حتى الخامسة ق.م. تحول فى نمط الإعاشة الأصلي فى نهاية طور تين طرة يمكن استقراءه ذلك انه كان هناك اهتمام جديد فى تدجين النباتات والحيوانات. هذه الظاهرة الجديدة موثقة بصورة جيدة فى تواتر وان موهجاج فى حوض تشوينت ومادته. فى حين استمرت مجموعة النباتات الملاحظة فى تين طرة، أشار غوتيه (1987) الى الاختلافات فى المجموعة الحيوانية: 92% من الشظايا العظمية يمكن نسبتها الى حيوانات مدجنة وفقط 4.2% الى حيوانات برية. فى المستويين الأسفل فإن نسبة الأبقار للأغنام 1:1، فى حين ان النسبة فى المستويات الأعلى تشير الى غلبة الأغنام.

على أساس تلك المعطيات وبفعل غياب فجوات فعلية فى التواتر الإستراتيجرافى الإقليمي، أفترض حدوث تحول فى النموذج الاقتصادي الذى يستوعب حافز محلي، مثل عناصر مناخية، لكن فى الوقت نفسه يقلل من دور المؤثرات الخارجية. فى الواقع فإن توفر سلسلة بيئات محلية مكملة فى إطار منطقة محدودة سيسمح بموازنة تأثيرات تطورات مناخية غير ملاءمة والضغط الناجم على الموارد، عبر استغلال مناطق جديدة.

هذا النوع من الانتقال الاقتصادي، المشهود فى تادرارت أكاكوس، يمكن أخذه مثالاً لتواتر مثالي، ويمكن نشره لمناطق أخرى من منطقة الصحراء الليبية والتى لا يتوفر فيها هذا الثراء فى المعطيات حالياً.

أقول بأن الثورة الاجتماعية- الاقتصادية الحقيقية تكمن ليس فى التدجين فى حد ذاته – مفترضين دوماً انه قد يكون حدث – لكن، الأغلب، فى الأفكار القابعة فى أساسه، فى الرؤية الكونية التى أفضت الى حدوثه والتى تطور عنها، وفى مجموعة المفاهيم التى كانت منبعاً لطريقة تجربة حياتية مختلفة ومحيطات الفرد الطبيعية. ما حدث هو ان التأثير المتنامى تدريجياً لكل ما استوعبه عقل الإنسان بلا وعى خلال الألفيات المبكرة – بدعم بدئى، بلا شك، متلقى من علاقاته المتبادلة مع البيئة – والذى تسبب فى اتخاذ “الخيارت” نفسها فى تلك المناطق الواقعة حول مدار السرطان كما اتخذت فى مناطق أخرى بطرق مختلفة وبوسائل متعددة. من المحتمل جداً ان تكون هناك مؤشرات تحت رمال الصحراء دالة على ان نماذج السلوك الجديدة تلك بقيت على مدى أزمان طويلة، بالرغم من وجود مؤشرات واضحة لاستمرار وجود اقتصاد قائم على الصيد والجمع والذى نعرف انه لم يهجر أبداً بصورة كاملة، طالما ان هناك مناطق واسعة من الصحراء خالية من أي أثر دال على التدجين أو الزراعة. الصحراء هى الكلمة “المفتاح”. ظلت الصحراء تظهر دوماً على المسرح لتقوم بدورها وعلينا أن نأخذ بالحسبان ما لا ندركه، ولا شك ان مثل هذا الوضع سيستمر على مدى أزمان طويلة قابلة؛ لكن إذا ما نسب زوال الحضارات التى دامت لألفيات، وهو ما يبدو محتملاً، لعملية التصحر، فإننا سنواجه بإغراء النظر الى الجفاف بوصفه المسئول عن إختفاء، أو على الأقل التدهور الدرامى، لفترة الرأس المستديرة فى الفن الصخري الصحراوي. فى كلا الحالتين، قد يبدو منطقياً افتراض وقوع التدهور المعنى فى بداية الهولوسين أكثر من 8.000 سنة مضت، وانه وقع فى الغالب عن طريق إحلال سيادة ثقافية محل أخرى، وانه وقع وسط مجموعات بشرية مسئولة عن قوى اجتماعية اقتصادية كانت آخذة فى الضعف تدريجياً لتختفى مع مرور الوقت، والتى أعطت بذورها ثماراً مختلفة فى ظل تحديات متباينة فى العصور اللاحقة وفى مناطق أخرى.

المناخ ولا شك عنصر يستحق الإهتمام الشديد، ذلك انه لا بدَّ وقد كان له أثر كبير فى السلسلة الطويلة لعملية المعرفة الضرورية لمجموعات إنسانية محددة، حتى تصبح قادرة على إدراك حريتها المتنامية على إنجاز الحراك فى علاقتها بعالم الطبيعة. من غير الصعب القفز الى الاستنتاج بأن الظروف الحياتية “القاسية” قد لا تسمح باقتناء التقنيات، أو بمصطلحات أكثر عمومية، نماذج ثقافية من النوع الذى لا بدَّ وان شروطه المسبقة تمثلت فى وجود ظروف بيئية ملائمة. هناك توافق مذهل فى نتائج البحث الذى أجرى فى مناطق مختلفة من الصحراء، رغم ان ذلك البحث تناول بيئات ايكولوجية عادة ما تكون متباعدة، ومتنوعة مورفولوجياً وفسيولوجياً. أبعد من ذلك، فإن فترة الجفاف ما قبل الأخيرة (18.000- 10.000 ق.م) قد تكون أقل حدة مما ظل يعتقد، ذلك ان هناك مؤشرات لأوضاع مناخية كان يمكن لها، فى نهاية المطاف، ان تطور وتحفز بداية تحولات اجتماعية اقتصادية هامة فى تلك المناطق الجبلية للصحراء الوسطى التى وفرت ظروفاً جيدة للملجأ والإنسان والحيوانات للتجمع فى مجموعات كما دللت النتائج التى أشرنا لها.

هنالك فجوات فى معلوماتنا عن الثقافة المادية، ولا تبدو المعطيات المتوفرة متناقضة فحسب، بل أنها لازالت تواجه بالتحدى والرفض. لنأخذ مثالاً عمل ميتر (J.P.Maitre) والذى قدم أولى التواريخ لموقع الفخار فى لاونى فى الأحجار ( الهوقار) بالجزائر، وأيضاً للموقع فى امينكى (Camps). فقط قبل سنوات قليلة مضت عدت تلك التواريخ غير صحيحة وغير معتد بها، ذلك أنها جرت على عكس مجمل البينة المتوفرة حينها، كما ولم تك مقبولة بعد فكرة إجراء المراجعة المستمرة للبحث. لكن عدد “المفاتيح” ظل فى تصاعد مستمر. قادت المعطيات الهائلة المتوفرة من الصحراء الوسطى والصحراء الشرقية الى طرح تاريخ قديم للغاية للنقلة النيوليتية، مع إرجاع الفخار الى مراحل أسبق تعود الى حوالي الألفية الثامنة ق.م. تمَّ جلب الفخار وكذلك البقايا الحيوانية الى الضوء، رغم أن الأخيرة احتوت على قدر من عدم الموثوقية تحديداً فيما يتعلق بأي من الأنواع تمَّ تدجينها أو أنها كانت فى طور التدجين (Gautier). الملاحظات التى قدمها وندورف (Wendorf) تجعل، على كلٍ، من الواضح وجود معطيات أخرى جديرة بالأخذ فى الحسبان الى جانب تلك المشتقة من اللقى مباشرة. ويرجع وندورف الى المناخ القديم والبيئة بإشارته الى ضرورة الالتزام بتفسير اللقى بحسبانها تعود الى فترة الثيران (البوفيد) فى الفن الصخري الصحراوي، التى كانت فعلياً حينها تحت سيطرة الإنسان، فى مرحلة من المراحل (الطفيلية، الترويض أو ما قبل التدجين) والتى علّمت الطريق المؤدية تدريجياً باتجاه التدجين الكامل والتهجين المتحكم فيه.

فى المناطق الأكثر وسطية للصحراء فإن الصورة تكون أشد اتساعا واختلافاً: من النيجر حتى مالى، ومن الأحجار (الهوقار) حتى تاسيلى، ومن الأكاكوس حتى مساك، كشفت السلاسل الوسطى المحيطة بالمنطقة ولازالت تكشف عن هُويَّة ثنائية متعددة الأبعاد، والتى يجب تحليلها فى إطار بيئتها الايكولوجية المحلية قبل الشروع فى دراسة طبيعتها المتنوعة والشاملة والمدهشة.

الى جانب البينة التى توفرها أعمال التنقيب الآثارى، والمناخ القديم وكل فروع المعرفة اللصيقة الأخرى يمكن إضافة إسهام الفن الصخري، إذ انه برغم التردد القائم لازال بشأن التواترات والكرونولوجيا، فان الفن الصخري يمثل عنصراً ذا ثقل كبير فى دراسة تلك الحضارات القديمة للغاية، وتوفر مناظره الهائلة إمكانيات استثنائية للتفسير. ما يبدو صلباً بخاصة فى هذه المجادلة هو بالتحديد طبيعتها غير المتخصصة، علاقتها بالنمو البطئ والمتقدم للوعى الذى يشكل النقطة البدئية لكل من التطورات الثقافية نفسها، وكل المعلومات المكتسبة التى سبقتهما بالتأكيد وتكمن فى أساسها.

بهذه الطريقة يكتسب الفخار، أيضاً، قيمته الكلية وأهميته، ما عاد ينظر إليه بوصفه مجرد عنصر يوفر “حاويات” لمنتجات الطعام، ولا كمجرد بينة دالة على حياة مستقرة. مثله مثل عناصر ثقافية عديدة أخرى، يظهر الفخار فى الصحراء الليبية فى الألفية الثامنة ق.م, فى مرحلة تطور تقنى متقدمة. أمشاط الفخار التى لا زالت تستخدم فى إنتاج الفخار وفى أشكال متنوعة من الزخرف والتشكيل Roset; Petit-Maire; Barich; Aumassip; Garcea; Di Lernia تشير أننا نتعامل هنا، كما هو الحال فى الفن الصخري، مع بينة دالة على عمليات ذهنية بلغت مرحلة نضوجها. المهارات الكثيرة التى وجدت فى عملية إنتاج الفخار لازالت مصدر دهشة الى الآن، عندما نلاحظ أنها تنتمى الى بيئة اعتمدت قيمها الثقافية على وجود “لصيق بالطبيعة”. طالما ان هذا الفخار كان قد فُسر لفترة تفسيراً صحيحاً بوصفه مؤشراً نيوليتياً (Camps) – رغم أن العديدين رفضوا وجهة النظر تلك – فانه يمكن رؤيتها بالتأكيد إثباتاً أكثر منها مجرد بينة دالة على سلسلة غذاء مختلفة، طالما ان تلك السلسلة تعتمد على الاستخدام الأكثر استمراراً وشيوعاً للأنواع النباتية. وفى الوقت الذى يصح فيه عدم وجود آثار للنباتات المدجنة فى هذه المنطقة بعد، فان هناك بالتأكيد بينة واضحة وجلية فى هذا الفخار دالة على بداية تعامل وعلاقة جديدة مع البيئة النباتية جالبة معها نوع جديد من التكيف البيئي. ليس ان الفخار استخدم بالضرورة فقط لاحتواء النباتات. انه قد يكون استخدم للألبان ومنتجاتها، وإذا أصبح ممكناً التدليل على وجود حليب فى حاويات قديمة فان ذلك سيوفر زاداً إضافياً جيداً بالنسبة لأولئك الذين يرون ضرورة الدفع الى الوراء بتاريخ بداية “النقلة النيوليتية”، بمراحلها العديدة والمختلفة فى مسار رحلة الإنسان البطيئة للإنعتاق من أسر الطبيعة.

فى إعتقادى ان من الأهمية بمكان إعادة تقييم دور الفخار وأهميته، وملاحظة ان الطريقة التى يحول بها الإنسان الصلصال إنما تقف شاهداً على بروز ثقافة جديدة جوهرية، ذلك ان هناك الكثير من المهارات التقنية المحتواة فى صناعة الفخار : درجات الحرارة العالية التى يتوجب التوصل إليها، على سبيل المثال، واختيار الصلصال والتعامل معه، والصلابة والخلطة التى يتوجب اختيارها لإعطاء الصلصال الجسم والمادة المطلوبة، واختيار الأشكال لتتلاءم مع المتطلبات الحياتية للمجموعة. كل تلك الاعتبارات – وغيرها بلا شك التى قد لا تخطر بذهني الآن – يبدو أنها تفرض علينا النظر للفخار بوصفه مؤشراً للتغير فى سلوك الناس تجاه الطبيعة. يبدو محتملاً الآن ان إنعتاق الإنسان من أسر الطبيعة مرَّ بمرحلة طويلة من الخطوات : تقنيات بقاء مختلفة، أو تقنيات اقتصادية متنوعة بالمعنى الأكثر اتساعا للمصطلح، قد تكون وجدت متزامنة لفترات طويلة. قد تكون تعاقبت أو تداخلت، ولسنا مجبرين لازلنا للاعتقاد بأن النشاطات “الاستحواذية” – مع كونها مرتبطة بأدوات ايبى باليوليتية النوع – وصلت فجأة الى نهايتها عندما وصلت الأفكار “النيوليتية” الى المسرح. نشاطات الصيد وصيد الأسماك والجمع لا بدَّ وأنها احتوت على التثبيت البطئ المتقدم لعمليات ذهنية وتقنية تكيفية جديدة، دون ان تفقد سوى القليل من أهميتها الاجتماعية الذاتية. فى تلك الحالات التى كان فيها وجود لحافز فعلى باتجاه “النقلة النيوليتية”، لا بدَّ وأنها احتوت أسباباً متنوعة، طبقاً للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والبيئية المختلفة فى المنطقة الشمالية المعتدلة، لابدَّ وان نهاية جليد فورم قد تسببت فى التطور البطئ لكنه المحدد لظروف ايكولوجية جديدة. لا بدَّ وانه كانت هنالك تحولات معتبرة فى المناخ حتى فى الأطراف الجنوبية للمناطق المتأثرة مباشرة بالجليد، ويشير البحث الذى أجرى حتى الآن الى أن سكان المناطق شبه الاستوائية قاموا بالفعل بدور هام فى التحرك قدماً باتجاه اقتصاد يعتمد على “إنتاج” جزء من متطلبات الطعام. ليس هذا هو المكان للاسترسال فى عرض النظريات المختلفة الخاصة بالتثبيت المحتمل لتقنيات اقتصادية جديدة خلال هذه الفترة الطويلة فى أجزاء قارات أخرى وفى بيئات مشابهة (Butzer)، كما وليس هنا مكان تقديم تقييم نقدي للنظريات الخاصة “بمعدلات انتشار العصر النيوليتى” القائمة على أساس اكتشاف الفخار (Edmonson)، أو على ملاحظات مثيرة مثل انتشار الزراعة المبكرة وسط سكان أوربا (Ammerman & Cavalli-Sforza).

ينصب اهتمامي حالياً فى تقديم إجابة على سؤالين يتعلقان بجذور النظام الاقتصادي القائم على أساس إنتاج الطعام فى أفريقيا ككل وفى الصحراء على وجه الخصوص: كيف حدث الانتقال، وما هى أسبابه؟ الآراء بشأن الإجابة على السؤالين دائماً ما تظهر هذا القدر أو ذاك من الاختلاف، لكنها غالباً ما تحتوى كل إجابة على إسهام إيجابي جيد فى حل المشكلة. من جانب نظرى، يمكن للمرء ان يذهب للقول بأنه مهما كان تناول المسألة ذاتياً وتقليدياً فإنه يحتوى فى حد ذاته على جرثومة الإجابة التى نسعى الى الوصول إليها. بمصطلحات عملية، على كلٍ، يكون أكثر فائدة ملاحظة ان الجانب السيكولوجي للسؤال يحتاج بدوره الى اهتمام، طالما ان اللحظة التى يحدث فيها الوعى بالظاهرة دائماً ما تكون ذات أهمية قصوى. يمكننا بالتأكيد قبول الفرضية القائلة بأن أحداثاً طويلة ومتنوعة مثل تلك التى شملت تدجين النباتات والحيوانات ستكون لها جذور يصعب تتبعها تعود الى عصور سابقة للعصر النيوليتى بكثير، لكن علينا أيضاً ان نتذكر حقيقة ان نوعاً خاصاً من الإنسان، الذى كان يمنح اهتماما متزايداً للعناصر الفيزيقية لبيئته من أجل التعرف على تلك الأكثر ملائمة لوجوده الذاتي، يحتاج الى تطور ثقافي قبل ان يتمكن من تحديد الأحداث المتكررة وجعلها موضوعية بحيث يصبح قادراً على إدراك أهميتها بصورة كلية. ان تحليل بعض جوانب التجسيد المادي للواقع هو ما يشير، بالطبع، الى حدوث سلسلة طويلة من “الإبداعات” على مدى فترة زمنية وفى أماكن مختلفة، الى ان حانت اللحظة التى أضحت فيها قيمتها أمر معترف به بصلابة من جانب المجموعة ككل. تمثل جانب آخر هام للمشكلة، على كلٍ، فى حاجة المجموعات المعينة الى تحسين فرص البقاء عن طريق استغلال البيئة بطريقة خاصة. وبما ان كل عنصر لتقنيات الاقتصاد، من أكثرها أولية الى أشدها تعقيداً، يكون هدفه الأساس موجه للحفاظ على النوع، فانه يبدو لي بان إمكانية إنتاج الطعام والامتلاك البطئ للثقة فى ان الطعام يمكن إنتاجه بالفعل، عدت، بل وكانت بالفعل، ميزة بيولوجية هائلة عندما يكون الأمر متعلقاً بتقييم خيارات إطالة أمد حياة أفراد المجموعة. هذه هى، احتمالاً، النقطة التى تأخذ فيها العناصر الأخرى “للخيار” الثقافي القيام بدورها. واضح انه ولكيما يتم تثبيت هذه العملية بصلابة، لا بدَّ من الاستجابة الى بعض الشروط. فى المقام الأول ضرورة توفر النباتات والحيوانات القابلة للتدجين؛ من ثمَّ لا بدَّ وان تكون البيئة قد مارست ضغطاً على الإنسان بما جعل من اليسير عليه تغيير الاتجاه بالنسبة للبحث عن الطعام؛ كما لا بدَّ وان تكون مرحلة معينة للتطور الثقافي – مختلفة عن، لكنها ليست بالضرورة “أدنى”، مرحلة الثقافات المعاصرة فى مناطق أخرى – قد تسببت فى ان تحس بعض المجموعات الإنسانية بميزة مثل هذا التحول بالنسبة لنشاطات الإعاشة التقليدية. حقيقة ان هناك بعض السكان الآخرون الذين يعيشون، على الأقل، فى ظروف بيئية شديدة الشبه قد استمروا فى الاحتفاظ بطرق الصيد وصيد الأسماك والالتقاط لأزمان طويلة، إنما تعكس، فى إعتقادى، بوضوح مدى التعقد الثقافي للمسألة. فى إطار وضع ثقافي قد تكون بعض العناصر الوراثية وفرت فى البداية نوعاً من الحافز باتجاه خيارات بعينها، والتى تمَّ من ثمَّ تعديلها ليمكنهم التحكم فى تلك الخيارات وجعلها أكثر قابلية للتحقيق على المستوى العملى. يرى عالم الوراثة Doobzhansky “ان فاعلية السكان فى بيئة معينة يمكن ان تكون نتاج توازن جيد بين عدد من المتغيرات: التنظيم الإجتماعى، والتكيف السيكولوجي، والتقنية، والعناصر العاطفية”. حتى لو تمَّ افتراض كون تلك العناصر العاطفية النتاج النهائي لسلسلة طويلة من العلاقات المتداخلة التى بلغت المرحلة الأخيرة لتطورها عاملاً محتماً، فانه لا بدَّ وانه كان لها تأثير بعيد المدى على الخيارات الاقتصادية بالنسبة لبعض المجموعات الإنسانية، انطلاقا من حقيقة ان هجران نوع معين من الاقتصاد – صيداً كان أو صيداً للأسماك أو الالتقاط أو الرعي – كان ولازال فى حالات مرفوضاً حتى لو عنى ذلك تدهوراً مؤسفاً. يبدو لي أيضاً ان تأثيرات المناخ – فى مناطق بعينها – لا بدَّ وقد كان لها دور أكثر من مجرد ثانوي بالنسبة لسلوك بعض السكان. بالتالي غالباً ما تصبح كل محاولة لتسليط الضوء على جذور عملية التدجين بحاجة الى إدراك المدى الواسع للعناصر التى يمكن التعرف على قلة فقط من بينها.

عند هذه النقطة يكون من الضروري التشديد على انه وفى المرحلة البدئية للتحول، والتى يمكن نعتها بحق بـ “الثورية”، تقوم الجماعات الإنسانية بتثبيت انفصالها عن البيئة المحيطة التى ظلت تتعايش معها حتى تلك اللحظة فى تآلف وتكافل. توجد بينة مقنعة دالة على ذلك تتمثل فى الخصائص الوظيفية المختلفة للحبوب البرية منها والمدجنة. عندما تنضج عناقيد الأولى فإنها تسمح للبذور الضرورية لإعادة الإنتاج بالسقوط الى الأرض، فى حين انه فى حالة الثانية فان اصطفاءً اصطناعياً تسبب فى إحداث بعض التغيرات فى تواتر الجينات (المورثات) لدى الأنواع. يمكن ان ينتج هذا عن طريق مظهر بعض التركيبات الوراثية، أو قد تكون العزلة عملت لمصلحة بقاء بعض الأشكال الطافرة، نتيجة ذلك زوال قدرة النبات على إفراز بذور ناضجة أو زوالها الكلى، ويصبح الحصاد أكثر يسراً. فرص البقاء لا بدَّ وانه قد كان لها اعتبار فى الكثير من القرارات (اختيار موقع الإقامة بعيداً عن الأخطار على سبيل المثال)، وبالنسبة لإنتاج الطعام فقد حدث تغير أساسي وحاسم فى هذا الوقت. لا بدَّ من الإقرار بأن فرص البقاء تلك، من الناحية النظرية، كانت قد تزايدت عندما تمت عملية إنتاج الأداة الأولى، إلا انه وخلال فترة الانتقال الطويلة من البليستوسين الى الهولوسين، أدركت بعض المجموعات ببطء فى بعض الأماكن أن مستقبلها ما عاد يعتمد فقط على النشاطات غير المأمونة والخطرة المرتبطة بالصيد. أضحى ذلك جلياً ومؤكداً جزئياً عن طريق “التجديد” الدوري الممكن لبعض النباتات والحيوانات. أخذت عملية الحفاظ على النوع، أو على الأقل على بعض المجموعات فى إطاره، تعتمد على شئ لم يعد يشتمل على درجة عالية من الصدفة والمغامرة. الثمن الذى توجب سداده تمثل فى الاستقرار، لكن بوصفه عادة مكتسبة أكثر منها طريقة حياة محددة (قرى الأكواخ يمكن العثور عليها فى مناطق محددة حتى فى العصر الباليوليتى الأعلى). على كلٍ، لا مجال لنا لمعرفة الى أي مدى كانت طريقة الحياة هذه أو النزوع إليها السبب أو النتيجة للظاهرة التى تهمنا. يبدو لي انه من الجلي للغاية ان عملية التطور البيولوجية فى هذه المرحلة من التاريخ القديم لا بدَّ وقد اتبعت عدداً من المسارات المختلفة، كما ويبدو من المقبول أيضاً افتراض ظهور طريقة للحياة تعتمد على مراكمة الإحتياطى أو الفائض القابل للتعويض من فترة لأخرى، فى فترة سابقة لنشؤ المجتمعات الزراعية أو الزراعية المختلطة. مثل تلك الاحتياطيات أو الفائض كان من الممكن استخدامها ولا شك لدعم الوجود البسيط للمجموعة، لكنه كان من الجائز أيضاً “إعادة توجيهها” (إذا استخدمنا تعبير تينبيرجن الدقيق) بعدد من الطرق، الى درجة بعيدة لأسباب عاطفية ترتبط بثقافة معينة. إنها لحقيقة مدهشة، على سبيل المثال، أن نجد ان مفاهيم السلطة والثروة فى العديد من مجتمعات الصيد أو الرعي المعاصرة تمثل شيئاً جد مختلف عن تلك التى تطورت فى مجتمعات ترجع بجذورها الى الزراعة المختلطة. بعض من مفاهيمنا الأساسية تكون، فى مثل تلك المجتمعات، مرفوضة لصالح قيم لا تتعدى كونها نظرية الطابع بالنسبة لرؤى ثقافاتنا المعاصرة؛ فى حين ان أخرى مقلوبة رأساً على عقب. يحدث هذا ليس فحسب فى المجتمعات التى تتطلب فيها سلطة التدرج الربط بقيم الكرم والإيثار وانعدام النزعة العدوانية تجاه المجموعة، لكن أيضاً فى المجتمعات الأخرى التى تكون فيها الثروة – فى الحالات النادرة التى تتراكم بها فعلياً – غير قابلة للتوريث (Coon)، بل يتم تقاسمها بين أعضاء المجموعة بوفاة المالك. أعتقد أيضاً انه تجدر ملاحظة إمكانية ان تكون عناصر ثقافية أو معتقدات دينية قد أسهمت فى استمرارية اقتصاد الصيد بتحولها الى عائق منيع يقف فى وجه تبنى النشاطات الزراعية الممارسة لدى مجموعات مجاورة. عبادة الأم الأرض، على سبيل المثال، لا بدَّ وان لها جذور عميقة لدى مجموعات معينة وسط الهنود الأمريكيين، طالما أن شاماناتهم * ذكروا، فى نهاية القرن التاسع عشر، بان قضية رفض تبنى التقنيات الزراعية أمر ارتبط أساساً بمعارضة نوع معين من “العمل” الذى كان من الممكن أن يتسبب فى جرح الأرض وخدشها، مما قد يفضى الى منع أعضاء المجموعة من الحلم وبالتالي فقدان إمكانية اكتساب الحكمة (Arrowsmith). كذلك أجد ان ملاحظة بوتزر (Butzer) بعدم وجود اختلافات تقنية واجتماعية هامة بين الاقتصاديات الزراعية البدئية ومجتمعات الصيد- الجمع الصامدة، بل ان العملية التطورية التى نجمت عن الأولى اتبعت سبلاً مختلفة وجعلت الأشياء أشد يسراُ بالنسبة لبعض المجموعات التى امتلكت ميزة مدى أكثر اتساعا من المهارات بالإضافة الى الإمكانيات المادية لمراكمة الإحتياطى – وهى إمكانيات اتسعت تدريجياً مع التطور البطئ للتبادل والتنامي التدريجي للعدوان الضمنوعى.

عند هذه النقطة فى دراسة فترة تميزت بهذا القدر من الأهمية فى تاريخ الجنس البشرى، لا شكَّ فى ان الملاحظات المستخلصة من عدد من فروع المعرفة المختلفة بحاجة الى ربطها بعضها بالآخر، مثل علم الوراثة، والدراسات الخاصة بسلوك الحيوانات، وعلم النفس؛ وفى الوقت نفسه لا بدَّ من ملاحظة نتائج البحث الباليواثنولوجى. فى الغالب ما تكون جذور نظام إنتاج الطعام مرتبطة ببدايات تقلص مساحة المجموعة، مصحوبة بتحرك جوهري فى المصالح الحياتية باتجاه الفردية المتنامية. أظهر كل من علم النفس وعلم الوراثة، على سبيل المثال، انه حيثما وجدت مجموعات أحياء فى حالة تنافس من أجل شئ ضروري للبقاء، يتخذ الاصطفاء بين المجموعات الريادة على الاصطفاء بين الأفراد فى إطار المجموعات نفسها.

أسامة عبدالرحمن النور

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal