img16.jpg

( فساطو ) و ( جادو ) في 24 يناير 1912

ننقل لكم هذا الجزء البسيط من كتاب ( من داخل معسكرات الجهاد في ليبيا ) للصحفي الفرنسي ( جورج ريمون ) ومن تعريب (د.محمد عبد الكريم الوافي) ويحكي الصحفي الفرنسي عن رحلته داخل ليبيا والتي تمت عام 1912 فنقلنا لكم الجزء المتعلق بمروره بـ (جادو ) وأرجو أن نقرأ هذه الاسطر ونتخيل كيف كانت جادو في عام 1912 أي قبل 90 عام من اليوم وإليكم النص

( فساطو ) و ( جادو ) في 24 يناير 1912

رحلنا عن ( الجوش ) ، وبعد مسيرة ثلاث ساعات مررنا بنبع يسمى نبع (عين الغزال) ، حيث عسكرنا . وقد بدأ خدمي يتعودون شيئا فشيئا على نصب خيمتي ، كما تعلموا طبخ الطعام بعض الشيء ، وكذلك إعداد سريري الخشبي . كما قل ميلهم إلى تحطيم كل ما يمسونه بأيديهم .

ولقد كنت الامتنان من ترجماني (العلمي عليش ) ، فهو شاب درس في المدرسة التجارية بمدينة الجزائر ، وأبوه (قائد) جزائري، وقد كان شابا نشطا وذكيا ومخلصا ، وقد أدى لي الكثير من الخدمات ، ولست أعتقد أنني واجد أفضل منه ، لا كترجمان فحسب ، بل وكرفيق طريق أيضا .

وفي الهزيع الأخير من الليل صحا أحد أصحاب الجمال الليبيين المرافقين لي وأخذ يؤدي الصلاة … أما خادمي ، فبالرغم من أنهما من أخوان الطريقة العيساوية – أي أنهما أولى بالمحافظة على الصلاة في أوقاتها – إلا أنهما استمرا في النوم والتشخير كعادتهم .

ووصلنا ظهر يوم 23 يناير إلى بلدة ( شكشوك ) ، وهي عبارة عن واحة صغيرة خصبة ، بها بضعة أكواخ وضريح مرابط ، ويحيط بها النخيل المتراص الصفوف فبدا كأنه يحميها بخضرته من رمال الصحراء الصفراء المحيطة بها ، كما كان بها نبع ماء صافي . وبعد أن غادرناها بدأنا نصعد عبر أرض عالية مليئة بالحصى . وعن بعد بدت لنا قمم جبال ( فساطو ) بارزة وسط الصحراء . ومررنا ببعض نخلات جرداء أخذت تتمايل سعفاتها القليلة مع الريح كأنها مكانس قديمة . وواصلنا اجتياز الوادي عبر الصخور والحصى الذي صقلته السنون والمياه ، فبدا في قعر الوادي مرصوفا ومتراصا بإحكام كأنه شارع من شوارع مدينة توسكانية . وقد لاحظت أن الفلاحين الليبيين قد قاموا بجهد كبير في حفر قنوات يحتفظون فيها بمياه الامطار ، كما انهم قد استقدموا أتربة وأقاموا مزارع وبساتين ازدهرت بالخضرة والحبوب . وهكذا ، فقد كنت ألمح هنا أو هناك بين الجبال والروابي ، مشاتل خضرة ومزارع أحيطت بأسيجة من الأحجار . ثم اخدت الارض تنحدر أمامنا . وشاهدت على يساري واديا أخضر انعقدت على أرضه جذوع الأشجار واختلطت ، وقد دعم أحدها الآخر في بطن ذلك الوادي الذي عششت على جانبيه القرى . ولست أدري كيف يمكن الوصول الى تلك القرى والواحات عبر هذه الصخور والأحجار العالية .وعلى أية حال فقد كانت تلك الواحات والقرى رائعة المنظر ، تصعد إليها دروب ملتوية ، وتنفجر فيها ينابيع ماء تنساب بين أشجار النخيل والزيتون التي بدت قديمة العهد طاعنة في السن ، إذ أن فروعها قد دعمت بأحجار كبيرة ، وهكذا فقد غاصت القرى وراء أسيجة من السعف والأغصان الخضراء .

واجتزنا إحدى تلك الواحات الصغيرة التي تركناها على يسارنا ، تفصلنا عنها الصخور . وها نحن من جديد بين الصخور العارية ، حيث اتخذت الطبيعة لنفسها ذلك المظهر الذي رأيتها عليها يوم وصولي ( نالوت ) ، غذ اختلطت الخضرة عن بعد مع لون الصحراء الكبريتي الأصفر عبر مساحات شاسعة . أما الدرب الضيق الذي أخذنا نعبره فقد بدا لي دربا أسطوريا ، فخيل إلي أن جمالنا وخيولنا لن تنجح في اجتيازه ، فهو قد شق وسط صخور ضخمة على حافة هوة سحيقة كنت أتوقع أن تجرفنا بين لحظة وأخرى .

ثم بدت أمامنا بلدة ( جـادو ) شامخة ، وما إن لمحنا أهلها حتى خرجوا أمام بيوتهم ، وقد اندهشوا على الخصوص لمرأى قبعتي الأوروبية التي نسيت حتى الآن أن استبدلها بغطاء رأس محلي . وصعدنا في البلدة حتى وصلنا إلى البرج فدخلناه ، حيث كان في استقبالنا قائد عسكري وضباطه رحبوا بنا كل الترحيب .

وقائم مقام ( فساطو ) ، أي حاكمها ، هو شيخ ليبي . وقد ذهب البعض الى مكتبه لإبلاغه بوصولنا . وما لبث أن أقبل علينا وقد علت وجهه علامات التكبر و التأفف ، حيث رفض أن يحييني بالرغم من أن الضابط التركي آمر الحامية قد نبهه إلى وجودي ثلاث مرات . ولكنه اتخذ له مجلسا غير آبه بي ، وقد سرحت نظراته المتجاهلة في الفضاء . ثم قدمت إلينا القهوة . وبعد ذلك اصطحبنا ضابط طرابلسي برتبة نقيب يدعى ( العربي بي ) إلى بيت خصص لاستضافتنا ، وصلناه بعدما اخترقنا طريقا ملتوية . وفي هذه اللحظة لحق بنا أحد الليبيين قال لنا إنه قادم من طرف القائم مقام الذي قرر فجأة أن ننزل ضيوفا عليه في بيته الخاص . فتبعناه حيث تسلقنا وراءه درجات سلم يفضي إلى مقصورة عالية من البرج حيث وجدنا القائم مقام في انتظارنا ، فاستقبلني في هذه المرة بكل ترحاب . وجلست على مقعد وثير ، حيث جاء بعض أعيان البلدة لتحيتي . وخلافا للاستقبال الأول ، فإنني قد لاحظت أن الحاضرين كانوا كثيري التودد إلي والتبسط معي . وكلف القائم مقام ابنه ،وهو جندي ، بالسهر على راحتنا ، كما كلف جندي آخر بأن يلازمنا آناء الليل أطراف النهار . وألا يتركنا إلا إذا طلبنا منه نحن ذلك . أما النقيب ( العربي بي ) فقد أوكل إليه تدبير أمور أكلنا و البقاء في صحبتنا .

وبعد فراغنا من تناول العشاء توارد الضباط الآخرون علينا في جماعات للتحية والتعرف بنا . وكانوا يبقون معنا وقتا طويلا ، يتجاذبون معنا أطراف الحديث ، ويروون لنا ذكرياتهم عندما كانوا مجندين في حروب تركيا في اليمن وفي ألبانيا ، قائلين إنها كانت حروبا طاحنة جرت أحداثها تحت شدة البرد أو تحت وهج الشمس ، عبر جبال يبلغ ارتفاعها ما بين ألفين وثلاثة آلاف متر ، وليس بها طرق . وحكوا لي كيف أنهم قد أصيبوا بالإسهالات المعوية وغيرها من الأمراض ، في وقت كانوا يواجهون فيه أعدى الأعداء . والواقع أنهم بدوا لي في منتهى الطيبة ، في صلابة وبساطة ، وكانت لهم مشية عسكرية حقة . وليس لي إلا أن أعجب برجال مثلهم ، قضوا حياتهم في الخدمة العسكرية بمعسكرات وثكنات نائية ، راضين برواتب زهيدة وملابس رديئة ، يحيون حياة خالية من كل ترفيه ، باذلين شبابهم وحياتهم لخدمة وطنهم .

وأثناء الليل شعرت باهتزاز جدران الغرفة التي ننام فيها ، من شدة هبوب الرياح العاتية التي كانت تصفر في جنبات تلك الوديان العارية وجدران البيوت ، حيث تجوب أطرافها فتزلزل المنازل المتواضعة وتفري الصخور العالية التي تحول الكثير منها إلى رقائق وألسنة ناتئة من كثرة ما تعرضت لهبوب تلك الرياح .

ثم أقبلت قافلة مكونة من أربعين جملا محملة بإمدادات ومؤن قاصدة بها الى أماكن متعددة من طرابلس الغرب لتزويدها . وحطت جميعها في ساحة البرج في جلبة وحركة ، باحثة عن مواضع لقضاء الليل في تلك الساحة ، حيث علت صيحات وحداتها وأصحابها واختلطت في هدأت الليل .

وبقينا في بلدة ( جادو ) طيلة يوم الرابع والعشرين من يناير وقد كان الطقس مكفهرا والسماء ملبدة بالغيوم والرياح عاتية . وطيلة الوقت كان ضباط الحامية التركية يعبرون لنا عن توددهم ،وظلوا في صحبتنا متجولين بنا في وادي طموغوت. (يقصد الكاتب طموقت)

وسرعان ما توثقت عرى الصداقة والمودة بيني وبين قائم مقام فساطو الليبي . وكان الفضل في ذلك يعود الى ترجماني الجزائري الذي خطرت بباله فكرة جهنمية لتملق كبرياء ذلك الرجل ، إذ قال له إن مجلة (المصور) الفرنسية ، التي أعمل مراسلا لها ، قد سبق لها وأن نشرت صورة القائم مقام في أحد أعدادها السابقة ، وأن ذلك العدد من المجلة حينما وصلت بعض نسخه الى الجزائر بادر الجزائريون انتزاع صورته منها وعلقوها على جدران المساجد والمقاهي تكريما له في كفاحه ضد الإيطاليين ، وأنهم بالرغم من عدم معرفتهم الشخصية به ، إلا انهم قد أجلوه ودعوا له بالبركة بسبب ذوده عن حمى الإسلام . وللحق فإن الصورة التي عرضت عليه في المجلة لم تكن صورته هو ،بل صورة أحد المجاهدين الليبيين الآخرين ،إلا أن الضباط الحاضرين اعتقدوا انها صورته .وقد فطنت أنا للأمر بمجرد أن نظرت الى الصورة المنشورة في المجلة وخشيت ان يفطن للأمر فتكون الطامة الكبرى ، لكنه لم ينتبه للخدعة لحسن الحظ ، وانطلت عليه الحيلة بعض الشيء ،وإن كان قد بدا وهو بتفرسها أنه يداخله بعض الشك وخيبة الأمل .

وتضم منطقة ( فساطو – جادو ) حوالي خمسة وعشرين قرية يسكنها قرابة عشرين ألف نسمة ، معظمهم من البدو الرحل الذين يغادرون قراهم خلال فترة من السنة حيث يذهبون للفلاحة في الوديان المجاورة أو عند أطراف الصحراء ، حيث تهطل بعض الأمطار في فصل الشتاء ، مما يمنح الأرض بعض الرطوبة التي تجعلها صالحة للزراعة .

ويبلغ عدد أولاد القائم مقام خمسة عشر ابنا ، معظمهم يعملون كضباط في الجيش التركي أو موظفين حكوميين . وقد لاحظت أن الناس هنا على أتم الاستعداد للدفاع عن ديارهم ضد الغزاة الايطاليين . وقد غادر عدد كبير من السكان فعلا قراهم وانضموا الى بقية المجاهدين في معسكر ( العزيزية ) ، في حين ظل الآخرون مستعدين لتلقي أول إشارة باستدعائهم .

وقد علمت أن أفراد بعثة الحفريات الأثرية الايطالية المسماة بعثة ( سان فيليبو ) التي فاجأتها بداية الحرب وهي تباشر تنقيبها في طرابلس الغرب . وهي البعثة التي أشاعت إيطاليا أن الليبيين قد ذبحوا أفرادها . غير أنها في الحقيقة ما تزال موجودة لم ينلها أي أذى . وقد اختلفت الناس في تحديد المكان الذي توجد به تلك البعثة حاليا . فالبعض يقول أنها في بلدة ( سوكنة ) ، والبعض الآخر يقول إنها في مكان ما بين (طرابلس) و (مرزق) ، وآخرون يدعون أنها بمنطقة (الشاطىء) في فزان ،أي على مسيرة ثمانية أيام شمالي (مرزق) .

يفرن – في 27 يناير 1912

لقد رحلنا عن فساطو – جادو أول أمس عند الظهر ، مزمعين قضاء الليلة التالة في بلدة (زنتان) التي تبعد عنها مسيرة خمس ساعات . وعندما دنت ساعة رحيلنا تجمع أعيان البلدة (جادو) في ساحة البرج لوداعنا . وكان المشهد رائعا وخارقا للعادة ، ونحن نودع الناس في تلك الساحة التي كنستها الرياح وتجمعت فيها قافلة الأربعين جملا المحملة بالعتاد والمؤن ، والتي كانت على أهبة الاستعداد لنقلها الى المجاهدين الليبيين . ورحلت أمامى جمالنا نحن يسوقها جمالوها الذين التحفوا ببرانسهم فلم تعد تبدو منهم سوى أعينهم . وأجلت النظر حولي وأنا أتحرك فوق صهوة جوادي ، فرأيت حول القصر القديم بيوتا عربية متناثرة . وقد بنيت حول القصر غرف عالية لها شرفات ، ويصعد اليها عن طريق درجات حجرية . وقد شاهدت الناس يهرعون منها ومن القرى المجاورة ، ثم يتجمعون حول قافلتنا وهي تحاول أن تجد لها منفذا تخرج منه . ثم لمحت القائم مقام آتيا نحونا وقد ارتدى قميصا أبيض طويلا لبس فوقه جبة زرقاء داكنة ، وكان يعرج من جراء جرح في أحد فخديه ، ولذا فإنه كان يستعين مشية بعصا يتكئ عليها . وكان أولاده وخدمه يتبعونه . واستمر الناس يتجمعون حولنا ، وهرع الكثيرون منهم الى ساحة القصر ، في حين أطل علينا الآخرون من فوق الجدران والأسوار ، وكانوا يلوحون لنا محيين أو يكتفون بالتحديق فينا وقد تلحفوا بأرديتهم أو برانسهم . وكنت ألمح بينهم الجنود والشيوخ والأعيان والأطفال ، ومنهم النقي البشرة ومنهم الشديد السمرة . والحقيقة أن الصورة الفوتوغرافية لا تكفي في إعطاء فكرة وافية عن جمهرتهم ، إذ يتحتم أن يرقبها المرء من جميع الزوايا حتى يتمكن من الإلمام الكامل بمنظرهم .

وتوقفنا فوق ظهر دوابنا وسط مشايخهم ، فتقدم مني القائم مقام – واسمه ( عمر العربي بى ) – وتوجه الى بكلام ترجمه لي مترجمي ، وهذا نصه :

(( يؤسفنا أننا لا نعرف لغتك الفرنسية كي نخاطبك بها مباشرة لنعبر لنعبر لك عن خالص امتناننا لحكومة بلدك وعن صداقتنا لشخصك . وآمل ألا تنقطع روابط الصداقة بيني وبينك بعد اليوم ، وإذا احتجت أثناء تنقلك في بلادنا أي مطلب يكون في مستطاعنا تلبيته ، فاكتب الينا ، فإن طلباتك فوق رؤوسنا وأعيننا )) .

ثم انطلقنا الى وجهتنا ، وحولنا جماهير غفيرة ، إذ أن أصول الضيافة عند الليبيين تقتضي منهم أن يخرجوا خلف ضيفهم لوداعه الى أقصى نقطة ممكنة ، بينما يبذل ضيفهم أثناء ذلك كل ما في وسعه كي يقنعهم بالرجوع إلى ديارهم تخفيفا لتعبهم . وهكذا فإنني لم أتمكن من إقناعهم بالتوقف إلا بعد لأي ورجاء متكرر . ولا تعتقدون أن المشهد كان مشهدا مصطنعا ، فإن مودعي كانوا يفعلون ذلك من أعماق أنفسهم وبشكل صادق وليس لمجرد إظهار مودة كاذبة لي ، وهكذا فإنني قد وجدته أنا نفسي أمرا طبيعيا .

نقلا عن موقع جادو
http://www.megaone.com/jadu/jadu1912.htm

هذه المقالة تحتوي على تعليق (1)

تعليق واحد ل “( فساطو ) و ( جادو ) في 24 يناير 1912”

  1. وليد says:

    القائم مقام هو عمر بي عراب من الرجبان

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal