img5.jpg

كتاب غدامس بين الماضي والحاضر

أسطورة تقسيم المدينة .. وهجوم جوي يدمّر مئات البيوت .. وقصة فندق عين الفرس

صدر مؤخراً كتاب جديد، للمؤلف الليبي أحمد قاسم ضوي، أحد البحاث في تاريخ مدينة غدامس، تحت عنوان ” غدامس بين الماضي والحاضر ” ، قام بالإشراف على طباعته حفيده، يوسف ابراهيم ضوي .

ويتناول الكتاب الذي جاء في 379 صفحة، تاريخ مدينة غدامس، منذ نشأتها، مروراً بتطورها عبر الأزمان، وحدود الواحة، وأبرز معالمها الطبيعية، كما تطرق الكتاب إلى جوانب الحياة الثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، وأصل تجارة القوافل في غدامس، وطرقها، ومحطاتها، وأهم السلع والبضائع التي تنقلها القوافل، وعن السياحة في المدينة، يشرح الكتاب أهميتها السياحية، وأهم المواقع السياحية، ومقترحات لتطويرها .

وخصص جزء من الكتاب لتناول الطوارق، وأصلهم، والأمير ” منوكل ” ، ومراسم تنصيبه، واختصاصاته، والطبقات الاجتماعية للقبائل التارقية .

ويقول الحفيد عن بروز فكرة طباعة الكتاب : ذات يوم كنت منهمكاً في فرز مجموعة الصحف والمجلات القديمة، وكان من بينها أعداد من صحيفة الفجر الجديد، لفت إنتباهي مقابلة أجريت مع جدي المرحوم أحمد قاسم ضوي، متحدثاً خلاله عن فكرة اصدار كتاب عن مدينة غدامس، يضم تاريخها الحضاري، والديني، والطرق الصوفية، وعلماء الدين، وعاداتها، وتقاليدها، وأغانيها القديمة، ونبذة عن حياة الطوارق .. أخذتني الدهشة ولم أكن قد سمعت عن مشروع الكتاب، من قبل، فقررت البحث عنه، وسألت والدي عن هذا المشروع، فقال نعم يوجد ولكنه مازال مخطوطاً، فانطلقت من فوري مسرعاً إلى بيت جدي، أفتش غرفته الخاصة، وكم كانت فرحتي عظيمة عندما عثرت على هذا المخطوط، فرأيت ضرورة إظهاره والاشراف على طباعته تعميماً للفائدة “.

وخصص الباب الأول من الكتاب إلى تصفح تاريخ المدينة بالإشارة شواهد الأزمان الجيولوجية وتطوراتها، والتحولات المصاحبة لها، وتدفق مياه البحر إلى أراضي الصحراء الحالية، والانقلاب الصحراوي، الموثقة من خلال حزمة دراسات أزاحت الستار عن مجموعة من الأصداف، وهياكل كائنات بحرية، التي سادت المكان في تلك الفترة، كما تناول الباحث الموقع الجغرافي للواحة على بعد 630 كيلومتر جنوب غرب مدينة طرابلس، وعلى مسافة 13 كيلومتر من الحدود الجزائرية، والتونسية بنحو 15 كيلومتر تقريباً، مستشهداً بمجموعة من القصص والأساطير عن نشأة المدينة، قصة ” القافلة ووجبة الغذاء ” وشخصيها الرئيسة ” ذو اليزن ” التي جرت أحداثها سنة 1850 وفي سرده لتاريخ المدينة من عصور ماقبل الإسلام، يقف الكاتب على فترة الاستيطان البشري للمنطقة، وبداية تشكل نواة أول مجتمع مدني على شكل تجمعات صغيرة، تتباعد في العمران المشيد على شكل قصور، تقطنها القبائل، بلغ عددها 9 قصر، وكان كل قصر مقسم إلى مجموعة البيوت المخصصة لعائلات القبيلة، ومن أشهر القصور التي أوردها الكاتب قصر ابن عمر، وقصر أمانج، وقصر أمبرين، وقصر بوشاتة، وقصر امزي، وقصر الغول، وقصر انونو، وقصر امجار، وقصر امجدول، وأغلبها أندثر ولم تتبقى سوى شواهد قصر الغولة أو جبل الصحابة كما يطلق عليها حالياً، الواقع غرب المدينة .

وحمل الكتاب سرداً عن أبرز الأحداث التي شهدتها تلك الفترة، أثناء هجوم الرومان على سكان قصر الغول، وأسفرت عن معركة حامية الوطيس، تمكن على إثرها الرومان من احتلال القصر، والاستيلاء على القصور الأخرى، وبعد ذلك وقعت كامل القصور في فلك الإمبراطورية الرومانية، إلى أن تمكن سكان المنطقة من طردهم سنة 315 ميلادي، وفي العصر البيزنطي حاول البيزنطيون السيطرة على غدامس من خلال جولات عسكرية لكنهم عجزوا الوصول إلى هدفهم، لتفتتح صفحات من المفاوضات لإيقاف القتال، وفتح الباب أمام توقيع معاهدات، لم تصمد طويلاً نتيجة الرغبة الجامحة للبيونطيين في السيطرة على الموقع الاستراتيجي للواحة، وأدى الأمر إلى طردهم في نهاية المطاف، وبعد ذلك بدأ سكان المنطقة في التفكير في مغادرة القصور وتأسيس مدينة محصنة، داخل سور قوي، بلغ طوله 7 كيلومترات، وعرضه مترواحد، وفتحت فيه أربع أبواب رئيسة هي باب النادر، وباب البر، وباب ابوشاتة، وباب الظهرة، فضلاً عن 15 باب ثانوية، وبابي ” سباط وليد ” ، وسباط وازيت ” المفضيان إلى ساحة الحرية، لتتشكل نواة المدينة القديمة ببيوتها ومبانيها وساحاتها العامة .

ويشير الكتاب إلى وجود شواهد عن الفترة الرومانية، تتمثل في بعض العبارات الكتابية والرموز، المنقوشة على جدران حي الظهرة، بالإضافة إلى الأحجار والعقود الحاملة لسمات المعمار الروماني، والبيزنطي، وتجذر الإشارة إلى أن الكاتب يقع في خطأ تاريخي يكرر فيه احتلال الرومان للمدينة خلال فترات ماقبل الميلاد، استدركه حفيده بالرجوع إلى المصادر التاريخية التي تشير إلى أن دخول الرومان إلى المدينة سنة 151 قبل الميلاد، لم يكون احتلال مباشر بل عبر تحالف ملك نوميديا ” ميسينيسا ” مع الرومان، وهي الفترة التي كانت فيها المدينة تحت نفوذ النوميديين .

ويتطرق الباحث إلى التقسيم الحالي للمدينة إلى الحيين الرئيسيين، وفق ماتتوارده الألسن عن نشوب صراع بين شخصيتان أو بطلان ” وازيت ” ، و ” وليد ” ، بعد الانتصار على القوات الرومانية، وانقسام السكان إلى طائفتان الأولى انضمت إلى وليد، والأخرى إلى وازيت، وبدأ تقسيم المدينة إلى سبعة شوارع، هي تصكو، ودرار، ومازيغ، وتنقزين، وتفرفرة، وجرسان، وبليل، تنضوي كلاً منها إلى الزعيمين، وأصبح التكوين المعماري للمدينة يضم حيين الأول عرف باسم ” وليد ” ، ويضم شوارع تصكو، ودرار، ومازيغ، أما وازيت فيتكون من شوارع تنقزين، وجرسان، وتفرفرة، وبليل، وبهذا أصبحت غدامس تتكون من القبيلتين .

وعن الفتح الإسلامي فإن الباحث يضع جملة من قصص مفاوضات الأهالي مع القائد عقبة بن عمرو، دفين المدينة عقب، عقب مقتله إثر معركة مع سكان ” انونو ” وارتدادهم عن الاسلام، ولايزال المسجد الذي ووري فيه جسده الثرى، ضمن معالم المدينة، وسط المقبرة الرئيسة، ويعود تاريخ بناءه إلى سنة 662 للميلاد، وفي العصر التركي، بالمدينة الذي افتتحت أول فصوله سنة 1842 ببناء ” القشلة القديمة ” التي لأثر لها اليوم، غير أن مكانها معلوم بالقرب من عين حواء على مفترق الطرق بين شوارع تنقزين وبليل، وجرسان، وماتزال القلعة التركية الأخرى باقية إلى يومنا هذا .

وخصص الكاتب الباب الرابع من الفصل الأول لتناول فترة الاحتلال الإيطالي لغدامس، ومقاومة السكان، وأبرز الانجازات المتحققة في تلك الفترة، التي من بينها فندق عين الفرس، وتجديد القلعة التركية، وإقامة مقر للبريد، ومحطة للارصاد الجوية، وتمهيد مدرجات مطار غدامس، وحفر عدد من الآبار، كما يورد الكتاب عهد الادارة الفرنسية، وقصف الطائرات الفرنسية بالقنابل الثقيلة، لعدد من آحياء يوم 11 – يناير – 1943 وتدمير أكثر من 400 منزل، وعدد من المنشآت الأخرى، وأسفرت عن مقتل 43 شخصاً.

ويتطرق الباحث إلى تقسيمات المنطقة العمرانية، داخل فضاءات المدينة القديمة، والحدود الفاصلة بين أحيائها وشوارعها، حيث يشير الكتاب إلى أن المدينة مقسمة إلى حيين هما حي قبيلة وازيت جنوبي شرق البلدة، الذي يحده شرقاً فضاء ” بامبرين ” ، حيث شيد العثمانيون الشقلة القديمة، وشمالاً سوق القادوس، أو ميدان الحرية، وجنوباً شارع الظهرة، والبر، الذي يوجد به جامع عقبة بن عمرو، أما حي وليد الواقع شمال غرب البلة، فتحده شرقاً ” تيسكين ” ، وغرباً ميدان المشرح، أو ميدان عين الفرس، وساقية تالة، وشمالاً سواني طارط، وتالة، وجنوباً ميدان القادوس .

وحول تقسيمات الشوارع يقف الكتاب عند حدود الشوارع السبع الرئيسة، بالبلدة القديمة، والعلامات المميزة للحدود، والرموز الخاصة بكل شارع، فيلاحظ أن شارع تصكو تم تمييزه بعلامة ” أاس ” ، ودرار بعلامة ” عس ” ، أما مازيغ فيرمز له بعلامة ” حس ” ، وتونين ” عصيده ” ، وجرسان ” موس صيلة ” ، وتفرفرة ” عيس ” ، وتنقزين ” موس ” ، وبليل ” سيف ” ، ويمكن مشاهدة تلك العلامات لمعروفة محلياً بالسمية، أعلى المداخل المؤدية إلى أحياء المدينة .

وفي جانب آخر يفتتح المؤلف فصلاً جديداً لتناول حصر أهم المفردات المعمارية، والسواقي، والبساتين، بالبلدة، والمنازل المتناثرة على جنبات شوارعها، حيث يشير الكتاب إلى أن اجمالي عدد البيوت بمدينة غدامس القديمة، بلغ نحو 1081 منزلاً، مقسمة إلى 247 منزل بشارع تصكو، ونحو213 بيتاً بشارع درار، و169 منزلاً في شارع مازيغ، بينما بلغ عدد بيوت شارع تنقزين 133 منزلاً، وتفرفرة 90 منزلاً، في حين قدر عدد المنازل بشارع جرسان حوالي128 بيتاً، وبليل101 منزلاً، بينما بلغ عدد بساتين شارع تصكو498 بستاناً، وشارع درار 108 بستان، ومازيغ 182 وتفرفرة 172 وتنقزين 135 وبليل 111 وجرسان 196 بمامجموعه 1402 بستان تحف المدينة، تغطي مساحة 162.5 هكتار، تتغذى بالمياه الدافقة من عين الفرس، عبر سواقي المدينة، تروي نحو 20 ألف نخلة، و2100 شجرة زيتون، و3000 شجرة رمان، و2000 شجرة تين، و2500 شجرة لوز، و1500 من عرائش العنب، و 700 شجرة ليمون، و800 شجرة تفاح، و300 شجرة برتقال، تتغذى بنظام ري دقيق، عبر نظام القادوس، يكفل تقسيم المياه بالتساوي بين مزارع المدينة .. ويسرد الكاتب أهم المعالم السياحية بمدينة غدامس في تسلسل زمني يبدأ من معالم العصر الروماني، المتمثلة في التماثيل الرومانية المعروفة باسم ” تمسمودسن ” ، الواقعة غربي حي الظهرة، بالإضافة إلى أطلال قصر الغول 5 كيلومترات غرب المدينة، وسجن الكاهنة بالقرب من قوس امبرين، المعروف حالياً باسم القشلة القديمة، فضلاً عن الشوارع والمسارب والساحات، والبيوت الغدامسية، بمفرداتها المعمارية الرائعة، التي تستقطب اهتمام كل من سمحت له الفرصة بزيارتها، كما أن تتبع سواقي المياه المنتشرة بين أحياء المدينة يحمل الكثير من المتع، والتدبر في العبر المنبعثة من عبقرية الأولين، وبعيداً عن فضاءات المدينة القديمة تبرز بحيرة مجزم الواقعة على بعد 40 كيلومتراً شمال شرق المدينة، كأحد أهم المعالم الطبيعية التي تميز المنطقة، بالإضافة إلى التلال الرملية الواقعة للغرب من غدامس .

نستكمل رحلتنا بين ثنايا الكتاب، بالوقوف على مفردات الحياة الاجتماعية، والعادات والتقاليد السائدة، ومظاهر الحياة الاقتصادية، ومجتمع الطوارق، حيث يفرد الكتاب صفحاته لأبرز المناسبات الاجتماعية، مراحل اتمام مراسم الزواج التي تستمر طيلة 15 يوماً، ابتداء بيوم ” التحميص ” ، اشتقاقاً من عملية ” تحميص ” الحبوب التي سيتم تقديمها خلال أيام العرس، يليه يوم ” الصبيغة ” ، الذي يتم فيه إهداء الأب لابنته العروس، الملابس الصوفية، وفي الغالب تشتمل على ” أسكمبو ” ، والبخنوق، والمناديل، و”تيجمت ” ، وهي عبارة عن خيوط منسوجة من الصوف الخاص، تضعها العروس في نهاية خصلات شعرها، وفي اليوم الثالث تتم عملية جمع الحطب، لاستخدامه في اعداد الوجبات طيلة أيام العرس، ويتجه في هذا اليوم الشباب إلى ” قارة الحطابة ” ، الواقعة على بعد 16 كيلومتراً، لتجميع الحطب، ويشهد اليوم الرابع تحضير الحناء، وسط الغناء، والأهازيج المصاحبة، وفي اليوم الخامس تنطلق النساء إلى بيت الزوجية، ويقمن بطلاء جدران المنزل، وهن يطلقن الزغاريد، وصيحات مميزة، لتنبيه الجميع للحضور والمشاركة في العمل، وأثناء فترة المساء، تفتتح مراسم الاحتفالات بتقديم التهاني، والدعاء بأفضل التبريكات للعروسين، وسط أجواء احتفالية تعرف بحفلة ” أمبارك ” ، وفي يوم الخميس اليوم السادس ينطلق أصدقاء العريس إلى أحد البيوت المخصصة لاستقبال ضيوفه، ويتم فرشه وتزيينه، ومن العادات الغريبة في مساء هذا اليوم قيام النساء بزيارة بيت عائلة العريس لحجز أماكن للجلوس، للمشاركة في احتفالات عقد القران، وبعد صلاة العشاء ينطلق الشباب مرتدين أفخر الملابس، إلى أحد ميادين البلدة للاحتفال، وتأدية الرقصات على أنغام الفن الشعبي المعروف باسم ” تجيقلت ” ، و ” انقنان ” حتى الساعات الأولى من الصباح، وتتخلل احتفالات يوم الجمعة، وهو يوم عقد القران، حفلة كبرى للنساء تستمر إلى صلاة العصر، أي بعد عقد القران، لتتجدد لاحتفالات حتى الفجر . وفي اليوم الأول من الأسبوع الثاني يتجه الشباب والنساء إلى بيت العروس، للاحتفال وسط الأنغام الشعبية، والرقصات المعروفة محلياً ب ” الهد ” أو ” النخ ” النخيخة في المناطق الأخرى، ويتخلل اليوم الثامن من مراسم العرس الغدامسي عرض لهدايا العريس إلى عروسه، من بينها الملاحف السودانية، والأردية الحريرية، والقطع الفضية والذهبية، والمجوهرات، ومن أجمل وأغرب وأقدم العادات المتبعة في العرس الغدامسي مايصاحب يوم ” مورينا ” وهو اسم نائبة الكاهنة التي حكمت البلاد في القرن السابع الميلادي، وأطلق هذا اليوم تكريماً لها، بحضورها إحدى المناسبات، وتتخلل احتفالات هذا اليوم تجهيز البخور، والروائح، ووضعها في أواني خاصة، ويخصص جزء لبيت العريس، وآخر لأهالي العروس، والباقي يوزع على النسوة، ويبدأ العد التنازلي لاختتام مراسم العرس الغدامسي، خلال اليوم الحادي عشر ببلوغ الاحتفالات أوجها، فعند المساء يقام احتفال ضخم في منزل العروس، يقتصر على البنات من سن الخامسة إلى العشرين سنة، يطلق عليه اسم ” إفض ن المودوو ” ، أي ليلة الجامع، تقسم فيه الحاضرات، وفق أعمارهن، فالبنات من سن العاشرة ومادون يجلسن في وسط المنزل مع باقي الفرقة، أما مايزيد عمرها عن عشر سنوات تجلس إلى جانب العروس داخل خيمة تنصب فوق سطح المنزل، وتستمر مراسم الاحتفال إلى مابعد صلاة العشاء، لتنزل العروس إلى وسط المنزل، ويأتي العريس رفقة أصدقائه لاصطحاب العروس ورفيقاتها إلى أحد المساجد لغسل أطرافها، ويقفل الجميع إلى نقطة الانطلاق، وينفصل الشباب عن الفتيات، ليستأنف كل فريق احتفالاته إلى شروق الشمس . ومع بداية اليوم الثاني عشر من العرس تنطلق الاحتفالات بيوم الحنة، فعند الظهر تجتمع النسوة مجدداً في بيت العروس، وتتم صباغة أصابع أقدامها ويديها بالحناء، ويرسل جزء منها لصبغ أصابع قدم العريس في المساء، وعند صباح اليوم التالي أي يوم الدخلة، تحضر إلى بيت العروس فرقة ” الماشطات ” ، ليقمن بمشط شعرها، وتصفيته، إثر انتهاء العملية تمر العروس بين صفين من الحاضرات، وسط رقصات ” الباهوري ” ، وعند المغرب تنتقل عائلة العريس إلى بيت العروس لإحضارها، وسط أضواء القنديل، المعد لهذه المهمة، تحمله إحدى النساء، في حين ينطلق العريس واصدقائه من مكان تجمعهم في أحد المساجد إلى بيت الزوجية، مرددين الأغاني والأهازيج، ليتفرق الجمع من أمام البيت، بعد انسحاب النسوة، إثر دخول العروس إلى الداخل .

وخلال اليوم التالي للدخلة، تقاك وليمة كبرى، يدعى إليها الجميع، يقدم خلالها الكسكسي، ويتم توزيع الوجبات على الجيران، على طول امتداد الشوارع، وبعد صلاة الجمعة يتجه العريس ورفاقه إلى بيته، لأداء رقصة الدلالة، على أنغام الباهوري، وإثر صلاة المغرب تقوم والدة العروس بإعداد وجبة العشاء وإرسالها لمنزل ابنتها، لتقديمها لأصدقاء العريس، لتختتم مراسم العرس في اليوم الخامس عشر بقيام عائلة العروس بإعداد وجبة الملوخية، وتوزيعها مع الخبز على المنازل، وفي المساء يتم تقديم وجبة العشاء لأعيان الحي، داخل بيت العريس.وعن الاحتفالات الدينية بغدامس القديمة يضع الباحث وصفاً دقيقاً لأبرز العادات والتقاليد المصاحبة لتلك المناسبات، من بينها الاحتفال بعيد الفطر، والوقوف بعرفة، وعيد الأضحى، الذي كان يختتم طقوسه المصاحبة باحتفال كبير في الحقول المحيطة بالمدينة، وترديد الأغاني الخاصة بالمناسبة، أما الاحتفال بالمولد النبوي، فإن الغدامسيين يبدأون هذه المناسبة منذ يوم 25 من صفر بقراءة المدائح النبوية، تستمر طيلة ثلاثة أشهر، وفي ليلة الإسراء والمعراج التي تسمى محلياً ب ” تبارتين ” يتم قراءة قصة الاسراء والمعراج، وصيام ثلاثة أيام، وتوزيع الحمص والفول على الأطفال، وللرضع تقدم أكياس تسمى ” الفكية ” ، أما البنات فيحتفلن بإحضار أطباق الفاكهة، وقطع السكر، على المائدة المسماة محلياً ب تبارت ” ، ويستقبل أهالي بلدة غدامس القديمة شهر رمضان، بقراءة القرآن، وتبادل الاستضافة على مائدة الإفطار، ويخرج الأطفال إلى الشوارع مرددين بعض الأغاني الخاصة بالشهر الكريم، وكغيرها من المناسبات الدينية ولايمر رأس السنة الهجرية دون احتفال، بتقديم وجبة الملوخية، رمز التفاؤل لدى الغدامسيين . ومن أجمل العادات والتقاليد الغدامسية يقف الكتاب على الاحتفالات الأخرى مثل يوم الربيع، ويوم السوق احتفاء بفصل الخريف، حيث يقوم الأطفال بجمع الثمار، ووضعها في السلال، استعداداً لعرضها في إحدى الساحات المخصصة للبيع والشراء، وعندما يرجع الأطفال لبيوتهم يتم تزيينها بالثمار والغلال التي أحضروها، وتقسيمها على الجيران والأقارب، ولايكاد يمر فصل دون احتفال خاص، وكغيره من الفصول تحتفل غدامس بليلة مرور نصف الشتاء ليلة ” مامرو ” ، تحتفل فيها البنات، بجمع الأقمشة، والخرق البالية، ويحرقنها، ويتجولن في المنازل، لجمع أكبر قدر ممكن، لحرقها، وتبقى النيران مشتعلة فوق أسطح المنازل، وسط غناء وتصفيق البنات . ويعرض الكتاب أهم مظاهر الحياة الاقتصادية في غدامس القديمة، بالحديث عن أبرز أسواق المدينة، التي من بينها سوق المشرح، الواقع بميدان فندق عين الفرس، وسوق ” اندوتومين ” بساحة التوتة، وسوق القادوس، بميدان الحرية، بالإضافة إلى تأثير حركة القوافل التجارية على اقتصاد المدينة، والبضائع التي تنقلها القوافل.وفي حصر توثيقي لأهم مفردات المدينة يقف الباحث على أنواع الخبز الغدامسي، التي تتعدى 28 نوعاً من الخبز، و أكثر من 10 أنواع من العصيدة، من بينها عصيدة إمخمر، والقصب، والنخالة، وغيرها، فضلاً عن أصناف التمور البالغ عددها 32 صنفاً تنتج بسواني المدينة البالغة 1217 سانية، بالإضافة إلى أنواع الطيور في غدامس.مظاهر رائعة لمجمل مناشط الحياة داخل فضاءات البلدة القديمة، اندثر الكثير منها، تبرز حالياً فقط ضمن مفردات مهرجان غدامس السياحي .

يأخدنا أحمد قاسم ضوي لسبر أغوار بلدة غدامس القديمة، وعادات وتقاليد سكانها، إلى بلدة تونين الواقعة على بعد 3 كيلومترات غرب غدامس، ويفرد الباحث مساحة واسعة لهذه المفردة التي تشكل أحد أبرز المعالم الواقعة ضمن الحدود الجغرافية للمدينة .

ويشير الكتاب إلى أن تونين قرية سياحية، حبتها الطبيعة بمناظرها الرائعة، وممايزيد من روعة المكان، الجبال المتناثرة على خلفية البلدة، وعلى مقربة منها توجد سبخة تقدر مساحتها بنحو 5كيلومترات، ويرجح الباحث أن تاريخ القرية يعود إلى القرن السابع عشر، وأنشأها الولي الصالح ” سيدي معبد ” ، وقام اقتصادها بالدرجة الأولى على الزراعة، وتبادل الملح، وبيع لحوم الغزلان، ومع الوقت بدأت تلك الملامح الاقتصادية تختفي رويداً، إلى أن اضمحلت تماماً من الخارطة، ولاتبرز تلك المظاهر سوى في المهرجانات السياحية، المقامة بالمدينة .

ويضع الكتاب وصفاً دقيقاً لمفردات الزراعة السائدة في تونين خلال المراحل التاريخية، فيقدر عدد أشجار النخيل بالمزارع المحيطة بها بنحو 500 نخلة، على مساحة إجمالية تتوزع على 10 هكتارات من الأراضي، مقسمة إلى 50 سانية صغيرة، تتغذى بالمياه عبر عيون تالة أو ” اصاروط ” ، الواقعة على بعد 3 كيلومرات، وملحس، وسظني .

وتنتشر بالسواني أشجار الرمان، والزيتون، والتين، والمشمش، والقطن، والحنة، وشتى أنواع الخضروات، والحبوب، من قمح وشعير .

ويضيف عن النسيج المعماري للبلدة القديمة، أنها تحوي 40 منزلاً، تتكون من طابق واحد، مقسم إلى وسط الحوش، وحجرتان، وسطح، ومطبخ، أما شوارع المدينة فتشبه في تقسيماتها شوارع مدينة غدامس، وبالقرية ساحة فسيحة تسمى الرحبة، يجتمع بها السكان في أوقات الحفلات والمناسبات الاجتماعية، وبالمدينة جامع واحد، وزاوية قرآنية لتحفيظ كتاب الله، ومدرسة واحدة .

ويفرد الكتاب الباب السابع لقبائل الطوارق، ومواقفهم المشرفة في الدفاع عن الوطن، وشهامة والشهامة، والأدب، والكرم، وحسن الخلق، لاسيما قبيلة ” أفوغاس ” التي استوطن أفرادها المنطقة منذ مئات السنين .

ووفق الكتاب تعود أصول الطوارق إلى شعب البربر، وينقسمون إلى أربعة قبائل، هي أفوغاس، ويقطن أفرادها غات، ومرزق، واوباري، ووادي الحياة، ومنغساتن، وينتشر أفرداها في درج، والشاطيء، وأوباري، أما قبيلة اوراغن التي يتجاوز تعداد أفرادها الآلاف فينتشرون بمنطقة غات، ومرزق، وأوباري، ويشير الكاتب إلى أن قبيلة أمنان، التي تعد أشهر قبائل الطوارق التاريخية في ليبيا، ويقطن أفرادها في موطنهم الأصلي بمنطقة غات، واوباري، وجانت، وترتبط تلك القبائل بصلات وثيقة، وينتخب على رأسها شخص واحد يمثل الحاكم الأصلي لجميع القبائل يسمى ” امنوكل ” ، ويشترط فيه أن يكون من قبيلة ” اروغان ” ، ويتوراث الحكم، أبناء القبيلة من بعد وفاته .

وتتخلل مناصب تنصيب امنوكل استدعاء شيوخ وأعيان القبائل، لإعلان الأمير، ووضع العمامة على رأسه علامة على توليه مسؤولية قيادة القبائل، وإثر انتهاء مراسم التنصيب تنطلق الاحتفالات، حيث تدق الطبول، وتقام المسابقات بين الفرسان، وتفد إلى مقر أمنوكل المميز بوضع طبل كبير على خيمته الوفود من لقبائل كافة لتهنئته .

وتشمل اختصاصات ” أمنوكل ” إعلان الحروب، وجباية الضرائب، على سلع وبضائع القوافل التي تمر بالأراضي التي تسيطر عليها القبائل الطارقية، باستثناء الكتب الدينية، بالإضافة إلى تحصيل الضرائب الزراعية، والخاصة بتربية الأغنام، والمواشي، والمعادن، وإبرام عقود الصلح والاتفاقيات، والمعاهدات .

ويبرز الكتاب أهم العادات والتقاليد السائدة لدى الطوارق، وطبقات المجتمع الطارقي، وديانة، فيشير الكتاب إلى أن الطوارق اعتنقوا الإسلام بعد فتح الأندلس، ويصف التزامهم بآداب الدين الإسلامي، وتعاليمه السمحاء، أما عن لباس الطوارق المتميز بالأثواب الفضفاضة، وألوانها البيضاء والسوداء، أو ملون بألوان أخرى، وارتداء العمامة واللثام، الذي يعد دليل على اكتمال الرجولة، أما النساء فإن أبرز مايميز المرأة الطارقية من لباس، فيتمثل في العباءة الكبيرة، الشبيهة بالقميص الرجالي، وتوضع فوقها قطعة كبيرة من القماش تلف جسدها من الرأس حتى أصابع القدمين، على هيئة رداء، ويظل وجهها مكشوفاً عكس الرجال .

وقد سكن الطوارق الخيام المعروفة باسم ” تكبارين ” منذ القدم، وجرت العادة لديهم أن تتخذ كل قبيلة مضرباً وسط بطون الأودية تقيم فيه خيامها، وفي فصل الصيف تختار القبيلة للإقامة قمم الجبال والهضاب، نظراً لاعتدال الطقس ولطافة الهواء، وإلى جانب الخيمة جرت العادة على إقامة المطبخ المشيد بالحجارة، والمسقف بالأعواد والأخشاب، وتشييد حظائر المواشي والأغنام، ولايتجاوز الأثاث في الخيمة الطارقية البسط، وصناديق حفظ الملابس، وبعض أواني الطهي، والأكل، والشرب، وأدوات صناعة الجبن، والقشدة .

وعن لغة الطوارق ” التفينياغ ” يشير الباحث إلى أن هذه اللغة تتكون من 24 حرفاً، وهي لغة مقروءة ومكتوبة، واهتم ” الشاوي الإله ” بوضع مسودة خطية للغة الطوارق، كما وضع ضوابط خاصة، وقاموس تارقي عربي .

وتجدذر الإشارة قبل اختتام جولتنا بكتاب غدامس بين الماضي والحاضر إلى أن المؤلف أحمد قاسم ضوي من مواليد شارع جرسان بمحلة وازيت في بلدة غدامس سنة 1911 وقام بجمع وتصنيف مادة الكتاب وصياغتها على مدى 30 عاماً، وانتهى من طباعته على الآلة الكاتبة سنة 1981 ونهض على مسؤولية إخراجه إلى النور حفيده المهندس يوسف إبراهيم ضوي مواليد 1980 كما شارك المؤلف بدور المترجم من الغة الإيطالية غلى العربية لطاقم فيلم the legend of the lost الذي قامت بدور البطولة فيه الفنانة العالمية صوفيا لورين، والممثل الأمريكي ” جون واين ” ، كما بذل جهد كبير مع الباحث السويدي ” لارس ايلدبوم ” أستاذ مجتمعات شمال أفريقيا في الولايات المتحدة الأمريكية، في إعداد رسالة الدكتوارة، بالإضافة إلى قيامه بالمساعدة في إعداد تخريط مدينة غدامس القديمة .

أحمد قاسم ضوي

نقلا عن جريدة أويا

هذه المقالة تحتوي على تعليقات (8)

8 تعليقات ل “كتاب غدامس بين الماضي والحاضر”

  1. محمد باصيلة says:

    شكرا على هذه المعلومات القيمة واريد من حضرت لو تكرمت ان تعطينا شرح وافر عم الاشراف في مدينة غدامس ابناء صيلة ولك جزيل الشكر

    • الاخت تفويت شكرا على المتابعة لكن .. اريد ان اضيف معلومة تاكدت منها ان غدامس ليست كلها طوارق والذين بي بهم علاقة مخول لان ابناء موسى بن عمران ( منهم ابناء صيلة ) هم عرب واشراف من فاس .. ولكي ان تتاكدي مادمتي على قرابة منهم

  2. لك جزيل الشكرعن هدي المعلومات القيمة انا من مدينة بنغازي وارغب في التعرف على عادات وتقاليدسكان هدة المنطقةلانة مجهولة باالنسبة لي وللكثرين اتمن منكم ان تقومو بشرح هدة العادات والتقاليد وهل توجدكتب عن هدةالمنطقةوما هي اسماء هدةالكتب

  3. بارك الله فيكم على المعلومات القيمة

  4. فياضي says:

    معلومات قيمة شكرا جزيلا

  5. تفويت says:

    السلام عليكم بعد كل هدا الشرح يأتي ألاخ باصيلة ليسأل عن ألاشراف في مجتمع طوارق أمازيغ ليس لهم علاقة بالعرب .وأشكر حفيد عائلة ضوى أللى تشرفت بمعرفة بعض سيداتها .

  6. مع كل شكرى وتقديرى لهده المعلومات القيمه نرجو منكم المزيد من المعلومات عن قبيله امنان ووجودهم غى سبها

  7. الشاوى المجهول says:

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
    الى الاخ حسين عثمان : قبيلة امنان من القبائل البائدة حاليا , وسببه التناحر العشائري , اى لا وجود لها حاليا اطلاقا ولا يحمل اى انسان النسب الامناني على حد علمي , واعتقد ان مضاربها كانت تصل حدود سوكنة ومنطقة جبل الحساونة والله اعلم , اي كانوا هم طوارق الشمال , وهذا الامر يحتاج الى بحث دقيق للحصول على نتائج قاطعة , المحير فى هذه القبيلة بالنسبة لي متى بادوا ؟ وهو تم ذكرهم فى كتابات قراتسيانى , وتوجد وثيقة من العهد العثمانى تشير الى اجادة نسائهم الكتابة بالتفيناغ , الة من متصرف فزان الى مقام الولاية السامى
    الموضوع:فى حق النساء من سكان جبال تاسيلى ومعرفتهن للقرأةوالكتابة ووجود اثار للمدنية فى غات .

    909ملف
    158رقم
    حضرة صاحب الدولة
    اعرض عليكم سيدى للمعلومية مايأتى:
    لقد شاهدت بنظر الاستغراب التام معرفة الاناث عامة للقراءة والكتابة فى قبيلة ((ايمنن .اى .م . ن. ن. ))القاطنة فى جبال تاسيلى بغات ويستدل ،من الاثار والسدود والمقابر القديمة على ان فى غات حكمت مدنية لمدة طويلة ،وحيث ان النساء المتعلمات كن يتوارثن هذه الخصلة الطيبة من قرون عديدة ،وان كتابتهن لم تكن بالحروف العربية بل انها من الخطوط البربرية القديمة والمعبر عنها بحروف (تى .فى .نو )ولسانهم اللغة التارقية …
    يونيو25-12-1911

    حزيران 1327
    متصرف فزان ،محمد

    _____________________________________________
    هذه الرسالة اى رسالة متصرف فزان من واقع كتاب وثائق تاريخ ليبيا الحديث الوثائق العثمانية . 1881_1911
    ترتيب ومراجعة وتقديم الدكتور احمد صدقى الدجانى
    جمع وترجمة الحاج عبد السلام ادهم
    منشورات جامعة بنغازى .
    وصراعهم اعتقد بين ابناء عمومتهم من قبائل الطوارق الاخرى , واذا كانوا هم الطوارق القاطنون بجبل الحساونة قبلهم فسيكون ايضا التناحر مع عرب الحساونة فى محاولاتهم لصد الحساونة عنه والله اعلم .

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal