img9.jpg

غدامس .. سماحة الأهل وحسن الدار

فتاة من غدامس

فتاة من غدامس

تقديم

إنهم أهل غدامس الذين تقع مدينتهم في غرب ليبيا على الحدود الجزائرية والتونسية، صنفتها منظمة اليونسكو ثالث مدينة آهلة بالسكان في العالم، أستناداً إلى ما أكدته الحفريات والمنحوتات والنقوش الحجرية التي شهدت عن وجود حياة بها منذ أكثر من عشرة ألاف عام، ذكرها “بلين ” المؤرخ الروماني في كتابه التاريخ الطبيعي، وكتب عنها ” بروكيليوس القيصرى ” في كتابه العمائر.

وصفها ابن خلدون في مقدمته : ” قصورها ذات سحر وفن وهى محطة للقوافل وباب الدخول للسودان ” اعتبرها ابن الحميرى التونسي في كتابه الروض المعطار فى إخبار الأقطار: ” مدينة أزلية..وفيها غرائب البناء..واثار ملوك سالفة..لم تكن صحراء وإنها حصينة عامرة ” ذكرها شهاب الدين الحموي في كتابه معجم البلدان “عليها اثر بنيان عجيب ” اشتهرت بتسمياتها المتعددة، عروس الصحراء ، لؤلؤة الصحراء ، زنبقة الصحراء بوابة الصحراء ، بلاد الجلد والنحاس والتبر واللبان والعاج وريش النعام.

ظلت عبر كل القرون الملجأ الآمن بظلالها وغذائها .. هي الواحة المنشود للمسافر المنهك ..واحة و مدينة من أشهر المدن في أفريقيا الشمالية لعبت دورا تجاريا بين شمال وجنوب الصحراء كمحطة للقوافل عبر تاريخها الطويل والذي يقال انه يمتد من زمن النمرود بن كنعان بن سام بن نوح، استخدمها القرطاجنيون والجر منت والإغريق والرومان في أنشطتهم التجارية وتوالت عليها الحقب التاريخية إلى أن دخلها العرب أول مرة بقيادة عقبة بن نافع واعتبرت نقطة انطلاق الإسلام نحو أفريقيا عن طريق قوافلها التجارية.

عبق التاريخ
الوصول إليها يكون دائما عبر الصحراء من أي اتجاه، اليوم صار الوصول إليها بواسطة السيارات الطاوية السريعة المكيفة الهواء، ولكن علينا أن نبحر في الخيال ونلج عالما يسحر الألباب لنرى قافلة بجمالها الأنيقة المتوجه بزينتها وحمولتها التي تبدو كلوحة تشكيلية مؤطرة بلون الصحراء ورجالها الممتلئين فخراً بقهرهم لمصاعب الصحراء رغم التعب بهيئتها والإنهاك تطل عليهم الواحة القابعة بين أحضان الرمال الناعمة فتبزغ مثل جوهرة ساحرة معلقة في جيد الصحراء بنخيلها الباسقة وبياض مبانيها التي يشع بريقها من خلف تضاريسها الخلابة.

وفي عمق الواحة نسمع خرير مياه عين الفرس الصافية وهي تتدفق في حالة سقى دائم عبر قانون صارم لتوزيع المياه بواسطة ” القادوس ” وهو مقياس زمني لضمان توزيع حصص المياه على مستحقيها ،عندما تدخل المدينة العتيقة وأنت القادم من قيظ الصحراء الذي لا يرحم يعانقك الظل الظليل، وتلفح وجهك برودة لا تصدق تؤكد لك عبقرية المهندس الأول الذي صمم المكان، في شوارعها يرحل الفكر ويجد الزائر نفسه أمام صفحات لكتاب موغل في القدم ينتابه شعور لافح بقيمته ويدفعه لتصفحه فينتشي بما يقرؤه عن تعاقب الحضارات التي مرت بالمكان فتأثرت به وتأثر بها ولكن لكينونة فريدة يتميز بها المكان فقد استطاعت المدينة عبر كل العصور أن تستنطق القادم وأن تستدعى إبداعه لتستوعبه بروح وثابه فتعيد صهره وتشكيله ومن ثم سكبه في ذاتها فيصير غدامسياً.

الميراث الغدامسى
هو نتاج لرحلة حياة طويلة مرت على المكان تكونت عبرها شخصية القاطن فيه..لا يختلف معظم الليبيون في وصفهم للغدامسى بقولهم : ” الغدامسية طيبون ” وهم يعنون بذلك ما اشتهروا به من دماثة الخلق وحسن المعشر، وترابطهم اجتماعيا في بلاد الغربة..الغريب أن الموروث الاجتماعي والثقافي يمارس في غدامس بانضباطية لا حدود لها وبالتالي فان المتغيرات التي شملت المنطقة لم تؤثر في الموروث لديهم ولنحتكم لعدد من الظواهر الاجتماعية.

الزواج
في مدن الشمال وما حولها ارتفعت نسبة العنوسة بين الفتيات لعزوف الشباب عن الزواج نتيجة المبالغة في الطلبات ، وتحولت المناسبة إلى استنزاف المدخرات لكل الأطراف في شكل مباهاة مبالغ فيها وسفه لا حدود له.

في غدامس لازال التكافل الاجتماعي قائما ، والعروس الغدامسية ابنة الوزير وابنة الخفير يتم زفافها بنفس قطع الحلي من الذهب التي يمتلكها عدد من العائلات الميسورة في المدينة يقومون بإعارتها لمن يطلب،على ان لا يتعدى مقدم الصداق “المهر” مبلغ خمسون دينار والمؤخر ايضا ..والطقوس الخاصة بالزفاف لا زالت محتفظة بكل تقاليدها وموروثها الجميل ..ولقد أثبتت الإحصائيات أن غدامس هي اقل المدن الليبية نسبة في حالات الطلاق.

العزاء
في مدن الشمال وما حولها.. يرحل الميت عن دنيانا ، تذبح الذبائح وتنصب الخيام وتعدّ الموائد لأيام طويلة يستنزف فيها أموال اليتامى فيفقد العزاء معناه ويتحول إلى مناسبة للنميمة وسرد الحكايات ومضيعة الوقت .

في غدامس يودع الراحل بواسطة الألفية وهى عبارة عن 140 ألف تسبيحه ” لا اله إلا الله ” يتقاسمها المشيعون فيما بينهم نصفها قبل الدفن والنصف الأخر بعده و في المساء تقرأ خاتمة الكتاب ، في اليوم الثالث يجتمع أهل المدينة في المسجد ويتم توزيع الخبز يؤمنها أقارب الميت وتقرأ الفاتحة وينصرف الجميع .. وكان الله ويبقى الله.

الملبس
في مدن الشمال وما حولها..اختفى الزى الوطني وتحول إلى شكل كرنفالي خليط متنافر لا هوية له فبدل الزى الوطني تجد الجلابية المصرية والدشداشة الخليجية والثوب الموريتاني والعباءات السعودية والملابس الإفريقية الخ، لم يعد للشخصية المحلية حضورها ولا تميزها وفي زحمة فوضى الأزياء اختفى الزى الوطني الذي يمثل الموروث والهوية .

في غدامس لا زالت الملابس تحتفظ الشكل المتعارف عليه الذي يتلاءم مع البيئة الصحراوية ولا زالت ملابس النساء بألوانها الزاهية ، تمازج الألوان كنتاج لتمازج الحضارات التي مرت على المكان .

الشارع
” الشارع الليبي يخدش الحياء العام ” هذا عنوان استطلاع صحفي كتبته خديجة حامد في جريدة الجماهيرية يوم السادس عشر من نوفمبر،عبر فيه عدد من القراء عن حالة الانحدار الأخلاقي الذي وصل إليه الشارع في مدن الشمال وما حولها .

حدث و لا حرج عن المعاكسات و عن الكلمات البذيئة التي تخدش الحياء العام ولا تعى حرمة الأذن ، ومعنى الذوق فغاب الحياء الاجتماعي وفقدت فيه الأجيال الجديدة خاصية الاحترام للآخر واختلط فيه حابلها بنبالها.

الصبي في غدامس..في سن الرابعة يرسل إلى الكتاب ليحفظ القرآن الكريم أو ما تيسر منه ،عندما يبلغ الرابعة عشرة وهى سن البلوغ يصوم رمضان ، فتحتفل الأسرة بما يسمى ” “تعمير الحجرة ” حيث يتم وضع جميع الحلويات في حجرة يسلم مفتاحها للصبي الصائم للتعرف على مدى تحمله وانضباطه.

بعدها يعامل معاملة الرجال له ما لهم وعليه ما عليهم ،عند الزواج يقوم بواجباته تجاه شارعه و في الشيخوخة ينتقل إلى حلقة الحكماء الذين يتم استشارتهم في القضايا الأكثر تعقيدا، إن الشارع الغدامسى لا يزال يدار من خلال حلقات متداخلة لأجيال متلاحقة معتمدا على معنى الحديث الشريف ” صغيرنا يوقر كبيرنا وكبيرنا يرحم صغيرنا “.

سماحة أهلها
المقارنات كثيرة و الاختلافات أكثر لما حدث في مدن الشمال وما حولها من تغيير في النسيج الثقافي والاجتماعي بينما احتفظت غدامس بثوابتها مع ممارستها حركة التطور الطبيعي للحياة على أرضها، في مداخلته الرائعة خلال الندوة الثقافية التي عقدت هذا الخريف على هامش مهرجان غدامس الدولي .

أشار الأستاذ الدكتور محمد الطاهر الجرارى رئيس المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية في ليبيا إلى أن سبب التميز الغدامسي عائد لسماحة أهلها ..سماحة التعامل مع الآخر.

هذه السماحة التي أوصلتهم إلى درجة عالية من النفوذ لدى دول الجوار الافريقى ، وأشار إلى عدد من المخطوطات القديمة الموجودة في المحفوظات الأوربية التي أوردت ذكر دور تجار غدامس في مساعدة الرحالة الأوروبيين والقناصل في تنقلاتهم إلى أفريقيا بل ومساعدتهم لدى حكامها ولقد أشارت الوثائق إلى الحاج الحبيب بن محمد الغدامسي كنموذج لذلك، بل أن البعض من الغدامسية تصاهر مع الأسر الحاكمة وتقلد مناصب وزارية من أمثال محمد أبو زمالة في كانو ، وأشار إلى أن ثلثي الذهب المتداول عبر الصحراء من شمال أفريقا إلى جنوبها كان يمر بغدامس ، ،كل ذلك كان عائدا لشعور الأمان الذي يشعر به المسافر والذي تمنحه المدينة للعابرين.

وأشار أيضا إلى أهمية الوثائق والمخطوطات التاريخية التي يملكها أهل المدينة ولا زال الباحثون يذكرون دفتر غدامس كمخطوط هام مفقود يعتبر من أهم الوثائق عن الدولة الحفصية .

المهرجان
العرس الغدامسي يتألق كل عام ،بالتحديد عندما يحل الخريف بعد الانتهاء من جني محصول التمور، تحت اسم مهرجان غدامس السياحي الدولي، هذا العام وبدون إعلان تسويقي حل بغدامس أكثر من خمسة وعشرين ألف زائر استقبلتهم المدينة ” بعراجين نخلها و ثمره الشهي، موشحة مبانيها بالبياض الذي يحاكى سماحة أهلها ” هذا ما جاء على لسان رئيس اللجنة العليا للمهرجان الأديب الأستاذ احمد بشير عزيز في خطابه الافتتاحي.

ولا مبالغة إن قلت أن مهرجان غدامس هو المحج الوحيد والفريد للسياحة الداخلية القادمة من كل أنحاء ليبيا إضافة إلى أن التوقيت الذي تم تحديده بعناية هو بدء الحركة السياحية للأجانب التي تأخذ ذروتها في أعياد الميلاد المسيحية.

في غدامس تجمع عدد من الفرق الفنية من أفريقيا والعالم العربي إضافة إلى الفرق المحلية فقدموا إبداعاً رائعاً وتشكيلاً بديعاً يليق بقيمة المدينة.

التواجد للسياح الأجانب كان ملحوظا أيضا ، مع ملاحظة تجمع كبير للسفراء الأجانب المعتمدين لدى ليبيا ، ولقد شوهد السفير الامريكى وهو يرتشف ” طاسه شاي بالكاكاوية ” في إحدى مقاهي المدينة الشعبية ، وفود الزائرين شملت طلبة المدارس ودور العجزة.

سماحة الابتسامة
في مدرسة سبها المركزية بمدينة سبها في الجنوب الليبي وفى منتصف الخمسينات من القرن المنصرم كان يطلق أستاذنا عبد السلام سنان رحمه الله أستاذ اللغة العربية والدين لقب ” المرابطين “أي أولياء الله على زملائنا القادمين من غدامس لما يتمتعون به من دماثة الخلق وبشاشة المحيا والمسحة الصوفية التي تعتلى وجوههم وتصرفاتها.

وقتها كانت مرحلة الصبا فلم اعرف تفسيرا لذلك ، الآن في شيخوختي أدركت أن الغدامسى الذي نتفق جميعنا على انه ” طيب ” ذلك الإنسان الدمث الخلق بش المحياة تغطى وجهه سماحة الصوفية هو نتاج انصهار عدة حضارات وثقافات كثيرة توالت على المكان وتراكمت وانصهرت وانبثق منها هذا التميز بخاصية فريدة تعتمد على تقبل القادم وإعادة تشكيله ببصمة المكان أو ما يطلق عليهم “الغدامسية” وهذا هو سر ما نراه من سماحة الابتسامة لديهم.

هذه المقالة تحتوي على تعليقات (3)

3 تعليقات ل “غدامس .. سماحة الأهل وحسن الدار”

  1. mahfoud says:

    tanmirt tawalt

  2. غدامسية ليبية says:

    شكرا على الموضوع ولكن الصورة لا تمثل الزي التقليدي الغدامسي

  3. هل من مزيد من المعلومات عن المرحوم الشيخ محمد حبيب الغدامسي ، وليد مدينة غدامس سنة 1860 م والذي نال شهادة دينية من الأزهر الشريف بالقاهرة والمتوفي سنة 1933 بطرابلس وكان له بيت جميل بالمدينة القديمة بطرابلس الرجاء إرسالها لي بأسرع ما يمكن حيث أنني أعمل على بحث كبير عن هؤلاء المشائخ الفضلاء ، ولكم جزيل الشكر والامتنان.

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal