img4.jpg

صالحات من نفوسة

مقتبسة
(نـانـا مـارن)

عاشت هذه المرأة في قرية “الجماري” بليبيا، ودرست على يد كثير من العلماء الأعلام، واشتهرت بالعلم والصلاح، والرأي السديد، ارتفعت بإيمانها وسلامة فطرتها وصدقها مع الله فوق زينة الدنيا وزخرفها، فكانت لا تأنس إلا بالله وحده ولا تصغي إلا لنداء العقيدة الخالصة، وقد كانت في صحوها ومنامها لا تتذوق جوارحها إلا حلاوة الإيمان ولذة الطاعة ونشوة العبادة، وتحتجب في مسجدها عن كل ما يشغلها عن الحق جل وعلا، ولا يزال مسجدها إلى اليوم مشرفاً فوق ربوة عالية يصارع الزمن ويطاول التاريخ.

عندما أراد الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن رحمه الله أن يختار والياً على ليبيا، وقع الاختيار على أبي عبيدة الجناوني، وعزز هذا الاختيار اتفاق المشايخ عليه، ولكن الشيخ أبا عبيدة تردد في الموافقة وذهب لاستشارة هذه الجدة فقالت له: (إن تقدمت وأنت تعلم أنه يوجد من هو أكفأ منك فأنت في النار)، ففكر الشيخ في كلام الجدة نانا، وأخيراً رجع إلى المشايخ، وأعلن إليهم قبول لذلك المنصب، وكان لهذا الموقف الحازم من الجدة أثر في التاريخ لا يزال إلى اليوم يذكر بالفخر والاعتزاز، فهذه الجدة كانت واعية وعارفة بمجرى الأحداث والتيارات السياسية المعارضة، وكانت تسعى لتوجيه الأمة إلى الوجهة الصالحة.

** ** **

(أم أبي ميمون الجيطالي)

كان بجيطال امرأتان، ولكل واحدة منهما ابن صغير، فسألت كل واحدة منهما الأخرى: (ما ظنك بابنك وما ترين فيه؟) فقالت إحداهما: (أراه أن يكون عالماً)، وقالت الأخرى: (أراه أن يكون عابداً) فسألت كل واحدة منهما صاحبتها: (بماذا استدلت على ما قالت؟) فقالت أم العابد: (أرى ذلك لأني إذا كنت في الصلاة سكت وترك البكاء والتنعض) وقالت الأخرى: (أرى ذلك لأني إذا شهدت مجلس الذكر والعلم سكن واطمأن قلبه لذلك ولم يتحرك وإذا كنت في غيره أكثر البكاء والقلق) فصدقت فراسة كل واحدة منهما، فكان العالم منهما هو أبو ميمون الجيطالي، لقد كانت أم أبو ميمون حريصة على حضور مجالس العلم بالرغم من مشاغل الحياة الزوجية وتربية الأبناء، وتفرغت لتربية ابنها، وبذلت جهدها في تنشئته النشأة الإيمانية الحقة، فنشأ أبو ميمون محباً للعلم والدراسة، حريصاً عليها حتى حقق أمنية أمه فصار بعدئذ عالم عصره يقصده العام والخاص لتلقي العلم على يديه، وبلغ درجة من العلم والحكمة والعبقرية جذبت إليه القلوب وحفته بهالة من الإعجاب وأحاطته بحفاوة من التقدير؛ وهنا أيقنت أمه أن فراستها صدقت وأن بذرتها التي تعاهدتها تلك الليالي والأيام ها هي مورقة تؤتي أكلها الطيب وتنشر الخير والهدى فكانت المرأة الراضية الشاكرة.

** ** **

(أم يحيى

زوج أبي ميمون الجيطالي)

كانت حياتها الارتواء من مناهل العلوم والدين والاستغراق في عبادة الله ونشر النور الإلهي بين بنات جنسها، جمعت بين العلم والعمل وبين التحصيل والعبادة وبين العكوف على التأمل والأخذ بيد الحيارى إلى الطريق المستقيم، إنها أم يحيى العالمة الفاضلة والمربية القديرة، سكنت مدينة (أمسيسن” بليبيا، درست على يد كثير من فحول العلماء منهم أبو ميمون الجيطالي، تزوجت أم يحيى من أبي ميمون العالم الذي صدقت فيه فراسة أمه، فلما نزل من الجبل ونظرت إليه من القبة فوق الجبل استصغرت شأنه لما رأته أقصر تلامذته قامة، فلما حلقوا عليه، وأقبل كل واحد منهم يسأل والشيخ يجيب، رأت حينئذ أن الشيخ أطولهم وأعظمهم، فما طلعوا إلى الجبل إلا وهو أعظم الناس في عينيها.

كانت معينة لزوجها على شدائد الحياة ومتطلباتها تقول: (وجدت على أبي ميمون أربعين ديناراً ديناً فقضاها الله عنه بعمل يدي).

وقد آتاها الله ذاكرة حافظة واعية لا تكاد تسمع شيئاً إلا بقي في ذاكرتها ومن ذلك أنها سمعت وهي في طريقها للحج رجلا ينشد قصيدة من ثمانين بيتا فحفظتها كلها، وما ذلك إلا دلالة على قوة حفظها وعمق تركيزها، وكانت آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر لا تبالي في نصيحة المسلمين وقول الحق لا تخاف في الله لومة لائم ومن ذلك ما ذكر عنها أنها ذهبت يوماً إلى المسجد لحضور صلاة الجماعة، وكان المسجد مكتظاً بالمصلين، وعندما بدؤوا للصلاة انطلق صوتها (أم يحيى) يأمر الإمام بالتأخر لأنه ليس أهلاً لأن يصلي بالمسلمين، واستجاب الإمام لصوت الحق فتأخر وتقدم من هو أولى، وتقضي الظروف أن تلتقي أم يحيى في مضيق من الطريق بهذا الرجل الذي آذته في الله فتوجست في نفسها خيفة وخشيت أن تلقى منه بعض ما تكره، ويحس الرجل ما في نفسها، فيقول لها: (امضي راشدة، لولاك لهلكنا، يسر الله لك سبل الجنة).

اشتهرت أم يحيى بالعلم والفضل، وكانت ترى أن الفتاة لا تتم دراستها في مدارس مختلطة يدرس بها الطلبة الذكور، فأنشأت مدرسة خاصة للفتيات، وفتحت بها شبه ما يسمى اليوم بالأقسام الداخلية حتى يتسنى للبعيدات منهن الإقامة في المدرسة، وسرعان ما اجتذبت الفتيات إلى مدرستها وعلمها وحكمتها كما تجتذب الرائحة الطيبة في الروض كرائم الطير، وكانت أم يحيى تقدم لهن الأكل، وتشرف على تعليمهن، فكانت كلماتها تخرج من قلبها صادقة مبرورة تنتقل إلى القلوب وتسكن في الصدور، وتفعل فعلها في الجوارح، واهتمت أم يحيى شخصيا بالإشراف على تربيتهن في بيئة إسلامية صالحة وتطمئن على فهمهن لواجباتهن الدينية والاجتماعية وأنه اكتمل لديهن مقومات المرأة الفاضلة، فطوبى لهذه المرأة التي بذلت نفسها ومالها من أجل طالبات العلم والدين، فما أجمله من موقف عندما أعلنت رأيا لحل مشكلة تعليم المرأة ثم نفذته، وهذا الرأي هو نفسه ما اقتبسه علماء النفس والتربية والتعليم في الوقت الراهن، حين علموا أن الاختلاط في التعليم أحد أهم أسباب الفشل لدى الطلبة والطالبات، ولم يعلموا أن ذلك كان رأي أم يحيى منذ عشرة قرون في قضية تعليم المرأة.

وإلى جانب ذلك لم تنس أم يحيى واجباتها تجاه الحياة الزوجية فكانت نعم الزوجة والمربية، وعندما خرج أبو ميمون للحرب شيّعته، وقالت له: (ادع الله أن يكتب لك السلامة) قال: (ذلك عقد فرغ منه، ولكن ادع الله أن يجعلك زوجة لي في الجنة) فلما استشهد بقيت بعده أم يحيى كهفاً للإسلام ومأوى للأخيار، فكان يجتمع عندها العزابة في ليلة الجمعة يقضون ليلتهم في العبادة.

** ** **

(أم زعرور

زوج أبي محمد التغرميني)

إذا نظرت إلى أي جانب من جوانب حياة هذه المرأة تجده مشرقاً وضّاءً، طيب الذكر، وسيم الملامح، فهيا بنا نبحر في أعماق هذه الشخصية الفذة.

نشأت هذه الفتاة في “جيطال” بليبيا بين أسرة فقيرة، وفي سنة من سنوات القحط والجفاف ارتحل أهلها إلى “أمسيين” بليبيا طلباً للمرعى، وهناك سمعت بمدرسة أم يحيى فتاقت نفسها إلى العلم والتعلم فالتحقت بهذه المدرسة، تتلمذت هذه الفتاة على يد العالمة الجليلة أم يحيى، وأخذت هذه العالمة تشجعها على التبحر في فنون العلم والاستمرار في الدراسة، ومما ساعدها على ذلك ما وهبها الله به من ذكاء حاذق وفهم عميق فتوفقت على زميلاتها، وكانت إلى ذلك ذات جمال بارع، وكان لنبوغها المبكر وذكائها اللماح موضع إعجاب وتقدير معلمتها أم يحيى.

هذه الفتاة شدت انتباه أستاذتها أم يحيى فوصفتها إلى العالم الجليل أبي محمد التغرميني؛ فرغب العالم من أم يحيى أن تتيح له فرصة التعرف على هذه الفتاة التي قد تكون زوجة له إن شاء الله.

فأمرت أم يحيى أن تأتي هذه الفتاة لها بجرة ماء من صهريج بجانب المدرسة، فذهبت الفتاة إلى الصهريج تحمل جرتين أحدهما لها، والثانية لأستاذتها أم يحيى، فلما وصلت إلى الصهريج وجدت بجانبه أبا محمد، فأرسل إليها تحية الإسلام وطلب منها أن تملأ له جرة كانت في يده، فردت السلام عليه ولم تضطرب بهذا الطلب من رجل غريب واستمرت وكأن شيئا لم يحدث، فملأت جرة أستاذتها أولاً ثم ملأت جرتها ثم أخذت جرة الغريب، أعجب أبو محمد بهذا الخلق وهذه الرزانة وهذا الثبات، وقال لها: (هل لله مزرعة يا جارية؟) فقالت: (نعم) فقال: (وهل لها من يحرثها؟) قالت: (نعم) قال: (وهل له مخازن؟) قالت: (نعم) ثم أخذت تشرح له في فصاحة وبيان، فقالت: (المزرعة هي الدنيا والحراثون الناس والحاصد الموت والمخازن الجنة والنار).

وهكذا علم أبو محمد أن هذه الفتاة قد جمعت بين الجمال وكمال العقل والأدب والعلم والذكاء وهي صفات قلما تجتمع في شخص واحد، فخطبها أبو محمد من عمها، فلم يوافق أقارب الفتاة، ولكنها أخبرتهم إنها لن تتزوج إلا من يرضى عنه عمها، وكان عمها إلى جانبها ورضيت بأبي محمد زوجاً لها؛ فتزوجها أبو محمد، وعاشت معه حياة مليئة بالسعادة والحب والتفاهم المشترك، وهكذا ظفر أبو محمد بزوجة محبة وزميلة عالمة ومربية قديرة، وكان من خلقهما أنهما ما نزلا عن فراشهما إلا وتحاللا، حتى لا يبقى على أحدهما من حقوق الزوجية شيء.

وبعد فترة وجيزة رزقهما الله ولداً أسموه زعروراً، وتفانت أم زعرور في تربية ولدها حتى أصبح رجلاً صالحا، وهكذا قضت أم زعرور حياتها مجاهدة بين العلم ورعاية زوجها وتربية أولادها حتى توفاها الله، فهذه المرأة لم يعقها الفقر عن الدراسة ونيل أعلى مراتب العلم.

** ** **

(أم جلدين)

لا أدري لم كنيت بأم جلدين؟ هل لشدة جلدها وصبرها وهو أبرز معالم سيرتها وحياتها ؟ أم أن لها فعلا ابنا يسمى بذلك ؟ وعلى كل حال فهي امرأة صالحة نشأت في “يفرن”, وتزوجت هناك من أحد أشياخ العلم وكان لهذا الشيخ بنات من غير أم جلدين وكن يؤذينها, فيأخذن الدقيق ويخلطن فيه تربة بيضاء, ويأخذن اللبن ويسكبن الماء فيه, وكانت صابرة لا تضجر من تلك التصرفات فكانت تأخذ الدقيق فتجعله في آنية وتصب عليه الماء فترسب التربة وتأخذ الدقيق من فوق, وكان ذلك دأبها حتى ضعفت واصفرت من إيذائهن لها, ولم تخبر أباهن بشي من ذلك ثم متن جميعا فأراحها الله منهن, وبقيت من غير ولد واستحى أن يتزوج عليها, واستحيت منه أن يبقى بغير ولد, فرغبت إلى ربها فأجيب دعاؤها فسمعت هاتفا يبشرها, فولدت أربعة ذكور متتابعين متعها الله بهم زماناً ثم ماتوا جميعا فاحتسبتهم عند الله تعالى.

لقد كانت أم جلدين حليمة هادئة الطباع تعفو عمن أساء لها وتصفح عمن ظلمها ولا تضمر لإنسان شرا ولا تخفي بين جوانحها غدرا, بل إنها كانت تقابل الإساءة بالإحسان والتطاول عليها بالعفو والمغفرة, ومع كل هذه الشمائل العطرة المستمدة من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فإن أبرز علامات هذه العابدة القانتة المخبتة كانت تتمثل في الصبر والرضا في أشد المحن زلزلة للنفس.

وكانت أم جلدين ذات مكانة ومنزلة لدى المشايخ, وتحرص في كل لقاء أن تستفيد منهم, وكانوا يزورونها.

سألتهم يوما عن دواء للذنوب, فقال لها الزواغي: (حب المسلمين يخرج العبد من الذنوب كما تكشط الشاة من جلدها, وكما ينزع الشعر من الزيت).

ولا عجب بعد ذلك أن يكون لها عند ربها المكانة العظمى بحيث يجيب دعاءها ويوفقها لطاعته فمن كراماتها أنها سألت ربها أن لا تموت حتى ترى أم زعرور وزيتون تغرمين, وأن يصلي عليها أبو محمد إذا ماتت, فكتب الله أن ارتحلت مع أهلها طلبا للمرعى والخضرة حتى بلغوا تغرمين, فمضت ابنتا ابنها إلى تغرمين يطحنان فصادفتا بيت أم زعرور, فأخذتا في الطحن والعجوز _ أم زعرور_ مشغولة بالعبادة, فقالتا فيما بينهما:(إن هذه العجوز مثل جدتنا ) فسمعتها أم زعرور فسألتها فأخبرتاها عن أم جلدين فخرجت أم زعرور إليها زائرة, والتقت المرأة الصالحة بالمرأة الصالحة وتواصتا بما فيه الخير, ثم قالت أم زعرور لأم جلدين (ادعي الله) فقالت: (بل ادعي أنت, فإني استحيت من ربي, سألته ثلاثا) تعني أن ترى أم زعرور وترى زيتون تغرمين وأن يصلي عليها أبو محمد, فدعت أم زعرور ورجعت إلى منزلها, فأخبرت أبا محمد _زوج أم زعرور _ فذهب هو الآخر ليزور العجوز الصالحة أم جلدين, ولكنه وجدها قد توفيت فصلى عليها ورجع ينقل الخبر إلى صديقتها الوفية.

وهكذا تحققت دعوات أم جلدين, هذه العابدة القانتة التي كانت عابدة كأخلص ما تكون العبادة حتى أجاب الله دعاءها, وكانت متوهجة الوجدان حبا لله وشوقا إليه كتألق الشهاب الساطع, عاشت حياتها على مائدة القرآن وعلومه وفي ذكر دائم لله في مصلاها الذي لا يزال معروفا إلى اليوم في يفرن.

** ** **

(ابنة أبي مسور يصلتين
النفوسي الأدوناطي)

نشأت هذه الفتاة النجيبة الذكية في كنف والدها أبي مسور في “أدوناط” بليبيا، وأخذت العلم عنه وعن غيره من العلماء حتى بلغت رتبة سامقة فيه، وكانت قوية الحجة حاضرة البرهان. وفيما يلي نماذج من مواقفها مع أبيها التي تشف عن ذكاء متقد وفهم عميق لمقاصد الشرع مع فصاحة اللسان وحلاوة المنطق:-

1- جاءت إلى أبيها يوما تسأله عن مسائل الحيض، وتصف له بعض ما أصابها، فقال لها العالم الكبير: (ألا تستحين؟) فقالت: (أخشى إن استحيت منك اليوم أن يمقتني الله يوم القيامة) فألزمت أباها الحجة ولم يجد لها رداً وأجابها عن أسئلتها.

2- تدللت على أبيها يوما فغاظته فقال لها: (لأزوجنك بمن له عليك سبعون حقا) فأجابته بكياسة: (إذن أردهن إلى ثلاث: إن دعا أجبت، وإن أمر امتثلت، وإن نهى اجتنبت).

3- جلست ذات يوم إلى أبيها بعد أن فرغت من غسل ثيابها ونشرها، ونظر الأب إلى الثياب النظيفة البيضاء فقال: (تمنيت أن الله يطهر قلبي مثل هذه الثياب) فقالت: (أتمنى لو جعل الله تطهير قلبي إلى يدي فأغسله مثل هذه الثياب وأبعثه إلى خالقه نظيفاً) فقال الشيخ معجبا بابنته الذكية: (إنك أبلغ مني حتى في الأماني).

4- قال أبو مسور يوما: (المسلمون أفضل من أقوالهم) قالت: (أقوالهم أفضل لأن المسلمين يفنون وتبقى أقوالهم والعلم أفضل).

هذه الفتاة لم يمنعها حياؤها من التفقه في دينها، وما أروعه من شرف أن تكون هذه الفتاة أبلغ من أبيها الشيخ العالم.

** ** **

(أم الخطاب

زوج أبي يحيى الأزدالي)

كان أبو يحيى من العلماء العاملين، تزوج بعد أن تقدم به العمر من ابنة نصراني، وسبب تزوجه بها أنه أراد جمع العنب، فأرسل إلى نصراني كان يقضي له حوائجه ليأكل العنب، فأتاه مع عياله وبناته وكن بدور الخدور، فأبصرهن الشيخ: فقال: (أعندكم هذا الجمال؟) قال: (نعم، وإن جاز في دينك زوجتك واحدة منهن) قال: (نعم) قال: (اختر)، فاختار الشيخ أم الخطاب، فلما آوى إليها في الليل حدثها عن الإسلام وشرح لها قواعده وأصوله، وكانت كاملة العقل فشرح الله صدرها للإسلام.

أقبلت أم الخطاب بفطرتها النقية على دراسة الإسلام وأصوله، كما ازداد شغفها بتفسير القرآن وتفهم آياته، وساعدها على حفظ الآيات وفهمها واستيعاب أمور دينها ذكاء لماح ينير ذهنها وبصيرة صافية تستوعب كل ما تلقى فيها من رصيد المعرفة، فحفظت الزهراوين: سورة البقرة وآل عمران، فعرضتهما على زوجها الشيخ أبي يحيى فاستحسنها، فقال: هذه ليست بقراءة أهل الأرض، ثم تعمقت في فهم أسرار الشرع ومقاصده حتى بلغت درجة عظيمة من العلم، وأصبحت مقصداً للعلماء الأعلام، وعندما تقدم بها العمر شغلها الخوف من الله عن كل ما تحفل به الدنيا من متع ومسرات، وما يخبئه القدر بين طياته من فواجع وأحداث، فقد كانت تعيش بحسها بين الناس وبفكرها ووجدانها مع الملأ الأعلى فأحيت نفسها لله بذكره فإنما تحيا القلوب بذكر الله تعالى، قصرت نفسها في مصلاها الذي ما يزال في “تغرمين” بليبيا يطاول التاريخ واسمه “أغرم إيمان”، وزارها يوما الشيخان أبو مرداس، وأبو الحسن الأبدلاني بعد أن أصبحت عجوزاً ففرحت بزيارتهما، وذبحت لهما شاة لضيافتهما، وأخذت تناقشهما في مسائل العلم ومعاني العبادة، وهكذا قضت ذلك العمر المبارك في ذكر وطهر وصلة بالله دائمة، حتى اختارها الله بقربه.

** ** **

(بـهلولـة

زوج أبان بن وسيم)

كانت بهلولة امرأة صالحة عالمة، وكان أبو ذر أبان بن وسيم مثلها علماً وصلاحاً، فأعجب بها فخطبها إلى وليها، فلما عقد عليها نكاحها ذهب فرحاً مستبشراً إلى بيتها ورام إرخاء الستر عليها هنالك، فلما وصل بيتها استأذن عليها ففتحت الباب، فقالت: (من هذا؟) فقال: (أنا إبان قد زوجنيك وليك) قالت: (إن أتيت ببينة رضينا بك زوجاً وإلا فانصرف) ثم قالت: (إنك وإن كنت أميناً لمحتاج إلى أمناء)، واضطر العالم الشيخ إبان أن يثبت دعواه بشهادة الشهود وإقرار الولي حتى رضيت به بهلولة زوجا، وكانت له نعم الزوجة وكان لها نعم الزوج، فما عرف أن زوجين تشابها خلقاً وعلماً وديناً كما تشابه هذان الزوجان.

وقد دلت الحادثة السابقة إنها أملك منه لزمام نفسها وأكبح لعاطفتها وأرسخ قدماً في الوقوف عند حدود الشرع وتطبيقه، فلما استخفه العزم بموافقة الولي على خطبته لها لم يجعل لشيء آخر حساب، أما هي فقد طبقت عليه أحكام الشريعة السمحة تطبيق العالمة المؤمنة التي تراعي الدقة والحق في الأحكام فلم تعتمد على معرفتها الشخصية لأبان فلم تستجب لثقتها به، وإنما رجعت في تلك القضية إلى حكم الله.

** ** **

(ابنة أبان بن وسيم النفوسي

وتكفا بنت أبي عثمان)

ذكر أن ابنة لأبان جاءته زائرة فصب مطر غزير يمنع من الخروج، فقال لابنته: (بيتي الليلة عندنا) فقالت: (لم يأذن لي زوجي في المبيت وإنما أذن لي في الزيارة فقط) فظل المطر يهطل وأقبل الليل، فعلم الشيخ أبان أن الذي قالته ابنته هو الصواب، فقال لها: (إذن فسيري في حفظ الله وستره) ودعا لها، فمضت إلى زوجها ومنزله بعيد، فوصلت المنزل والمطر ما زال يهطل، فجعل أهل البيت يتعجبون ويذكرون الله عز وجل ولطفه بعباده الصالحين وكيف أن الله تعالى حفظها بدعوة والدها وبطاعتها لزوجها.

وما أشبه هذه القصة بما حدث لـ (تكفا) بنت أبي عثمان (باثمان) حين زفت إلى زوجها في ليلة مطيرة فخشيت الهلكة من كثرة المطر، وكان والدها باثمان معها، فقالت له: (يا والدي إني أخاف على ثيابي البلل، وأنت تعلم حال العروس واحتياجها إلى الثياب الجديدة وما ينبغي لمثلها من النظافة والنقاء، فما الحيلة؟) قيل فدعا الله أن يحوطها ويسترها فحفظها الله سبحانه وتعالى.

** ** **
(زورغ الأرجانية)

نشأت هذه الفاضلة في كثر فيه أهل العلم والصلاح في جبل نفوسة في قرية “أرجاجن” بليبيا، فليس بغريب أن تشملها نفحات أولئك الأبرار، وأن تتشبه بأولئك الصالحين فكانت شديدة الورع، كثيرة العبادة، قريبة من فعل كل ما أمر الله به، بعيدة عن كل ما نهى الله عنه، ضربت أروع المثل في اجتهاد المرأة الصالحة للسعي لتنال رضى الله، ولم يكن زوجها من تلك الفئة التي لا تقدر الأعمال أو يتلقى ذلك الاجتهاد ببرود وفتور، بل كانت تأخذه الأريحية وهو يراها ذاهبة راجعة في طاعته، فكان دائما ما يدعو لها بالجنة وأي دعوة خير من تلك، وكان لزوجها امرأة أخرى، ومن مواقفها الرائعة مع زوجها أن أختا له مرضت، فأراد الزوج الرحيل إلى الربيع طلباً للمرعى، وما أمكنه أن يقول لإحدى زوجتيه اقعدي لتمرضي أختي وأرتحل أنا بالأخرى، ولكنه ارتجى الخير عند زورغ، فقال لها: (لي عندك حاجة) قالت: (كل حاجة لك مقضية إلا تركي تمريض أختك فلا أرتحل وأتركها) فقال: (تلك أعظم حاجتي ورزقك الله تعالى الأجر والجنة) وظلت تخدم أخت زوجها حتى أتت هذه الأخت، لقد نالت بهذا الموقف الرائع الأجر العظيم فقد أطاعت زوجها وساعدت أخته في محنتها.

لم تكن زورغ مثالا للنساء الصالحات في طاعة الزوج فحسب بل قدوة أيضاً في مساندة زوجها في أمور دينه ودنياه، فكانت نعم المعينة له في ذلك، فكانت تعين زوجها على العدل بينها وبين ضرتها أخذاً بالحديث النبوي: (وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما)، فعندما أعجب زوجها بنوع من الطيب اختاره لزورغ، وأتى به إليها ذكرته بالعدل بين نسائه وأبت أن تستأثر به.

كانت هذه المرأة الورعة ساعية في توفير الراحة الجسدية والنفسية لزوجها ليس فقط في البيت وإنما تعداه إلى خارجه، فعندما أراد زوجها نقل شيء من التراب أخبر زوجته زورغ بالمشقة والتعب الذي سيلاقيه إزاء ذلك ففاجأته حين قالت له: (قد نقلته بالبقرة) فما كان من زوجها إلا أن دعا الله لها بأن يرزقها الجنة، وهل يريد الإنسان بعد هذه الدنيا الفانية إلا رضى الله ودخول الجنة، فما أروعه من موقف وما أفضله من دعاء.

وكانت زورغ تسعى جاهدة إلى طلب العلم وإتقانه برغم ما تعاني من صعوبات، فقد زارها العلامة أبان بن وسيم مرة وأخذ يلقنها القرآن الكريم، ولم تطق تقويم لسانها، فرخص لها بعد أن تحيرت في تقويم لسانها أثناء قراءة القرآن.

وكان لهذه المرأة الصالحة التقية الورعة كرامات عديدة ذكرها العلامة الشماخي في سيره، ونحن وإن كنا نؤمن بالكرامات ونعتقد بأنها فضل يختص الله عز وجل به بعض عباده، فإننا برغم ذلك لا نعول عليها كثيراً، وكل نعم الله عز وجل هي محض فضل لعباده بلا استحقاق منهم بذلك، وأعظم كرامة هي أن يعيش الإنسان على الاستقامة ويرزق حسن الخاتمة.

** ** **

(زوج مهدي الويغري)

ما أعظمه من موقف وقفته هذه المرأة الصالحة مع زوجها العالم الورع الزاهد، لقد تركت زخارف الدنيا ومباهجها من أجل أن تتزوج بهذا الرجل الصالح الذي يعينها على أمور دينها ودنياها، فما أجدر فتيات عصرنا أن يقتدين بها في اختيار الزوج الصالح.

لقد علمت هذه المرأة الورعة أن المال لا يخلق السعادة الزوجية فلم يغرها الزوج الطالح الممتلئ بالكنوز والأموال، فإنه إذا وجدت سعادة فستكون زائفة زائلة، وإن الإسلام كان ولا يزال يحلّق بالزوجين إلى سعادة الدنيا والآخرة، فهيا بنا نستشف من مواقف هذه المرأة ما يعطينا النموذج الأمثل لكل فتاة في اختيار الزوج.

خطب العالم مهدي الويغري امرأة بجبل نفوسة، فاستشارت هذه المرأة في أمره شيخاً من المشايخ، فقال لها: (إن مهدياً رجل له رغبةً في الآخرة، وزهد في الدنيا واجتهاد في الصلاح، وله أرض محثوث لها سدود فانهدمت سدودها وخربت جسورها، وأراد أن يصلحها، وأراد أن يتزوجك فلا تصلح جسوره إلا بتراب تنقليه على رأسك) فزادها ذلك رغبة فيه وفي صلاحه.

وتزوجها مهدي، وبعد سنتين زارها فلم يجدها في بيتها، فأعلم بمكانها فوجدها في الحرث مع مهدي وهي تنقل التراب على رأسها لإصلاح الجسور، فذكرها الشيخ فيما أعلمها من قبل به، فحمدت الله على ما أعطاها من خدمة ولي من أوليائه، لقد ضربت هذه المرأة النموذج للمرأة المؤمنة ليس فقط في اختيار الزوج الصالح وإنما أيضا في بذل الجهد والغالي والنفيس من أجل خدمة الزوج وتحقيق الراحة له.

** ** **

(فتاة من ندباس)

عندما ارتحل أبو معبد الجناوني إلى تيجي في ليبيا، والتحق بمدرسة سعيد بن أبي يونس الطمزيني، درس هناك حتى ظن أنه نال غايته من اعلم، وقفل راجعا إلى مدينته “أجنّاون”، فمر في طريقه بقرية “ندباس”، فوجد أمة تسقي الماء من صهريج خارج القرية، وكان قد بلغ منه الجهد والعطش ما بلغ، فاتجه إليها وطلب منها أن تسقيه، وبدلا من أن تسارع الأمة إلى إرواء هذا العطشان. نظرت إليه في استنكار، وقالت له: (أتستخدم أموال الناس يا جاهل؟)، لقد صدعه الجواب العنيف ولقنته الأمة درسا، أبعد كفاحه الطويل في طلب العلم تعيره أمة بالجهل، ورجع إلى نفسه يسائلها بأي حق يستخدم أمة الغير، وعرف حينئذ أنه ما أوتي من العلم إلا قليلا، ورجع إلى نفسه وتاب، وعرف أن دراسته كانت نظرية بحتة وإنه في حاجة إلى المزيد، ورجع إلى المعهد الذي كان يدرس به، فأقام فيه وأطال الإقامة حتى أصبح عالما بين العلماء ومرجعا، وأصبح ذلك العالم العامل الذي يقوم مقام أمة، إنه بفضل المرأة تعرف حدود الدين ومنتهى الحقوق، وكيف أن الإماء في ذلك العصر بلغن درجة من العلم فحق لهذا الموقف أن يسجله التاريخ في أروع صفحاته ويستخلص منه العبرة والفائدة.

** ** **

(أخت أبي حفص عمروس المساكني)

هكذا عرف لنا التاريخ شخصية هذه المرأة بأنها أخت عمروس أما عن اسمها فلم تسعفنا المصادر التاريخية الباقية من التعرف عليها، فإذن هي أخت العلامة أبي حفص عمروس المساكني أحد فطاحل العلماء العاملين، كانت نجيبة ذكية تتمتع بثقافة واسعة وغزارة علمية، ومن حق تاريخها المضيء بنور العلم والمعطر بعبير التقوى أن نقف عندها وقفة نتأمل مدارجها في العلم ومعارجها في الفهم، كان أخوها يستورد نفائس الكتب من كل مكان، ويظل يدرسها دراسة المتعمق الفاهم، وعندما يحس بالتعب أو السأم كانت هي التي تتولى عنه القراءة والكتابة أو النقاش، وكم شهد بناء ذلك المنزل العامر من نقاش واع لمسائل العلم يدور بين ابنة فتح وأخيها، بين هذه الصبية الحسناء الذكية المثقفة التي تمثل المرأة المسلمة الواعية وبين أخيها الذي كان حجة في العلم، وقد يطول النقاش بين الأخوين العالمين حتى تقتنع بصحة رأيه فتسلم، أو يقتنع بوجاهة نظرتها فيرجع إليها، وعندئذ يستمران في الدراسة، وهكذا كانت هذه الفتاة الذكية مرافقة لأخيها في دراسته تستمع إليه، وتأخذ عنه حتى بلغت مبلغاً من العلم قل أن تصل إليه فتاة، وعندما كان يقوم أخوها أبو حفص بالدراسة أو بالتأليف كانت تقدم له مادة التأليف، وتلخص له مواضيع البحث، وتعد له مناهج الدراسة، وتساعده في الكتابة، فتملي عليه، أو تتلقى منه الإملاء فتكتب، وهكذا وجد منها منسقة ذكية بارعة.

ومر ذات يوم العالم المحدث الفقيه بشر بن غانم الخراساني (بقطرس) البلد التي يسكنها عمروس وأخته يحمل معه مدونته. واستقبله عمروس استقبال الأخ المسلم لأخيه المسلم، وعندما أراد الرحيل ترك المدونة وديعة عند القاضي الأمين عمروس حتى يعود.. لم يخطر للقاضي أن يستأذن المؤلف في استنساخها حين ذاك، ولكنه فكر في نفسه، ورأى أنه إذا لم يغتنم هذه الفرصة فإن هذه الثروة العلمية سوف تفلت من يديه، واستعد للعمل، أحضرت له أخته كل ما يحتاج إليه من ورق وقلم ومداد، وكانت تملي عليه وهو يكتب في فناء الدار حتى إذا وصلتهما الشمس تحولا إلى الظل، ولم يمض عليهما وقت طويل حتى أتما نسخها، ورجع صاحب الوديعة (بشر بن غانم) يطلب وديعته فأرجعها إليه عمروس، ولكن بشراً كان يتوقع هذا العلم من عمروس، ولذلك عندما تصفحها ظهرت له آثار النقل في قطرات المداد واستعمال الصحائف، فقال لعمروس وهو يبتسم: (لقد سرقتها) فأجاب القاضي – وهو جذلان-: (سمني سارق العلم) وفي إثر هذا كان ما كان من تلف المدونة في تيهرت غصبا وحرقا، ولولا حرص عمروس وأخته على نسخ هذه المدونة لم يبق لأهل المذهب بجهات المغرب ديوان يعتمدون عليه.

والعلم يكون فائدته بقدر ما يفيد صاحبه، فليس العلم النافع شحن الدماغ بالمعلومات بدون أن يكون لها أثر في حياة الإنسان، بل العلم النافع هو الذي يجد فيه حلاً لمشكلاته ونفعاً في دنياه وآخرته، فعندما ذهب عمروس إلى الجهاد وكانت وقعة (مانو) رافقته أخته إليها، واستشهد أخوها، وقتل أكثر الجيش، أخذت أسيرة مع بعض زميلاتها فخافت الفساد؛ فقالت لزميلاتها: (أما وقد وقعنا أسيرات ولا قدرة لنا على الخلاص من أيدي هؤلاء الوحوش فلنستخلف كل واحدة منكن من يزوجها بمن يريد بها سوءا) وهكذا حتى في أسوء الأحوال ينجدها العلم والدين.

فهذه المرأة العاملة سيظل التاريخ يذكرها، ولن ينسى فضلها في حفظ مدونة العالم الجليل بشر الخراساني.

** ** **

غزال (أم أبي الحاتم))

غزال هي زوج الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح، وكانت أحب نسائه إليه، فقد امتلكت قلبه بقوة شخصيتها، وبالربيع الضاحك في محياها وبصفاء طويتها وحسن قيامها بالبيت، فكونت لأبي اليقظان فيه جواً مفعماً بالحنان ينسيه هموم الرئاسة ويستريح فيه من أتعاب الإمامة، وكانت لحزمها كما قال ابن الصغير: (مالكة لأمور أبي اليقظان وحشمه).

امتازت غزال بذكائها، وثقافتها النسوية وحسن قيامها بالدار وبراعتها في إدارته وحياء الدين الذي كان في محياها ونورها وإشراقها فكانت نجمة متلألأة، وبتميزها تميز طفلها يوسف، فكان ذا شخصية قوية جذابة واتصف بمزايا حببته إلى أبيه، اهتمت غزال بتربية ابنها يوسف تربية إسلامية بناءة حتى أصبح ولدها معيناً لوالده في شؤون الإمامة، وأخذ والده يكلفه بمهمات الدولة فيحسن القيام بها، وبدأت كفاءته ونبوغه تظهر، واتصف بالحزم والذكاء والشجاعة حتى اختير إماماً من بعد أبيه، بفضل إحسانه إلى الناس.

لقد كانت غزال قدوة صالحة للزوجة المخلصة لزوجها، ونبراساً للأم المربية، لقد عاشت مع إمام العدل والعلم وأنجبت ذلك الإمام الفذ أبا حاتم.

** ** **

(نانا تابر كانت السدراتية)

امرأة ربانية عاشت في تلك العصور العامرة بالإيمان والعلم والخير، سكنت (ابناين)، واشتهرت بين العلماء فكانت عالمة فاضلة بلغت من اعلم والورع ما جعلها ملاذاً للمشايخ والعلماء العاملين، ومما يدل على علم نانا تابر كانت وعمق إطلاعها وفهمها لأسرار الشريعة، أنه زارها جمع من العلماء فقالوا لها: (أوصنا يا عجوز) فقالت لهم: (إياكم وكثرة الكلام لئلا تحنثوا، وإياكم والتهمة لئلا تظْلِمُوا) ثم قالت لهم: (يقول بعض العلماء الحكماء: نقِّ العمل فإن الناقد بصير، وجدد السفينة فإن البحر عميق، وكثرة الزاد فإن السفر بعيد) ثم حذرتهم عن الزيارة لطلب الحوائج، والمصافحة بالمقارعة، والأكل أكل النهم، والمشي مشي المرضى، والنوم نوم الموتى. فهنا تصحح هذه العجوز بعض السلوكيات المنحرفة؛ فالزيارة إذا كانت في الله فهي أكثر خيراً، والمصافحة فيما بينهم يجب أن تكون بالتي هي أحسن لا بالفوضى والعنف؛ فتتحول إلى كراهية، وتنهاهم عن كثرة الأكل؛ لأنه من عمل البهائم، وتحثهم على أن يسيروا بمشية الأقوياء المتواضعين، والذين يكثرون النوم فهم يعدون من الأموات لا من الأحياء فالإنسان النشيط لا ينام إلا بعد الحاجة.

كان لعلمها العميق ولخبرتها الواسعة التي حنكتها بها الحياة دور في سبر أسرار النفوس، فأثرت عنها حكم وأقوال بليغة، فمن ذلك قولها: (شر الصدور صدر لا رأفة فيها، وشر الأقدام قدم لا تزور في الله، وشر البيوت بيت لا يدخله المسملون، وشر المال مال لا ينفق منه).

** ** **

(عافية (أم ماطوس))

تربت هذه المرأة في حجر الدين، ونمت في رياض طاعة الله عز وجل، وتألق وجدانها في حرم مجالس العلم، وكانت حريصة على حضور هذه المجالس؛ لشغفها بالمعرفة والتفقه في أمور الدين حتى أصبح مشايخ العلم لا يعقدون مجلساً إلا بحضورها، كان اسمها عافية ولكن كنيت بأم ماطوس، طلبت العلم ببلدها بليبيا، ودرست على يد علمائها حتى لم تجد عندهم جديداً فرغبت في الالتحاق بمدرسة أبي محمد بن خصيب، وليس بالمدرسة قسم داخلي للبنات وبين البلدين مسافة طويلة لا تقل عن أربعة أميال، فعرضت أمرها على أهلها فعارضوها، ولما ألحت في الطلب ثارت ثائرتهم، وقرروا أن يمنعوها بالقوة، وكيف يسمحون لفتاة في عمر الزهور ان تقطع تلك المسافة الطويلة يوميا بمفردها، وكان أصلب الجميع في الموضوع أخوها الغيور؛ فتطوع أن يحبسها ويقوم بوظيفة السجان، فكان إذا أتى الليل أغلق الباب على أم ماطوس ونام على الباب، فكانت تتركه حتى ينام، فتفتح الباب وتغلقه خلفها فتأخذ مزراقها في يدها، وتذهب إلى مدرسة أبي محمد التمصمصي، فتحضر المجلس متلحفة بثوبها فإذا افترق المجلس رجعت، وتجعل مزراقها في زيتونة ثم تدخل البيت وتغلق الباب وكأن شيئاً لم يكن، وكان ذلك دأبها، فلم تنجح جميع هذه الوسائل في صدها عما رغبت فيه، ودرست في تلك المدرسة حتى تخرجت منها، وكانت فيما بعد مرجعاً من مراجع العلم والفتوى.

وقضى الله لها أن تتزوج في (مرساون)، فكان المشايخ لا يعقدون مجلساً إلا بحضورها، فتحضر المناقشات وتسمع آراء الأعلام، وكثيراً ما تكبدت مشاق السفر وهي حامل لتحضر المجامع التي تعقد في (أجناون) أو غيرها من الأماكن التي يختارها المشايخ للاجتماع.

وكان لا يعوقها عن حضور تلك المجالس عائق، فقد ذهبت في إحدى المرات إلى أجناون، وهي على بعد عشرة أميال عن منزلها مصطحبة معها أمتهاْ، كانت ورعة في دينها حافظة لحقوق زوجها يروى أن أحد المشايخ أراد المبيت في بلدة أم ماطوس، فلما وصل أرسل بغلته إلى أم ماطوس؛ لينزل عندها فردتها، ثم أرسلت إليها بعد فأخذتها، واعتذرت للشيخ عند العشاء بأن زوجها غائب حين بعث ببغلته فلما جاء استأذنته فأذن لها.

هذه المرأة العالمة لم يمنعها حجابها من الجلوس في مجالس المشائخ تستمع إليهم وتسائلهم وتستجيب لنقاش الطلبة وترد عليهم، ولم يمنعها حياؤها من بلوغ هذه المرتبة السامية من العلم بل زادها العلم مزيداً من الاجتهاد في طلبه.

فما أروع أن تسطر حياة هذه المرأة في أجمل صفحات التاريخ، لتكون قدوة صالحة لكل فتاة في تحمل المشاق وعناء الطريق ومعارضة الأهل من اجل البلوغ إلى الهدف النبيل وهو طلب العلم.

** ** **

(أم ماكسن بن الخير)

عاشت هذه المرأة في عاصمة الدولة الصنهاجية في البلاد التونسية، توفي عنها زوجها وترك لها ابناً اسمه ماكسن، فهي والدة العلامة ماكسن بن الخير، وهي صاحبة الفضل عليه، وكان من أمر ولدها ماكسن أنه أصيب بالعمى وهو طفل؛ فجهدت بكل وسيلة لتجد دواء له ما استطاعت لذلك سبيلا، وكانت لا تفتر عن السؤال عن دواء يرد البصر لوليدها فما اهتدت، وكانت ذات مرة في بيت أم يوسف زوج المعز بن باديس سلطان أفريقيا، فكانت أم يوسف لا تنفك تنظر ماكسن، وتتأمله فأعجبت بذكائه وخفة روحه، ونصحت أمه بأن تأخذه إلى الكتّاب ليتعلم فتنبهت الأم لذلك وتداركت أمرها؛ فأدخلت ابنها ماكسن مدرسة المدينة وحفظ القرآن الكريم في وقت قصير، وبذلت الأم جهدها من أجل تعليمه وتفرغت له وفرغته للعلم والدراسة، وبعد أن كبر سافر إلى مدرسة أبي محمد وسيلان بن أبي صالح بجربة بتونس، وكان أنجب وأذكى طلابها، وكان كل من رآه يستغرب من براعته وكثرة حفظه إلا أنه كان سريع الغضب، حاد الكلام وشكى الطلبة إلى أستاذهم أبي محمد من ماكسن، فسألهم ما يشكون منه، قالوا: (نشكو منه الخفة) فقال لهم: (لقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بم تكون الخفة في المؤمن؟) فقال لهم: (لغزارة في قلبه) وكان أبو محمد يقول لهم: (والله لا أسمع قولكم فيه ولا أقبله) لما تفرس فيه من الخير والبر وجدية في طلب العلم. وظل في دراسته، فاجتهد حتى أصبح عالماً وفقيهاً وإماماً يسعى إليه العلماء، ولم يقعده العمى واليتم عن التعلم والدراسة، فبفضل الله ثم بفضل نصيحة أم يوسف وبفضل بذل الأم الجهد لتعليم ولدها، أصبح ولدها ماكسن ممن يملك إرادة قوية وصدق عزيمة دفعاه إلى أن يتفوق بأعماله المبصرين، ويصبح ذلك العالم الفقيه الذي عوضه الله عن فقد بصره نوراً في البصيرة وضياء في القلب يرى بقلبه ما لا يراه المبصرون بأعينهم.

** ** **

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلا عن كتاب مسلمات صالحات في روضة الايمان
تأليف بكير بن سعيد اعوشت

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal