img1.jpg

عن الاستلاب اللغوي

سعيد المحروق
” في خرسهم كلام , وفي كل إشارة من إشاراتهم لغة ”
شكسبير في ” أقصوصة الشتاء “

ما من نظرية في تعريف الأمة أو القومية إلا وتحدثت عن اللغة باعتبارها مقوما أساسيا من مقومات الأمة , وقد تختلف هذه النظرية عن تلك في باقي المقومات كالدين مثلا أو العرق أو النظام الاقتصادي , ولكن لا يلبث أن ينعقد الإجماع على اعتبار اللغة مقوما أساسيا , بدونه لا يصبح الشعب شعبا , ولا الأمة أمة , ولا القومية قومية , ” مع الأخذ بعين الاعتبار الفروق الفنية بين هذه المقولات الثلاثة : الشعب , الأمة , القومية ” فاللغة هي روح الجماعة الناطقة بها . وعندما تموت هذه الروح , تتحول تلك الجماعة الى قطيع بشري لا هوية له لا يلبث أن يتواري عن الأنظار ذائبا فى ثقافة الآخرين .

ولقد أدرك الفكر القومي العربي منذ بواكيره الأولى أهمية اللغة العربية في تكوين أمة العرب لذلك فقد أقترن هذا الفكر القومي بحركات لغوية موازية ترمي الى النهضة بالأدب والثقافة العربية باعتبار ذلك تعبيرا عن الوجدان العربي . كما كان الرعيل الأول من قادة هذا الفكر يعتبر الدين عنصرا ثانويا في تشكيل هذه القومية , لذلك ليس من محض الصدفة أن نجد اغلبية أولئك الرواد الأول إنما كانوا من الأخوة المسيحيين , بل حتى بعض العناصر المسلمة من هؤلاء الدعاة مثل ( زكي الأرسوزي ) نجده يضع الدين في ركن قصي جدا من حركة القومية العربية مبررا ذلك بأن صفاء هذه الحركة إنما يرجع إلى عصور الجاهلية التي سبقت الإسلام

( راجع في هذا الخصوص كتاب البعث لسامي الجندي ) .

على أن أهم من عبر عن مكانة اللغة في صياغة القومية بشكل عام وفى صياغة القومية العربية بوجه خاص هو المنظر القومي الكبير ساطع الحصري , فهو يرى في جميع ما كتبه تقريبا أن اللغة والتاريخ هما المقومان الأساسيان لصياغة أية قومية , وربما كان هو أول من أدرك بأن اللغة إنما هي روح الأمة وهي الوعاء الذي تحتفظ فيه ذاكرة الأمة بما مر بها والم من خطوب . والان ..

إذا كانت اللغة هي روح الشعب إذ بدون تلك الروح لا يصبح الشعب شعبا , بل سرعان ما يتغير ويفقد اسمه .. فما الذي يمكن أن يؤسس على ذلك ؟

أول ما يمكن ان يبنى على هذه الحقيقة , هو أن اللغة أول هدف يستهدفه الأجنبي حتى يبقى الشعب المغلوب على أمره جثة هامدة بلا حراك , ومن ثم يقدر الأجنبي ان ينفد الى كل زاوية يريدها , والأمثلة على ذلك متعددة وحية سواء فى داخل الوطن العربي او خارجه واقرب مثال إلينا هو استعمار فرنسا للجزائر , فالاستعمار الفرنسي هناك قبل ان يتجه الى احتلال الجزائر ماديا اتجه الى فرنسة الجزائر لغويا ومن ثم ثقافيا حتى يتمكن من حكم الجزائر عن طريق الجزائريين أنفسهم وهو الهدف الذي تم إحباطه فيما بعد .

والاستعمار دائما لا تعوزه المبررات من اجل سيادة لغته على حساب لغة الشعب المستعمر فهو دائما يلتمس المبرر إما في الدين او رقي لغة وتفوقها علي لغة الاخرين , وصهيونية هنا أحد الأمثلة الحية علي ذلك , فهي تبرر فرض اللغة العبرية علي اتباع الدينة اليهودية في العالم بحجة ان العبرية هي لغة موسى والتوارة برغم من ان هؤلاء اليهود ينتمون إلى ثقافات مختلفة ابعد ما تكون عن الثقافة العبرية .

ومن بين التعلات المعروفة التي يتذرع بها الاستعمار في محاولة فرض لغته وطمس معالم لغات المغلوبين قوله بوجود لغات حضارية راقية ومتمدينة ( ولاشك ان لغته هي إحداها ) ولغات اخرى بدائي بربرية متوحشة وهي لغات تلك الشعوب المغلوب علي أمرها والتي ينبغي محوها أزلتها من الوجود واستبدالها بتلك اللغات المختارة الراقية .

كانت هذه المقولة أحد تلك التعلات التي تدرع بها الاستعمار الأوروبي طويلا أثناء حكمه للشعوب العربية محاولة منه للقضاء على اللغة العربية التي عاشت رغم انفه . فلقد استغل الرجل الأبيض بعض مركبات النقص التي يعاني منها بعض قطاعات مثقفي الشعوب المقهورة ومن ثم بدا يروج بين بعض المثقفين المستلبين خرافة ان اللغة الوطنية المحلية غير قادرة للوقوف الى جانب لغة الرجل الأبيض ومن ثم فينبغي الاستغناء عن اللغة الوطنية بأسرع ما يمكن حتى تتمكن تلك الشعوب من الاقتراب والتكريع من معين ثقافة الرجل الأبيض المهيب الجانب .

والذي لا مجال للشك فيه ان أسطورة وجود لغة ( راقية ) ولغة اخرى ( متخلفة ) قد أصبحت ألان في ذمة التاريخ مثلما اصبح استعمار الرجل الأبيض فى ذمة نفس التاريخ , اد ان هذه الأسطورة مردود عليها من جانبين ..

** أولهما : ان اللغة إنما هي تعبير عن ثقافة معينة , فاللغة الإنجليزية هي خاصة بالثقافة الإنجليزية , كما ان اللغة العربية إنما هي خاصة بالثقافة العربية .

كل لغة هي خاصة بثقافة معينة تعبر عنها , وهكذا فلا يمكن للغة الإنجليزية ان تعبر عن الثقافة العربية , واللغة مهما كان حظها من الحضارة والتمدن لا تستطيع ان تعبر عن ثقافة اخرى مغايرة مهما كان سوء حظها من التخلف . فاللغة الإنجليزية مثلا لا تستطيع ان تعبر عن ثقافة الإسكيمو , كما ان اللغة الألمانية لا تستطيع ان تعبر عن ثقافة الهنود الحمر , لكن الذي يستطيع هو لغة الإسكيمو او لغة الهنود الحمر .

** وثانيهما : هو ان اللغة إنما هي مؤسسة بشرية تموت بموت الإنسان وتتخلف بتخلفه , كما انها تحيا وتتطور وتنمو بحياة وتطور الإنسان نفسه . هي كائن عضوي مثله مثل الإنسان وليست بنبت ملائكي يهبط او يتدلى من السماء فجأة ..

يترتب على هذه الحقيقة ان اللغة ( المتخلفة ) إنما هي تعبير عن إنسان ( متخلف ) , وما ان تتواجد إرادة الحياة في قلب هذا الإنسان حتى تتحول اللغة بدورها نحو الحياة والنمو . ويستطيع الرجل الأبيض الذى كان يتهم اللغة العربية بالتخلف في مطلع هذا القرن , يستطيع ذلك الرجل الان ان يقف على هذه الحقيقة بعد ملاحظته لما وصلت إليه اللغة العربية من حياة ففي أواخر القرن الماضي كانت اللغة العربية ضحية لعصور الانحطاط التي أطبقت على الثقافة العربية وخاصة في عهد المماليك وبالرغم من تسلحها بأقوى سلاح يمكن ان تتسلح به اللغة ( سلاح القرآن والدين ) , فقد خرجت اللغة العربية من عصور الظلام وهي مقطعة الأوصال مثقلة بعوامل التخلف الحضاري وبذلك فقد كانت تعبيرا عن الإنسان العربي ذاته فى تلك العصور وعندما بعثت إرادة الحياة في قلب هذا الإنسان العربي الأبي بعثت الحياة مرة اخرى في لغة الضاد وكان ذلك على أيدي رواد الفكر القومي العربي الأوائل .

ثاني ما يمكن ان يبنى على حقيقة ان اللغة إنما هي روح الجماعة التي تتكلم بها هو انه لاوجود لتلك الجماعة بدون لغتها .

فالشعب الذى يفقد لغته لا يصبح شعبا بل قطيعا بشريا ضالا سرعان ما يتسمى باسم الشعب الدى يتبع ويتبنى لغته وثقافته هكذا فلا وجود لما يدعو إليه البعض فى مصر من ان المصريين فراعنة لسبب بسيط جدا هو انه لا وجود للغة الفرعونية اد ان هذه اللغة قد ماتت وانتهت من التداول مند ألف سنة وربما قبل دخول العرب لمصر وعلى ذلك فلا يمكن القول بان الشعب المصري شعب فرعوني ومهما كانت كثرة ما خلفه الفراعنة من آثار فالصخر يبقى صخر ولا يمكن ان يدل على وجود ثقافة حية مؤثرة . فالنقوش الجميلة على تلك الصخور قد انقطعت دلالاتها مند انقطاع اللغة المعبرة عنها وهكذا ومنذ ذلك الحين وجد في مصر شعب جديد عربي مهما حاول البعض إنكار تلك الهوية .

ان ما يمكن ان يقال عن فرعونية مصر يمكن ان يقال ايضا عن فينيقية لبنان فالفرعونية المصرية او الفينيقية اللبنانية قد تصلح مزارا للسواح من هواة الآثار والأشياء الغريبة القديمة

( الانتيكا ) لكنها لا يمكن ان تصلح أساسا لقيام قومية متميزة او شعب متميز وتلك هي نهاية كل شعب يتهاون في تقديره للغته او التفريط في روحه .

سعيد المحروق

جريدة الفجر الجديد

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal