img8.jpg

التغميس خارج الصحن : إسمي والايديولوجية

موحمد ؤ مادي
“إننا ننادي الشيء لا لأننا نعرفه بإسمه، بل لأننا من خلال الإسم ننشيء علاقتنا به وحكمنا عليه، ونحدد أيضا ما يمثله بالنسبة لنا، أي ما نريد منه أن يكون، هكذا تتجاوز التسمية المعرفة إلى الحكم… إلى الأيديولوجية”

أحمد عصيد

الحقيقة هناك مقاصد ايديولوجية تحكم التسميات كفعل لغوي، من خلالها ترسم احكام قبلية وبشكل حاسم الصورة الذهنية، الاعتقادية لموضوع التسمية، فنحن نحكم على الاشياء من خلال تسمياتنا لها لا كما يظن الكثيرون اننا نسمي الاسما لنعرفها فقط.

بشكل ابسط؛ الاسماء ليست فقط مجموعة من الحروف مكونة لكلمات، بل إنها تتعدى ذلك لتحمل قيم رمزية للمجموعة المتخدة لهذا الاسم، والمتعارفة عليه، وفي المستوى الاعتقادي مثلا تحمل بعض هذه الاسماء نوع من القيمة القُدسية فنحن نسمي ابناءنا عثمان تيمننا منا بسيرة سيدنا (عثمان رضي الله عنه) فقرار تسمية هذا الاسم ليس مبنياً على معرفتنا لمعنى هذا الاسم من الناحية اللغوية. حيث معنى هذا الاسم قاموسياً (الثعبان)، ولكن إتخاذنا لهذا الاسم مبني على قدسية معنوية أضفية لهذا الاسم بعد الإسلام. بل إننا لم نشترط في هذا النوع من الاسماء الجرسية الصوتية، أو أي جمالية تخص – الفونومية – المركبة للإسم، ونفس الشيئ ينطبق على الإسم (سُكينة) الذي يعني الأتان “أنثى الحمار” وغيره من الاسماء كثيرة[1]. هكذا نخرج الاسم من سياقه الثقافي الذي نشأ فيه ونضعه في نسق أخر لا علاقة له به، نسق في أغلب الاحيان له وظائف أيديولوجي.

بينما نحجب ونمنع إسم (تيواتريوين) والذي يعني (دعاء) بالعربية وهو إسم عالمة مسلمة من جبل نفوسة تحمل سيرة رائعة جداً في الجلد والصبر على المكاره، ولما حملته هذه الشخصية من قيم إنسانية، فماذا يعني القانون “الاسماء الاسلامية” أريد أن أطرح سؤال هنا. وأنا لا أملك الاجابة عنه، أي الاسمين أكثر أنسجاما مع القيم الانسانية التي يحملها الدين الاسلامي الحنيف إسم يعني الثعبان وأخر يعني انثى الحمار؟ أو إسم يعني دعاء؟ ام ان المنع ليس له علاقة بأي شكل من الاشكال بالاسلام، بل هو محض أيديولوجية عروبية عمياء تتستر بإسم الدين؟

يقودونا الحديث عن “الأسماء الاسلامية” الى حديث ينسب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والحديث يأتي بعدة صيغ وصور والتي يجمعها كونها كله تحرض على التسمي ببعض الاسماء: “خير الاسماء ما حُمّد وعبد” وبصيغة أخرى “أحب الاسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، واصدقها الحارث والهمام” وتوجد احاديث تمنع بعض الاسماء من أمثال حديث “منع التسمي بإسم أفلح” بالنسبة للاول يلفت إنتباهنا رغم ما نسب للرسول (صلى الله عليه وسلم) من تحبيبه للاسماء عبد الله وعبد الرحمن وذكره لمحبة الله لهذين الاسمين، إلا أننا نلاحظ انه لمّا رزق بطفل سماه إبراهيم، ولم يسمه عبدالله او عبدالرحمن بل لم يسمه بأصدق الاسماء الحارث او الهمام، هذا يدعونا للتفكير في قيمة مثل هذه الاحاديث رغم ان بعضها في صحيحي البخاري ومسلم.

في الحقيقة الدولة تقوم بمثل هذا النوع من إكراه الناس على، إختيار أسماء مولوداتهم الجدد من لائحة معينة، ليس إكراه في تبني “أسماء عربية إسلامية” فحسب، بل إنه سلوك يرمي إلى التحكم في الحياة الثقافية ونشر أيديولوجية الدولة وللأسف الشديد، تستخدم الدولة وتوجه بعض الايات والاحاديث التي تتمشى مع رغباتها، ويجد مثل هذا الخطاب في أوساط بعض الاسلاميين.

وبما اننا في معرض الحديث عن الاسماء وعلاقتها بالدين الاسلامي الحنيف، اود ان الفت الانتباه للإسم المشاع لدى معضم الكتاب والادباء واجهزة الاعلام الا وهو (البربر)[2] وعلاقته بالخطاب الايديولوجي…! في الفترة الاخيرة فاجأتنا جريدة الفجر الجديد بعنوان رئيسي على صفحتها الاولى (العاصفة الأمازيغية) بالرغم من ان كل الكتب المدرسية، والادبيات الحكومية، التي تذكر احيانا عن أستحياء أجدادنا القدماء “لاحظوا القدماء” وتسميهم بكل إسم إلا اسمهم وتصر على تسميتهم بالبربر، بل في خطابات القذافي دائما يسميهم بالبربر الا في (خطابه الاخير) ولأول مرة يستعمل لفظ الامازيغ. بإختصار؛ لما اراد المساومة والتسامح مع المطالب الامازيغية العادلة، إستعمل لفظ أمازيغ ولما أراد القهر والإذلال إستخدم لفظ البربر، ويستوي في هذا النظام وغيره… نرى بعض الكتاب في الانترنت ولا يوجد إستثناء في ذلك لما يكونوا متعاطفين مع الامازيغيين يستخدمون لفظة امازيغ، ولما يكون الكاتب مشارك للنظام في العنصرية والظلم “وإن كانوا ضد النظام” يستخدمون لفظ بربر ولا يراعون الايات القرانية الكريمة التي تنهى عن ذلك، وان كانوا هم انفسهم من المنتمين للاحزاب او الجماعات الاسلامية.

عندما يكون الصراع محتدم بين مجموعات مختلفة الانساق نجد كل طرف يتخير بعض التسميات التي تنزع كل مصداقية من الطرف الاخر، وهذا يصدق اكثر على النعوث منه على الاسماء، فمثلا الدولة الليبية تسمي الاسلاميين بالزنادقة، وهذا يذكرنا بالدول الاسلامية سابقا وتسميتها لكل من يدفع ظلم وجور الخلفاء والحكام بالخوارج، وهذا يذكرني بحادث حدثت لي وانا ابن الثانية عشر كنت في مكتبة مدرسة الفنون والصنائع وجاء وقت صلاة العصر فصليت في المكتبة وكان القائم على المكتبة يراقب طريقتي في الصلاة، فلما انهيت صلاتي سألني إن كنت خامسيا فلم أفهم فسألته ان يعيد السؤال؟ فأعاده الا اني لم افهم… فشرح لي “ان الخامسي هو الجبالي المتبع للمذهب الاباضي” فكان ردي عفويا نحن الخوامس فمن هم الروابع، والتوالت، والتواني، والاوائل… فلما عدت إلى البيت ذكرت ما حدث لعمي فأخبرني أن الخوامس لفظة تطلق علينا “تلطفاً”، وبدى عمي كانه غير معترض على هذه التسمية … فزادني هذا حيرتاً… فعلمت فيما بعد ان هذا من اقل الالفاظ المشينة التي تطلق على الاباضية، فيسمونهم فرقة بدل مذهب فالشيخ علي يحي معمر يسمينا المذهب وكذلك كل أشياخنا ولكن الغير متبعين للمذهب الاباضي يسمونهم فرقة، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني الفرقة والتشتت وعدم الانسجام مع الكل، يسمونهم خوارج بكل ما تحمله هذه النعتة من حمولة ايديولوجية التي تصبغ بها الشعوب المارقة من قبضتها الحديدية، والغير طائعة لجبروتها والمتحدية لطغيانها.

ومن النعوت التي تنعت بها الامازيغي والتي تدعوني دائما الى الاستغراب هي لفظة اللهجات البربرية، وفي احسن الاحوال اللهجات الامازيغية. تطلق كلمة لهجات ليس على اعتبارات تقنية او معرفة مسبقة للغة التي حكمنا ليها لفظ لهجة، بل لتعطي الاحاء وبإيديولوجية ماكرة بأن اللغة الامازيغية لا ترتقي ان تكون لغة علم، بل هي مجرد لهجة، والتي تجلب للاسماع معنى العمق القروي؛ الغير متحضر او تعطي شعور النظرة الدونية لمستعملي هذه اللهجة على حد قولهم. فمما تجدر الاشارة اليه هنا ان التعريف العالمي للغة هو “كل نسق من العلامات والرموز اللسنية يؤدي وظيفة التواصل، داخل مجموعة لغوية محددة…”[3]، وهو بالظبط ما ينطبق على الامازيغية، وبهذا يتقلص الفارق بين اللغة واللهجة فلغتنا الرسمية تعتبر لغة ميتة أو في احسن الاحوال لهجة مدعومة ولغتنا الحية لغة الخطاب اليوم لغة محرومة من الدعم الرسمي، ومن ظروف الحماية القانونية.

فالقضية اعمق في نظري من مجرد منع اسم او اسمين من التسجيل الرسمي، أظن انها تذهب ابعد من ذلك الى حد انه تتعلق بكل افراد المجتمع، وتحويل طريقة تفكيرهم المتخلفة فيما بينهم فالعنصرية لا تقف عند حد كره الاخر وإحتقاره، بل انها تتجاوزه الى ابعاد اكثر من البعد المتعلق بالتسميات والنعوت، ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بعدم التنابز بالالقاب والتعامل الجزافي بالاسماء والنعوت لانها مسألة اعمق من اتكون مجرد اسماء، هي احساس هي حكم مسبق على الاشياء من حيث لا نشعر.

للحديث بقية

موحمد ؤ مادي

رئيس مؤسسة تاوالت الثقافية

——————————————————————————–

[1] _ العثمان الجان في ابواب الحيات، والعثمان فرخ الثعبان، وقيل فرخ الحية ماكانت. لسان العرب الجزء الثاني ص 686

ومن الاسماء التي تجذر الاشارة اليها هنا هي اسم ليلى واللتي تعني نشوة الخمر، ورنا التي تعني الابل، وهند والتي تعني مئة بعير، ومازن بيض النمل.

[2] _ من الملفت للإنتباه أن كلمة “بربر” كان لها عند العرب دلالة لغوية، ذلك أنهم بسبب جهلهم بالاصل اليوناني ـ اللاتيني للتسمية Barbarausse أعطوا كلمة “بربر” التي سمعوا بها تفسيرات اسطورية مرتبطة بعُجمة اللسان، فيذكر الحسن الوزان في معرض حديثه عن اسم “البربر” بأنه “كلمة مشتقة حسب رأي بعضهم من الفعل العربي بربر بمعنى همس لأن اللهجة الإفريقية كانت عند العرب بمثابة أصوات الحيوانات العجموات”

نقله احمد عصيد في كتابة الامازيغية في خطاب الاسلام السياسي ، نقلا عن الحسن الوزان ـ وصف إفريقيا ص 39

وينقل صاحب القاموس المحيط ان كلمة بربر قوله : والبَرْبَرَةُ‏:‏ صَوْتُ المَعَزِ، وكثْرَةُ الكلامِ، والجَلَبَةُ، والصِّياحُ‏.‏ بَرْبَرَ فهو بَرْبارٌ‏.‏

[3] _ أسئلة الثقافة والهوية ، أحمد عصيد ص 52

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal