img4.jpg

قصة قصيرة لسعيد المحروق

يليس نـ الحومت
الزوال

قصة قصيرة
سعيد المحروق

حين وصلنا إلى عين المكان الموصوف في ذاكرتنا، في السجل العقاري الشفوي الذي حفظناه
منذ آلاف السنين، في ذاكرتنا التي ظلت تقاوم النسيان… وجدناها في عين المكان،
هاهي ذي مدينة “جادو”، لكنها تعرضت للكثير من عوامل التعرية، و تعرضت أيضا لعوامل
التغطية، و جبل نفوسة الذي كانت المدينة تقف على قمته لم يعد جبلا، لق تحول إلى
هضبة في طريقها إلى الزوال هي الأخرى، لكن بانوراما المدينة لازالت واضحة، فالمنازل
تبدو آيلة للسقوط، أسراب الغربان و نعيق البوم يذكرنا بتاريخ المدينة، لذلك لم نجرؤ
على الاقتراب من أزقتها المهجورة خوفا من كل شئ، حتى الحجارة التي شيدت بها
المدينة الآيلة للسقوط تبدو لنا و كأنها جماجم بشرية. تذكرنا على الفور انه في ذلك
الوقت الذي اجتاحت فيه الغولات مدينة جادو، كان يحكمها و يحكم كل قرى و مدن الجبل
رجل شبيه بالآلهة، فلقبه الرسمي هو “ماس”، و يقال له “ماس بيدت”. انه نفس “آمي
بيدت” الذي أطلق اسمه فيما بعد على جامع “جادو” الكبير، لكن في ذلك الوقت البعيد لم
يصل الإسلام و لا أي دين من الأديان المعروفة إلى ذلك الجبل، كل ما يعرفه الناس
عنه انه رجل عادل، لا يتسرع في اتخاذ القرارات الخطيرة إلا بعد مشورة عقلاء
المدينة. لكن هؤلاء العقلاء أعيتهم الوسيلة في إقناع “ماس بيدت” بان نساء من أكلة
لحوم البشر قد اجتحن “جادو” قالوا له:
– “إنهن (غولات) يا (ماس بيدت) يداهمن المنازل في حلكة الظلمة و يفترسن الناس”.
لكن “ماس بيدت” يسخر منهم في كل مرة، فهو لا يعتقد في الغولات و لا الغيلان، و
يقول:
– “لا يوجد في الدنيا تامزا” أي لا وجود للغولة، ثم يضيف بما معناه إن الغولة هي
الإنسان الشرير الذي يأكل لحوم البشر بالافتراء عليهم و ليس بأكلهم كما يأكل الذئب
الخرفان.
يئس عقلاء المدينة من إقناع الحاكم حتى أوشكوا أن يخلعوه و يعينوا حاكما آخر، لكنهم
تريثوا، ظلوا يأتون إليه بهياكل عظمية خلفتها الغولات ورائهن بعد أن افترسن البشر و
ظل هو على موقفه، كان يقول لهم: “لعلها عظام موتى أصيبوا بالوباء”.
بدا بعض العقلاء يتميّزون غيظاً و ينادون بخلعه و نزع كلمة “ماس” عنه لأنه ليس
إلها، لكن البعض الآخر يقول: “لا، لن نخلعه، إن ماس بيدت حاكم عادل، علينا أن نبحث
له عن البرهان لإقناعه.”.
كثر الأخذ و الرد بين العقلاء و بين الحاكم، ثم امتد التذمر و الاحتجاجات و السخط
إلى الجماهير: “كل ليلة نفقد فرداً من عائلتنا”. قال بعض الناس، ” كل صباح نجد عظام
بناتنا و أبنائنا داخل بيوتنا” صرخ البعض الآخر، ثم تعالى السخط بين الناس حتى سموا
تلك الغولات باسم “غولات بيدت”، و أوشك ماس بيدت على السقوط من سدة الحكم و
الألوهية.
لكن “ماس بيدت” كان حليما، لم يعد يقول كعادته: ” لا توجد في الدنيا تامزا”،
فالغولة موجودة بإجماع جماهير المدينة، لكنه سأل الجماهير:
– “متى تظنون ان الغولات يتسللن إلى بيوتكم؟”
– “عند غروب الشمس”، صاحت الجماهير.
اصدر ماس بيدت امراً باقفال البيوت بإحكام لحظة غروب الشمس كل يوم، و هكذا اصبح
سكان “جادو” يسارعون إلى “بيوتهم قبل الغروب يقفلونها ثم ينامون”.
لم يكن ماس بيدت عادلاً و حليماً فقط، لقد كان شبيها بالآلهة، فهو شجاع أيضا، أراد
أن يتأكد من الأمر بنفسه فاصبح يتأخر في الرجوع إلى بيته ليلاً، يراقب كل حركة في
المدينة، و بعد أن يطمئن على سلامة الناس يعود إلى بيته في منتصف الليل و ينام هو
الآخر.
في ليلة من الليالي شاهدهن! شاهدهن بأم عينيه يفترسن رجلاً بنهم، ثم أسرعن إليه هو
الآخر قبل أن يصلن إليه “ايجن يا كوش”، أي “واحد هو الله”، فاختفين في طرفة عين و
عاد هو إلى بيته.
هنا اعترف ماس بيدت للناس قائلاً: “تامزا تللاّ ” أي الغولة موجودة حقاً، و روى لهم
ما رأى بأم عينيه.
بعد رواية ماس بيدت اصبح الناس اكثر ذعراً، بدأ بعضهم لا يغادر بيته في النهار إلا
في الضرورات القصوى، أما البعض الآخر فاختار أن يسجن نفسه في بيته ليل نهار، من
يدري؟ لعل تلك الغولات يتجرأن على ضؤ الشمس و يخرجن من مخابئهن لكي يفترسن البشر في
رابعة النهار.
لكن ماس بيدت العادل الحليم الشجاع أخذ على عاتقه كل المسؤولية، فلا يرجع إلى بيته
إلا في منتصف الليل بعد الاطمئنان على سلامة الناس، فاختار له مكاناً في وسط
المدينة هو هذا المكان الذي يعرف الآن باسم “تامزكيدا – نـ- آمي بيدت” أي جامع ماس
بيدت، يجلس هناك و يراقب كل البيوت تقفل الواحد تلو الآخر، لقد تعلم كيف يفرق جموع
الغولات و اصبح يتعلم تعاويذ أخرى لجمعهن إذا دعت الضرورة، و رغم إن ماس بيدت رجل
فحل فليس له من الذرية سوى بنت واحدة، يحبها كثيراً و يخاف عليها من انتقام الغولات
فيفترسنها و هي وحيدته و قرة عينه، إنها “توزّين” الجميلة المراهقة.
في منتصف إحدى الليالي قفل “ماس بيدت” راجعاً إلى بيته بعد أن اخذ النعاس يداعب
جفنيه، كان الباب موارباً، فآثر أن يتأكد من سلامة بيته من خلال الباب الموارب، و
هنا كانت الكارثة: لقد شاهد بأم عينيه ابنته “توزّين” قد تحولت الى غولة‍‍‍‍‍‍!
كانت مع رفيقاتها من الغولات يلتهمن إنسانا! ” توزّين” الفتاة الجميلة اصبح لها
نابان طويلان و عينان حمروان تتقدان كأنهما جمرتان… تفترس مع رفيقاتها الغولات
أحد الضحايا، فصاح ماس بيدت بتعويذته:
– “إيجن يا كوش!” و في طرفة عين هربت ابنته مع رفيقاتها الغولات، و بات ماس بيددت
دون أن يغمض له جفن، يفكر في مصير ابنته التي تحولت إلى غولة، يفكر في الوسيلة التي
يخلص بها “جادو” من أولئك الغولات و من ابنته التي تحولت هي الاخرى إلى غولة تأكل
لحوم البشر.
في الصباح خرج ماس بيدت من بيته الى الساحة التي تتوسط المدينة، الواقعة على حافة
الجبل المسماة “توما – نـ – آدرار” حيث نقف نحن الآن، و من هنا نادى ماس بيدت في
سكان “جادو” ان تعد كل عائلة قطعة من الكسكس بلحم البقر، و في منتصف النهار احضر
السكان قصاعهم ووضعوها في هذه الساحة كما امرهم ماس بيدت، ثم صعد الى مكانه الذي
اعتاد الجلوس فيه حتى منتصف الليل و الذي اصبح الآن جامعاً يسمى”تامزكيدا – نـ –
آمي بيدت” و من هناك قرأ تعاويذه فأسرعت الغولات و ظهرن من مخابئهن بما فيهن
ابنته، و هجمن على قصاع الكسكس يأكلن و يزدردن لحوم البقر، و بعد أن آتين على
القصاع، عاد “ماس بيدت” يقرأ تعاويذه ثم صرخ في الغولات جميعاً:
– “اذهبن إلى أبعد من (وادران)”.
في طرفة عين طارت كل الغولات بما فيهن ” توزّين” و غادرن مدينة جادو في هيئة سحابة
من الغبار، ثم التفت ماس بيدت إلى السكان و قال:
– “لقد انقرضت جادو في الماضي ثم عمرت مرة أخرى، و ستأتي الغولات في المرة الثالثة
لتدمر جادو إلى الأبد”.
أسراب الغربان و أصوات البوم، و حجارة بناء بيوت المدينة الني تبدو و كأنها جماجم
بشرية من مكاننا هذا الذي نقف فيه، كل ذلك يؤكد إن الغولات قد أتين مرة أخرى، و
الدليل أن السكان أنفسهم قد انقضوا، قيل لنا أن “جادو” تشيع كل يوم جنازة، و رغم أن
تقارير المستشفى و محاضر الشرطة تقول إن الوباء و حوادث المرور هي المؤولة عن دمار
المدينة إلا أن بقية السكان لا تصدق ذلك، نحن أيضا لم نصدق هذه الأقوال، كان الوقت
ظهراً فتحركنا إلى المكان الذي كان يجلس فيه ماس بيدت و الذي تحول الآن جامع يسمونه
(تامزكيدا – نـ – آمي بيدت)، صلينا الظهر ثم حاولنا أن نقرأ تعاويذ ماس بيدت لكن
ذاكرتنا لم تسعفنا، لقد مات ماس بيدت قبل ثلاثة آلاف عام، فرجعنا إلى سيارتنا و
انطلقنا صوب مدينة طرابلس، كان غبار السيارة وراءنا كأنه سحابة الغولات تطاردنا، و
لم نتنفس الصعداء حتى وصلنا إلى مدينة طرابلس، لكننا لا زلنا لم نفهم كلمة (واردان)
في دعاء ماس بيدت على الغولات، بعضنا يقول انه يقصد وهران أما بعضنا الآخر فيعتقد
أن وادران هي مدينة (ودان)، في جميع الأحوال كنا متفقين إن الغولات عدن إلى مدينة
(جادو) مع ” توزّين” و دمرنها إلى الأبد، أما جبل نفوسة نفسه فقد تحول إلى هضبة في
طريقها للزوال… حتى صخوره أصبحت تئن من حشرجات الموت البطيء.

المصدر: مجلة الجيل، يونيو 1992 ، المجلد 13 ، العدد 6، ص76-79

كلمة شكر لبنت الحومة فهي نموذج العمل المنظم فقد أرسلت رسالة بالقصة مطبوعة من المجلة بعدما ارسلت الصورة الأصلية من القصة فليس لي إلا أن أقول أيوز (برافو) لبنت الحومة

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal