img8.jpg

سعيد سيفاو المحروق

امازيغ
إن الراحل سعيد سيفاو المحروق يجسد في آن معاناة ونضال الأمازيغيين الليبيين.
هذا الشاعر الذي رحل في سنة 1994 بعد معاناة قاسية مع المرض والعراقيل الإدارية منذ تعرضه لحادثة سير مدبرة من قبل النظام الليبي مازالت أشعاره الصامتة تذرف دموع
المئات من عشاقه بشوارع زوارة في قمم نفوسة الذين يعيشون مرارة القمع والتهميش في ظل ديكتاتورية “شيخ القبيلة”.

ولد بجادو وهي قرية صغيرة بجبل نفوسة (درارن إنفوسن) سنة 1946 حيث عاش السنوات الأولى من حياته قبل ان ينتقل للعيش مع أسرته بطرابلس مع بدايات هجرة القرويين إلى
المدن الساحلية الكبرى. تابع دراسته الابتدائية والثانوية هناك قبل أن يسافر في أواسط الستينات إلى القاهرة لدراسة الطب بجامعتها لكن رفضه الخضوع للإغراءات
والمساومات مع النظام القائم آنذاك جعله يتعرض لمضايقات متعددة قبل ان تقرر الإدارة التعليمية قطع منحته الدراسية ويضطر معها إلى العودة إلى طرابلس والتسجيل بكلية
الحقوق وذلك سنة 1967، أي قبل عامين فقط من وصول القذافي إلى السلطة وأصل هذه المضايقات الاهتمام المبكر لسعيد بالشأن العام لليبيا ومقالاته المنشورة بالجرائد
الطرابلسية كالميدان واليوم والتي تسلط الضوء عن القلق المعرفي الذي يؤرقه، وقد أدى نشر إحدى مقالاته إلى منع إصدار جريدة الميدان.

فمنذ استقراره بطرابلس ارتحل باكرا للبحث عن التاريخ المنسي لبلده ولثقافته وتكونت لديه رغبة قوية في معرفة كل الزوايا المظلمة للذات الليبية التي لم تساعدها السنوات
الأولى للاستقلال من تأسيس مدرسة تاريخية مستقلة عن الأيديولوجية القومية السائدة بالمشرق. لقد حكى في أخريات حياته أن قراءته لكتاب الشيخ الطاهر احمد الزاوي حول
الفتح العربي لليبيا أثرت كثيرا في توجهاته واهتماماته بموضوع التاريخ والبحث عن الحقائق المنسية وأوشام الجسد والذاكرة والذات الثقافية اقترن هذا الهم بمعاناته
الشخصية وانعكاساتها النفسية، فسعيد فقد أمه وهو صغير وهي ترقد غير بعيد عنه بإحدى مقابر طرابلس، لكن بعيدا عن تربتها الأصلية وبعيدا أيضا عن “ذاكرته المرئية” فهو
شخصيا لا يعرف موقع قبرها وتذكره بواقع ثقافته ولغته المنسية في تحديد مشاريع الدولة الوطنية الليبية.
بدأ الكتابة باللغة الأمازيغية وبتدوين القصص والأساطير القديمة كملجأ أساسي للحفاظ على ذاكرته وثقافته في وسط لا ينشر إلا حبال الاستلاب
وأوهام الحقيقة وهو وضع سيزداد مأساوية بوصول القذافي وعصابته إلى الحكم بعد انقلاب 1969 ومغالاة النظام الجديد في تقدير عروبة ليبيا ورغبته في منازعة الانتماء
للعروبة لمصر الناصرية وللبعث العربي بسوريا والعراق حتى لا تصبح العروبة كما يقول هو بعد ذلك وبتهكم، احتكارا مشرقيا انخرط في اتحاد الكتاب الليبيين بفضل الإبداع
الذي كتبه ونشره بالعربية، لكنه اصطدم بالآذان الصماء في كل ما يتعلق بنشر ما كتبه وجمعه بالأمازيغية وامتنعت الجرائد بنشر ملاحظاته وانتقاداته حول العروبي الرسمي
وحول التاريخ الليبي والمظهر المتعدد للهوية الثقافية واللغوية لليبيا.

بعد سنوات من الوصول إلى الحكم، نظم القذافي ندوة الفكر الثوري وكانت بمثابة استقراء للرأي العام لقياس التوجهات الفكرية السائدة بالحقلين الثقافي والسياسي
بليبيا. بعد ذلك بدأت المطاردات والاغتيالات وإدماج المثقفين. تلتها مرحلة النقاط الخمسة بعد خطاب زوارة في سنة 1973 والتي أعلنت نهائيا عن إقبار أي مشروع للتعددية
ولحرية التفكير والرأي. عاش سعيد كل هذه التطورات السلبية لكنه لم يفقد الأمل في انبعاث فجر جديد وقرر أن يواصل مشواره لإسماع صوت أجداده وأساطيرهم، وانبثاق كل
الأصوات المكبوتة والمكبوحة رغم مخاطر ظرفية لا تضبطها لا قوانين ولا أخلاقيات سياسية . فالقرارات تصدر باعتباطية وبمزاجية قائد الثورة الذي لا يعترف بشرعية أخرى
غير الشرعية الثورية أي شرعية الإطلاقية السلطوية.

بعد قضاء سنتين بالولايات المتحدة لاستكمال تهيئته لأطروحته في القانون، التحق بإحدى الشركات البترولية للعمل ولم تمنعه انشغالاته اليومية من العمل داخل اتحاد
الكتاب وإبداء آرائه السياسية والفكرية حول ليبيا رغم الضغط الإيديولوجي والمخابراتي الكبير الممارس على المثقفين والمواطنين الليبيين. ففي سنة 1977، كتب
رئيس تحرير “الأسبوع السياسي” النظامية عمودا يدعو فيه الأقلام الليبية للمشاركة في حوار حول أخطاء قيادة الثورة. وهي دعوة تندرج في نفس أهداف ندوة الفكر الثوري
وتستهدف بالدرجة الأولى استدراج ما تبقى من معارضي النظام من أمثال سعيد لتصفية جيوب المعارضة وإطفاء كل الأصوات النشاز من معترك الفكر والثقافة بليبيا
“الجماهير”. ورغم معرفته بسياق دعوات كهذه، لم يتردد سعيد من اغتنام فرصة نادرة للجهر بكل ما تمور به دواخله فكتب في أحد الأعداد القادمة مقالا حول الاستلاب
التاريخي ولم يتأخر رئيس التحرير في كتابة رد قصير يلخص النوايا الحقيقية للنظام من وراء مثل هذه الاستراتيجية بقوله: والآن عرفنا ما نريد. بعد نشره للمقال بدأت
المضايقات والملاحقات البوليسية والاستفزازات المتعددة، حكى عنها سعيد في لقاءاته مع أصدقائه وكتب جزءا منها في رسالته المفتوحة إلى العقيد القذافي قبل موته والتي
لم تنشر بعد، والتي انتهت بتدبير حادثة سير في فبراير من سنة 1979. وظل بعدها سجين الفراش والكراسي المتحركة والتلاعبات الإدارية بمصير صحته وملفاته القضائية وبوضعه
الحياتي والأسري وذلك إلى أن وافاه الأجل بأحد مصحات جربة في سنة 1994.

وقراءة أشعار سعيد سيفاو المنشورة بالعربية أو المكتوبة بالامازيغية التي لم ينشر منها غير القليل في مجلات خارج ليبيا تكشف المأساة الحقيقية للإنسان الليبي عامة
والأمازيغي خاصة. فتموقعه في الفضاء المنزاح عن الإيديولوجية الرسمية جعله ينحت بلغة بسيطة وعميقة في آن منعرجات النفس وانهيار الذات والذاكرة والوطن، وجيوش
الأوهام والكسل التي تجتاح جسد الإنسان وروحه، وأفول العلامات الأصلية لكرامته أمام الليل الصديدي للسيادات المنحرفة عن التربة الأصلية لهذا الوطن. لقد ظل، خاصة وبعد
أن عجزت أعضاؤه الجسدية عن الحركة بعد إصابته بشلل نصفي من جراء الحادثة، يسافر بخياله من اجل مساءلة كل العارفين بتاريخ بلاده وباركيولوجية الوشم العميق في ذاكرة
شعبه “التي اكتستها الرياح اكثر من مرة” وأصوات هوامشه البعيدة والفوضوية من اجل التأسيس لشعرية الغضب وشعرية التعرية، شعرية كاتمة للصوت بعيدا عن “عمى اللون”:

عمى اللون قد خان عيني
ولكن سمعت
لا أرى… غير اني رويت

كيف لي رؤية النور والزور في كل هذا الركام صعب أن تواجه بروح دونكيشوتية صمت الخطاب، ورياح الذاكرة وضجيج الشارع المغلق على نومه، وكسل الأقرباء الذين “فقدوا الذاكرة التي تحزنهم” لينتظروا في مجزرة التاريخ “الطعنة الأخيرة”. إن شعر سيفاو صرخة في هذا الزمن المريض حيث:
الكل قد نسوا أسماءهم

(من بعيد ما نسوا لكنتهم)

لكن ما عليه إلا، كما يحب أن يقول، أن يقترف التفكير ويرتكب الشعر كمن يرتكب كل الجرائم. أليست هذه الجريمة نفسها نظرا لجسامتها في زمن الجمود هي التي كانت وراء اغتيال جسده قبل أن تنطفئ روحه سنوات بعد ذلك في إحدى المصحات البعيدة بتونس. هكذا تشكل ممارسته الإبداعية شهادة وازنة لفهم روح مضطهد وأسلوب شعرية كاتمة تواجه في آن موت الكلمات وصمت العلامات العميقة في تضاريس الذات والوطن. فلم يعد يملك غير ما تبقى له من “حكايات الجدة” ليعيد بناء العالم ومن أصله يقول:
فأنا سوف أعيد إبليس معي إلى الجنة.

مات إذن سعيد وخلف وراءه مجموعة من الأعمال المكتوبة بالعربية وبالأمازيغية، بعضها رأى النور كمجموعته الشعرية “أشعار كاتمة للصوت” وترجمته للحكايات الأمازيغية القديمة بالعربية “أصوات منتصف الليل” وغيرها. إلا أن تراثه المكتوب بالأمازيغية ونظرا للظرفية بليبيا لم ينشر بعد، ويحوي إلى جانب النصوص الأصلية لأصوات منتصف الليل وأصوات أخرى محاولة في وضع نحو لأمازيغية الجبل ومجموعة من الأشعار سنقوم بنشر بعض منها .

( منقولة منhttp://www.sifaw.com)

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal