img15.jpg

مساهمة الليبيين ودورهم في حرب التحرير الجزائرية – سالم شلبك أنموذجا

في إطار الموسم الثقافي 2010 للمركز الوطني للمحفوظات التاريخية، ألقى د. عيسى البجاحي محاضرة بعنوان

مساهمة الليبيين ودورهم في حرب التحرير الجزائرية – سالم شلبك أنموذجا

توطئة

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وتابعيه إلى يوم الدين.
قال تعالى في محكم آياته: {من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}* صدق الله العظيم.

أما بعد
إن ما في هذه المحاضرة لم يكن في البال، لولا اللقاء الذي كان بالصدفة في غابة جددايم مع المرحوم الأستاذ غيث شلابي، باعتباره أحد القادة الكشافين المسؤولين عن تلك الغابة في ذلك الوقت، وبعض الضيوف الذين كانوا من إحدى الجمعيات في مدينة ورقلة بالجزائر الشقيقة.
ومما تم تناوله في حديثهم في ذلك اللقاء، هو بعض الخواطر عن حرب الجزائر والتعرض من خلال الحديث لبعض الأدوار التي قام بها بعض الليبيين، وقد تم التطرق لهذا الرجل الذي جعلنا دوره وما قدمه في ذلك المجال، هوالركيزة في هذا اللقاء الذي جمعنا بكم في هذه القاعة، ولا يعتقد أحد بأنه تم اختزال كل ما قام به الليبيون فيما قام به هذا الرجل أو فيما يذكر عنه، وإنما أوتي به وبما قام به أو قدمه كمثال فقط، لأنه لا يمكن عرض أو تناول مساهمة الليبيين ودورهم في حرب التحرير الجزائرية التي قدم فيها الجزائريون مليون ونصف المليون شهيد، في محاضرة لا تتجاوز ساعة من الزمن، فآمل الانتباه.

فذلك ما كان سببا فيما يقال في هذه المحاضرة المتواضعة.
وللأمانة فقد تناول في حديثه الذي كان على عجل، عما تذاكر فيه مع الأخ أحمد بن بلا(1) عندما التقيا في سويسرا، إذ وكما قال أن بن بلا كان يثني كثيرا، على إحدى الشخصيات الليبية، وبالتحديد عن ذلك الرجل الذي اتخذناه أنمودجا في هذه المحاضرة، وما قدمه للثورة الجزائرية من مساهمات، وهو مما سيأتي مفصلاً وبقدر الإمكان في طيات هذا اللقاء، مع التدليل عما نقلناه عن الرجلين بالصوت والصورة، من خلال المقابلة التي أجريت مع الأستاذ غيث رحمه الله، وما تلتها من مقابلات بالخصوص.
وعليه سيتم تناول نقاط هذه المحاضرة على النحو الآتي:
أولا: عرض ما وجدته في بعض المصادر من مادة علمية ذات علاقة بالموضوع، وهي مما يلفت الانتباه ويتعرض لتاريخ الماضي الذي يثبت حقيقة لا مراء فيها، وهي أن للشعبين روابط ووشائج تنطق بأصالة الأخوة، التي هي ليست بين أبناء ليبيا فحسب، بل تعدتها إلى ما هو أبعد من ذلك، لتشمل حتى تركيا وغيرها من البلدان التي توحد الله سبحانه وتعالى.
ثانيا: العمل على جمع النقاط الأساسية، والمستهدفة من قبل هذه المحاضرة، وهو عبارة عن تتبع مسار ذلك الرجل، وما قام به من دور وما ساهم به مع غيره من الليبيين، في سبيل إنجاح ثورة الجزائر التي كانت ضد الغزو الفرنسي، الذي كان يستهدف الجزائر وشعبها منذ 1830 م وحتى يوم النصر الذي كان في 1962 م.
وعليه وعود على بد، فالحديث يرجع بنا إلى أول نقطة من نقاط موضوع هذه المحاضرة التي أشرنا إليها في التوطئة التي استفتحنا بها حديثنا هذا.
وهو تناول ما جاء في بعض تلك المصادر التي ذكرت، لما فيها من نقاط تخص بطريقة أو بأخرى، العلاقات الليبية الجزائرية حتى قبل نضال الشعب الليبي ضد الغزو الإيطالي، الذي ابتلي به من دون شعوب العالم، وكذلك قبل خوض الإخوة الجزائريين، غمار حربهم التحريرية ضد الفرنسيين في القرن الماضي.
وكما ذكرت فإنني كنت أبحث عما يكون بمثابة تمهيد أو مقدمة للمحاضرة، التي سألقيها بخصوص دور الليبيين ومساهمتهم مع إخوانهم في الجزائر، أثناء حرب التحرير التي كانت ضد الغزو الفرنسي، فكان لي ما أنشده من خلال بعض الأحداث التي سجلها التاريخ، والذي أسعفنا بها فيما نحن نبتغيه في هذا الموضوع، ونظرا لأهميتها فقد أصبحت جزءا لا يتجزءا من هذه المحاضرة.
وها نحن نقتطف منها، ما نعتقده قد يناسب المقام، ويدلل على وحدة ومصير هذه المنطقة، التي قسمها الاستعمار فيما بعد، وجعل منها ما يعرف بليبيا وتونس والجزائر والمغرب وغيرها من المسميات منذ أمد بعيد.
وأول تلك الأحداث هي:
المعاهدة الليبية الأمريكية(1) المبرمة بينهما في 4/6/1805م، التي ومن بعد قراءتنا لها تأكدت بأن التاريخ قد يعيد نفسه.
وذلك لما عشناه نحن هذا الجيل من الشعب الليبي، في أواخر القرن العشرين بخصوص العلاقات الليبية الأمريكية، وما كان فيها من مشاحنات واستفزازات التي لا تزال نتائجها ظاهرة حتى يومنا هذا، ونحن على مشارف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
وما شاهدناه نحن سكان مدينة طرابلس وبالتحديد في ليلية 14/4 / 1986م، من قصف بالطائرات لمدينتنا الوادعة في منتصف تلك الليلة؛ فهو وبنفسه ما عاشه أجدادنا في بداية القرن التاسع عشر، الذي سنجده وبنفس السيناريو، مع الاختلاف في بعض المشاهد، والممثلين، والدليل على ذلك ما نقتطفه من نص تلك المعاهدة، التي هي في واقعها وحسب نظري كمواطن ليبي، يجب أن تسمى في التاريخ “بالعمرية”(2)، التي كانت بين الكفار والمسلمين عند فتحهم للشام، في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وذلك لما كان في بنود تلك المعاهدة من إنصاف لليبيين، وما فيها من إذلال للأمريكان، وما يلاحظ فيها من وقوف الليبيين موقف الند للند.
والتي مما جاء فيها: ” توسط قنصل هولندا في طرابلس ووالي الجزائر، في سنة 1803م لدى حكومة طرابلس، في عهد يوسف باشا القره مانلي لعقد اتفاقية بينها وبين الجمهورية الأمريكية، حتى تكف السفن الطرابلسية عن غاراتها وتعرضها للسفن الأمريكية، في البحر الأبيض المتوسط، مقابل مبلغ 250000 من الفرنكات، تدفعها حكومة الجمهورية المذكورة، لطرابلس الغرب، باسم تعويض للصلح …إلا أن قنصل أمريكا في طرابلس، قد ماطل في دفع التعويض المذكور …، مما أغضب يوسف باشا حيث أمر قائد أسطوله بضرب السفن الأمريكية التي يصادفها، وعلى إثر هذا الإنذار أرسلت الحكومة الأمريكية، أسطولا إلى ميناء طرابلس وبادر في الحال بضربها.
ولكن مدافع السراي الحمراء أجابت العدو، بنيران شديدة واجهت بها الأسطول الأمريكي المعتدي، ودامت تلك المواجهة مدة عشرين يوما، أغرق أثناءها الليبيون السفينة الأمريكية الأساسية والمعروفة بسفينة “فيلادلفيا” الأمريكية، وأسر بحارتها وهي كانت أهم قطعة في الأسطول المهاجم، والتي لا يزال صارئيها المعدني الضخم، الذي جعلوه الليبيون فيما بعد سارية يرفعون عليها علمهم الوطني، الذي لا يزال منتصبا خفاقا وهو يرفرف على تلك السارية التي نصبت في أعلى مبنى من واجهة السراي الحمراء، ولا تزال قائمة هناك كشاهد عصر لصالح ليبيا وتاريخها النضالي، يطلع عليه الضيوف والزوار حتى هذا اليوم، وعلى إثر ذلك انهزم الأسطول الأمريكي، وانسحب وهو يجر أذيال الخيبة و الهزيمة النكراء .
وبعد تدخل قنصل بريطانيا في طرابلس، ووالي الجزائر بالصلح بين طرابلس والجمهورية الأمريكية، فقد عقدت بينهما تلك المعاهدة التي في معظمها كانت لصالح ليبيا ومما جاء في بنود تلك المعاهدة:
ففي البند الثاني من تلك المعاهدة الذي جاء فيه “أن الأمريكيين الذين وقعوا في الأسر من طرف الطرابلسيين أثناء الحرب، والبالغ عددهم 300 ثلاثمائة والأسرى الطرابلسيين الذين هم في قبضة الأمريكيين، والبالغ عددهم 100مائة تقع مبادلتهم وتسليمهم .
وتدفع الحكومة الأمريكية 60000 ستون ألفا من الفرانكات، تعويضا لحكومة اطرابلس مقابل ترك سبيل 200 مائتي أسير أمريكي، الباقين بعد المبادلة بسبب الفرق الذي كان في عدد الأسرى”.
وجاء في البند الثالث من تلك المعاهدة ” تسحب الجمهورية المذكورة جميع قواتها البحرية الموجودة في طرابلس ودرنة وغيرها من الأقاليم حالا، وتتعهد بأن لا تتعاون بطريق مباشر أوغير مباشر، مع حركات معادية ضد حكومة طرابلس أو ضد الباشا.
ومما جاء في البند الرابع عشر: “يحترم الطرفان الطقوس الدينية والعادات القومية، بروح من الإخلاص والحب المتبادل، ولا يمانع في مزاولة رعايا الطرفين لطقوسهما “.(1)
ومما جاء في البند السادس عشر أنه ساوى في ثمن الفدية، التي تدفع مقابل إطلاق سراح كل أسير، ولا فرق في ذلك بين الأسير الليبي ولا الأسير الأمريكي، إذ جعلت فدية قدرها 500 فرنك عن كل ربان، و300 فرنك عن كل قائد، و100 فرنك عن كل بحار، ولم يكن الإجحاف الذي مورس على الليبيين في قضية” لوكربي”.
فما جاء من نقاط في تلك المعاهدة، يصب في نفس الاتجاه الذي نسعى إليه من وراء إلقاء هذه المحاضرة، وما قيل في حق علي باشا العلج، الذي هو بدوره ومن خلال ما قام به من مهام، هي في حد ذاتها تصب في اتجاه الروابط التاريخية والأصيلة التي بين الأشقاء في ليبيا والجزائر وغيرهم من الإخوان منذ قرون.
إذ جاء فيما كتب عنه ما نصه:” علي باشا العلج “أولوج” علي باشا كما يسميه الأتراك، هذا الرجل العظيم الذي تولى الحكم في أيالة طرابلس الغرب مدة سنتين، منذ أكثر من أربعة قرون مضت، لم يتعرض له أحد من الذين تناولوا الكتابة في تاريخ ليبيا، قديما أو حديثا إلا بالنزر اليسير أو اغفلوا ذكره.
وبما أني وجدت بحتا وافيا لتاريخ هذا الرجل العصامي، في كتاب للسيد “عزيز سامح” نائب ولاية “أرزجان” في البرلمان التركي سنة 1938 م.
سمّاه “الأتراك في شمال أفريقيا”، فرأيت من الواجب علي تعريب ما وجدته عن حياة هذا البطل، الذي أقام في وطننا حقبة من الزمن، وتولى إدارته فترة ليست بالقصيرة في عصر من عصور التاريخ الإسلامي المجيد، حتى يطلع القرّاء الكرام على صفحة من صفحات التاريخ المجهول لوطننا العزيز ليبيا الحبيبة.
إنه “علي باشا العلج أصله إيطالي ولد في مدينة “كاستيلليو”(1) من مقاطعة “كالابرياء” بجنوب إيطاليا حوالي سنة1508م. وكان اسمه” لوكا غالايينى” أُخذ أسيرا في حملة من حملات بارباروس خير الدين باشا، على سواحل إيطاليا حوالي سنة 1524م. في سن مبكرة من عمره، وعندما قسمت الغنائم جاء في حصة الرئيس أحمد علي، من رؤساء قراصنة الجزائر، بحار منذ صباه اعتنق الدين الإسلامي، وسمي باسم “العلج علي” ظهر صيته بسرعة.
عين قائدا لمنطقة تلمسان ثم قائدا لعنابة، ولخلاف وقع بينه وبين صالح باشا والي الجزائر، الذي خلف حسن باشا رحل إلى اسطنبول، فعين أولا رئيسا لأسطول البحر الأسود العثماني، بفرمان سلطاني مؤرخ في 2 رجب 967هـ. كما عين وليا “لأزمير” في بلاد الأناضول وحينما استنجد درغوت باشا بالأسطول العثماني، عندما احتل الصليبيون بأسطولهم تحت قيادة “جواني دوريا” جزيرة جربه، لجعلها قاعدة للهجوم على طرابلس الغرب لاحتلالها من جديد، جاء أولج علي باشا مع الأسطول العثماني في معية الأميرال بيالة باشا لمساعدة درغوت، وساهم مساهمة فعالة في تدميرأسطول الصليبيين وسحق جيشهم وذلك في 14 مايو1560م.
وبعد تحرير جربة والقضاء على سفن العدو، والتي كان عددها يربو على مأتي سفينة بين حربية وناقلة، رجع مع درغوت باشا إلى طرابلس وكان ساعده الأيمن، للدفاع عليها وترصد سواحلها وقيادة أسطولها في الغارات المتوالية، التي ينشئها على سفن الأعداء وسواحلهم بضع سنوات، وفي معركة مالطا سنة 1565م ” في شعبان972هـ”. جاء من الإسكندرية حيث كان القائد البحري لثغرها على رأس أسطول يتركب من ست سفن حربية، والتحق بالأسطول العثماني في اليوم الخامس من حصار مالطا، أي في 26مايو 1565م وأظهر مهارة فائقة في القتال، وكان رفيقا لدرغوت باشا في كل المعارك وعند استشهاد درغوت باشا، رافق السفينة التي تقل جثمان الشهيد في أسطول الحراسة الذي يتركب من خمس سفن إلى طرابلس.
ثم رجع إلى مالطا لمواصلة القتال ولما تراجع الأسطول العثماني، استقر” أولج علي” في طرابلس وأصبح واليا عليها، وبقي بها سنتين تقريبا وفي أثناء حكمه أثم بناء دار البارود وهي الباقية أسوارها الآن مابين قصر الولاية وسوق المشير، ولازالت اللوحة الرخامية التي تحمل اسمه وتاريخ الإنشاء ثابتة على جدران هذا الصور، مؤرخة في 975هـ. وفي مدة حكمه وقعت ثورة في تاجوراء بتحريض من الأعداء ومساندتهم، فأرسل 1100 فارسا بريا وحاصرها بسبع سفن بحرا، وقمع حركة التمرد.
وقد استحق التقدير من السلطان سليمان فأرسل إليه فرمانا سلطانيا بتاريخ 16 ربيع الأول975هـ. وانعم عليه بسيف مرصع وخلعتين تقديرا لأعماله، وهذا الفرمان مسجل بسجلات الديوان السلطاني سجل رقم 5 صحيفة 95، وكان “أولج علي باشا” طيلة المدة التي حكم فيها طرابلس يتتبع أخبار الصليبيين، ويرسل ورائهم العيون ويتجسس على تحركاتهم، ويبعث بكل ما يجمعه من أخبارهم إلى السلطان، كما يدل على ذلك الفرمان السلطاني المسجل في سجل رقم 5 صحيفة 236، وهو صورة الجواب الذي أرسله السلطان إليه بتاريخ 6 رجب 975هـ.
ساد الأمن وعمرت طرابلس وعمت الطمأنينة بين السكان أثناء حكمه البلاد، حتى جاءه فرمان سلطاني بتعيينه واليا على الجزائر، يأمره فيه السلطان بوجوب انتقاله إليها على وجه السرعة، نظرا لما يتطلبه الموقف من أهمية هناك، وذلك بتاريخ 2محرم 976هـ .
انتقل إلى الجزائر وهي البلاد التي يعرفها وأمضى فيها السنين الطوال فشرع أولا في تحصين قلاعها وتقوية أسطولها وسعى لاستتباب الأمن في ربوعها، وحرض رؤساء القراصنة الشجعان أمثال: جعفر رئيس، والرئيس مامي، ومصطفى الأرناووطي، والرئيس مراد، والرئيس دلي مامي، وغيرهم على كفاح بلا هوادة.
فتلك كانت شريحة من الشرائح التي يجب وضعها تحت المجهر لنرى من خلالها واقع المنطقة وماكانت عليه من تآخي ومنذ قرون.
والآن نعرض لما نقله لنا أحد الضابط الليبيين بالخصوص، وذلك عن واقع الأخوة بين الشعب الليبي والجزائري ومنذ عقود، فلنتركة ليتحدث قائلا:
“وفي سنة 1911 أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية لاحتلال طرابلس وبرقة، وفى ذلك الحين تخرجتُ من الكلية الحربية في استانبول مع بعض الرفاق، مثل عاكف أشيك، وصبحي ” الذي استشهد في جبهة زواره في معركة سيدي سعيد الطاحنة”، وغيرهم من الليبيين، وطلبنا السفر إلى خط الحرب للدفاع عن وطننا العزيز، فقبل طلبنا وأحضرت لنا جوازات سفر مزيفة، وتوجهنا منفردين عن طريق فرنسا، متنكرين لابسين القبعة ولما وصلنا إلى مارسيليا وجدت صبحي أفندى، قد قرر السفر إلى طرابلس عن طريق تونس، فاخترت أنا طريق الجزائر” .
ويمضي صاحب القول في حديثه قائلا:
“وصلت الجزائر ثم قسنطينة وصادف وصولنا إليها زيارة رئيس جمهورية فرنسا “شارل ديجول” لها، فوجدتها غاصة بالجماهير القادمة من الدواخل، مما جعلني حائراً في الحصول على مكان في فنادق المدينة، حيث طاف بي الحوذي جميع الأحياء، لقد أُجرت جميع الأمكنة وشُغلت حتى النوافذ، لمشاهدة مرور ركب رئيس الجمهورية والبلاد في أفخر حلة، مزينة بالأعلام وأقواس النصر، وقد ساد الفرح والسرور جميع السكان.
وأخيرا بعد طواف طويل مررت بسوق “كسوق الربع”، فوجدت فيه شيوخاً محافظين ذوى وقار، فوقفت على حانوت فيه جماعة فسلمت وطلبت منهم عرض بعض البرانيس، فبادرني أحد الشيوخ، قائلاً:
إنك قلت “السلام عليكم” فهل أنت مسلم؟ وقال الآخر: والغريب من ذلك أن لهجته اطرابلسية، فقلت نعم إنني مسلم واطرابلسي، رغماً على أن البرنيطة على رأسي، فجذبني أحدهم إلى داخل الحانوت، ووضع يده على مصحف كان بقربه، وقال: هذا أمان بيننا وبينك، وأفصح لنا عن حقيقة حالك، ثم قام صاحب الحانوت وفتح باباً ودخلنا منه لفندق كبير، كان مملوءاً بالبضائع على مختلف أنواعها وأشكالها، فأخذ القبعة من رأسي ووضع عليه “شاشية حمراء”، وجلسنا لشرب الشاي فقلت لهم إني اطرابلسي ومسلم، كما تفرستم وإني تخرجت في هذه السنة من المدرسة الحربية برتبة ملازم، وإني متوجه إلى خط الحرب للدفاع عن وطني، وعند مروري في مدينتكم رأيت الزينات قائمة والأعلام الفرنسية ترفرف في كل مكان، وقد شمل السكان السرور والفرح فتأسفت لحالتكم .
فأجابني أكبر الجماعة سناً متأوها، يا بني نحن تحت ربقة الاستعمار من سنين طويلة، وليس لنا أمل في الخلاص منه، إلا على نتيجة جهادكم فإن أنتم تخلصتم من الاستعمار وكسبتم حريتكم، فسيبقى لنا أمل وسيظل طريق الخلاص مفتوحاً أمامنا .
وأما إذا كان عكس ذلك لا قدر الله !.. وبعد هنيهة أرسلوا إلى الدكتور بن جلول، والسيد على جبارة، وأخيه أحمد جبارة، وكانوا يجمعون التبرعات لتموين المجاهدين في ليبيا، بالزيت والدقيق والسكر والشاي وغير ذلك عن طريق “بن قردان”، فحضر السادة المذكورون مع جماعة من الشباب الجزائري فقدموني لهم وسروا بي عظيماً، وقمت معهم إلى ميدان فسيح حيث وجدتُ حشداً كبيراً، كان على موعد بالاجتماع بأولئك الزعماء، فخطب الدكتور جلول محرضاً الحاضرين على جمع الإعانات لمجاهدي ليبيا، ثم أعقبه خطيب ثاني وثالث وما تم الخطباء كلامهم حتى انهالت التبرعات، فكان الرجال يتبرعون بنقودهم، والنساء والبنات بزينتهن من المصوغات الذهبية والفضية، ولم تمض ساعة حتى كانت الصناديق مملوءة .
قال لي أحد الإخوان الجزائريين هل رأيت ما سرك، أرجو أن تبلغ إخواننا في ليبيا سلامنا وليعلموا أن هذا ديداننا في كل أسبوع، لجمع التبرعات للمجاهدين الليبيين.
ثم سافرت بصحبة السيد جبارة وأخيه أحمد إلى تونس، ومنها إلى بن قردان حيث وجدنا أكواما من أكياس الدقيق والسكر وصناديق الشاي وبراميل الزيت، المعدة لتموين المجاهدين فودعت أبناء جبارة وشكرتهم على غيرتهم وحماسهم، فوصلت سواني بن آدم و ألحقت بالقيادة العامة أمينا للصندوق، لدفع رواتب المجاهدين المرابطين هناك .
ولم تقتصر مساعدة أخوننا الجزائريين في جهادنا على جمع التبرعات، بل شاركوا إخوانهم في خط الحرب، ففي سواني بن آدم وجدت الأمير على باشا الجزائري، بصحبة ابنه عبد القادرالجزائري يرافقهما عشرون جزائريا،ً وأكثر كانوا دائماً في طليعة المجاهدين في الخطوط الأمامية محرضين ومشجعين على الجهاد .
لقد صدقوا شيوخ قسنطينة في تنبوآتهم حيث ربطوا حريتهم باستقلال ليبيا وخلاصها، وها هو لم يمض على استقلالنا بضع سنوات، حتى ظهرت بشائر الخلاص لشعوب الشمال الإفريقي”(1) .

ثانيا: أما ما يخص النقطة الثانية التي أشرنا إليها في المقدمة، والتي تعتبر هي صلب هذا الموضوع وأساس هذه المحاضرة، فهي تتمثل في دور الليبيين وبعض مما قدموه لإخوانهم، من مساهمات في سبيل حربهم ضد الغزو الفرنسي، في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
فتلك الجهود وهي كما نقلها لنا الإخوة الجزائريين، كانت سبباً من أسباب تحريرهم هم وأرضهم من ربقة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي، الذي جثم على الأرض والعرض في الجزائر أكثر من قرن من الزمان، إذ دخلت فرنسا الاستعمارية الجزائر منذ 1830م وحتى استقلالها في 1962م، أي بقيت فيها حوالي 133 سنة مما جعل البعض يعتقد بأن الجزائر أصبحت حسب نظرتهم جزءاً لا يتجزءا من فرنسا ولا يمكن تحريرها.
أما ما نقدمه في هذه العجالة ونتحدث عن بعضه في خصوص دور الليبيين ومساهماتهم في تلك الحرب التي اخترنا لها شخصية سالم عمر شلبك أنموذجا.
فهي تتمثل في عرض شيئا من تلك الأحداث التي كانت من قبل الإخوة وتفاعلهم خلال أحداث حرب التحرير الجزائرية، وما برهن به الشعب الليبي من جهود مختلفة لدعمهم إخوانهم ضد الغزو الفرنسي، بما كان له الأثر الطيب وحسب ما يردده الإخوة الجزائريين أنفسهم وعلى مختلف الأصعدة، والتي كان منها ما يخص دور هذا الرجل الذي اتخذناه أنموذجا لهذا الدور ومساهماتهم.
فذلك الرجل الذي جعل كمثال لما قام به الليبيون من أعمال في هذه المحاضرة، كان له الأثر الفاعل في الأحداث الجزائرية في حربهم التحريرية، وذلك يرجع إلى ما نقل عن الجزائريين أنفسهم أفرادا ومسؤولين .
لأن هم وحدهم من يعرف الحقيقة فيما يخص حقيقة حربهم ضد الاستيطان الفرنسي، وهم وحدهم من يملك أذات التقييم فيما قدم لهم من مساعدات وتضحيات، وممن كانت تلك المساعدات والتضحيات وحتى الغاية من ذلك.
فهذا الرجل الذي اتخذ هنا مثالا لليبيين، لم يرشح نفسه لهذه المهمة، ولم نختاره نحن من فراغ، ولكن تم اختياره لعدة أسباب، لسنا نحن طرف فيها، وما تناولنا له هو وما قدمه إلا بناء على شهادتهم له بذلك، وكان بعد عقود من الزمن من تلك الأحداث، مما يجعلها أخبارا تاريخية ناضجة، لأنها لم تنقل في حينها ولم تتداول إلا بعد أن تجاوزها الزمن .
فذلك الرجل هو المرحوم بكرم الله سالم عمر شلبك، الذي هو من مواليد مدينة نالوت(1)، التي تقع في غرب ليبيا، ولا تبعد كثيراً عن الحدود الوهمية الليبية الجزائرية.
ونالوت كمدينة أو كمنطقة التي ينحدر منها هذا الرجل، لها دورها التاريخي عبر العصور التي لا يسمح لنا الوقت في هذه العجالة أن نتطرق لها، ولكن يكفينا وما دمنا ونحن نتناول الجهاد والمجاهدين أن نذكر مثالا واحدا عن ذلك، وهو كذلك يتمتل فيما قام به المجاهد الشهيد خليفة بن عسكر، الذي هو بدوره عد من الأبطال في منظومة الجهاد الليبي ضد الغزو الإيطالي الفاشستي، الذي قال فيه الشيخ الطاهر الزاوي: “إنهم بحثوا عليه في الأسواق فلم يجدوه ولكنهم كثيرا ما التقوا به في ساحات النضال” (1). وهو الذي قال فيه قرسياني بعد التخلص منه: ” وهكذا اختفى من الغرب رجل خطر جدا كرمضان السويحلي أي والله لقد كان بن عسكر خطرا على الطليان وأعداء الوطن” (2).
وهو من أركان الحرب في تلك المنطقة، وذلك لما قام به من بطولات قد جرت على يده في الأحداث، التي شملت في ذلك الوقت الأراضي الليبية والتونسية والجزائرية، ولم يهنأ لإيطاليا بال إلا بعد أن قضت عليه، بسبب الخيانات وذلك في سنة 1922م حيث قاموا بمحاكمته صوريا وبشنقه في مدينة الزاوية، بسبب المعارك التي خاضها ضدهم وبسبب الخسائر البشرية والمادية التي كبدهم إياها، في العديد من المعارك التي منها معركة ” لقن عمران” ومعركة “اتكويت”(1) بنالوت، وغيرهما من المعارك التي تفاخر بها تاريخ الجهاد الليبي ضد الغزو الإيطالي، الذي بدأ منذ سنة 1911م وهى السنة التي دخلت فيها إيطاليا إلى ليبيا، وحتى تم طرد آخر مستوطن إيطالي من ليبيا في سنة 1970م، بفعل ثورة الفاتح من سبتمبر(2).
أما نالوت ودورها في الحرب الجزائرية، فكان من خلال ما قام به أبنائها، الأشاوس والذي منهم والذي أحدهم المجاهد سالم عمر شلبك، وكذلك من خلال ما قام به ابنها الثاني، وهوالشرطي الحاج سعيد يوسف يعقوب، الذي يتمثل دوره في قتل العميل الفرنسي، الذي حاول اغتيال أحمد بن بلا في اطرابلس سنة 1955م.
وقصتنا مع هذا الرجل أي سالم شلبك، تبدأ من اللحظات التي روى فيها علينا الأستاذ غيث شلابي، ما نقله لنا عن الأخ / أحمد بن بلا(1) في سويسرا، وما قبلها في الجزائر وأصبح ما قاله الأستاذ غيث ذات قيمة تاريخية، وأجريت معه مقابلة شخصية مستقلة وما تلاها من مقابلات بالخصوص، بعد أن تم تدعيم ما قاله عن المتحدث عنه، من قبل بعض الإخوة الذين كانوا في ذلك الوقت على صلة معه، لسبب أو لآخر وهم في الواقع كانوا من المعاصرين له، حيث تم البحث عنهم والتعرف على من كان منهم على قيد الحياة، والبحث عنه والوصول إليه وتمت مقابلة البعض منهم.
أمثال الحاج سالم زكري القاطن حاليا في طرابلس، الذي تم اللقاء به في بيته بحي قرجي باطرابلس، وأجريت معه مقابلة موثقه بالخصوص، بصفته كان سائقا معه في تلك الفترة.(2)
لأن سالم شلبك في ذلك الوقت وكما هو معروف، كان صاحب مستودع لسيارات الشحن الكبيرة في اطرابلس، ويتعامل مع شركات النفط .
والحاج سالم الخلاص الذي تمت مقابلته في بيته بنالوت أيضا.
والحاج سالم القلال الذي تمت مقابلته في بيته بنالوت.
والحاج ابراهيم أبو سته الذي تمت مقابلته بغابة الشباب بنالوت.
والحاج سالم يعقوب، الذي كان بصفته سائقا مع المتحدث عنه.
والحاج عمر يوسف العزابي الذي كان في تلك الفترة شرطيا، وكان على جهاز اللاسلكي لشرطة نالوت، فهو وحسب ما تم في اللقاء الذي وللأسف لم يوثق بالصوت والصورة بسبب مرضه ووفاته، ومما ذكره بنفسه من أنه كان يؤمن لهم الطريق، منذ انطلاقتهم من اطرابلس وحتى تجاوز منطقة نالوت غدامس إلى الحدود الجزائرية(1)، وكلهم من نالوت باعتبارهم ممن كانوا يشتغلون معه عدا الأخير.
وهذا في حدذاته يعتبر عملا عظيما، إلا أنه وللأمانة فإذا ما تمت مقارنته بدور الليبيين ومساهمتهم في ذلك وبصفة عامة فقد لا يمثل إلا النزر القليل.
لأن الجزائريين في حركتهم وثورتهم عددوا الجبهات والسبل، فحضور السلاح مثلا كان بالتأكيد مصدره من مصر وغيرها من الدوال، ولكن كان يصل عن طريق ليبيا وكذلك عن طريق المغرب(1) كما ذكر بن بلا في مذكراته(2) ، وليبيا كما نعلم كبيرة في مساحتها والطرق المؤدية إلى الجزائر عديدة ومتنوعة، لا يمكن ضبطها هي ومن يسلكها، وهذا يجعل الباب مفتوحا أمام الجميع.
ومما ذكره أحد الاخوة من سكان حي جنزور في طرابلس، ممن تم التعرف عليه بالخصوص، ومما ذكره من أنه كان يساعدهم في ذلك، وخاصة بإعتباره يقطن بالقرب من المكان الذي يتواجد فيه الجزائريون، والمعروف بمزرعة “الجزائر” التي تقع في منطقة السواني، وكما ذكر حسب المقابلة التي تمت معه بالخصوص في بيته وللأسف أن ما كان في تلك المقابلات لم يتم عرض ما فيها من مادة علمية على الوجه الأمثل، بسبب صعوبات تقنية تحتاج لعدة عوامل قد لا تتوفر لمثل هذه الأعمال التاريخية، التي يصعب جمع مادتها خلال فترة وجيزة، إذ يذكر أنه قد سافر في احدى المرات مع الأخوة الجزائريين لإيصال السلاح، ولكن حسب ما رواه فلسبب أو لآخر فقد تركوه في منطقة الحمادة الحمراء، ولو لم تكتب له الحياة كما ذكر لبقي هناك في الصحراء، وإنما ولحسن حظه فقد مرت بجواره سيارة فأشار لهم بنثرالتراب فأتوا إليه وحملوه بصعوبة.
وموضوع التخلص من بعض من كانوا معهم في الرحلة، فهو ليس بالغالي على الجزائريين في تلك الظروف، لأنه وكما ذكر الأخ سالم القلال، الذي أشرنا إليه فيما سبق من خلال حديثه معنا، في المقابلة التي أجريت معه في بيته وبالخصوص حيث قال: أن في إحدى الرحلات التي كانت إلى الجزائر وهم يحملون السلاح، قال: بعد دخولنا الأراضي الجزائرية إشتكيت للمرافقين الذين كانوا معنا، مما قاله لي من كان معي في السيارة التي أقودها، فقال لم نغادر مكاننا الذي تناولنا فيه الغداء حتى تم قتله والتخلص منه(1).
وأما ما نقله لنا صلاح سالم شلبك عن الموضوع، وهو أحد أبناء المتحدث عنه
حسب اللقاء الذي تم معه في بيته باطرابلس خلال 2008 وكان بالخصوص.
حيث تحدث عن العلاقة التي كانت بين والده والجزائريين، ومما ذكره في ذلك بأن الأخ أحمد بن بلا لايمكن أن يأتي إلى ليبيا أو يمر بها، إلا ويتم الاتصال بينه وبين الوالد وأحيانا اللقاء به، وتم استضافته هناك في الجزائر وتوسيمه بالأوسمة الرفيعة، التي منحتها له الحكومة الجزائرية إكراما له، وإعترافا له بما قام به هو وغيره من الليبيين، نحو إخوانهم في الجزائر أيام محنتهم(2)، وتلك الأوسمة تعد بمثابة قلائد مرصعة على صدور الليبيين جميعا وهو ما نفتخر به.
وفعلا فقد كان الوفاء من قبل الجزائريين نحو الليبيين عامة ومن أحمد بن بلا خاصة وبالتحديد نحوالمتحدث عنه الأخ سالم شلبك، فالصلة بينه وبينهم لم تنقطع حتى الآن والدليل على ذلك، ومما كان منهم ومن باب الوفاء؛ هو ذلك الموقف الذي كان من قبل الأخ أحمد بن بلا، فعندما اعتلت صحة سالم شلبك، ولفترة طويلة في سويسرا تكفله الجزائريون وكان أحمد بن بلا مقيما معه شخصيا.
وحتى عندما كان سالم شلبك، يحتضرفي سويسرا أخبرأحمد بن بلا، بأن أخته قد توفيت ويجب عودتة إلى الأراضي الجزائرية، فأخبرهم بأن أخيه سالم شلبك يحتضر هنا بين يديه في سويسرا يحتضر كذلك، ولم يتركه حتى توفي وأمر باجراءات تسفير جثمانه إلى اطرابلس، وكلف ابنه بأن يرافقه إلى هناك، وحضور مراسم الدفن وتقديم العزاء هناك من قبل عائلته، ثم بعد ذلك عاد إلى الجزائر لتولي مأتم شقيقته فليس بعد هذا الوفاء وفاء. ولايزال يتواصل مع أبنائه وعائلته في طرابلس.
ومن المواقف الكريمة والحسنة التي كانت من قبل المرحوم سالم شلبك نحو بن بلا وحتى بعد إستقلال الجزائر، ما نقله لنا الأستاذ غيت من خلال المقابلة المشار إليها.
ومما نقله لنا عن أحمد بن بلا شخصيا وحرفيا، حيت قال أي بن بلا بعد أن أستقلت الجزائر وأصبحت أول رئيس دولة عليها(1) أتيت في زيارة إلى ليبيا عن طريق البر واستقبلني أنا ومن معي سالم شلبك في بيته بنالوت وأكرمني أنا والوفد المرافق، إلا أنني عندما أردت المغادرة في سيارتي التي أتيت بها، وكانت من نوع “ادجيب” أخرج لي سالم شلبك سيارته الخاصة، وكانت من نوع “مارشيدس” ومارشيدس في ذلك الوقت كانت ناذرة، وأقسم بأنه إذا لم استقل تلك المرشيدس لقام بحرقها، وفعلا اضطررت لأخد السيارة وأنا في إتجاهي إلى اطرابلس .
فلننظر إلى مثل هذه المواقف النبيلة التي تفضل بها سالم شلبك، وهو ماقد يشير إليه بن بلا في قوله من خلال مذكراته.
التي مما جاء فيها وتفاصيل ما ذكر:
” أن ليبيا هي أحب قطر عربي إلي، باستثناء الجزائر طبعا.
وقليلة هي الشعوب التي كانت تبدوا لي جذابة مثل الليبيين.
إنهم بسطاء، أذكياء، ودودون. واستطيع أن أقول أن حلاوة الطقس انسابت إلى أرواحهم. إنني أظل مشدوها عندما أفكر فيهم، وفي لطفهم الذي لا ينضب له معين، وفي قدرتهم الرائعة على الصداقة، وفي طهارتهم أيضا.
لأنهم عاشوا بعيدا عن قلاقل العواصم الكبرى، فإن الفساد لم يجد إليهم سبيلا. وحتى البرجوازيون الرجعيون في ليبيا، يملكون طريقة ما في التصرف تجعلهم من بعض الجوانب لطفاء” (1).
كما يضيف بقوله عن الليبيين:
“عندما عدت إلى ليبيا بعد الاستقلال، خصني الليبيون باستقبال لن أنساه مادمت حيا، لقد غمروني بلطفهم وكرمهم فلم أعرف كيف أبرهن لهم عن صداقتي وحبي، وقد قلدوني لقب دكتور شرف من جامعة بنغازي، وقد كنت نصف متأثر ونصف ضاحك وأنا أذكرهم، بينما كنت أعانقهم، بأن كل ما عندي من الشهادات الفرنسية هي الشهادة الإبتدائية”
كما يذكر في مذكراته عن اطرابلس المحبوبة عاصمة هذا البلد في قوله:
“هناك عواصم لا يستغرب المرء أن تصبح أوكارا مغلقة للعملاء السريين، ولكن اطرابلس لم تكن في عداد هذه العواصم، فلا شيء أكثر هدوءا من هذه المدينة المحبوبة، إنها تستطيع دائما أن تستغني عن البوليس لأن الناس مسالمون، كنت اسكن في فندق جد صغير ولكنه نظيف يدعى: “اكسيلسيور”Excelsior وكان صاحب الفندق ينام مبكرا . ولم يكن الفندق محروسا بالليل إلا من حارس لا يحرس إلا قليلا. كلما كنت أعود لأنام في ساعة متأخرة، لأنني كنت احدد مواعيدي مع الليل.
كنت أجده دائما غافيا خلف المنضدة، ـ وهنا يقصد ليلة محاولة اغتياله ـ إذ يقول: في ذلك اليوم عندما عدت إلى الفندق- اكسيلسيور – حوالي الساعة الواحدة صباحا رأيت سيارة واقفة أمام الفندق، وعرفت منها أنها كانت سيارة أوربي قاطعتني بالطريق في نفس الأمسية عندما كنت خارجا من الفندق، ولاحظت خفية أن الكرسي الخلفي كان مملوءا بالحقائب، كما لو أن صاحب السيارة كان يستعد للسفر.
كان الحارس بطبيعة الحال نائما، فأخذت مفتاحي من غيرأن أوقظه و صعدت للطابق الأول، وفتحت بابي وامررت يدي من انفتاحه الباب القليلة لإنارة الغرفة، وأدرت الزر و لكن شيئا لم ينره، فكرت “القنديل محروق” وتقدمت خطوة للدخول إلى الغرفة وفي هذه اللحظة بالذات، شعرت في أعماقي بإشارة الخطر الخفية التي تنذرنا غالبا بعد ربع الثانية الأخيرة، بأن خطرا يهددنا، وتوقفت: ربما كان مهاجمي قد أحس بترددي لأنه لم يكن ينتظر أن أعود فأغلق الباب، ثم ضرب ولكنه ضرب قبل الأوان لا على الرقبة كما كان ينبغي أن يفعل، ولكن على جانب الرأس، كانت ضربة رهيبة، ولكني لم اسقط ولم افقد وعيي وشددت جمع يدي في اتجاهه فضربته وضربني هو الآخر، أحسست بأني أوشك أن أتلاشى، وفكرت في مسدس محساس فتراجعت وانبطحت على الأرض ثم أطلقت النار، أطلقت شحنة بكاملها في اتجاهه دون أن يصيب واعتقد أنه أطلق النار أيضا، لأن زجاج النافذة التي كانت خلفي تطاير شظايا، وكانت طلقات تدمدم بقوة تصم الأذان، ورأيت هيكله ينسل في الظلام من زاوية الباب المضاءة وأدركت أنه يلوذ بالفرار.
وقفت مترنحا وأحسست بسائل حار يسيل على وجهي، ودون أن أفكر بأنه لم يعد عندي ولا طلقة واحدة لمسدسي لحقت بخصمي، وأدركت الدرج وما أنا وضعت رجلي على الدرجة الأولى حتى سقطت مغشيا عليّ ورحت أتدحرج إلى أسفل، وأشعرت الجهات المختصة بالتليفون فأقيم سد في الطريق ولكن جان دافيد(1) هجم على السد فابتعد رجال الدرك ومرّ، ولكنه ارتكب خطأ: أنه أحسن الظن كثيرا باللطافة الليبية، فعلى بعد بضعة كيلو مترات من الحدود أقيم دونه سد آخر وأراد أن يجتازه بقوة مثل السباق، ولكن الرصاص انهال عليه فسقط قتيلا (2).
وهنا ولإكمال بقيه الحادثة فيما لم يذكره أحمد بن بلا بخصوص العميل، وما يجب ذكره هنا و للتاريخ.
فعندما وصل ذلك العميل إلى رأس جدير في سيارته، ووجد الظروف غيرمواتية لمغادرته الأراضي الليبية بالسيارة، قام بترك سيارته بعيدة عن بوابة الحدود في رأس أجدير، وحاول التسلل إلى الأراضي التونسية على أقدامه .
ولكن الشرطي سعيد عيسى يعقوب الذي أشرنا إليه، كان له بالمرصاد، فعندما حاول التسلل والهروب بين الكثبان الرملية، وحشائش تلك المنطقة طارده و أطلق عليه النار وأرداه قتيلا.
وبذلك يكون قد أكمل واجبه الوطني، لأنه كان أحد رجال الأمن وذلك العميل كان متعديا فيما قام به، وبذلك فالشرطي في هذه الحالة كان جادا ومخلصا في دوره ومهمته نحو الجزائرين والتونسيين.
فأما بخصوص الجزائريين: فلأن العميل المقتول حاول إغتيال ابنهم البار والناشط في ذلك الوقت.
أما بخصوص بعض تلك الأحداث التي نقل إلينا الحاج أحمد قرجي بعضا منها، وهو بصفته كان سابقا في سلك الشرطة بل في رئاسة الشرطة الليبية، في الستينات من القرن الماضي أي أيام الأحداث المذكورة.
وذلك من خلال مقابلة تمت معه في مكتبة سبها بشارع ميزران باطرابلس.
كما ذكر لنا حادثة مهمة وقد تكون مما لم يوثق من الأدوار العديدة التي لعبها الليبيون لصالح الجزائر وثورتها، حيت قال: أن في الخمسينات من القرن الماضي إذ كانت الأسلحة يتم تسريبها بطريقة أو بأخرى إذ كانت الجهات الليبية في ذلك الوقت تفاوض الحكومة الفرنسية بخصوص خروجها من جنوب ليبيا، وكانت الظروف شبه مواتية لإكمال الاتفاق الذي بين ليبيا وفرنسا، وإذا به اخبرت الجهات الليبية بأن هناك باخرة قادمة إلى اطربلس وهي محملة بالأسلحة، ليتم تسريبها إلى الثوار في الجزائر.
وهنا أصبحت الجهات الليبية في وضع لا تحسد عليه، لأن ارجاع الباخرة وما عليها من سلاح فهو غير ممكن، فذلك يعتبر تخليا عن الثوار وجهادهم المقدس، وإذا تم استقبالها وبالتأكيد ستصل الأخبار إلى الجهات الفرنسية .
وهنا كان دور المخلصين من أبناء ليبيا، الذين كانوا على رأس الهرم في الشرطة، إذ كلفوا مالديهم من زوارق بحرية وتم شحنها بالزلط، والاتجاه بها إلى الباخرة، المحملة بالسلاح في أعماق البحر أمام مناء اطرابلس البحري، حيث تم الوصول إلى الباخرة وتم الكشف عن السلاح الذي في مخازن الباخرة، وتم الإتفاق مع المسؤول على الباخرة على أن يتم فتح السلاح ورميه في أعماق البحر، وبطريقة أو بأخرى تم فتح السلاح ورمي الزلط الذي كان في زوارق الشرطة في اعماق البحر، وتم تحويل السلاح من الباخرة إلى الزوارق، وغادرت الزوارق محملة بكمية السلاح الذي كان على ظهر الباخرة، وانسحبت الزوارق إلى داخل مناء اطرابلس وتم تفريغها لصالح الثورة الجزائرية، وكان في الظاهر على أنه تم رمي السلاح والتخلص منه في عرض البحر، وتم تفويت الأمر على فرنسا، وفعلا تم الإتفاق بينها وبين ليبيا بخصوص انسحابها من جنوب ليبيا(1).
وأما ما يعنينا كذلك وفي هذا الموضوع وهو بخصوص الشخص الثاني الذي ذكرناه مسبقا، وهو عن البطل سعيد عيسى يعقوب، فهو الذي قام برد الاعتبار لأحمد بن بلا، وذلك بسبب قتله للعميل الفرنسي، الذي حاول تصفية أحمد بن بلا في طرابلس في سنة1955م، وهو ماتعرض إليه بن بلا في حديثه من خلال مذكراته بخصوص محاولة إغتياله في طرابلس، ولكنه لم يذكر التفاصيل التي كانت في رأس أجدير وما دار هناك لأنه لم يحضربقية الحادثة.
فصاحب الرصاص الذي ذكره بن بلا في رأس أجدير، هو الشرطي الليبي الذي كان أصله من نالوت، والذي سبق وأن أشرنا بأن بن بلا في زيارته الأولى، التي كانت إلى ليبيا وبعد وصوله إلى اطربلس، طلبه وتم احضاره من نالوت وقابله، وتم شكره من قبله وترقيته من قبل الشرطة الليبية، بسبب ماقام به من واجب وطني في ذلك الوقت، ويعتبر ذلك اعترافا لما قام به ذلك الرجل من واجب، وهو كشرطي من شرطة ليبيا في ذلك الوقت.
وفي الختام فإن ما ذكر في هذه الورقة من أحداث كلها تصب في علاقة الليبيين والجزائريين، وما ذكرته بخصوص دور ومساهمة الليبيين في الحرب الجزائرية، ماهي إلا عبارة عن حلقة في سلسلة طويلة إسمها الزمن.
فالأمثلة التي سجلها التاريخ بين الإخوان، الذين لاتفصلهم الحدود ولا المسميات التي وضعها الإستعمارالحديث، مهما طال الزمن أو قصر، فلا تفصلهم ولا تجعلهم في شقاق لأنهم جزء من كل ومنذ الأزل وإلى الأبد.
كما جاء في محكم آياته: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}(2).
وما الفائز فيها إلا المؤمن بربه، الذي لا تعنيه في الحق لومة لائم.
أما ما أضيفه أنا لتلك الأحداث، ومن واقع حياتي.
وباعتباري من مواليد مدينة نالوت المجاهدة(3)، ففي عام 1958م، إذ حضر مجموعة من الإخوة الجزائريين، في سيارة “فولكس واجن” بيضاء اللون مصتحبين معهم إذاعة متنقلة، وكانت الكهرباء في ذلك الوقت بالنسبة لنالوت(1)، يتم تشغيلها من الساعة السادسة مساء وحتى الساعةالثانية عشر ليلا فقط .
فأمر المسؤولين على تشغيل الكهرباء بتشغيلها، وفعلا أنيرت المدينة حوالي في الحادية عشر ظهرا، وأقيم تجمعا جماهيريا خطابيا لأهالي نالوت، بين عرصات نادي “الإصلاح الرياضي الثقافي الاجتماعي”(2) بنالوت، إذ حرضوا فيه المتكلمون الناس على التبرع بما أمكن لصالح الحرب الجزائرية، وبمقاطعة البضائع الفرنسية، ولم يغادرو حتى تبرع الرجال بما لديهم من أموال، والنساء جادت بما لديهن من المجوهرات، وإستمرت التبرعات وخاصة في المناسبات كالأعياد وغيرها من الفرص لصالح حرب الجزائر وشعبها الأبي، ودعمها وبكل الوسائل وفي كل الاتجاهات حتى النصر والحمد لله.
وعليه فما يجب ذكره في هذه المناسبة ومن منبر هذا المركز، الذي كان يحمل سابقا اسما ذات معنى ومغزى وطني، وهو “مركز جهاد الليبيين” وحول إلى المركز الوطني … ؟.
إن الأمة في واقعها الذي كانت عليه في القرن الماضي، وما كان عليه أبنائها من تجواب ومن حماس واستعداد للتضحيات، وبكل غال ورخيص في سبيل الدين والوطن، وذلك حتى آواخر الستينات منه، رغم الظروف التي كانت الناس عليه من فقر وظروف جد صعبة.
سواء ما كان منهم في 1948م عندما احتلت فلسطين ـ التي يوجد فيها أول القبلتين وثالث الحرمين، بيت المقدس الذي قد نستيقظ في أحد الأيام فنجده قد أصبح في خبر كان، وكلنا يتفرج ولا يحرك ساكنا فإلى متى هذا الصمت يا أتباع محمد صلوات الله عليه وسلامه ـ التي وللأسف قد مر على اغتصابها أكثر من ستين عاما.
أو في العدوان الثلاثي الذي كان على مصر في 1956م، أو في تعاملهم ودعمهم للجزائر في حربها ضد فرنسا، أو ما كانوا عليه في حرب 5 يونية 1967م، وما نتج عنها من أوضاع مخزية ومزرية، لايمكن اصلاحها والأمة على هذه الحال.
وذلك يرجع للخيانات التي كشف الزمن عن بعضها، وما خفي منها فلو أزيحت عنه الستارة، أكيد ستكون مذهلة ومشينة.
أما أخيرا وليس بآخرفمنذ التسعينات بل منذ السبعينات من القرن الماضي، وبسبب الإنقسامات التي حدثت هنا وهناك، وذلك قد يرجع سببه إلى عدم تخمر الرأي عند العديد من أقطاب الأمة في كثير من القضايا.
مما كان عاملا مهما في الشروخ التي أصيبت بها الأمة، مما ساعد على فتح فجوات في وحدة الصف المهزوز أصلا، وذلك بسبب الحوامض والقلويات التي تضاف من حين لآخر هنا وهناك، مما أترث سلبا على كثير من القضايا، وتفاقمت الأوضاع هنا وهناك.
وعليه فقد شغلت الأمة في الكثير من القضايا التي تعتبر جد جانبية وتافهة، إذا ما نظرنا لوقع الأمة وما يهددها في وجودها.
فألهيت في أمور مفتعلة كالحزبية، والطائفية، والمذهبية، وقضية الحجاب والنقاب وغيرها من القضايا، وكأن الإسلام قد بدأ مع ظاهرة العولمة وما واكبها من ترهات، ليتم تحت ضجيجها التعتيم على ما هو أساسي وجوهري.
كما هو الحال في فلسطين، فما نراه قائما بين حماس وغيرها، جعل إسرائيل تحقق في بضع سنين، ما عجزت عنه خلال ست عقود من الزمن، وتلك الحمى نجدها قد سربت وستنتقل الآن وكما ترون إلى الأردن.
كما فرخت تخبطات بعض من هم حول الخليج، ما جرى ويجري في اليمن والصومال أما العراق فالصورة أبلغ من الوصف.
وما نسمع به ونراه فيما بين دول منابع نهر النيل، ما هو إلا بسبب دخان مشكلة دار فور، المشابه لرماد بركان إسلندا، الذي أثر على العالم بأسره، وكلفه ما أنتم أعلم مني به وبملاييره، وغيرها من القضايا التي تئن منها الأمة ولا مجيب فهي كثيرة وكثيرة.
فهلا لنا أن نستيقد من غفوتنا وننتبه لما يحاك لنا، باسم كثير من المسميات، وتحت العديد من سبل التخذير والمخدرات، وبضغط من الأوبامات والنيتن يوهات، وننسى الضغائن والحقد والخلافات، لتنهض الأمة وتتخلص من القيل والقال وخد مهات .؟ ! ؟ ! ؟
ولا نملك إلا أن نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وبه نستعين.
والسلام عليكم ورحمة الله
د.عيسى امحمد البجاحي
نالوت
17/05/2010

المصدر: http://www.libsc.org.ly/mrkaz/news.php?go=fullnews&newsid=248

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal