img17.jpg

ادريس رواية شمال أفريقية / تعريب محمد الناصر النفزاوي (١٦)

الدكتور محمد الناصر النفزاوي

ما وراء الأفق

تشاورت الجماعة في أمر النضال. لقد حلّ الشارع من الآن فصاعدا محلّ الجبل وقام القلم والكلمة مقام البارود لترجيح كفة الحقوق الوطنية. لقد وقع استخدام صيغ التنظيم الجديدة التي ولدت بقيام الثورة والتي كان عليها، بالتأكيد، أن تتسرّب من منافذ الميدان الأوربي إلى بلاد المشرق حيث وضعت الهجمة الإمبريالية الفظّة الحديثة الشعوب الخاضعة لها أمام اختيار ذي حدين لا مفر منه :
إما تكييف وسائل العمل حسب ما تقتضيه الروح الجديدة وإما الاختفاء من المسرح العالمي بمقتضى هذا القانون الذي شاء، على الدوام، أن يُخِْليَ الضعاف مكانهم للأقوياء. لقد بقيت، ما دام ابن عبد الكريم قد فشل حيث انتصر كمال أتاتورك، الوسائل الأخرى الأفضل والأوثق والأنسب إلى مستوى ظروف البلد الاجتماعية. هذه الوسائل التي طبقتها بورجوازية القرنين قبل الأخيرين وبروليتاريا القرن اللاحق في أوربا والتي ستُوَطِّنُها فترة ما بعد الحرب في مصر والهند بقيادة زغلول وغاندي.
لقد رسم سي الونوغي الذي قرأ الكثير حول تاريخ حركة الأفكار في أوروبا وتعلم منها بما فيه الكفاية وتردّد، مدفوعا بفضول يفوق الرغبة النضالية، على الأوساط التي كانت تدّعي أنها ملاذ التفكير الثوري، مخطّطَ مقاومة مستوحىً من البيئة المغربية وملائما لطبيعة الأحداث الجارية.
وما دام ظهير 16 ماي يهاجم الدين بطريقة غير مباشرة فقد اختير المسجد في البداية بؤرة للمقاومة. لقد كان هذا، إذا شئنا، نوعا من ناقوس الخطر عوض فيه سيف الإمام الخشبي حبل المصلصلة.وأصدقاء إدريس، في ما يتصل بهذا الأمر، لم يأتوا بدعة، لا في الزمان ولا في المكان. ففي الجزائر، بالذات، حاول ابن باديس، من حجر المسجد، أن يجَدِّدَ إسلاما أفسدته وشوّهته الشعوذة الطرقية.
وفي المسجد كذلك اشتهرت مشاريع التجديد الاجتماعي المغربي الأولى مثلما أخذها التاريخ في إبانها في بداية العصرين المرابطي والموحدي.
وفعلا فإن التقاليد القديمة تشاء أن يكون الحرم هو منطلق كل إصلاح وكل إحياء وكل تعبير عن الأفكار. ذلك أن الواجبات التي تطلبها العناية الإلهية لا تنافي البتّة مقاومة جور السلطة.
لقد اضطلع المنبر دائما بدور رئيسي في إسلام الأزمنة الأولى واستخدمه محمد وعمر ومعاوية والحجّاج وأبو مسلم بكثرة للدعاية إلى الدين أو لتقويم الأخطاء.ولقد صوّبهم التاريخ. إن الإسلام الذي تولّد من ضرورة إصلاح مجتمع أكدته الفوضى وترصّدته لا يتعين ولا يلتمس إلا عندما تحسّ شعوبه بالاضطرار الملح إلى خلع الغل الذي أحاط به أسياد، أجانب كانوا أم أهليين، رقابها من دون أن يحسوا بوخزة ضمير…
*
* *
هكذا إذن انتشر الأمر بين المساجد المراكشية. لقد مكثت أغلبية المؤمنين، بعد الصلاة، جالسة على الحصائر داعية إله الرحمة، والسبح في الأيدي، أن يحبط مشاريع الفرنسيين وأن يحفظ الوحدة الإسلامية في الوطنية الوليدة. إنه ليخيّل للمرء أنه كان بإزاء عودة الماضي القديم وتحدٍّ استعادي صادر عن أشباح متلاشية وظلال تنبثق من قبور ابتلعها الزمان والتراب منذ عهد طويل.
ولو قدّر لعقل كَِلفٍ بالتاريخ أن يرى مشهدا مثل هذا لاستحضر، في التوّ، هذه المواكب من ضحايا محكمة التفتيش التي حكم عليها بالحرق أو بالسجن أو أن يستحضر أيضا، وهذا عندما بدأت العظمة الإسبانية تزخرف واجهتها باسمي سرفانتيس وزورباران، مذابح المنفيين المسلمين الهاربين من وطنهم بحثا عن ضفاف أكثر ضيافة.
كانت الأشباح تبدو كأنها تفلتت من حلم مُغِمٍّ ومن قبور طوتها الأرض في جوفها في كل أرجاء الأندلس المجاورة وجاءت، في حشود متراصة صاخبة لتجلس في حلقة المؤمنين وترتل معهم، بصوت تضفي عليه التضحية طابعا من المجد الخرافي، اللطيف الذي كانت مقاطعه تتعالى مثل ناقوس إنذار عبر أقاصي البلاد. كان إدريس الذي سبق أن عرف عددا كبيرا من القصائد الأندلسية التي ترقى إلى هذه الفترة المشهورة يقارن هذا المشهد بالمرثية التي وجهها أبو الوفاء الرندي، سابقا، إلى السلطان بايازيد عندما كانت محاكم توركويمادا تعرض على القضاء البابوي قرارات إبادة تمثل مقدّما، وبشكل عجيب، ظهير المقيم سان لوشون. لقد دوت مساجد مراكش، كلها، وحتى الجزائر، مرددة في رتابة ضارية، هذه الصلوات المؤثرة السائطة وكأنها تعلن عن استدعاء للطاقات الغافية. فالشبيبة المغربية التي اخترقت القشرة الغليظة التي ميزت إسلاما هجّنته ممارسات تزمّت آلي لاحِميّة فيه ربطت إيمانها، صراحة، بعد أن استفِزّت في أكثر ما تفخر به من مشاعر، بحياتها الأرضية. وهي في هذا النهج، بقيت على نهج التقاليد الموحدية السوي في صلب مضمون التعليم الاتحادي العقلاني الذي تلقته من أمثال ابن تومرت وابن رشد وابن خلدون أي على نهج لا يقول، لدفع الضّراء، برميها بصيغ لعنية لا طائل من ورائها أو بتوسل فردي يشي بأقنعة من التواضع أو بالأمل الافتراضي في عون يسقط من تلقاء نفسه من السماء مثلما سقطت بيضة العقاب على رأس أشيل. كما أنه نهج ليس البتة نسخة حرفية من هذه التقوى المطمئنة التي تفوح طرقية رديئة. إن الدين لم يعد، على عكس ما ذهب إليه اعتقاد البعض، قوة مساعدة للظلامية وضربا من ضروب صمام الأمان الذي يشغّل لضرب حريات البلاد وشرفها. لقد التصق، من الآن فصاعدا، بالمفهوم الوطني. لقد استعاد المسجد، وهو يحارب الزاوية عميلة الأجنبي ومعقل الأيديولوجيا الرجعية الأكثر سفالة، دوره التربوي في العصور البطولية.
أشعل ترديد اللطيف بسرعة كبيرة أرض المملكة ونفذ النفس الألفي الذي كان يتضمن إلى الشعب فكان كل واحد يحسّ إحساسا تُوقّعه حبات السبحة التي تفرطها أصابعه المحمومة، بخطر يدهمه يناسب الفكرة التي كوّنها عن إيمانه وعن العقيدة التي تلقى من ربه ويدرك مداه. إن الإسلام الذي تفتّحت عليه عيناه الآن بدا أنه يستعيد وجهه القديم، وجه الإسلام السلفي المتفق مع مقتضيات القرن مثلما تصوّره مصلح الأطلس قبل عدة خمسيات من ولادة الشارح القرطبي. وهذا يحدث في الوقت المناسب لأن جذام الطرقية، هذه الهرجة المقيتة التي تدعمها فرنسا، كان يتدرب على تخليد وضع خَرَبٍ إذ أن الدينامية التاريخية كانت، بمقتضى هذا القانون المتعلق بالأواني المستطرقة والذي يسري على الأشياء الاجتماعية مثلما يسري على الأشياء الفيزيقية، يجبرها، ذاتيا، على التجدد والتكيف. كان روح من التنظيم يؤثر في الحركة بطريقة بارعة. وقد وجد إحساس بتوطين وسائل نضال جديدة واعتماد انتظام يناقض التقليد القديم المتمثّل في فردية الأجداد : كما لو أن فوضى القبائل الجرمانية، وهذا نفيد به هؤلاء السادة، أو غليان العشائر الغالية منعا التاريخ من إصدار أحكامه. ويبدو أن هذا الأمر شغل بال الإدارة. فالصحف والنوادي وجيش الـ غرولوين والـ كاملكو بفيين و الـ كونيين كانوا يؤكدونه.ولقد بلغ صداه البرلمان، في باريس، مضافة إليه التعليقات التي كان نواب الجزائر من المستوطنين يوجهونها
وجهة ليس من الصعب جدًّا تبنيها.
!وهكذا هاج الرأي العام
تعجرف سان لوشون. فقد وجه من أولمبه المقدس إنذارًا إرهابيا إلى “زارعي القلاقل” الذين كانت “أفريقيا الفرنسية” وزمرة الكتاب الأردياء الفرنسيين في أفريقيا الشمالية تقدّمانهم له ثيران مصطرع تسكن غيظة. لقد تعود الناس منذ 1930 على هذه الحلول التي يرثى لها إذ ما زال القوم عند معتقدهم أنهم إزاء واحدة من هذه الزوابع في كأس ماء يكفي إخطار رسمي مرفوق بنقل عدد من مفارز الجندرمة لتهدئتها. وهكذا فإنهم رأوا أن عليهم، تماما مثلما هو الشأن في دراما فودفيلية، أن يكتفوا بإبراز نيوب الليث للأهلي حتى تعود المياه إلى مجاريها ويَعُود السكون. ولكن تقطيب الحواجب، هذه المرّة، لم يعط النتيجة المرجوة إذ أن التهريج طال بما فيه الكفاية.
لقد بدا، بانتشار اللطيف في كل مراكش وتخطّي حدود المولوية، أن القضية تتخذ وجها رأى أقل الناس تشاؤما في الإقامة أنه ينذر بالخطر. هذا إذا بقيت على هذه الهيئة من الاقتصار على التباطؤ في العمل إذ كان من المقرر، على العكس من ذلك، أن ترفق بجملة من الأحداث تنقلها، دفعة واحدة، إلى مستوى يمكن القول إنه عالمي. وفي اللحظة التي كان فيها سان لوشون يهمّ بالانقضاض على الحركة كان وفد من الناشطين هو نواة الحركة الوطنية في البلاد، لاحقا، يسلّم مصالح الإقامة المختصّة عريضة مطالب كانت في الوقت ذاته خطة إصلاحات درس فيها كل شيء وعرض بدقة. كانت مجموعة المطالب لا تخرج، بطبيعة الحال،عن النطاق الذي حدّدته الحماية. إنها أساس مشروع تعاون دقيق بين طرفين يملكان ما ادعت اتفاقيات 1912 أنها مكنتهما منه .فلا شيء، يمكن الواحد منهما من أن ينفرد به من دون الآخر. وهذا على الرغم من أن الأيتام القصّر كانوا يطالبون، وقد بلغوا سن الرشد، وبالوسائل القانونية والمباحثات العقلانية، بما لم يكن الأوصياء ليمكنوهم منه إلا قولا ويحرصون على أن يثبتوهم في الوضع الذي كانوا يدعون أنهم وجدوهم فيه. لقد كان ذلك بالذات حجرا جميلا ألقاه الدّب في مستنقع الضفادع! ولقد وقع توضيح الإشكال وسدت الدروب على أفكار لاروقان. إنه لم يعد للنفاق الرسمي الذي يرعاه سان لوشون من مبرر بعد الآن.
*
* *
“إن هؤلاء السادة، شرح سي تاشفين للوفد المكلف بإبلاغ المقيم العام لائحة الإصلاح، يدعون أنهم قدموا إلى هنا لغرض النظام ونشر نعم حضارة كنا، إن صدقناهم، نفتقر إليها. إننا لن نسعى إلى مناقشة صحّة هذا الزعم الذي أصبح لازمة كل المغامرات الإمبريالية في هذا القرن الذي وهب الإنسانية الفن والعلم. ولكننا سنتظاهر باعتقاد ذلك وكأنه أمر صحيح. لنأخذهم بما يدعون. إن الحماية هي، إن التزمنا بمضامين الفلسفة الرسمية، المبدأ الذي ينبني عليه التعاون بين الفرنسيين وبيننا. وبناء عليه فإن ثروات مراكش ومراقبة التصرف العام يجب أن توزعا مُنَاصَفَةُ بين المتعاقدين وكل هذا في المبتدا وإلى أن تمكّننا المدرسة والنصائح من بلوغ النضج المطلوب . والحال أن الحماية بلغت اليوم سن الثامنة عشرة، أي سن الرشد، وما زال هؤلاء السادة لا يتردّدون في الإجابة، في كل مرة يتجرأ فيها واحد من ذوي النيات الحسنة على تذكيرهم بالتزاماتهم، بأن مراكش مازالت تفتقر إلى نخبة قادرة على أن تعبّر عن رغبات الشعب بأفعال واضحة وبأن الحل الأفضل هو “تمكين البلد من التطور في نطاق ثقافته الخاصة”. هذه صيغة جميلة فتّانة على الرغم من أنها ماكرة شيئا ما. والمكر، مع ذلك، لم يكن البتة فضيلة من فضائل الحكم.
“ونحن اليوم، شاء القوم ذلك أم لم يشاؤوا، نملك نخبة. ولا بد لكل هؤلاء الذين جاؤوا عندنا لافتكاك أراضينا وافتكاك وظائف ومهن الإمبراطورية والحصول على وظائف عاطلة شائنة من يكونوا يصدرون عن سوء نية تامة إن تجرؤوا على ادعاء أننا لا نمثل غير عصابة من مهيجي الجماهير لابدّ من الإسراع بلجمها بالقوة.
“إننا نقبل بصيغة المعاهدة. وإذا ما وجدنا محاورين صادقين أمناء مستعدين لا للاستماع أو المحادثة فقط ولكن للعمل في مصلحة الجميع، فإنه لا أحد منا، في ما أعتقد، يمكنه أن يصدر عن قصد سيء. إن سلام المغرب ورخاءه لا يتوقّفان علينا ذلك أننا، نحن، الضحايا الطالبون الذين سلبوا كل شيء، معنويّا ومادّيا، والذين يطالبون بحقهم باسم هذه العدالة التي يصفق لها حينا وتداس بالأقدام حينا آخر حسب ما يقتضي الظرف.
إننا نعيش عصرا رفع فيه شعار الأمن الجماعي إلى منزلة المبدا المحرك لكل الاتفاقيات الدولية الكبرى. وبناء عليه فإننا نريد أن يكون التفاهم المبني على الثقة المتبادلة هو الضامن الأفضل في حل المشاكل الأكثر استعصاء .وهذا مشروط بأن يبذل كل طرف ما وسعه من جهد إذ لا حل من دون تحقيق هذا الشرط.
“إننا، لذلك، سنعرض على هؤلاء السادة خطة شاملة صيغ فيها كل مطلب صياغة تراعي الدقة المطلوبة حتى لا يتخفّى القوم وراء سدّ رماية يطلقون منه سَيْلا من الأوصاف المجانية والأسئلة المفخّخة. وفي هذا الصدد سنعتمد، روحا ونصا، المعاهدات التي كانت سبب الحماية والتي تبقى بالنسبة إلينا، السلاح الشرعي القانوني الذي لن نسمح بأن يسلب منا.
“يبدأ هذا المخطط، يا أصدقائي الأعزاء، بعرض للأسباب التي نحدّد، انطلاقا منها، وضع البلاد ونعرّف بالأدواء الثلاثة التي تعانيها مراكش سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. هذه المعاناة مردّها، مثلما تعرفون، إلى أسباب ملازمة للنظام الذي فرض علينا قسرا. إننا لن نجرّم شيئا لا علاقة له بصلب النظام الذي يحكم الحماية أو يندمج فيها. وباختصار فإن هذه الأدواء نشأت، رأسا، من الإدارة والاستعمار الفرنسيين.إننا نجد هذه السياسة جائرة ماكرة. ونتيجة لذلك فإن من حقّنا الذي لا مجال للمنازعة فيه أن نجيز لأنفسنا فضح الجور الذي يقوم شاهدا عليها ويجرّدها من المشروعية”.
“هذه السياسة عنصرية، فهي تستعمل المحاباة الضريبيّة والميزانية. وهي ظلاميّة. وهي معادية لليبرالية. وهي استعمارية. وهي، بعد كل حساب، إدماجية. وكل هذه الحقائق تكذب الإدعاءات التي تسند مشاريع فرنسا الشمال أفريقية وتجعل من صيغة الحماية، مثلما تصورها بول كامبون بالنسبة إلى تونس، قبل أن يوطّنها لاروقان في مراكش، هزأة.
“إن هذا المخطط، مثلما شددنا على ذلك في عرض الأسباب، ليس فاتحة عمل سلبي أو وهمي. وليس فيه شيء مما يمكن أن يعد تخريبيا. فموقفنا من الحماية واضح. إننا نتبنى الامتيازات السياسية مثلما تبينها الاتفاقيات والرسائل وكذلك تصريحات الحكومة الفرنسية الرسمية…
“إننا نطالب، بمقتضى هذا المخطّط، بإصلاحات سياسية: أي بتنظيم إداري وحريات عامة وخاصة وبتعريف قانوني بالجنسية المراكشية. ونطالب بإصلاحات قضائية تتصل، حصرا، بالعدالة : بتنظيم قضائي وبإجراءات وبحقوق القضاء وممارسته وكذلك إعادة النظر في نظام السجون. ونطالب بإصلاحات في التعليم والحبوس والصحة العامة والمساعفة الاجتماعية والشغل. ونطالب بإصلاحات اقتصادية ومالية:أي أننا نتطلب إعادة صياغة سياسة اقتصادية تكون بمنأى عن النزوات الشخصية وبالحد من نظام الاستعمار، بل مراجعته، إذ هو مصدر فساد الوضع في شمال أفريقيا. وهو يهدد بشكل دائم سلامة العلاقات الاجتماعية وتحسين الفلاحة المراكشية وتعديل قوانين النظام العقاري وتليين القوانين الضريبية: التراتيب وضرائب أخرى. ونطالب، أخيرا وختما لقائمة مطالبنا، باتخاذ إجراءات تهدف إلى إلغاء السياسة البربرية المزعومة إلغاء تاما وبحرية اللغة العربية ونشرها، وبالتنديد بالتبشير الديني باعتباره مصدر سوء تفاهم وخلاف، وبالسماح بشهر الراية الوطنية والاحتفال الرسمي بأعيادنا القانونية، وبراحة يوم الجمعة. كل هذا، إذن، واضح دقيق ولم يعد في إمكان القوم أن يتهمونا بالسعي الى تحقيق منافع بشكل موارب وسطحي”.
لم يسلم هذا المخطط للإقامة وحدها إذ كان يمكنها، بعد الإطلاع عليه، أن تتغافل عنه إن لم تلق به في قعر سلّة. ذلك أن مقيما يتحول ،في أفريقيا، بقوة الأوضاع،إلى حاكم طاغية. فأول ما يفكّر فيه عندما تطأ رجلاه التراب “المحمي” هو تنكيس علم الديمقراطية. ومن هذه اللحظة لا يصبح غير متسلطن بسيط. وهو، إذا ما غطّ شفتيه في هذه الكأس، يصبح الله وحده عالما بما إذا كانت رأسه لن تستسلم للدوخة ا انه لن يبالي بحقوق الآحرين.
كان للناشطين المراكشيين المعجبين بيوغرطة، قُوّةُ حَزْمِه. ومثلما كان هذا الفارس في حروب المغرب القديم على روما كانوا، هم أيضا، يعرفون كيف يتصرفون في أفريقيا وأوروبا. وإذا كانت سلطات أفريقيا الشمالية غارقة في المحاباة التي وفّرها الحكم الجديد المتولد من الفتح واغتصاب الأراضي فإن باريس بقيت ميدان عمل مذهل للنشاط المغربي. وعلى هذا النحو وجد البرلمان نفسه مثلما كان شأن مجلس الشيوخ قديما، يتعرض لوابل من العرائض والمطالب وتسلمت الحكومة واللجنتان الكبيرتان في المجلسين ورؤساء ومدراء الأحزاب الرسمية والصحافة المخططَ. وباختصار فإن المخططَ عرض على الرأي العام العاصمي في الوقت الذي عرض فيه على الإقامة في الرباط.
كان الأمر ذا شأن. فها أن سانلوشون يعبر عن سخطه وهو الذي اشتهر بأنه كان البرودة سوّيت بشرا. كانت هذه المساعي التي ضبطت على نسق واحد ونفذت بسرعة مدهشة تربك سياسته. فلقد كان يريد أن يباغت الجميع وأن يضرب الخصم، مفاجأة، ضربة قوية من دون أن يذيع الخبر في الخارج. إنه ما يشبه عملية خنق لطيفة. ولكن ها أن ظهيره يفشل.
كان الناشطون المراكشيون وهم يتأثرون خطى من يكبرونهم سنا في تونس يعجّلون في السير فظهرت، في باريس، صحيفة ناطقة بالفرنسية رعاها عدد من الشخصيات البرلمانية المزدهية بأفكارها الليبرالية. إن مثل هذه الفؤول ،على الرغم من أن التجربة الجزائرية التونسية كانت تدل على وجوب الحذر منها دائما، كان لابد لها، مع ذلك، أن توحي إلى عدد كبير من أنصار سياسة استعمال القوة وجوب توخّي حذر ماكر يتمثل في اللجوء، عوضا عن إرخاء القمع، إلى سياسة التحري والتذاؤب والظهور في مظهر المنشغل بالأمور والدبلوماسي.
على هذا النحو ولدت المغرب. والمغرب هو اسم المجلة التي أصدرها منذ قليل إدريس وأصدقاؤه في باريس بالفرنسية ابتغاء الدفاع عن مصالح مراكش وكذلك فضح تصرفات السياسة الاستعمارية في أفريقيا الشمالية. لقد سبق قبل خمسة عشر عاما عندما كانت الحرب العالمية جاشية، أن نشر ناشطون مغاربة آخرون، وهؤلاء كانوا تونسيين، في جنيف، هم أيضا، جريدة تسمت بجريدة المغرب واختفت بنهاية الأعمال الحربية وموت محركيها الأخوين علي ومحمد باش حامبة.
كانت القومية المغربية المعزولة في بداياتها المترددة تبرم حبالها وتتبدّى في سلسلة أحداث متتابعة تعبر، بهذه الطريقة، وإن في شكل طفرات وتقدم متقطّع، على الرغم من تشتت صفوفها، عن قوة تعلن أضعف علامة فيها عن الرغبة في فرض النفس والمطالبة بالحق في العزة وفي الحياة وبحق المغربي في أن يكون له مكان على الأرض يبرره، بعزم، تاريخه الطويل الخصب.وهذا على الرغم من عظمة قوة خصم كان يطارد هذه القومية بالوسائل الكثيرة التي في حوزته ويناوشها من دون انقطاع في كل مكان.
ومثلما ناضل المناظرون التونسيون الذين اتخذوا من القسطنطينية وسويسرا ملجأ لهم في مجلة كان عنوانها وحده يوحي فكرة البعث القومي سمّى النشطاء المراكشيون، في باريس، مجلة مطابقة المغربَ. وفي العنوان تسمية رمزية. وفيه كذلك إخطار وثيق الصلة بالموضوع. فالمغرب إنما تُحذّر هؤلاء الذين يلتهون بتحدّي ذرية حنبعل وابن رشد وورثة قرطبة وغرناطة وأحفاد المحاربين في كان وبواتيي وسُلاَّنِ قراصنة المتوسط الكبار وتحذر ممتهني الثلب الذين لا يتجرؤون على الإمساك بالقلم إلا لاقتناعهم أنه في إمكانهم، من دون خشية عقاب، أن يقذفوا ِبرُوَالِهِم أخصامًا تُكَمِّمُ القوانين أفواههم وتطادرهم الشرطة وتحاكمهم المحاكم ركوحا، في أحكامها، إلى قوانين استثنائية. لقد كان وقع صدور المغرب في فرنسا على فرسان الشتيمة والنميمة هؤلاء شبيها بوقع قنبلة تنفجر، فجأة، في ميدان استعراض.
لم يكن مخطّط الإصلاحات وصدور المغرب هما الإجابتان الوحيدتان على الظهير إذ وُجِدت ثالثة كانت ما تزال تنتظر المقيم سانلوشون. ولقد بقي، عند الإعلان عنها مبهوتا وأصابته دهشة عميقة ووقع هذا الداهية الإداري في الشرك الذي نصب وكلّفه ذلك ولايته. ولم يكن من السهل، إنقاذا لهيبة فرنسا التي امتزجت بالماسونية والاستيطان، إمهاله في منصبه، سنتين أخريين. ولقد آل أمره إلى أن يمضي بقية أيامه في كرسي قاض عاجي.
لقد كانت هذه الإجابة الثالثة هي موجة الاستنكار التي انتشرت، بعد أن تخطت حدود مراكش وأفريقيا الشمالية، في باريس وفرنسا وأوروبا والمشرق. لقد وقع تمثل دروس يوغرطة بشكل جيّد. ولقد غطّت صحف الجزائر وتونس مقالات احتجاج وعبّرت غريزة البقاء، لأول مرة، عن نفسها بفعل تضامني يدل على أن الشعور بدأ يتحول فكرة.ولقد كان هذا هو الأساسي. وهو أفضل ثمر أنتجه الخطأ الكبير الذي ارتكبه المرزبان الصلف ومستشاروه الذين كانوا يدعمون رأيه في أن الوقت قد حان للإجهاز على وحدة المغرب الأخلاقية. وفي أقل من شهر عُرِّيت فرنسا من ثيابها قدّام العالم، وتسلمت باريس ولندرة ومدريد وبرلين وجنيف والقاهرة ومدن المشرق الكبيرة ونيويورك وبيونس آيرس وساو باولو عرضا شاملا، في صيغة نصوص تدرج في الصحف أو كراسات وجهت إلى الشخصيات والمؤسسات السياسية، مصحوبة بملاحظات تفسيرية للإثبات، حول الإجراءات التي يوجزها الظهير البربري.
ومن الذي كان يخطر بباله أن أفريقيا الشمالية التي كانت مؤامرة صمت تعزلها عن العالم وتفوّض أمرها لتقدير أمة كاسرة هي التي ستكون سببا في اقتناع العالم الآن بأن ليبرالية الجمهورية لا تنفصل عن جماعة الـ براياريين والـ كوينلارتيين و القرولويين و الـكاملكوبفيين والـ كونيين ؟
*
* *
إن الخلاصة هي أن القضية، إذا ما اعتبر تطوّرها من اللطيف الذي كان يردد في المساجد إلى مخطط الإصلاحات ومن تدفق التحاليل والمجادلات حول الوضع إلى مظاهر الاستنكار التي ترددت أصداؤها في أقاصي الأرض، لم تقع إدارتها برعونة. وهي تعدّ، باعتبارها محاولة أولى، دليلا على البراعة. ومن الصعب على المرء أن يتصور ما كان عليه وجها سانلوشون ولاروقان، أي المتحمس للمثلث وعسكري الـ سكريستيا المتحدين، بالتساوي، في الحقد على المغرب، عندما ظهرت نتائج ظهير 16 ماي على هذا النحو أمام أعينهم المندهشة بعد عدة أشهر، لا أكثر، من تحمل الإقامة مسؤو لية هذا القرار.
لقد تردّدت الإدارة وقد أذهلتها المناورة المضادة.كانت ترغب جيدا، وقد صدر الظهير، في أن تبدي، على الفور، “جهاز قوتها تجنبا لاستعماله” مثلما كان يوصي بذلك الماريشال من كان مهيئا للقبول به كاهنا معصوما. ولكن رد الناشطين السريع أفحم هذه الإدارة إلى حد إرباك سياسة صرف الأنظار التي كانت تعتمد إرباكا كثيرا.
لقد فضّلت، إذن، التريّث في البداية منتظرة مرور العاصفة. ذلك أن عرافي أفريقيا الشمالية الذين يتميزن بإدراك أضرت به الأفكار المسبقة الراسخة حتى الأعماق، لم يكونوا ليولوا موجة القَعْرِ هذه غير أهمية عرضية. فهي لم تكن، في نظرهم، غير واحدة من هذه الزوابع التي تهدأ بمجرد الإعلان عنها والتي يشبهها أكثرهم اتزانا ببؤرة تمرد لا تستحق أن تخضع، في أسوا الأحوال، لغير عملية أمنية بسيطة. فهذه النسخ الرديئة من مترنيخ المنتفخين إدعاء هزيلا لا يكادون يتبيّنون ما يميّز الانتفاضة عن الثورة. لقد بلغوا، بمقياس هذا القرن، من العمر عُتِيًّا!
أما النشطاء فلم يكتفوا، من جانبهم، بما حقّقوا من نجاح. لقد كانوا يعون جيدا أنهم يخوضون صراعا غير متكافئ وأن هذه المبارزة غير المتكافئة التي يصعب الصمود فيها تتطلب قدرا مساويا من الصلابة والرشاد حتى تؤتي ثمارها. وهم، فضلا عن ذلك، كانوا يقدرون قواهم تقديرا سليما ذلك أن قرنا من التجربة مكّن عقولهم من معيار صالح لتقدير ما في وسعهم أن يتحملوا حتى لا تخمد هممهم.
لقد كان يمكن لسياسة صريحة تحرّكها رغبة صادقة في التفاهم أن تدفع الإقامة، يقينا، إلى مراجعة قرارها حول الظهير وأن ترهف الأذن لمشروع التعاون الذي عرضته الشبيبة المراكشية عليها إذ أن الأمر بلغ منعطفا اتضح معه أن ليس يوجد خطأ أفدح من عناد أعشى لابدّ له من أن يصطدم، عموما، بقضية الهيبة أو كبرياء الفكر المسبق. ذلك أن مثل هذه الصخور هي التي تحطمت عليها روما وبيزنطة. وفي هذا درس للإمبراطوريات الكبيرة الحديثة يجب تذكره إذا ما طمحت إلى الحد الأدنى من الدوام. ولكنه بمثل ما يصعب على المرء أن يغرق سمكة يصعب عليه أن يقنع الفرنسي في هذا الموضوع. فهو قد اتخذه قراره. وهو ما دام يملك القوة، لا يعرف غير الهراوة مع احتمال أن يغلف ضروب تعسفه بنوع من الهذر المسهب الصبياني الذي يذكر بالمماحكات اللفظية التي اشتهرت بها لاتينية ما بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية.
كان الصدام، إذن، وشيك الوقوع. ولم يكن من الممكن تلافيه. ولسوف تبين الأسابيع اللاحقة أن خرافة قوزاق الإمبراطورية الروسية والفرسان المرتزقة في الجيش البروسي، من سيافين ورماة، ليست ميزة الدول المستبدة وحدها ذلك أنه كان للجمهورية، هي أيضا، فيلقيوها وسينيغاليوها، وكانت تمهر في استعمال سوط الجلد والضرب بالعصا مهارة الجلادين الذين سبق أن أدانهم ثوار 1848 دفاعا عن بولونيا الشهيدة!
ضرب الحصار على فاس، فاس عاصمة مراكش التي ورثت، هي وتلمسان، آخر التقاليد الأندلسية التي وصّت بها مدينة أبي عبد الله. إنها فاس، من الآن فصاعدا، التي سَيَشِعّ منها ومن محيط طلبتها الفكري النشيط ومن تجارها ومن صناعها إيمان جديد يتحوّل، وهو يخرق قشرة عاداتها القديمة التي تجاوزها الزمن شيئا ما، إلى وطنية نافذة اندمجت في قوانين القرن. إنها فاس، وعلى إثرها كل مدن مراكش. إن حبل الوفاق بين المدينة والجبل الذي قطعته منذ الموحدين سلسلة كاملة من الأخطاء وسوء الفهم، يعقد من جديد ويتأسس على توازنات جديدة لا تتمكن السياسة الأجنبية، على الرغم من جهودها المتزايدة، من تفكيكها وهدمها. إن روح التكتل أصبح يصدر عن توليف وطني.
لقد كان يتخيل، مثل يوشع، إيقاف الشمس عند طلوعها. وها أن مقاومة البلاد، بعد استسلام الأمغار بأقل من خمسية تتخذ، بعد أن بدلت ممرات الجبل بالمدرسة والمسجد والسوق، صيغا من النضال جديدة يغلب فيها توضيح الأفكار على قوة الشعور الفطرية العمياء. إن هذا هو ما توقعه جمال الدين لبلاد الإسلام عندما التقط، نهاية القرن الماضي تقريبا، بعين العقاب، أسباب انحطاط الإسلام الخفية وأوصى، معا، بجهود قائمة على العلم والتسامح والعمل، دواء.
وأخيرا صمم سانلوشون، في تصلب يبعث على الإستغراب ولكنه سمة فرنسية مميزة، على اللجوء إلى سياسة القوة. لقد أحس هذا الماسوني الحائز على رتبة عالية في الترتيب الحيرامي فجأة، أثناء القمع، أنه يتوفر على نفس يعقوبي من سلالة كاريي وجان بون سان أندري وأطلق على المتظاهرين باشاواته ومخزنييه وسينيغالية وجندرمتة وكلف الجنرال نوار، قائد حامية فاس بـ “إعادة الأمن إلى نصابه في العاصمة” وَالَذكرى فارصوفيا!
فمن يكون هذا الجنرال نوار ؟ إن اسمه، هو أيضا، يمثل مزاجا ونظاما وعصرا. بل إن الأفضل من ذلك هو أنه نموذج الضابط الفرنسي المجزّم المخوّذ الذي يُنشر من فترات ثورية سابقة. إنه شبيه بديمورييز وكيلرمان وهوش عندما ينشطون في “المستعمرات”.
كانت الحكومة الفرنسية ،عندما انخرط،بصفته ضابطا شابا ثانويا في المهنة قبل ربع قرن، قد قررت ،بعد حل قضية دريفوس وتبني الراديكالية مذهبا سياسيا، تطهير الجيش من العناصر الرجعية فيه وتهيئتة لتقبل نفس جمهوري جديد. ولقد تميّز الملازم الأول نوار الذي كان، إذاك، حديث التخرج من سان سير، بأفكاره التقدمية وأخذ، على الرغم من أنه كان ينتمي إلى الأبكم الأكبر 1، يكتب في صحف اليسار متخفيا وراء أسماء مستعارة تشي بحبرها العسكري. لم يكن في ما كان يكتب منشغلا بالخطط الحربيّة وإنما بالسياسة بل إنه كان يظهر، في هذا الميدان ،حماسة مربكة.
ولقد أثارت مذابح سان بيترسبورغ، في هذا اليوم البعيد المضب، يوم 22 جانفي 1905 اهتمامه فنصر غايون على القيصر والجمهور الثائر على القوزاق ومكسيم غوركي على يليهف والغران دوق سيرج. ومع ذلك فإنه كان على فرنسا التي كانت ترتعش لمجرد تقطيبة من القيصر وكانت تربطها بروسيا معاهدة تحالف وشهدت انتصار اليابان الساحق على المحدلة أن تؤثر بطريقة جد مغايرة في ألياف هذا المتمرد الغريب الوطنية.
ولكن فرنسا كانت فريسة أزمة عميقة. وبدا أن غريزة جزار فاس في مقبل الأيام الجمهورية تطغى عنده على أمري الوطن والانضباط.
1.La Grande Muette ، كناية عن الجيـــش.
كان الجنرال أندري قد عوض الجنرال غاليفي. وكان قنص ذوي الميول الدينية من العسكريين قد افتتح. إن هذا هو ما أطلقت عليه عبارة “قضية الجذاذات” الشهيرة.
ونوار، وهو ينشغل بالمجادلات الصحفية ويشي بزملائه، إنما كان في حقيقة الأمر يستجلب اهتمام رؤسائه الجدد في الجيش. ومع ذلك فإن 1914 لم تغير من رتبته العسكرية شيئا. لقد ساهم في الحرب التي وقع أسره فيها منذ المناوشات الأولى بوصفه سجينا في معسكر اعتقال ألماني. وقد استأنف سنة 1918 عمله بالرتبة التي كان عليها قبل 1914. أما فاس فقد شهدته سنة 1930 حاملا النجمة الثانية. وها أن الفرصة تتاح. ولقد انتهز هذه الفرصة السانحة بأن سلك في مجابهة الجماهير المراكشية المتمردة سلوكا رَفَضَه سنة 1905 للقيصر وبليف والقران دوق. لقد سبق أن توفي الكاهن الأرتوذوكي غايون وإلا لكان الملازم الأول القديم المعارض، أكيدا، أمر، وقد أصبح جنرالا للجمهورية وحاكم فاس العكسري، واحدا من سينيغاليه بأن يصرعه إذ أن الجيش الفرنسي يترفع عن استخدام القوزاق للقيام بمهام تحضيرية مثل هذه.
لقد وقع رفض مبدأ التفاوض حول مخطط الإصلاحات الذي كان هو الشرط الضروري في كل تسوية أساسية. وكانت الإقامة تعوّل على احتمال هذا الرفض لترد الفعل وتبرر إجراءاتها الصارمة. أما الناشطون المراكشيون فلم يكونوا، في ما يخصهم، ميالين إلى الوقوف موقف المتفرج المشدوه من الأحداث ولذلك قرروا النزول إلى الطريق.
إن الطريق، هنا، ليس لها من المعنى ما لتعبئة الحشود في كبريات المدن البروليتارية في أوروبا. إنها تختلف عنها اختلافا تاما على الرغم من سيلان الدم دائما نهاية هذه المظاهرات. ذلك أن المغربي الذي جرّد من حقوقه الأكثر ابتدائية لا تحمي ظهره لا قوانين تمنع التعسف الإداري ولا صحافة تتمتع بكامل حصانتها ولا حريات نقابية ولا حرية تنظيم يمكن أن يؤطر تحركه. وهو إذ ينزل إلى الطريق لا يفعل ذلك بوصفه منتصرا للعنف ولكن بوصفه متظاهرا مسالما واعيا حقوقه وواثقا، كذلك، في منطق الآخرين. والأوامر التي يطبق لم تتضمن في يوم من الأيام محتوى انقلابيا ولا استفزازيا مثلما يلذّ لدعاية غادرة أن تؤاخذه عليه إلى اليوم. لقد انتسبت حركته، بإصرار، إلى مفهوم القانونية الذي لم يعترف له بالحق فيه ركوحا إلى حجج أقل ما يقال فيها انها بلغت من المكر مستوى يستنكف معه العقل النزيه من التوقف عندها لخطة.
إن الجماهير المهنية المغربية، وهي تسير خلف وفودها وراياتها، إنما تعبر عن نوع من حركة الجماهير التي تماثل الجماهير التي تبعت سنة 1905 الكاهن الأرثوذيكي غايون ملتمسة من القيصر شيئا من العدالة والتي اعتقد الأعمى بيليف، وهو يغرقها في الدم، أنه كان يأتي فعلا محمودا.
وهل يعرف المرء ما الذي انجر عن ذلك ؟ إنه لا يعترض للتيارات الشعبية من دون عقاب. فصوت الشعب من صوت الإله (1) وإن ثورة ما لا تدفعها ضربات سيف أو رمح حتى لا نقول طلقات رشاش. إن الثورة يقع تجنبها بتجاوز من الطرفين حقيقي أساسي صادق. وإلا فإنه الانقلاب. إن العالم يسير على هذا النحو منذ فجر المجتمع المنظم: من الزمن الذي ألقى فيه ابن الإنسان في وجه الإمبراطورية الرومانية الجبارة بكلمات محبة تحولت، إذ أطرحت، بقوة الأشياء، إلى عناصر تغيير عام هادفة إلى تجديد الإنسانية إلى الأيام التي سيّب فيها كرومويل وواشنطن وروبيسيير وبوليفار وكوسوت وماتزيني ولنكولن، بدورهم، تيارا حاملا نفسا تحريريا مطابقا، حتى يجرف القوى المعارضة للتقدم ذاتها.
والحال أن الفكرة التي تجعل من لاروقان، هذا الدوبليكس المتأخر، الذي يعيش في أزمنتنا المعاصرة، باني إمبراطورية إنما هي فكرة مآلها السقوط لعيب في الخلقة. إن للعالم من الآن فصاعدا الحق في حلول حكيمة جسوره وإننا لندور في وسط حلقة مفرغة. لقد سد تطور الإنتاج الفوضوي وسلطة البنك والمصنع المطلقة ومبدأ أولوية الربح وغلو الإيديولوجية الثورية الواقعة بين سراب مجتمع مثالي وتصورات عنف مجاني، الدروب على العالم. ومع ذلك فإنه لا أحد لا يعرف لماذا دمرت أورشليم قديما. وكل الناس يخشون، اليوم، أن يتعرض العالم لعقاب مماثل أو ربما أشد قسوة من هذا الذي أثار أيما إثارة غضب النبي اشَعْيَا.
لقد كان الإضراب، هذا السلاح الخاص بالضعفاء، بعد ذلك، وسيلة عمد النشطاء إلى استخدامها. واللفظ هنا أيضا يختلف في معناه عما يفهم منه في أوربا إذ أنه انتهي فيها، منذ مجيء الرأسمالية الصناعية، إلى مرادفة المعارك التي كانت تشنها الطبقة العاملة. وإذا ما فهمنا من البروليتاريا العامة والفئات الشعبية المنحطة اقتصاديا فإن هذه الفئات تتمثل في أفريقيا الشمالية، وهي بلاد مجردة من كل تصنيع، في الكتل الريفية والحرفية التي تكون صميم الطبقات العامية. فقلة المصانع والورش الكبيرة تحصر أعداد البروليتاريا العمالية الشمال أفريقية في المنشآت المنجمية والمواني، وساحات التعمير ومؤسسات الحفر وخاصة في الأعمال الفلاحية. ولذلك فإن الأجور المنخفضة التي يتقاضاها العامل وحرمانه من كل منحة يمكن أن تتأتى من التشريع الاجتماعي الجاري به العمل الذي يتجاهله ويحطّ من قيمة عمله، يشدانه، حتما، إلى وسطه الوطني ولا يكون من الممكن أن توجد علاقة تضامن ممكنة بينه وبين العامل الأوربي.
إنه لا خير مشتركا يمكن أن ينالا، معا، من حركة تنظيم نقابي أو حرفي حتى لا نتحدث عن إضراب بما أن القوانين والأفكار المسبقة واختلاف الأجور تتضامن لتفضيل الواحد منهما على الآخر. فالدور الوحيد الذي يمكن أن يؤول إلى الواحد منهما في علاقته بالآخر أثناء النزاعات المحتومة التي لا تحصى بين رأس المال والعمل هو أيضا دور كسر الإضراب.
وإذا كان الميثاق الوطني والحركة النقابية يدعمان العامل الفرنسي في مجابهة أرباب العمل والدولة فإن الرباط الوحيد الذي يمكن للعامل المغربي أن يعوّل عليه، عند الاقتضاء، سواء على المستوى المادي أم المعنوي، هو الذي يشده إلى وسطه المخصوص. إن التعاطف والمساعدة العالميين ليسا ،بالنسبة إليه، غير رماد يذر في العيون وتشكل سراب وخرافة طنانة، ولا شيء أكثر من ذلك!
ولهذا فإن الإضراب، باعتباره وسيلة لمجابهة الامبريالية الفرنسية، يبقى محصورا في السوق والمدرسة. إن هذه هي، في هذا الظرف، الأوساط التي يمكن لاحتجاج الأمة أن يعثر فيها على آذان صاغية موافقة قادرة على أن تحول أفعالا ملموسة. وعندما يغلق التاجر، بناء على أمر تلقاه، متجره ويغادر الصانع حانوته الصغير وعندما يردّ صاحب المقهى وصاحب الحمام مصاريع أبواب محليهما وعندما يقاطع الطالب الدروس وتصطبغ المدينة، لذلك، بواحد من هذه الألوان الحزينة المنذرة بأفدح وعيد، فإنه لاشك في أن ما حصل من نتائج يفوق بكثير تأثير إيقاف الحركة الاقتصادية الذي يرافق هجر المصانع والمكاتب في بلاد أوروبا. إن الأمر أخطر بكثير إذا ما تخلينا أن الإضراب، في أفريقيا الشمالية، يشمل كل طبقات السكان التي توحدت في وثبة تظاهرية واحدة في حين أن الإضراب عن العمل، في أوروبا، يستنفر الطبقة العاملة ويستثني أجزاء السكان الأخرى التي، غالبا، ما تبدي إزاءها العداء وفي بعض الأحيان تنصر الدولة عليها.
إنه عندئذ الإضراب العام (1) أي نظرية الإضراب العام الشهيرة التي شهرها، ذات يوم، أرستيد بريان أثناء تربصه في صفوف الحزب الاشتراكي والتي أصبحت، بعد أن ازدرعها الدستور في تونس، منذ فترة آل باش – حامبة، سلاح الحركة الوطنية المغربية الذي لا يضاهيه سلاح.
لقد أصاب سي تاشفين وسي عبد الحرمان عندما وضعا خطة مترابطة تتمثل في خطوات أُحْسِن تصورها وتنفيذها معا: من اللطيف في المسجد، مستقر اتفاق مشاعر الأمة إلى السوق التي تنشط فيها حياة العاصمة الاقتصادية والتي تؤثر في مجموع البلاد إلى الجامعة التي انطلقت منها الفكرة التي تولّدت منها الحركة أي بكلمة واحدة أكثر إيجازا وأكثر اختصارا، التحالف بين مولاي إدريس والقيصرية والقرويين.
وما أن أعلنت الإقامة أن سانلوشون يرفض أن يجلس إلى الوفد الذي فوضّته المنظمات الوطنية التي تطالب بإلغاء الظهير والقبول بالمخطط حتى تقرر شنّ إضراب احتجاجي. ولقد دلت أوامر تقييد حركات العساكر في معسكراتهم على أن الإدارة كانت قد تهيأت لتسديد ضربة موجعة. فالإنسان لا يمكن أن يكون فرنسيا اتفاقا.

شُنّ الإضراب. وفي لمح البصر توقفت كل المدينة عن العمل. وفعلا فإن مخازن القيصرية والدكاكين المتناثرة في كل حارات فاس والحانوتيين والباعة الصغار بالمفرّق والبقال والجزار والحائك والصباغ والدباغ والزنار والمبيطر والحداد والنجار والبابوجي والحذّاء والمقصدر والنحاس والكتبي والكاتب العمومي وتاجر الثمار والسقاء والحلواني المتجول والدلال وكل المهن وكل أصحاب الحرف والتجار والأعراف والصناع المبتدئين، إن كل هؤلاء عادوا إلى بيوتهم وهم يصفقون الأبواب.
لقد ظهرت المدينة بمظهر صارم. وهذه الحاضرة التي كانت إلى حد الآن، لما بدا على وجهها من تهكم ناقد وطيبة ساذجة، تبدو على مزاج متردد مائج أبانت عن فضائل جديدة من الحماسة والثبات.
لقد اندهش إدريس، وهو ابن جبل لم يكن يرى في المدينة غير مسرح يبدّد الطاقة عندما تمسها الحياة المتهاونة السهلة من ذلك، هذا الاندهاش الساذج الذي يميّز المزارع الأبدي التائه في العواصم الكبيرة. لقد كان يقف من المديني موقف نفور تولّد، ما من شك في ذلك، من ارتياب رجل المحراث في رجل دفتر القيد خاصة عندما يكون خاط الثلوم مُلَبَّسًا برام حاذق أو بمروّض جياد جيّد. ولم يتمكن إدريس من التخلّص من هذا الاحتراس الذي ترقى جذوره إلى أزمنة بعيدة والذي ما يزال باقيا في أزمنتنا الحاضرة، أزمنة الزراعة الآلية وحتى المتشيعة، إلا في الوقت الذي بدأ فيه يتشرب، في ظل سي تاشفين، نوعا من القومية المتنورة. لقد كان مزارعا، وبقي كذلك. وكانت إحدى قراءاته المفضّلة هي أن يتفحّص، بتوجيه من الونوغي، وهو مديني، أطوار هذا الصراع الذي كان يتبيّنه في العلاقة بين البونيين والبربر عند قراءة صفحة قديمة من التاريخ القومي في صالامبو. لقد كان يفضل على النبوغ القرطاجني القائم على التنظيم واتساع الأفق من ناحية وشدة التدقيق في التفاصيل وتقدير العواقب من ناحية ثانية، حمية النوميدي، هذا البدوي الفارس الذي مزج بين البساطة والبطولة ، والذي لا يملك من الحياة إلا ما يكتسبه من أحاسيس أثناء حُضْرِ فرسه والذي يعرف كيف يموت، في اللحظة التي تقتضي ذلك، وهو يعهد بمطيته وقوسه إلى الرفيق الذي يتجشّم عناء دفنه تحت مدرة من التراب. إن مثل هذا النوميدي، وبعد ذلك العربي، هما اللذان خلدا أمجاد المغرب. وفعلا فإن القديس سان أوغسطين لم يجتذبه البتة إذ لم يكن يرى في هذا النابغة العظيم الذي تحرّر ظله من أسوار المدينة ليركب تيارات الإنسانية الكبرى، غير علامة من المطلق ومن المدمج وغير عنصر ارتد عن أرض الأجداد. لقد كان يفهم جيدا عددا من صفحات مدينة الله وما تتصف به ،أكيدا، غاية أب الكنيسة الذي نجح شيئا ما في تنظيم بناءات المعتقد المسيحي الغامضة، من تعال. ولكن عقل مستخلص الجوهر هذا المفرط في الليونة إلى حد ذاب فيه في عقل جنس معاد، كان، في الآن نفسه، يُنَفِّرُهُ ويُقِْزرُه منه. فبين الفارس النوميدي الحر الفخور والأسقف العالم المدجّن كان غالبا ما يلذ لإدريس، بتأثير من تأسُّلِيَّة قبلية قديمة، أن يبرز حذر الكوخ الضارب في القدم من البيت الحجري.
وها أن وجه فاس يتبدّى لعينيه وقد نفض عنه هذا الرشاش الفردي. إن التاجر والصانع اللذين تركا عملهما ومصدر رزقهما الذي فرض عليهما منذ أزمنة غابرة الخضوع لنير العمل اليومي الشاق استجابة منهما لنداء البلد بديا عنده جديرين بالإعجاب جدارة المحارب في الجبل الذي يهجم على الخصم غير ملفت إلى الوراء وأصابعه على لسين رمي البندقية التي لا تفارقه، وهو معرض في كل لحظة، للتدحرج أسفل ثلم أو دغل من دون أن تفلت من شفتيه أقل صرخة توجّع بل إن الأمر وصل بإدريس، الآن، إلى التعبير عن تفضيله مُطَرِّي الجلود في الحومة المجاورة وقهوجي الدوح وعقاقيري العطارين والقراب الذي يتعيش هو وعائلته في هذا المسكن المتداعي للسقوط والذي يراه، وقد أثارت القلب هذه الصدمة العاطفية الغامضة التي تحملنا على الاندغام في الناس الذين يشاركوننا التفكير، يستجيب لدعوة الإضراب في همة وهدوء غير متوقعين حقا.
كان إدريس، إذاك، يواجه مسألة صراع أحاسيس تحدّد، قبل أن يتمكن المرء من حلها، هذه الحيرة الأخلاقية التي يرى فيها عدد من الناس بدايةً لازمةً لكل تطور ذاتي. لقد فهم إدريس، مثل أبيه في الماضي الذي علم وهو ينزل بطرابلس أفريقيا بعد أن أنهى رحلة طويلة قادته إلى أهم مدن الشرق، بتنحية السلطان عبد الحميد الذي كان محط آماله، باعتباره مسلما شيخا مناصرا لخلافة واحدة، وانتهى به الأمر إلى أن يفهم أن سير الأفكار يحتم على المغرب أن ينهج نهجا قوميا، فهم إدريس بدوره، على مستوى اعتقادي آخر، أن ضرورة مطابقة تفرض، أيضا، زوال الاختلافات الاجتماعية القديمة في سبيل دمج البنية العضوية في البلاد دمجا أكثر كمالا. ولقد كانت فاس، هذه المرة، هي معلمته.
عقد اجتماع مساء الإعلان عن الإضراب في بيت سي عبد الرحمان. وفي العشية كان الأسمر قد وصل من تيزران محمّلا برسالة إلى إدريس. كان الحاج علال الذي لم ير ابنه منذ حرب الريف شغلا به. وكان يحرص، وقد وهن منه العظم، على لقائه قبل أن يموت ذلك أنه على حد قول مأثور في البلد، إذا بدأت اللحية في التزين بشعر الحكمة فقد حان وقت التهيؤ للمثول بين يدي القاضي الأكبر.
وكان إدريس، من جانبه، يتمني أن يرى أهله. فلقد استولى عليه، نهاية إقامته الطويلة في فاس، الوطان وانتهى ، بغيابه المستطيل ،إلى أن يمرضه . لقد أصبح كئيبا. وأصبحت سِكَتُه الطويلة التي تقطعها أحيانا نوبة حمّى تثير في أصدقائه شعورا متزايدا بالخيفة من مكروه يلحق بصحته. ولكن هذه الحالة لم تكن تدوم طويلا فالحنين إلى الوطن الذي كان يعذبه كان، من جهة أخرى ،يجد له في الدرس والعمل ترياقا كافيا.
لقد كبر الآن. كانت لحية تبطّن وجهه البيضوي بطوق خفيف. وكانت جبهته المحدّبة تعبر عن نضج باكوري. وتلمع عينان كستنائيتان مذبلتان بريقا يستثير نشاط جسد مشيق ويمنحه مظهر بساطة سليمة النية لا تخلو من رهافة. لقد بقي، وهو الرشيق صاحب العضلة ذات الرأسين الفولاذية وربلة الساق القوية، ابن الجبل.
لقد نما تعليمه. وكان ،بفضل ملكاته الفطرية، قد أقبل، بكدّ، على دراسات متنوعة فتوسعت معارفة وتعود على استعمال الفرنسية استعماله العربية .وكانت الآداب تجتذبه. وقد مكنه حب اطلاع لا يستثني شيئا، منذ وقت باكر، من أن يألف الميكانيك والعلوم الطبيعية. إلا أن الأمر يحتاج، طبعا، إلى الكثير حتى يصبح في إمكان معارفه العلمية أن تجد الوسائل التي تسمح بالتعمق في معطيات المعادلات والصيغ العلمية المعقدة شيئا ما. ذلك أن بلدا يتنزل فيه كوينلارت منزلة الملك ليس مؤهلا، بالتدقيق، للسماح لفتًى أهلي موهوب بمواصلة طريق معرفية، ارتضاها، قادرة على أن توصله إلى تعقب آثار واحد مثل لابلاس أو لامارك.
إننا نعرف الأخلاق التي دفعت بهارييت بيتشرـ ستو إلى أن تكتب كوخ العم توم.إن الحضارة الغربية حضارة انحطاط. فهي لا تعرف ولا تقدر، لانبنائها على أساس من الفردانية الضارية وعلى المنفعيّة التي تنخرها، غير الربح. وسلّم قيمها مقصور على الفائدة التي هي منها، في الآن نفسه، النسبة والقاسم المشترك. إن المادة، فيها، تهيمن على كل شيء وتبتلعه ابتلاعا يعلن، منذ الآن، نتيجة حروب الإبادة التي أملتها النزاعات حول الربح، عن نهاية روما الجديدة مثلما نظم فرلان :
أنا الإمبراطورية ختم الانحطاط.
أنا من يرى مرّ عظام البرابرة البيض.
إن فاس ليست بالمدينة التي كان يمكن لإدريس أن يتابع فيها مرحلة تعليم قد تتوّجها السوربون.
فباريس لا تفتح كل أبوابها في وجه المغاربة. إن مدينة النور لا توزع عليهم مَنَّها الفكري إلا بالتقتير. وحتى في هذا الإطار لا يجب أن يتعدى الاختصاص الحقوق والطب. وهل حدث لأحدهم أن رأى مرّة شمال أفريقيي، يجتاز بوابة البوليتكنيك ؟ قد يحلو لماكر أن يلقي إليك، وهو يضحك سرا، باسم هذا العقيد الجزائري في المدفعيّة. ومع ذلك فإن هذا العقيد اللامع في الرياضيات المتضلّع خصوصا في علمي القذائف والناريات الذي أجمع أساتذته على أن يتوسموا له مستقبلا باهرا، أحيل، فجأة، على التقاعد بمجرد أن علق على بزرته الشريط الخامس. لقد كان عمره، إذاك، خمسة وأربعين عاما. لقد كان أفريقيا. ومن سوء الحظ أن هذه الحقيقة تحيي في عدد من الناس ذكرى سبتيم- سيفير، قيصر اللابوريموس. إنه ليس عندنا، في شمال أفريقيا، رأي قبلي في باريس ولا فرنسا : فرنسا هذه التي يلذ للكتب المدرسية أن تحليها بأجمل المفاتن المثالية. ولكن فرنسا هذه ليست بالنسبة إلى الشمال أفريقيين غير فرس رولان! ما الذي يبقى غير الشرق ؟ إن المغرب مسلم وشرقي على الرغم من اسمه، وهو مبرر جغرافيا، الذي يربطه بالمشرق المتوسطي إذ كان ،دوما ،يولّي وجهه، لثقافته وللون أحاسيسه وطريقة تفكيره ونوع سلوكه، شطر المشرق. وبالأمس كان المشرق هو الإمبراطورية العثمانية وهو مصر اليوم.
كانت مصر، في هذه الفترة من نهاية الثلث الأول من القرن العشرين تسير، في خطى ثابتة، في طريق التقدم وكانت تحقّق، حسب الصيغة الرشدية تأليفا صائبا بين الإيمان والعلم إذ لا يوجد غير قدر هيّن من الاختلال في هذا التطور شبه الثوري. لقد وقع، عن قصد، استبعاد المثال التركي.ولم يتوقف عليها أن شمل التغيير، بطريقة أوسع وأصلح، صيغا اقتصادية أشمل كان نظام الامتيازات والوفرة العائقة الناتجة عن استثمار رؤوس الأموال الأجنبية يُثَبِّطَانِها تثبيطا بالغا.
أما الأزهر فلم يعد يبهر أحدا. لقد تخطاه العصر. فقد انتهى وانقضى الزمن الذي كان فيه الجنرال بونابرت يذهب، وقد سمي بعلي وعُمّم، إلى فناء الحرم الجامعي لمناقشة علماء كانوا ،على نقيض الأحمرة ،يفضلون المال على التبن والذهب على الشعير. لقد انتهى وانقضى الزمن الذي كان فيه قاهر الأهرام ينتزع من عدد من الحمقى، تصحبه في ذلك بسمة مونج الساخرة وضحكة كليبير المغتصبة، فتاوى تفيد أن جيش مصر مسلم ولكنه، مع ذلك، يتمتع بامتياز يعفيه من الختان ويبيح له استهلاك لحم الخنزير وشرب الخمر. لقد انتهى وانقضى العصر الذي كان فيه الشيخ عْلِيش يرفض، معارضا في ذلك الخديوي إسماعيل،أن تدرس الجغرافيا الحديثة في الأزهر ولا يرى عيبا في أن يعتقد تلامذته اعتقادا يتعذر ردّه، أن النيل ينبع من جبال القمر في تخوم عدن السماواتية!
لقد أصلح الأزهر، منذ أن مرّ به جمال الدين، مناهجه وبرامجه إصلاحا كبيرا. كان يسرع أكثر مما هو متوقع بالقدر الذي سارت عليه السربون عندما فرضت أفكار النهضة إنشاء معهد فرنسا حيث أَشْرَعَ تعليمُ الإنسانيات الذي بدّد ما تبقى من آثار السكولاستيكية العجوز، الأبواب على مصاريعها لتقدم الثقافة. لقد أعلن سعد زغلول وطه حسين، وهما تلميذان من أشهر التلاميذ فيه خرجا من المعهد الفاطمي العجوز وهما يصفقان الباب، للشرق عن نهاية نقيضة وعن مجيء عصر جديد. ولكن ما كان ينبئ بحسن طالع مصر لم يعد الإبقاء على الأزهر الذي لم يعد غير ضرب من المنارات يقوم بمهماته قياما غير مجد إطلاقا. ذلك أن الأساسي والإيجابي كان هو الازدهار الفكري الذي شمل مصر نتيجة إدخال التعليم العصري بشكل منظم. إن الشيخ الشرقاوي زمن بونابرت والشيخ عليش زمن إسماعيل لم يعودا غير شبحين متلاشيين من ماض كان الزمن، هذا الحكم الأعظم، يلقي عليه تدريجيا كفن النسيان.
هذا التجديد الذي لم يعرفه المغرب، باستثناء وحيد، وإن كان أيضا نسبيا، هو تونس، كان مع ذلك، حريا بأن يمهد الطريق لتربية تطمح إلى التمام لا سيما أن وحدة الدين واللغة والأخلاق تحل، في ذاتها، مشكلة ضرورة التكيف عند الإبتداء.
كانت تونس في المغرب، ما تزال على قدر من القيمة .فالزيتونة المحَسَّنَة والصادقية والوسط الذي جدده خير الدين ومحاولات الليبرالية الدستورية الراسخة، دائما، في أذهان النخبة وذكرى الأزمة البونيقية وحروب يوغرطة المجيدة وأرض تدشين الإسلام الشمال أفريقي الذي تلخصه ملحمة افريقية، وطن مؤلف المقدمة وتاريخ البربر، كل هذا كان ميدانا مهيئا لبذر حبة مفيدة ولود.
لقد كان يمكن، إذاك، لخط المحراث، أن يكون على خلدونية كلاسيكية. ولكن حظّ تونس لم يكن ليختلف عن حظّ مراكش .كانت تئن من ثقل حماية ذات نزعات مماثلة. ولقد أحدث، هنا، سابق للـ براياريين وللـ كوينلارتيين هو الهزأة ما شويل، هذه المطفأة أي سلاح الظلامية الرمز التي شرعت جمهورية السيد الماريشال دوق دي ماهون في الطواف به عبر القارات مستظلة بدعوات الثورة المخفقة. وَرَغْم هذا فالدراسة في تونس دونها عقبات إذ على إدريس أن يحصل على جواز للذهاب إلى تونس. وكان الأمر صعبا لأن مغرب 1930 لم يعد غير فيلاركية من العصر الروماني المسيحي الأول.
لم يتبق، إذن، غير الارتحال إلى مصر. ولكن الظرف، إذاك، كان غير ملائم البتة. إذ كيف يغادر المرء بلاده ويخلي المكان الذي يقضي الواجب أن يكون فيه، في الوقت الذي كان فيه اللطيف ،نتيجة الطعنة الغادرة التي تمثلت في الظهير البربري، يردد صداه مثل ناقوس إنذار عبر البلاد ؟ إن ذلك لمن الصعب. فلقد سبق قبل أربع سنوات أن حال تردّد مماثل دون التحاق إدريس بأهله عند تصديهم للغزاة. ولقد ندم على ذلك ندما لا شفاء منه. والحال أن الخطر ذاته يهدد، اليوم، البلد. هذا الخطر، وإن لم يرتفق بفرقعة قذائف المدفعية أو بلعلعة الرشاشات ليس، مع ذلك، أقل شدة بل إنه أشد. ذلك أن المرض، مثلما هي الحال في الأدواء الخبيثة، يظهر في هيئة مرض هيّن.
لهذا السبب عزم إدريس عندما تقرّر الإضراب، على البقاء في مراكش ومتابعة سير الأحداث إلى جانب أصدقائه. ومثلما سبق أن جابه الموت حلف، هذه المرة، أن يجابه السجن أو النفي.
*
* *
حدث ذلك ذات يوم مشمس من أيام الخريف. كانت هبات البوإبلان تلطف آخر قيوظ الفصل المنتهي .وكانت فاس تخضوضر تحت سماء ساطعة. وكانت منازلها البيضاء وحدائقها ذات الأوراق شبه الاستوائية التي يهدهدها تموج خفيف يتنزل من القمم الأطلسية تعلن إعلان سحرة قدامى عن خلود أمجاد المدينة المرينية .وكان الفاسيون يبدون أنهم يستقرئون من أعالي السطوح، وقد اتجهت أبصارهم نحو الأبعاد المتقزحة التي تعمم الأطلس، هذا الأولمب الحارس حيث تقيم الجنّيات التي ترعى أقدار الجنس، المضمر بين الأرز وثلوج المنحدرات الجبلية.
كانت المدينة مغلقة والحياة متوقفة. وكان الجنود والشرطة ومخزن الباشا وجيش من الجلاوزة ذوي القبعات والـ رازا 1 يسدون الأنهج والأزقة. وكانت السجون قد اكتظت بالموقوفين و “المشبوهين” .ولم تكن مقرّات الشرطة باطلة عن العمل. كان القانون العرفي قد أعلن .وكانت مجالس الحرب منعقدة، في انتظار تطور الأحداث، من دون انقطاع. إنه لو كان في إمكان ديبون دي نومور أن يعود الى الحياة لفقد، ما من شك في ذلك، مبادئه الأخيرة… لبس سانلوشون الحائز على أعلى الرتب في أخوّية المثلث، سعيا منه إلى قمع أفضل للحرية، سترته المبهرجة وبنطال الركوب والرّان وقبّعته التي تأخذ من كبّية الجنرال وكسكيت الأميرال ويعلو مقدّمتها تاج من أوراق البلوط.وسيجيب المؤرخ، في المستقبل، عما إذا كان سانلوشون، وهو يتأهب للأمر بأن يطلق مرتزقة الجنرال نوار النار على المراكشين، قد عاش حيرة قانونية، هو أيضا، مثلما سنرى دالاديي، فيما بعد يقلب صفحات الـ داللوز حتى يتأكد من أن الدم الذي أراقه الباريسيون في ساحة الكونكورد لا يخالف القانون الدستوري مثلما وقعت مراجعته وتصحيحه استنادا إلى تعليم الكسندر ستافسكي ا
تحركت المواكب عبر أنهج المدينة في نظام ومن دون صراخ .كانوا يمشون متراصين متلوّنين متنوّعين، في هدوء ونشاط مدهشين. لقد حوفظ على النظام في التجمع المتموج المكون من جموع متراصة يضخمها، مثل مياه البحر عند المد، قادمون جدد يتوافدون من دون انقطاع من جميع جهات المدينة. كانوا يتقدمون تبعا للمهن والحرف والمدارس والأحياء. كانت فاس، روح البلاد، تغلي. وكان النحّاس والعقاقيري والبنّاء والتاجر والشوّاء والرثّاث والتلميذ يكونون كتلة تمثل الإرادة الشعبية تمثيلا تاما، شكلا ولونا. كانت كل الفئات الاجتماعية تنصهر في وثوب جماعي. كان عدد منهم ممتلئ البطن محمرّ الوجه كثيف شعر يحدق بخدّين ملحِميْن متثاقل الخطو متزن الخطوة وكان الآخرون رشيقين فارعي القوام هزيلي الوجه خفيفي الحركة قليلي شعر اللحية الأسود المرطب. وإلى جانب من سبق كان يوجد صنف أكثر أصالة ذو عضلة متوترة وعضلة ومأبض منفوخين يعلنان عن العامل العامي المتمرس بمشاق العمل اليومي. كانوا مسنين وراشدين وشبانا. وكانوا مدينيين وجبليين. وكانوا رحلا ومستقرين في السهل. كانت توجد الجلابات وبرانس الصوف المندوفة المنقدرة المفصلة التي ما زال يشم منها وشل الجزة وكذلك جلابات وبرانس وقفاطين من حرير خام أو من قماش انتجته مصانع الغزل الأنكليزية. ويرى المرء سلم الألوان جميعها : الأحمر الفاقع والأحمر الرماني والوردي الخامد والأخضر التفاحي والكستنائي الغامق والأصفر المخملي والأزرق الليلكي وأزرق بروسْيا والأبيض السكري والأسود الفاتح. وفوق هذه الألبسة الغنية بالألوان فراجيات باتستيّة وموصلية. وفي موضع وسط بين هذه الألبسة، تقع جلابات الطلبة من الصوف الأبيض المحبب التي تغطي الصدرية المقدودة من قطن قصبة الحرير. وتغطي الرأس إما الـ رازة المراكشية أو الطربوش الأحمر. وأغلبهم كانوا، عملا بالتعليمات، يحملون في أيديهم السبح.
كانوا يمشون في صفوف تتكون من ثمانية أو عشرة أشخاص أو اثني عشر يشرف عليهم موجه رافعين اللوحات والرايات الصغيرة. إنها أول مرة في تاريخ مراكش يتظاهر فيها الشعب امتثالا لأوامر مقتبسة من حق التظاهر الشعبي في أوربا. ومن ناحية أخرى فإنه ما كان لديه إمكانات اختيار متعددة. فلقد وجد نفسه، وهو يُوقَظ فجأة من نومه، في مواجهة خصم حل بأرضه مثلما فعل ذلك الرومان واليونان قديما، ولكن هذا الخصم كان أكبر خطرا على البلاد من خطباء الفوروم وفرسان بيزنطة لأنه، وهو الماهر في تلبيس الحبات القاتلة بجيلاتين من الصيغ الفارغة، كان ينوي قمع البلاد على النحو الذي نجح فيه توركويمادا في اسبانيا الإسلامية، من دون أن يظهر وقاحة الكاغولي الشرير البدائية. ذلك أن الحرية في فرنسا أصبحت ادعاء فضفاضا. ومع ذلك فإنه لابد من الاتفاق على معنى هذه اللفظة المتعددة المعاني.
يتبدل هذا اللفظ في المغرب متعرضا للتغييرات الأكثر غرابة. ففي المغرب يكون المرء ضد الحرّية إن طالب، بمقتضى العقود الممضاة واستنادا إلى منطق الأشياء، بأن يمنح الحريات الأكثر ابتدائية في ممارسته الحق العام. وهو ضدها إن احتج على الاستيطان ومصادرة الأراضي بكثافة. وهو ضدها إن طالب ببسط الانتفاع بالأشغال العامة على المدن والأحياء وعلى الريف حيث يسكن السكان المسلمون. وهو ضدها إن ألح على ضرورة إلغاء الشعوذة بكل أشكالها ومنها المرابطيّة.
وهو في المغرب، مع الحرية إن كان في الموقع المضاد وأصر على رفض كل هذه المطالب. فهناك، إذن، أسلوب في التقدير يحوي، أصلا، كل النزاعات القادرة على أن تحدث، نهائيا، تباعدا بين الجنسين المتواجهين .إنه لا يتبقى عندئذ، بما أن الخصم لا يكفّ، لما هو عليه من ارتباط بشكل مؤسساته، عن استخدام الكلمات الرنانة الفارغة التي لا يأخذ بها أو يكرسها في الممارسة، غير مفاجأته، وهو في حالة تلبس، بجريمة الغش وإقناعه بخيبة مسعاه وتضييق الخناق عليه.
ومع ذلك فإنه يتبقى في كنانته سهم هو النظر إلى المغاربة من عل، على الرغم من أن هذه مجازفة قد تكذّبها وقائع غاية في الفظاظة، بأنهم يفتتنون بالأوهام الكاذبة ويكرّرون ألفاظا لا يفقهون معناها ويطلبون برق خلب وأن أفضل ما يتبقى عليهم فعله هو الصمت. لقد وقع، بهذه الطريقة، الحديث إلى شعب باريس في 13 جويلية 1789.
والحال أن ما يحتاج إليه المغاربة ليس هو النصائح المجانية بقدرما هو أفعال مطابقة لما تقتضيه المرحلة. وهم، في ذلك، على حق. وهكذا فإنهم مثلما لقنوا في مدرسة البراياريين أن يكرهوا الباستيل وأن يبصقوا في رأس الحاكم دي لوني بعد أن قطعت ورفعت في طرف وتد وأن يروا في الإعلان عن حقوق الإنسان منتهى المبادئ الإنسانية الكبرى وأن يقبلوا بالحروب النابليونية انتصارات تحريرية على قوى الرجعية العالمية وأن يصدقوا كل ما رسم كومت وتين ورينان وهوغو وأ. فرانس على جَبَهيّة القرن التاسع عشر تصديقهم حقائق تصور المستقبل مقدما، فإنهم اعتبروا، وقد رأوا أن الممارسة تخالف هذه المعاني، أن واحدا من أنجع الأسلحة التي في إمكانهم استعمالها هو هذه الترسانة من الشهادات والادعاءات المعلنة.
*
* *
كان موكب إدريس قد احتشد في القيصرية، الشارع الرئيسي في فاس .وكان هذا الموكب الذي ضخمه طلبة جاؤوا من كل المدارس وحشد من الصناع والحمالين الذين خرجوا من بوجلود، يضم، كذلك، كثيرا من الجبليين الذين يمكن تبينهم من جلاباتهم القصيرة ومن بلغاتهم المدورة ذات النعول المفردة ومن رؤوسهم العارية التي يغطيها القاب. كان عدد منهم ينتمي إلى هؤلاء المقاتلين غير النظاميين الذين انتزعوا فاس عنوة بإعانة طوابير شريفية سنة 1912. وكان آخرون، وقد شجت وجوههم وثقبت أجسامهم، ممن نجوا من حرب الريف ومن الجبل. كان وجود أسود البارود هؤلاء في هذه المظاهرة في غير محلّه تماما. فلقد تاهوا وسط كتلة المدينيين وكانوا يظهرون، بأسمالهم الجبلية الخشنة مثل بقع مغراء وسط بحر من الألوان الساطعة.كانوا جافلين شيئا ما، مندهشين. فهم لم يكونوا قد فهموا جيدا ما الذي يراد منهم. وكثيرون منهم كانوا يرون أنه من الغريب إلحاق الأذى بالفرنسيين بالتظاهر عبر الأنهج. لقد كان تصوّرهم النّضال هو تصور عنترة الذي لم يكن يرى حلا ممكنا للنزاعات في الدنيا في غير منطق رمحه وفي الحجج التي تحويها كنانته. ولكنّ سبحا وضعت في أيديهم وقيل لهم أن يمشوا في النهج وهم يهمهمون اللّطيف وأن هذه الصلاة التي تصّاعد من الجماهير المتحركة هي قربان لله وتضرع إلى القوة السماوية حتى تدفع قوى الشرّ التي استدعاها حظ المغرب العاثر إلى أرضه والتي تتهيأ ،مثلما كان شأن إبليس الذي لعنه الكتاب المقدس، لتقويض أسس الأمة والإسلام. لقد شاركوا، وقد اقتنعوا، في الموكب وكانوا يتهيؤون للسير حول الرايات.
كان اللطيف يصّاعد في السماء مثل مزمار منتقم وترتيلة جشاء النبرة. مدينيون وقرويون، جبليون ورحل : كل الشعب الذي يصرخ تعبيرا عن إرادته في العيش حرا على أرض أجداده. ولقد وجد موكب المتظاهرين نفسه وهو يبلغ نهاية القيصرية، يجابه قوى الفيلق والسينغاليين وجها لوجه. بدا أن ترددا قد حدث فقد حاول “ذباب”1 مندس، على الطريقة المعهودة، أن يشيع، بتجاوز صفوف العساكر، هلعا يقود هذه لى رد دموي ينجر عنه، سريعا، تشتيت شمل المظاهرة بتخطئة المراكشيين. ولكن المتظاهرين لم تخدعهم هذه الحيلة وتمكن الموكب من الحفاظ على تماسكه وانفصل عنه وفد يقوده سي تاشفين وعدد من الأعيان طالبا مفاوضته قائد الجيش.
كان الوفد الحامل عريضتين إحداهما إلى السلطان والأخرى إلى المقيم يطلب مقابلة المندوب ورئيس الرقابة المدنية .وقد رفض القائد، عملا بالأوامر التي تلقّاها، استقبال الوفد فرد إلى الخلف وعاد إلى الموكب. حقا إن الجو هو جو استفزاز.
في الساعة نفسها كانت هرجة تمثل في المشوار2. وإذا كان لبعض الجاهلين بحقيقة الأمور أو الشكوكيين أو السوداويين عن الحماية ومرونة جهازها رأي سلبي مسبق يدعو إلى أن يشفق عليه جيش الأطبّاء من بني “هذا أفضل” الذين زحموا وظائف إقامة الرباط الوهمية ولكن عالية الأجر وعدد من المنظمات الموازية في العاصمة الفرنسية فلن يكون عليه، في هذا الظرف، الا أن يذهب إلى فاس ليتأكد عنده صواب رأيه. فكلمة التعاون الشهيرة تمارس فيها ببساطة لا مزيد عليها.
جاسوس Mouche
المشوار : المكان الذي يعقد فيه السلطان مجالسه.
كان محمد بوشته بن البغدادي، وهو مقاتل قديم في جيوش السلطان وباشا فاس بنعمة لاروقان، آخر عيّنة من مخزن نخره السوس متداع وشهد احتضار الامبراطورية وتبخر آخر آمال مراكش. ولقد كان متربعا على هيئة ناسخ من نساخ توتيميس بدا فيها، وهو يتهزهز، طويلا جسيما ذا لحية بيضاء تؤطّر وجه ثعلب عجوز يتنامى كيده بتقدم السن والسهولة المتزايدة في الاختلاس .وكانت تستغرق رأسه طاقية على هيئة قالب سكر تتوارى خلف جدائل زخرفية في رازا واسعة. هو لم يعد أكثر من تحفة في متحف. وإذا كانت ريشة هنري رينيو وقلم تارو قد نجحا في رسم صورة سريعة تقريبية لظله الثقيل فإن الأجيال القادمة وحدها ستقاضي في يوم من الأيام ذكراه. وكان على مقربة منه القبطان المسمى توكيت، وهو الضابط الذي يرأس المصالح البلدية ويقوم مقام المفوّض عن الإقامة والمؤتمن على تفكير المقيم ومحرك الباشا الذي لم يكن غير اليد التنفيذية العاملة بإنجيل الحماية، يباشر استنطاق المعتقلين الذين يقعون في يديه صدفة ويجرمهم ويعينهم للباشا الذي يأمر، بكلمة، ومن دون أقل مراعاة لقانون” فلتأمن على جسدك”1 الشهير أو تحقيق قضائي أو محكمة أو دفاع يمكن أن يطلب قانونيا أو قانون يمكن أن يستفتى أو مسرحية قضائية يمكن أن تمثل، بأن يطرح “المجرم” أرضا ويحدّد، على هواه، عدد الجِلاَد وينفذ، من دون حضور أي طبيب، عدالته على مرأى من الموظف الحامل شارة السلطة التي عينته، سلطة فرنسا السيد غاستون دوميرق العطوف.
كان يتملك المأمور المستبد، وهو يحضر، في فقدان للرفعة، هذا المشهد، وقد غرس السيجارة في منقاره في حين كان سوطه يسيط بايقاع جزمتيه المبرنقتين، إحساس بالمتعة لا تقدر عليه غير أمة متفوقة ترك لنا عنه كارنيير واشباهه وسيرفيي وبرتراند شهادات لذ مذاتها وصلف أدبها. لم يكن القبطان هو وحده الذي حضر لمشاهدة هذا الحثل من النيرونات فلقد جلست هناك، أيضا، شخصيات رفيعة المقام جاءت لاقتيات انفعالات تذكر بانفعالات سبق أن وجد لها مثيل قبل ألفي سنة أثناء لعبة المصارعين في الكوليزي الروماني لإمتاع الشعب المختار المجتمع تحت أقدام القياصرة بالدم المسفوك. ومع ذلك فقد روى القوم أن تيبير وكلود ونيرون دخلوا التاريخ وقد وسمت اللعنة جباههم إلى الأبد. ولكن نيرون وكلود وتيبير قد خلفوا أقرانا. وهؤلاء نعثر عليهم اليوم بكثرة في أفريقيا الشمالية. إنهم هذا الأستاذ في الكوليج دي فرانس الذي باض عددا لا يستهان به من الكتب حول المغرب. وهم عدد من الصحافيين الذين يوفرون مداخيل شخصية سخية بتنقل لا ينقطع بين باريس والرباط. وهم ضباط مصلحة الاستعلامات الذين حضروا بوصفهم متفرجين. وهم السيد غرولو دي بونتير الذي رافقه عدد من زملائه وقد أفقدته الشامبانيا صوابه وحاول أن يطلع ،من خلال المشاهدة الحية، على الطريقة التي كان الباشا الطيب يجلف بها لحم “مثيري الشغب” في فاس.
*
* *
رقعت السيور في الهواء وكان يمسك بها قردة سود منفرون. كان تجار وعمال وصناع وأعيان يمرون، جميعهم، على هذا السراط. لا تقدير ولا شفقة. كان انبساط شيطاني يتجلى في سمات الأستاذ الباريسي العجوز الذي حمل شدقاه سمات عالم خان سلطته الثقافية وأصبح ضميره يقدر بعدد أجور الأتعاب التي تلقي بها إليه في كل سداسي مقابل وظائف شرفية لا يعرف حتى صفاتها الشركات التي تقضم أرض مراكش.
جيء بسي بن زيدون. كان التعس، وهو حسير النظر خلقةً يضايق عينيه التهاب فيهما وكمدة العدستين التي يثبت على الأنف، قد انضم، طوعا، إلى المظاهرة وقبض عليه عندما كان يناقش رائد فوج السينيغاليين الذي يحرس محيط المندوبية.
مشى بجسارة وصرخ ووبّخ العالم وتفلت، بضربات من مرفقيه، من المخازنية وهو يطلق، بوصفه سعديا حقيقيا فخورا بذكرى الحروب على البرتغال، سلبيته، ليوبخ الباشا بشدّة، ولكن لا شيء أثر فيه. أمر ابن البغدادي الذي لم يكن غير آلة تسجيل، بناء على إشارة من توكيت، بطرح أستاذ التاريخ أرضا.

أطلب العفو من الباشا! قال الضابط المليح وهو يشدد، لاستنقاصه،
على ضمير المخاطب المفرد.
أنا؟ ولماذا ؟ أجاب الفقيه.
لقد تمردت على سلطة سيدنا، إنك لم تحسن التصرف.
ماذا ؟ سأل سي بن زيدون بسذاجة وقد تملكه شعور مزدوج بالانذهال والارتباك بسبب ما كان يعيش من وضع والتهمة التي وجهت اليه: كيف ؟ متمرد أنا ؟ ولكنني طلبت فقط، مع الآخرين، مقابلة ممثل سيدنا وممثل سيدكم، فهل ترى في هذا أمرا جديرا بالعقاب ؟
إنه لكذلك، أجاب قرن الـ البوبرتريين والـلاكرويين الدي فوبوايين: “يوجد في تصرفك عنصر تمرد .وإذا ما أردت الخلاص فعليك أن تطلب العفو من الباشا.”
“لن أطلب العفو لأمر لم اقترف، أبدا “.
أومأ القبطان، بعينيه إيماءة ترجمتها آلة التسجيل المدفونة تحت قالب السكر والثياب الموصلية، بحركة من اليد متثاقلة خطيرة ما زالت تحافظ، على الرغم من حقيقة الخضوع الأعمى لأوامر الأجنبي، على بعض من مظاهر القرار الحر لا يخلو من امتلاء ذاتي يثير السخرية.
هزّ الـ أزفال 1 الهواء محدثا صفيرا مخيفا وبدأ يشطب كتلة لحم الأستاذ ذي الحظ العاثر الذي لم يكن يصدق أذنيه. لقد بدأ القرع بالعصا…
إن كل مرونة إوالية الحماية التي جعل منها لاروقان، طوال ولايته، أساسا لسياسته تتلخص، هنا، في الطريقة التي عرف بها سي بن زيدون باكورة … السوط. لا أكثر ولا أقل. إن الشعب المراكشي والشعب الأفريقي الشمالي إنما هما سي بن زيدون.كان هذا الشعب يتعرض للاعتصار والقضم والتفليس والاستعباد والنفي خارج حدود الإنسانية. ولم يكن عليه إلا أن يصمت. وإذا ما صرخ فإن الهراوة جاهزة. ولكنه عوضا عن أن يكون القبطان هو الذي يضطلع، شخصيا، بمهمة الضرب مثلما كان الشأن في الجزائر، البلد الملحق، فإن توكيت يكتفي، في فاس، بالأمر. أما التنفيذ فقد أوكل إلى ابن البغدادي فصارالسلطان في هذه الحالة مجرد ذيل للمقيم والمخزن دولابا دركيا سفليا من دواليب الإدارة وستارا ملائما كانت الغاية منه حجب جميع أصناف خرق القانون وتفريط العدالة في مبرر وجودها.
وكانت الضربات في الأثناء تنهال على أستاذ القرويين المنكود، قاسية جارحة. لقد صدرت عنه، عند الضربة الأولى، حركة. وكاد أن يبدي شكوى ولكنه عدل عن ذلك. لقد كان يعرف جيدا من كان واقعا بين أيديهم. إنهم أناس من دون حياء لا يستأهلون، في أحسن الحالات، غير هز الكتفين احتقارا لهم. لذلك صمت وكز على أسنانه وثبت، بعد تحسس بالأصابع، النظارتين اللتين زلقتا على الأنف بتأثير من هزة الأزفال ثم امتنع نهائيا عن الحركة.
أطلب الأمان، هس إليه الباشا في أذنه.
الأمان ؟ أبدا، اكتفت بأن تأوهت ضحية الحضارة التي يشخّصها توكيت وسوطه.
انفجرت من الفريق الأوروبي الذي كان في المشوار ضحكات ساخرة وقهقهات. وكان المستوطنون السكارى إلى حد الموت يأتون اختلاجات صرع لم يكن أقبح سفيه في الطريق قادرا على اختراع مثلها. كان في إمكان المرء، إن فحص المشهد فحصا، أن يتعرف فيه، بسرعة، على ما تقوم عليه فلسفة تذكر جيدا بلوحة عذاب اليهودية مثلما ثبت ذلك ديهونينك في لوحة مشهورة. إن هذه العدالةالعجولة التي حاولت ريشة الرسام أن تخلّدها كانت زمن نظام منحط. وأحداث 1912 لم تغير منه شيئا. فكل ما جد هو نقل المسؤوليات فيه. فالباشا مازال دائما في مكانه للقيام بأعمال التعذيب. ولكنه على عكس باشا ديهونينك لم يعد غير دمية يحرك القبطان الفرنسي خيوطها بمعلم ومرأى من الجميع.
كان أستاذ الكوليج دي فرانس (ولتستشيطي في قبرك غيظا يا روح إيراسم !) يتأمل بمرح هذا المشهد المسلي .كان ،هو، بائض الكتب نفسه المختص في القضايا الشمال أفريقية، الذي صرح ذات يوم أن فرنسا لم تأت أفريقيا لسواد عيون الأهالي وأنها كانت تنوي، بوصفها وريثة روما، أن تنفرد فيها بالعظمة وحق الإثراء. وهذا أمر ما من أحد شك فيه البتة.
كان هذا المثقف الرديء يقبض مرتّبا عن كل الموازنات التي تعدل على عرق الجلابة والبرنوس. وكان حضوره يكنس ،بذاته ، آخر ما قد يكون تبقى من أوهام حول خرافة فرنسا أم الحضارة. كان متظاهرون آخرون في انتظار أن يجلدوا وأن يتلقوا نصيبهم من ضربات المقرعة وأن يدفعوا ضريبة الإهانة الضرورية لتهدئة سورة غضب سلطة ما زال القوم يصرون على القول إنها لا تقبل المنازعة وغير منازع فيها.
كان حوالي عشرة مراكشيين محاطين بسينيغاليين جعلوا حرابهم في أفواه بنادقهم وبجمع من المخازنية ، حول جسد سي بن زيدون الممدد. كانوا يمثلون، على الرغم من ثيابهم الممزقة والتراب والدم اللذين كانا يغطّيان أجسادهم ومساجين المؤبد السود القائمين بوظيفة الجلاد المساعد الذين يأخذون برقابهم ، جماعة تقف وقفة فخورة لا عجرفة فيها كان توكيت يلقي عليها نظرات تريد أن تكون مزدرية ولكنها لم تكن إلاّ وقحة جبانة.
كان السلاوي بين هذه الجماعة. وكان يبدو من عينه المورمة ووجهه الذي تغطيه الكدوم ومن أنفه وفمه المنزوفين وجلابة الحرير التي مزقت قطعا وقدمه العارية، أنه شارك مشاركة بارزة في المعركة. كان يجيل عينه السليمة المتبقية بين سي بن زيدون والباشا لتصل الى توكيت واستاذ الكوليج دي فرانس والمستوطنين الذين فقدت أفكارهم السداد بفعل أبخرة الأنيسون فاذا هي تائهة في مكان ما من حقل حقل كروم المولى. كانوا ثلاثيا مضحكا : لقد كانوا، وقد ثملوا، يغمغمون شتائم ويلقون بهُجْر من الكلام بدا أنه يمتع العالم البحاثة الذي كان يصنفه نشاطه الأدبي ضمن المترشّحين في مقبل الأيام لنيل جائزة مونتيون.
وكان يقف بالقرب من السلاوي شاب قصير اسمر ذو رأس تنم عن ذكاء ووجه متوتر وشفتين ثابتتين وعينين يقظتين تعكسان العزيمة والنشاط. كان ينتمي إلى عائلة مراكشية عتيقة وحصل حديثا على ألقابه الجامعية من إحدى كليات باريس 1. كانت ثقافته صلبة وكان، وهو الذي مارس الصحافة، ذا مواهب في الجدل لا يستهان بها. ومثل هذه الصفة تبقى، في الفترة التي نعيش، أفضل سلاح يمكن استعماله لمواجهة خصم كان على الدوام يتباهى بالتوفيق بين الحيلة والعنف في مشاريع لصوصيته الاستعمارية .لقد قاوم، عندما أوقف أثناء وجوده في مقدمة المظاهرة، معتقليه فوقع تدافع وتبودلت اللكمات العنيفة، وعلى الرغم مما تعرض له من سوء معاملة فإنه قاوم مولوسيي 1 الباشا والجندرمة الذين هرعوا لمساعدتهم. كانت آثار الحركة الدامية بادية في خدود زنجيين. وكان أنف أحدهما الذين سبق أن فطسته الطبيعة قد زادته لكمات الصحافي الشاب الذي أثبتت يده، بهذه الطريقة، أنها تتقن، في الآن نفسه، مسك القلم وهدم نوع معين من الأشداق، زادته تفطيسا.
ألقى بنظرة ازدراء فيها تعال وفيها مكر على الجماعة المكوّنة من القبطان والمتحذلق والسكيرين وعدد آخر من الحاضرين. كان الأوّلان، وهما الضابط والمدعي الأحمق، يعرفانه إذ كان لديهما، عدة مرات، متسع من الوقت لدراسة سيرته الذاتية في جذاذات مصلحة الاستعلامات. وها هو في هذه الساعة ينزل عليهم من السماء منا وسلوى. فما اسعد حظ هؤلاء الآخذين بنظام الإرادة المطلقة!
تلمظوا لرؤيته كانوا يتلذذون، سلفا، بنعيم العرض الذي ستتاح لهم فرصة مشاهدته. أي ا لقد كان منذ زمن بعيد يقرعهم في صحيفته ويعنفهم وينقدهم نقدا لاذعا ويشهر باستمرار ومن دون انقطاع، باختيانهم ودعارتهم. هو لم يكن ليتركهم يهضمون، في راحة، ما ملكت أيديهم من غير حق : أراض سرقت من الفلاح وقطع أرض افتكت خفية بأسعار تافهة ورشاو وعمالة بنسبة مائوية باهظة واتجار بالنفوذ واستبداد وتعدد وظائف غير قانوني وانتهاك متعمد لأبسط شروط الحماية. إنه لا شيء من هذا لم يقع فضحه. وكان، من دون كلل، يكافح نذالة أصحاب القلم. ولم ينغص أحد مثلما نغص طمأنينة الجيش الكبير من المخفقين في الأدب الذين كانت السمعة السيئة أو الحاجة تطردانهم من بلادهم فيجيئون إلى مراكش عارضين خدمات أكثر من مشبوهة على أي يود استخدامهم. كان المثقف الشاب المراكشي يحمل على هذا الصنف من الأدباء الملفقين، وهو نوع جديد من إخوان الساحل 2 ينشط في اليابسة، الذين يعهرون كتاباتهم خدمة لنهب البلاد، حملات تتردد أصداؤها في كل أفريقيا الشمالية وحتى في فرنسا. كان يوقعهم في حيرة. وفي كل مرة كان فيها صحفي فاشل يحاول أن ينزل إلى الميدان لترويج حجج لا سند لها باسم منطق مفترع مترسما في اسلوبه الباهت أسلوب واحد مثل درومون أو كارنيير، كان يوبخ بعنف. وبالتأكيد ا
لقد شكا القوم، وقد نفد منهم الصبر، إلى الإقامة. وهذه طلبت من مصلحة الاسعلامات تقريرا اتخذ، بناء عليه، قرار:إنذار فمباغتة شرطة فاستدعاء قضائي كان ينتهي، دوما، بالغرامة أو السجن أو منع الصحيفة من الصدور.
ما أن رآه الجمع حتى تشابكت العيو. أشعل القبطان، وكان دائما على تعاظمه، سيجارة وأشار إلى الباشا بالتوقف عن جلد سي بن زيدون. قِوّم أستاذ القرويين التعس. ومن دون أن ينطق بكلمة ومن دون أن يأتي حركة غير نافعة، تبع المخازني إلى بنيكة الباشا التي حولت في هذا الظرف إلى سجن. وهناك جلس ونفض ثيابه وعدل نظارتيه واسند ظهره، وقد أضاءت بسمة خفيفة وجهه الملحم الذي انخضد شْوَيّة، إلى طي الأريكة القديمة التي كانت فيها وأخذ يتنفس. ومع ذلك فلقد كان يبدو سعيدا يعيش حالة من وفّى ما عليه من واجب ثقيل إزاء ضميره بل قد يكون بعيدا عن البنيكة وعن المشوار وعن المشهد الشرير الحقير الذي كان موضوعه وعن فاس. لقد كان خياله في مراكش التي وقف فيها أمام صف القبور السعدية خاشعا خافضا رأسه حتى ليمكن أن يقال إنه كان يتهيأ لتلقي أمر وتقديم حساب بما عانى في سبيل قضية لا يكاد يتنبأ بعظمتها الخفية.والمغرب مليء بأمثال هؤلاء البنزيدونيين.
انقض مخازنية الباشا، تنفيذا لإشارة من القبطان، على الصحافي وأرادوا الإمساك به. وتبع ذلك ارتباك استغله السلاوي للانفلات فجأة من حراسه. وتماما مثلما يحدث لأنقيليس وقع في شبكة صيد ولكنه نفذ فجأة من عيونها بفضل ضربة من ذيل زنجور مختلج قطعها، تفلت صديق إدريس، على الرغم من أنه كان محروما مؤقتا من إحدى العينين، من بين سيقان الجنود وجلاوزة الباشا. ارتفعت الصيحات والشتائم ودوى طلق ناري. ولكن الطالب أصبح بعيدا جدا…
ألقي بالهجّاء أرضا، مقيدا، في حين كان المثقف الشقي الذي أثرى من دم الشعب المغربي يحاول أن يصبح أكثر تواضعا مما كان عليه في العادة بتصنع موقف حليم متعطف إزاء هذا الذي كثيرا ما أرهقه، مستقويا بحقه، بالأسئلة.
-هلم، فلتتعقل، أطلب الأمان من الباشا. إننا لن نلحق بك أي أذى، قال العالم مجمّع الوظائف الوهمية والدخول.
وانفجرت الإجابة انتقامية سريعة سرعة صرخة تعجب أطلقها هوس 1 جديد يجره الى الإبّالة رهبان الديمقراطية الحديثة :
– اخرس، غوغوس ا
– آه، اخرس ا وما زلت تتجرأ على النطق بهذا ا إيه، إننا سنرى ا
تلاقت عيون توكيت وغوغوس، واستقر نظر القبطان على الباشا الذي ما كان منه، تماما مثل الرائد، إلا أن يومئ بيده الى المخازنية فقطع الأزفال الصمت من جديد.
كانت سيور الجلد تقع على صلب الصحفي الذي نال شهاداته من جامعة باريس مثلما حرثت، قبل قليل، ظهر استاذ جامعة فاس. وفي اللحظة التي تقررت فيها بداية المحن لوح غرولو الذي ما زال يخمر ما شرب، بيده على الطريقة الرومانية، لا محييا ولكن ناكسا إبهامه الى الأرض مثلما كانت تفعل عامة أوربس المخمورة في المسرح عندما تستحسن بهذه الحركة، مقلدة في ذلك طغاتها مثل نيرون وكاليغولا، إشارة البدء بإطلاق الحيوانات المتوحشة على الضحايا المصطفين حول أعمدة المصطرع. إن ما يحدث هو تكرار حقيقي لمشاهد المدرج. لقد احتفظ لنا التاريخ، هذا المبلغ الكبير، بأسماء أندروكليس والقديسة بلاندين وشهداء فيلق طيبة. ومع ذلك فإن رومة، على الرغم من أنها تجملت بكنية الخالدة قد اختفت ولم تعد أكثر من ذكرى. ولكن الفكرة التي من أجلها تعذب أندروكليس والقديسة بلاندين وجند طيبة، عند إشارة الإبهام، ما زالت حية وتتجدد على الدوام في كل مكان. فمن العبث محاولة تكرار حركة قيصر أو أي بهلوان آخر منتفخ بقيمته التافهة إذ لا طائل من وراء هذا الأمر. فالحق، في نهاية المطاف، هو الذي ينتصر. أما في ما يتصل بقوة الإمبراطوريات فإن حكمها، مهما كانت عبقريتها، محكوم، حتما، بمصير الكائنات العابرة إن لم تسعف القوانين الحكيمة الخادمة للتكيف، في الوقت المناسب، القائمين عليها. هكذا تحدث سفر الجامعة. وهذه الحقيقة تبدت، باستمرار، من العصور القديمة الى أيامنا هذه من جملة من العوامل الثابتة في تطورها ثبات حركة النجوم أو تأبد الأجناس الحيوية. فلا تخدعنا المظاهرا
كان الأزفال يصوّت في الهواء واقعا، في ضربات عنيفة، على ظهر الكاتب الشاب الوطني. فما الذي كان يمكن لأرمان كاريل وروشفور أن يقولا لو كان في مقدورهما أن يكونا هناك ؟ لا شيء بالتأكيد. إن حادثة دريفوس ممكنة في فرنسا. وهي تصبح بمجرد تخطي المتوسط، غير ممكنة.
لقد كنا في سنة 1930 وكان القرن العشرون قد جاوز ربعه الأول. لقد سبق أن مات باستور ورينان وتولستوي وأناطول فرانس وما زال إيديسون وماركوني وبرغسون على قيد الحياة. وكانت فرنسا غاستوني ،وهو ابن ألبيّ ومجانس لكالاس، تحكم أفريقيا الشمالية. لقد ظنت نفسها، إذ لبست قلنسوة الحرية، قد أصبحت مسيحا جديدا مخلصا للأمم. وها نحن نراها في هذا الوقت بالذات التي لم تخرج فيه من الحرب منتصرة إلا بمعجزة حقيقية والذي باشرت فيه الاحتفال بسلسلة من الأحداث التاريخية بدءا بذكرى رحلات جان دارك الخيلية وصولا إلى استقرارها في الجزائر، ها نحن نراها لا تعثر، بعد أن قمعت في الدم مظاهرة شعبية، على ما هو أفضل من جلد أستاذ وصحفي. ومع ذلك فإن من يعرض نفسه، بمثل هذا السلوك، للتشهير إنما هو، بالذات، فرنسا. ولكن فلنعلم جيدا أنه لا ضربة من المقرعة تعرض لها سي بن زيدون والشاب المثقف الفاسي لم تتثبت في ذاكرة شعب كامل. فحذار من أحقاد نيميزيس ا إذ لا شيء يخلد في الأرض. واليوم أنا وغدا أنت .وإهانات من هذا النوع لا تنسى أبدا.
قد يعارض البعض مستندا إلى أن روما وبيزنطة لم تسلكا إزاء الأفريقيين سلوكا مغايرا وهذا هو بالذات ما قصر عمري إمبراطورية قياصرة روما وقياصرة بيزنطة على الرغم من ألق واجهتيهما واتساع نفوذهما .فهما ،إذ اختفتا، لم تتركا وراءهما غير عدد من الآثار الحجرية التي تحمل اسما شائعا لم يتمكن الزمن حتى من تجنيبه الشتيمة. نم إنه تندرج بين هذه الفترة وبين عصرنا الفترة الإسلامية بما حملت من مياه حلم ألقيت على الحَنادق القديمة. إن الأمور، اليوم، تختلف تماما عما كانت عليه.
*
* *
بعد أربع سنوات من هذا الحدث نام لاروقان، في هدوء ،وقد طعن في السن وحاز الثروة والمجد، في حضن المولى. لقد مات ميتة هادئة بعيدا عن صلصلة السلاح التي لم يكن هذا الماريشال يحبها في حياته. إن اللّباس العسكري وركوب الخيل وحفلات الاستقبال الرسمية إن هذا هو كل ما ورثه متحف بولون. ولكنه ترك بعده ورّاثا صاخبين كانوا ينتوون، لأنهم عاشوا في ظلال مجد مغالى في تقديره، عدم السماح للنقد بأن ينزل من عليائه رجلا ساهموا في رسم صورته بأن توجوا جبهته بنوع من الإكليل القنصلي وفي هذا المجال ظن أصحاب الأقلام المروضة هؤلاء أن عليهم، هنا أيضا، أن ينتحلوا أفكار بلوتارك. فبعد أن حبوه بلقب سيبيون رأوا أنهم يأتون عملا صالحا إن أقاموا لذلك أساسا. وبهذه الطريقة عرف المرء أن لاروقان كان قد أبدى رغبته، في حياته، في أن يدفن في شالة، مقابل الأطلنطي، في ركن فاتن من الأرض المراكشية مشبع بالذكريات الموحدية. لقد أراد، على ما أكدوا، وهو يهجر الـ أنفليد وعقيقه اللوريني الهادي ودائرته الشرقية العزيزة، أن ينام نومته الخيرة في حضن إمبراطوريته. لقد أثيرت حول نعشه مناقشات إن كانت ذا طابع بيزنطي فهي لا تخلو من معنى. فكل واحد أصر، وقد تدخلت المجادلة في الأمر، على أن يسند مناظرات ما بعد الحياة هذه بعرض آماله أو مخاوفه إذ أن منهم من شاء أن يرى في ما أتى الرجل وهوفي آخر رمق ،فكرة بقيا المهمة الفرنسية في أفريقيا وأطنب في دعم رأيه. ومنهم من لم يتردد، لأنه كان يقدّر قوانين الدينامية الاجتماعية حق قدرها، في افتراض أن يقع الحكم، في يوم من الأيام، بعد أن تكون فرنسا قد خرجت من أفريقيا مثلما سبق أن خرجت منها روما وبيزنطة الواحدة بعد الأخرى بعد حكم دام ألف سنة تقريبا، بأن وجود قبر لاروقان يعد إهانة لبلد سبق أن خنق حرياته وأن رفاته مثلما فعلت التأسيسية برفات ميرابو سيلقى به، من دون أي شك، في مياه البحر مثلما ألقي برفات سيجان، ذات يوم، في أمواج التيبر.
إن المغربي لم يكن في يوم من الأيام فظا. وهو، لأنه ينحدر من قبائل فخورة كانت الضيافة دائما فضيلتها الغالبة، نادرا ما يقابل الموت بعمل تدنيسي. زد على ذلك أنه لن يحدث ذلك في مقبل الأيام. إن القبة الصغيرة البيضاء التي يعلوها صليب وتزينها نقوش لا تينية سيشملها التسامح مثلما شمل الآثار الكبيرة الخرساء التي تتكاثر في المغرب من ليبتيس، مانيا الى فوليبولوس، بل أكثر من ذلك : فمغربي المستقبل الذي يكون قد أحس، على طريقته، بالدروس الأليمة التي عاشها من سبقوه، سيذهب إلى ما هو أبعد من هذا التسامح. إنه سيرى أن من الواجب عليه أن يبني قبالة القبة مسلة صغيرة مقدودة من صوان أفضل صخر من صخور الأطلس لتخليد ذكرى لحظة سيئة في تاريخه وللإشارة الى الأجيال القادمة، بنقوش سوداء الحروف، إلى مدى العبودية التي أمكن للضلال والضعف أن يقودا إليه. وهكذا فإن نصيب لاروقان في مراكش يكون قد أدى، انطلاقا من تأويل فيه قدر من التعسف ،للتفكير الذي قاد إلى دفنه في مراكش، إلى أمر سليم وإلى استرعاء ضمير مرسوم في التراب دق ناقوس خطر صامت ومصلصل دائما.
كانت مجموعة إدريس في صراع مع الجيش.
لقد صرف وفد النواب المكلف بمقابلة السلطان. كان سي تاشفين وممثلو المجموعات الأساسية يتناقشون لتحديد الموقف الذي يجب أن يتخذ عندما ظهر السلاوي وهو غاية في اللهاث. لقد تمكن من الهرب وانتهى، عبر أزقة المدينة، إلى الالتحاق بالمتظاهرين وحدثهم بما حدث في المشوار. أذهل وصفه ما حدث سي تاشفين ومن كانوا معه، فقد كانوا قد مالوا إلى التساهل. وكان عدد منهم يوحي بالتأجيل ويقترح، تجنبا لإراقة دماء لا فائدة منها، نوعا من الهدنة. ولكنهم ،عندما عرفوا بما حدث في المشوار تغلب السخط واستولى على هذه العامة المسالمة جدا في العادة غضب لا حدود له. تعالت من هنا وهناك الاحتجاجات والصرخات والأحكام الصارمة وجلبة منددة بالتعسف الذي تقدم عليه، في ظل الحماية، أمثلة عديدة مؤسفة. وتركزت كل اللعنات على رأس الخائن الذي داس برجليه اسم المغرب إذ قبل أن يضطلع بدور الجلاد وأن لا يحجم عن فظاعة جلد مواطنيه على مرأى من الأجنبي الذي كان هو الذي يصدر الأحكام. وبذلك تحوّل الى كبش المحرقة وتقرر صرف النظر عن قرار منع الزحف على المندوبية. وقرار مثل هذا يفترض كسر صف العسكر إذا انتصبت حول الرشاشات الرابضة سرية من الفيلق الأجنبي على أهبة الاستعداد.
الفيلق ؟ إي ا إنه يضاهي الآخر جيدا في كل شيء وخاصة في طابع تركيبته المتميز بالارتزاق وغياب الوازع الأخلاقي. فالفيلق الذي تجند عناصره من بين هؤلاء الذين يمثلون أوباش كل بلدان العالم ولا تعرف لهم أصول ولكنهم أصحاب ملفات عماما ما تكون مثقلة بالأحكام الشائنة، يمثل، في ما وراء مظهري الانتظام والانضباط العسكري، اندماجة تلطخت بكل عيوب الإنسانية. إنها تتضمن من كل الأجناس من يعتبر عندها السقط والنفاية وحثالة المجتمع. إنه فيلق مغامرين هم من الأشرار أسوؤهم وهم ما أن يتطوعوا حتى يغفر لهم كل شيء بشرط أن يستخدموا البندقية التي توضع في أيديهم ضد سكان البلدان المفتوحة التي إما يقيمون لهم فيها موقعا أو يجوبون أراضيها على هيئة رتل.
إن على المرء أن يرقى إلى العصور القديمة الرومانية وإلى العصر الوسيط الإيطالي وإلى القرن السابع عشر الألماني، وهي عصور لم يظهر فيها بعد مفهوم الوطن ليخفف من وحشية الغريزة، إن أراد أن يعثر على شيء شبيه. وإن جمهورية حقوق الإنسان لتركح في مشاريعها الاستعمارية إلى هذا الحشد من الضواري.
إن هذا الفيلق خلف في كل مكان من أفريقيا الشمالية آثارا تعادل آثار السائفين الذين عاثوا فسادا في فرنسا إبان حرب المائة سنة أو في ألمانيا غوستاف – أدولف.
استولى فاسي طويل كان يلبس جلابة ذات لون أزرق بنفسجي على لافتة وتقدم الصفوف محاطا برجال من سواد الشعب كان الوجه منهم والمشية يدلان على أصلهم الجبلي.
كانوا أناسا من بو إبلان : بني وراين وبني سدان وآيت يوسي ويزغة من المقيمين في فاس بعد أن بادلوا المحراث بالمتجر والآلة .وكان فريق من الجبليين الذين لبسوا الجلابات القصيرة وانحسرت منهم الرؤوس يتقدمون حوالي الصف نفسه. كان في مقدمتهم إدريس والأسمر وطلبة الجامعة. وقريبا منهم سي تاشفين والسلاوي، بعينه اليسرى المعصوبة، الذي تخلى عن الطربوش ليلبس رازا .لم يكن في الإمكان تجنب الاصطدام. فلقد كان من البين أن الفرنسيين تهيؤوا لاستعمال السلاح. وقد شرع قسم من الفيلقيين الذي كان يكوّن لسانا متقدما وسط المتظاهرين ويقوده مساعد عجوز من المرجح أن شارته الأولى ترقى إلى الحملة على مدغشقر، في ردّ عدد من المراكشيين المصرّين على التقدّم إلى الخلف مستخدما قنادق البندقيات. ومن خلفه كانت بقية أفراد السرية قد اتخذت هيئة رمي في حين كان رشاشان منتصبان في زاويتين يوجهان مدفعهما الى الجمهور.
كان الضباط يحملون مسدساتهم ولم تكن توجد خيالة إذ لم يكن الصَبائحية موضع ثقة تامة .تكاثرت ضربات القنادق وأصبحت أدق توجيها وكان عدد من الجنود يستخدمون حرابهم في الهجوم على المتظاهرين بمثل البساطة التي يمكن تصورها لو تعلق الأمربـتمثال تدريب.
وكان من الصعب جدا على المرء أن يتمالك نفسه فالضربات والشتائم لم تكن لتساعد ولو قليلا في تهدئة الغليان الذي كان يزيد من حدته إلى حدّ ما قيظ مستم. كان سي تاشفين يبذل ما وسعه من جهد، يمينا وشمالا،اجتهادا منه في اتقاء الاصطدام مهما كلف الأمر. وفي لحظة ما ارتمى فيلقي ذو سحنة ضبعية، وكان فظا جسيما قصيرا سمينا ونموذجا لهذا الفرنسي من جنوب الـ لوار الذي تعلن نظرته الجامحة ويداه الموشمتان عن بعض قدماء المحكومين بالمؤبد سرح من السجن، على فاسي وأطاح به بضربة عنيفة من قندق البندقية على الرأس ثم حاول، وهو يقلب السلاح، أن يشكه بحربته. وكان آخر، وهو ذو شدق بلقاني وشعر صدئي اللون، يضري في ضرب طفل صاحب المظاهرة ويتلذذ بدوسه بحذائه العسكري. وبعيدا قليلا عن الإثنين كان نذلان متدليا الشاربين يطرقان رأس ريفي دامية وهو تعلق بعنق أحدهما.
اندفع القسم، وقد شجعه هذا الهرج والمرج وسط قلب صف المتظاهرين الذي شكل في تراجعه مربعا في مواجهة العسكر. وحدث تشابك تعرضت فيه القبعات العسكرية والـ بوشمرير 1 التي عرقت في أمواج الجمهور الهائجة، في الحال للهجوم. ففي اللحظة التي كان فيها الريفي يتخبط بين الفيلقيين كان الأسمر الذي قلع جزءا من بلاط زقاق ملاصق للقيصرية قد هرع هو وجبليين آخرين لمساعدة الجبلي وقد قببت ذيل جلابته كومة من الحجار.
لقد اشتهر الجبلي، قديما، بأنه، وإن كان راميا جيدا، أفضل مقلاعي في الكتائب القرطاجنية ولقد كان غالبا، إن عدم المقلاع، يستخدم قطعا من الصخر بمهارة تعادل مهارة رامي القرص في الجيش المضاد. لقد كان حنبعل يثني على هذه الخصلة فيه. وهو، عندما يستنفد آخر خرطوشة وتمنعه عقبات من استخدام الخنجر، وهذا هو سلاحه المفضل، في الهجوم فإنه يمكن أن يصبح خطيرا، بوجه خاص، إن استخدم الحجارة في هجماته. وما أكثر المدفعيين والرشاشين أو حتى المشاة اللائذين بالمتاريس الذين جربوه ودفعوا حياتهم ثمنا لذلك ا
ولذلك فإن جيليي المظاهرة عندما رأوا الفيلقيين يستعملون القنادق والحراب وأن عددا من أقاربهم بدؤوا يسقطون أرضا، لم يجدوا بدا، وقد أعوزتهم الأسلحة من استخدام الحجارة، ولقد استخدموها على أنجع وجه.
رمى الأسمر الذي تصدى للفيلق مثلما تصدى سابقا لـ الترسيو بكل قواه، وقد مد جذعه الأمامي وسحب ساعده إلى الخلف وأمال رأسه شْوَيّة على الكتف اليمنى راسما بذلك صورة دقيقة لرامي الصحن مثلما يبدو في نقيشة أثر قديم يبرز الملامح ذاتها والنظرة ذاتها، فيلقيا يبعد عنه عشرة أمتار بحجر فانهار على الأرض وقد تهشم صدغه. تراجع القسم وقد فاجأه هذا الجرف وغطت السماء رشقات حجارة، وسقط فيلقي آخر تدحرجت بندقيته على الأرض فاستحوذ عليها إدريس.
لقد استعاد ابن ذئب الجبل تفوقه على الطالب الذي تشكل في ظل الأخلاق الفاسية، واستولى، عند سماع إطلاق النار وبروز الخطر، غريزيا وبتأثير اجتماع ارتكاسات وراثية أقوى مما هو معتاد، على السلاح من يدي الجندي العدوّ. احتمى وراء جدار وجثا على الأرض وصوّب البندقية الى المساعد العجوز.وعبرت، نتيجة تداع للأفكار غريب، صورة الـ الفاريز الإسباني الذي قتل قبل سنوات مثلما يعبر ظل طيف شمسي، قمحة السلاح ولكنه رأى في اللحظة التي كان يهم فيها بالضغط على لسين القفل سي تاشفين واقفا على نوع من البناء الصغير وهو يلوح بـ رازته ويجتهد، صارخا مشورا، في تهدئة حماسة المتظاهرين الذين كانوا قد شقوا صف الجنود وتقدموا نحو الرشاشين. أشار سي تاشفين الذي اشتبه في الفخ الذي ستتعثر فيه المظاهرة إن أسلمت للعنف قيادها، أشار إلى إدريس بأن يلقي ببندقيته وبضبط الجبليين الذين كانوا يتأهبون، هم بدورهم، لدق الـ بوشمرير … وفي الجهة المقابلة خفضت البنادق استعدادا للرمى، ودوت أوامر موجزة. مزقت فرقعات الهواء ولفت نيران صلية متواترة الجو بهزيم رعد. كان الرشاشان يطقطقان مضيفين الى الجوقة الجهنمية هزيز طلقاتهما المخيف . وتلون الهواء المشبع دخانا المثقل سخونة بلوين مصفر زاده بهوت أشعة الشمس تكثفا .وسرعان ما اختلط بهذا الصوت أنين المحتضرين والجرحى.كان نطاق المتظاهرين يتفرج بسرعة. وكان عشرات من المراكشيين الذين حصدتهم النار منتثرين على الأرض. كان الدم يسيل. وكان الفيلق المجيد الذي انتظمت صفوفه، ما كان منها جاثيا وما كان منها واقفا، انتظاما مثاليا، يطلق النارويلقم بنادقه ويطلق النار من جديد تطبيقا للأوامر وكأنه كان في ميدان تدريب. فيا لها من لوحة رائعة تليق بلامْبير البطولة الرخيصةا
لم يفقد سي تاشفين، على الرغم من رشق النار والموتى والخطر، شيئا من هدوئه. كان، على هزاله وكهوب وجهه والتهاب النظر في وجه تقبضت قسماته وعلى حركته الدائمة، لا يكف عن الانتقال من مكان إلى آخر وعن تعريض نفسه للضربات متضرعا الى المتظاهرين أن يرتدوا إلى الوراء، مجابها حشد الجند المذعور الذي كان يطلق النار من دون توقف، صارخا مناشدا متوسلا. إنه في وسع المرء، وهو يراه على هذه الصورة، أن يتحدث عن انتصار ساموتراس وهو يثني جناحيه الحاميين على مشهد مقتلة.
انطلق، من جهة المراكشيين، طلق لقد كان هو الطلق الوحيد : إنه إدريس الذي أطلق النار من البندقية التي التقطها عندما صرع الأسمر الفيلقي. ولقد اكتشف وهو يعالج مؤخرة البندقية ليحشوها ثانية، أن مخزنها فارغ لأن الفيلقي نسي، على الأرجح، أن يدخل فيها الملقم.
رأى ادريس، عندما نهض من ملجئه ليهرع لنجدة الجرحى الذين كانوا ممددين على البلاط، سي تاشفين الذي كان يحاول أن يهدئ المتظاهرين المشتتين في واجهة الجند. لقد أعجب بشجاعته. وفعلا فإن نشاطا مثل هذا حري بأن يفتن النفوس الأقل ميلا إلى إضمار الإجلال لمن تميزوا بنكران الذات.
كان موتى ومحتضرون وجرحى على اليمين وعلى الشمال. وكان حولهم أصحاب عاهدوا أنفسهم، على الرغم من النار الكثيفة التي كانت تبيدهم، على ألا يتركوا الصديق المصاب على عين المكان. إن مثل هذا السلوك ناجم عن تقليد قديم. إنه لا يجب، البتة، إلا عند خرق مبدأ ملتصق برصيد المعتقدات الشعبية، ترك رفيق نضال من دون إغاثة ولو استوجب ذلك طلبه في بؤرة النار. والتنصل من هذا الواجب إنما يعني الانحطاط إلى مستوى الوغدان. إن التضحية تطابق، هنا، الكرامة وضربا من الشجاعة الأخلاقية التي لا يبت في أمرها غير الضمير. ولا بد، بعد الصديق المغاث، وسواء أكان ميتا أم حيا، من العود بسرج الجواد الصريع حتى لا يمكن انتصار عدو من وسيلة تجمل. وفي هذا إبداء غير مباشر لشعور بالتقدير إزاء فرس القتال الأمين الذي لم يعد عجزه عن مواصلة الكفاح يسمح، وقد بلغ المعترك أشده، بإنقاذه من الموت أو الاغتنام. إن هذه العادة التي وقع توارثها عبر القرون، من جيل إلى جيل ومن الآباء إلى الأبناء، رسخت، بمر الزمان، في الشعور الوطني، وهي، من ناحية أخرى، تلائم جيدا جملة الخصال التي تمثل نواة إرث الأجداد.
*
* *
جرى إدريس الذي أذهله شيئا ما المشهد الفظيع الذي كان يدور أمامه الى سي تاشفين وقد رأى شبحه يبرز فوق ستار الدخان. كان إطلاق النار متتابعا. ألقى نظرة متفحصة حواليه فرأى الأسمر وجبليين أو ثلاثة وعددا من الفاسيين يجرون وراءه من دون هدف. واعتقد أنه لمح، على اليسار في مكان أبعد وسط فريق يدوم تدويما، السلاوي وقد عرفه من عصابة عينه. كان واحد من المتظاهرين يطلق، من وقت إلى آخر، صرخة ثم يسقط أرضا. وكان سي تاشفين، دائما، واقفا. كان يواصل صراخه وقدحه متوجها، بالتناوب، إلى أهله وإلى الفرنسيين كما لو كان يعتقد أنه في مقدوره أن يبث في أي كان رغبته في التهدئة. ولكن واحسرتاه ا إنه لم يكن يملك، في ساعة الجنون تلك، شيئا من صفات القطب المغناطيسي ا إذ لا أمل، يقينا، في حل مرضي بين المراكشيين العزل والفرنسيين الذين كانوا يطلقون النار. فالقضية مفروغ منها.
وبعيدا جدا وفي مؤخر المشهد المؤلم كان الجنرال نوار غاليفي الذي وقف وسط مجموعة من الضباط المتطاوسين في مشية زادها تبجحا أنه لم يكن شيء ليتهددهم، يتبدى في هيئة خيال يظهره في مظهر هزأة ازدراها بوليب.
حاول إدريس أن يقترب من سي تاشفين وأن يتلقى أوامره ولكن النار كانت تتواصل في ازدياد مطرد .وكان الأمر يتعلق، قبل كل شيء، بتجنب مسار رصاصة قاتلة.
كانت اللحظة خطيرة. فلقد كان يمكن في كل لحظة أن تذهب زلة قدم أو حركة غير حذرة أو نسيان بحياة ثرية بأفضل الوعود الى الأبد . كان الواحد يقفز ويركض وينبطح لينطلق من جديد ومن دون أن يعرف ، بالضبط، في أي اتجاه يسير لشدة ما فاجأ به إطلاق النار الجميع.
وصل إدريس أخيرا قريبا من ثنية الأرض التي كان سي تاشفين فوقها يتحرك عندما هزت، من جديد، صلية أكثر كثافة مما سبقها الهواء. كان الرشاشان اللذان توجههما طلقات البنادق يطولان قذفهما زارعين، هذه المرة، الهلع والرعب. وخرت ضحايا جديدة صريعة. وأحس إدريس في الدقيقة التي هم فيها بالانحناء على سي تاشفين كما لو كان يطلب سماعا أفضل بألم حاد في الجهة اليسرى. لقد أصابته رصاصة. طن صدغاه وجرى نوع من السائل الفاتر اللزج طول جسده ورأى سي تاشفين يكب عليه في حين كان الأسمر يمسكه من وسط الجسم. تتالت بعض الأشباح أمام عينيه اللتين انغلقتا على رؤيا من الرعب والجزع. قلص فواق يستحيل كبحه حنجرته ثم تراخى، ببطء، وقد أحس فجأة بقواه تخور، في حضن صديقه…
كان إدريس، عندما استعاد وعيه، ممددا على بساط ملفوفا في أقمشة صوفية ورأسه تستريح على وسادة زين وجهها بعيون طاووس. وكان يحيط به أصدقاء يهمسون في صوت خفيض فألقى نظرة طويلة دائرية حوله وتعرف، فورا، على منزل سي عبد الجبار. وفي الجانب الآخر من الجدار كان شخص آخر نائما على فراش مغطى بسجادة صغيرة وبمخاد من الجلد وقد أحاطت برأسه وعينه الضمادات. لقد كان هو السلاوي. فلقد أصابته رصاصة في الفخذ ولكن الجرح لم يكن يبدو خطيرا إذ لا العظم ولا الشريان أصيبا. كانت بقع دم تلطخ أغطية السرير. وكان مولاي عبد الجبار متربعا على الطريقة الشرقية قريبا من رأس إدريس وأمامه سي تاشفين والأسمر. وقد جلس طالبان وعدد من الجبليين الذين انتشلوه من مكان المعترك في زاوية الغرفة وقد اسودت منهم الوجوه وشحبت الملامح. كان الدم يحمر جلاباتهم .
كانت إصابة إدريس قاتلة. لقد أغمي عليه لنزف حدث . ولم يكن الوقت الذي اقتضاه نقله إلى المنزل عبر ألف صعوبة الا ليزيد من أوجاعه. فلا طبيب إذ كان على القوم أن يحافظوا محافظة تامة على سرية المخبأ. والعجوز مولاي سي عبد الجبار إنما خاطر مخاطرة بينة عندما رضي باستضافته .ولم يكن منزهه يؤوي جريحين فقط وإنما، أيضا، واحدا من “المحرضين” وجبليين جرمهم مجلس الحرب، هذه المرة، من دون تردد لاجئا إلى واحد من تلك القرارات العجولة التي هي من نصيب البلدان التي لا يحس الاستعمار فيها بما يقرب من الاطمئنان إلا في ظل سيف مسلول باستمرار.
استنجد أحدهم لعلاج إدريس والسلاوي بأنوار مطبب 1 من زمن سيدي محمد بن عبد الرحمان يتمثل تطبيبه، وهو نوع من الترياق لجميع الأمراض، في تبليع المريض ملء عدة ملاعق من الزبدة المذابة وتطهير الجراح بواسطة دواء منفط مكون من فضالة زواحف وحشرات شويت وسحقت وغطست في سائل ضارب إلى السواد. لا شك في أن الطبيب الدجّال قد عد في مصيده منذ الوقت الذي شرع فيه في ممارسة مهنته النبيلة عددا لا يستهان به من الضحايا المساكين. وعلى الرغم من ذلك فهو لم يعرف، في بلد نسجت فيه الجهالة خيوطها بقذارة ، بأنه كان هامة مفزعة بل إن الجميع، على العكس من ذلك، كانوا يؤمنون بمحاسن علمه الشفائي العلاجية التي لا تقهر.
كان مولاي عبد الجبار، وهو نموذج قديم من عالم منهار، هو الذي بعث في طلبه ضامنا نجاعة علاجه فلقد كان يكن له احتراما لا حدود له. ولكن ما أن هم الطبيب بالجلوس على البساط في وقار وأبهة أضفتهما عليه جدارة تعتقد، جديا، أنها غير قابلة للقدح فيها حتى أمسكه سي تاشفين، الذي قفز من مقربة من سرير المريض، من كتفيه ودفعه نحو الباب وهو يحتدم غيظا. كان المسلك الذي سلك سي تاشفين غريبا. وهدا أقل ما يقال فيه. وفعلا فإنه كان مخالفا للمألوف خاصة إذا تعلق الأمر بعجوز كانت لحية بيضاء ترزن شْوَيّة امتلاء ذاتيا في طور الزوال. ومع ذلك فإن هذا الموقف لم يكن من الرجل بقدر ما كان من الماضي البغيض الذي كانت تمثله شعوذته والذي انصب عليه عنف الفقيه الفاسي العابر. لقد كان يعده، بحق، مسؤولا عن الوضع الذي كان هو وأصدقاؤه فيه. وكان، في حقيقة الأمر، على شيء من الصواب. ذلك أن الحالة الحزينة التي كان المغرب يشرف على الوقوع فيها إنما ترد الى خطأ ارتكبته جهالة على هذا القدر من البلادة. إنها هي سبب نضوب منابع نشاط الجنس الفكرية. وهي التي انتهت إلى تبديد كنز البلد المعنوي وإيقاف نمو قدرته الإخصابية بتهيئته لنوع من الزهادة التي تكاد لا تطابق في شيء مدى نبوغه.
سقط من يد العجوز الذي تعثر بعتبة الغرفة أنبوب قصبي كانت تسده قطعة فلين فانفتح وهو يسقط أرضا وتفلتت من داخله، في أزيز متوحد، مجموعة كاملة من الجعلان والجعران والجنادب اصطيدت في ذات الصباح في أحد مروج فاس . وانبعث من مسحوق مصفر كانت تلك الحشرات تنقع فيه حية رائحة نعنع بري خالطها ظل من رائحة الصعتر البري والحلبة.
كان يمكن لهاوي حضارات قديمة أن يتبين في هذا التعايش الغريب عددا من المعارف في علم النبات والحشريات لم يقع تمثلها على الوجه المرضي والتي كانت تمثل في الزمن الذي كان فيه ابن سينا ساطع النجم في سماء بغداد العباسية، رصيد مكتسبات العصر العلاجية. ولكن سي تاشفين لم يكن من ذوي الأفكار المسبقة .كانت وطنيته من طينة أخرى. ولقد كان على قدر كاف من وعي ذاته مكنه من تجنب الوقوع انذهالا إزاء ما لا جدوى منه. إن التاريخ الذي تعلم على قراط الشموع المدخن والزيت الرديء لا يقتصر على الإعجاب بأشياء عيشت وعفاها الزمن وماتت تقريبا ولكن، ومثلما كان يعلن ذلك دائما وبصوت عال، يقتضي إخضاع المجموع لنقد واضح قاس . فهو لم يكن يضمر لمجموعات منتخبات العصر الوسيط غير استخفاف كلي. وهو لم يتردد البتة في تحميل أغلبية الكتاب المسلمين مسؤولية الانحطاط الذي أصاب الإسلام والمغرب تبعا لذلك وبالقدر ذاته يحمل استبداد الخلفاء وتزمت الاكليروس المنفعي غالبامسؤولية ذلك.
لقد كانت قدوته هي ابن خلدون. وباستثناء مزاجه العاصي المتذمر دوما كان يتشبه به في كل شيء . وإذ كان سيد فلسفة التاريخ ابنا للمغرب فقد عثر فيه سي تاشفين على المعلم الأمثل للم شتات الجزء الحي في الشبيبة المغربية حول تعليمه. لقد كان من المشكوك فيه أن يتمكن مطبب جاهل من أن يوحي شيئا آخر غير الازدراء إلى مزاج ارتوى من عين مثل تلك.
عندما بدأت مغمدات الأجنحة التي انفلتت من القصبة تطن عبر الغرفة ارتسمت علامة وجوم واضحة على ملامح مولاي عبد الجبار. لقد أصيب بالبهت واعتقد أن في الأمر نذير سوء طالع وبطلان سحر وابطال فعل رقية. هو لم ير، وقد تشبع دربة على الأساطير، في مسلك سي تاشفين غير إقرار بعقاب سماوي سلط على شبيبة ملحدة. ذلك أن احترام الخرافات والإيمان بالدجل والخضوع الأعمى للخداعي والغامض كل ذلك تقدم، في هذه الرأس المريضة المنهكة على الرغم من بدانة الجسم والخدين الموردين، على الشعور المعقلن والفطرة السليمة. ولكن مولاي عبد الجبار لم يجرؤ على الكلام فذهب ليجلس، في هدوء، وراء الأسمر.
إرتفق السلاوي وكان يتأمل، بالعين الوحيدة الطليقة، الحيوانات المجنّحة التي خلّفها الطبيب والتي كانت تملأ الجو بموسيقاها الصارة.
-“لقد تبخّرت الطلاسم وتبخرت معها بقايا علمنا المسكين. وإن شاء الله يكون ذلك آخر الجن الذين ما زالوا يصفدون سذاجة آبائنا والذين أوصلونا إلى ما نحن فيه اليوم.”
ثم انه ردّ النظر، في فضول، إلى إدريس الذي بدأ يغشّي وجهه شُحوب الموت. لقد كان حزينا، وكان ،هو بدوره، يبدو متألما، لا من جراحه ولا من المشاهد التي شهد، ولكن من حالة صديقه.
كان يعرف مثلما يعرف الآخرون، أن دقائق ابن الحاج علال معدودات وأن الصاحب الحنون الذي ارتبط به منذ سنين أصيب بطلقة لن يبلّ منها. لقد وحّدتهما منذ سن المراهقة روابط المحبة ورابطة الإيمان بأنبل مثل أعلى يمكن للشباب، زمن الأحلام الكبيرة، أن يصوغ. وها أن رصاصة تافهة يتلقاها المرء في مظاهرة، اتفاقا، تكفي لحشّ حياة كانت تبشر بكل خير.
كانت نظرة إدريس محمومة وقسمات الوجه مضطربة. وكان خداه قد وسمهما ذاك الضرب من ألوان الشمع الذي يشيع، قبل سكرة الموت، في وجوه المحتضرين وميضا عابرا سرعان ما تطفئه الموت. وكانت جبهته، تماما مثل آخر انعكاس لشمس غاربة ، ما زالت تعبّر عن ذلك الألق من الجمال الجسدي الذي يشبّهه أرباب الفن بهّبه سنفونية إلهية تاسعة. طلب أن يجلس. ولكن كل حركة كانت تنتزع منه صرخة ألم. كان خييط دموي يتجلّط في ملتقى الشفتين. وضعت مخاد تحت ظهره في حين كان مولاي سي عبد الجبّار يحاول، وقد جرت دمعتان كبيرتان على خدي الشيخ الجليل، أن يبقيه على قفاه. كان ملك الموت يحوم فوق الغرفة وكان صمت جنائزي ينشر أهواله في مداخل البيت وكان الحاضرون يرتّلون، بصوت خفيض، سورة ياء سين التي تعادل، عند المسلمين، المناولة الكبرى والإعلان عن نهاية حياة جاهزة لإجابة دعوة ربّها. لقد كان إدريس هو الذي قطع الصمت. تمددت أجفانه مسفرة عن عينين كبيرتين كستنائيتين محاطتين بأهداب طويلة كان اقتراب النهاية ينوّرهما برقة ملائكية ووجّه الكلام إلى سي تاشفين وقال له:
-“لقد أعجبتني، حقا، أثناء التراشق بالرصاص. إنني أغبطك على رباطة الجأش. إن قوة وراثية أثّرت فيّ .وبدل أن أذعن لما كنت توجّهه إلينا من إشارات، ارتأيت أن أواجه العنف بالعنف. إن هذا لهو الخطل. بندقية ورصاصة لمواجهة مفرزة فيلقين مسلحين بالبنادق والقنابل والرشاشات ويقف وراءهم المائة والخمسون ألفا من جنود الاحتلال بطائراتهم ودبّاباتهم وكل زلزال الأرض : إن النتيجة، حقا، ليست في مستوى الهدف المنشود. إذ لابد من تقرير ذلك هنا…
-“ما ذا تريد، يا صديقي العزيز؟ إننا جيش التضحية. لقد حبلت بنا أمهاتنا في زمن عجيب حقا. فنحن لو جئنا هذا العالم قبل خمسين عاما مزوّدين، طبعا، بما في رؤوسنا اليوم، لكنّا، أكيدا، مددنا مولاي الحسن بمجموعة المعاونين الذين كانوا ينقصونه لمساعدته في مشروعه الهادف إلى الإنقاذ الوطني. ولكن الأمر في الواقع لا يتحدّد على هذا النحو من الحسم .فكل شيء ينجم عن تطوّر تحدّده أسباب قاهرة. ونحن ربما كان يمكن أن يكون في مقدورنا، لو ألزمنا بمهمة مماثلة وفي لحظة ملائمة، أن نتجنب الكارثة. لقد ولدنا بعد زهاء خمسين عاما. وكان يمكن، أيضا، ولا يجب الشك في ذلك، أن نجد أمامنا ميدانا هيئ بشكل أفضل لتقبّل ِبذَارنا. كان يمكن للوسط أن يكون أكثر تأهلا ومن ثم أكثر تأييدا للنشاط الذي نبتغي لمصلحة وطننا.كان في الإمكان أن نكون أفضل تسلّحا لمجابهة المسألة الخطرة التي يطرحها مبدأ تحررنا.
“ولكن الآلهة، وكما كان يقول حكيم المدينة، قرّرت غير ذلك. لقد اختار وسيط الوحي طرقا أخرى. إن إسرار القدر مغلقة، وليس للإنسان أن يطالب بحق لوضعه إلا إذا أثبت قدرته على ممارسته. إن لغز التاريخ، وأنا عارف بذلك، إنما يكمن هناك. ”
_”ومن ناحية أخرى: لقد علمتماني ذلك بما فيه الكفاية، سي عبد الرحمان وأنت.ان علينا أن نمرّ عبر هذه الطريق المزروعة أخاديد حتى يعيش البلد وحتى يمكن ذات يوم لأولئك الذين يأتون بعدنا أن يجدوا أمامهم أرضا حرّة. نعم، إنه لابد من المرور من هناك. إننا، ونحن منهزمون، نرفض الركوع. إننا، ونحن قد وضعنا أمام اختيار واحد من بديلين إما القبول، في خضوع وردّة، بوجود قوامه السلام البهيمي وإما أن نجابه ضروب العنف التي في إمكان نظام قائم على سياسة الدسيسة أن يتصورها، اخترنا البديل الثاني. إن الحياة ليست إلا صراعا أبديا وقوانينها محتومة. إننا لن نرتد إلى الوراء. إننا، بهذه الطريقة، لن نفرط في الرسالة الثقيلة التي نتحمل إزاء ضمائرنا. وإن هذا لأفضل من القبول بحبل الحرير الذي يراد لنا أن نضع على الرقاب والوضم المصقول الذي تنتظرنا عليه ضربة المقصل أي الموت أي، في كلمة واحدة، الموت التي يعرض علينا في كأس من المعدن الخسيس.
“لقد رويت لكم مرات عديدة ما دار من نقاش بيني وبين الأب توركواتو، هذا القس الإسباني الذي عرفت في تطوان وكان يخبئ ،تحت إسكيمه، قلبا إنسانيا انفك عن كل هوى، حتى عن هذا الذي كان يدعي، من وراء حجاب النفاق، الترفع عن كل مصلحة. لقد كان يحدثني هذا الإنسان الإلهي ذو السخرية الرفيعة المتبسمة، عن مشاهد من رواية الإنجيل آلام المسيح لم أتمكن، حينذاك من فهمها. وكان لابد من كل علم سي عبد الرحمان الذي تمكنت في مدرسته من التدرب على فك ألغاز الرومانسية الأدبية، حتى أتعلّم كيف أعرّي السرّ المسيحي من جزء من حجابه. وقد يكون في هذا سبب نفور عقل الأفارقة السليم المولع بالبساطة والصدق البريء من المسيحية على ما كانت عليه مقاصدها الأولى من نبل.
“كان الأب يحدثني عن جبل الزيتون وعن حديقة غيتشيماني وعن الطريق الأليمة وعن غولغوتا. كان يحدثني، بطبيعة الحال، بوصفه مؤرخا ولا بوصفه مبشّرا تصفده غلول إدارات رهبانية تشيد بالتبشير وتغفر، باسم الرأي المسبق، أشنع الفظائع الناتجة عن الغزو الاستعماري. لقد كان يبلغني كلمة سينيك التي كان يفضلها على كلمة سيسنيروس. كانت أسماء مثل هذه تسترعي انتباهي. وفيما بعد تمكّنت بفضل شروح سي عبد الرحمان من الربط بين ما تقوم عليه عند قراءة حياة المسيح لـ رينان. إنني، إذا نقلت الأحداث إلى إطار آخر هو ما نقاسي اليوم من شقاء في سبيل بلدنا والذي هو، أيضا، رسالة تبشير مخصوصة، أدرك جيدا، تعاقب الأوجاع والآلام التي كانت تتمخّض في خطبة الجبل قبل أن نسلك، بدورنا، نحن أبناء أفريقيا الشمالية الطريق المؤلمة التي قادت، قديما، إله المسيحيين إلى جَبَلِ الجُلْجُلَة. وإذا كانت المقارنة ليست دائما صوابا فإن تطابق هذه الملاحظات كان لابد له من أن يجلب انتباهي. إن المغرب، اليوم، وطن مصلوب.
“إنني في اليوم الذي عرضنا فيه للمرّة الأولى في حياة أفريقيا الشمالية تارتوف لموليير على المسرح الفاسي تحدّثت في ذلك إلى سي الونوغي وإليك أنت…
أومأ سي تاشفين برأسه مصدقا على كلامه في حين جرت من عينيه دموع تحسّر.
“… ومع ذلك، واصل إدريس، فإنني أودّ، حقا، لو امتدّ بي العمر. إن البلاد في حاجة إلينا. وعيوننا لم تتفتّح إلا منذ قليل على شمس العمل. وإنها لبَهْجَةُ أن يواصل الإنسان الحياة وسط المخاطر إذا كان ضميرنا، في هذا الشأن، موافقا لتفكيرنا ولكن…
لم يتم جملته وقطرت قطرتان أسفل عينيه. لقد أصبح وجهه منزوفا. كان مولاي عبد الجبّار والجبليون يبكون. واقترب السلاوي، زاحفا بتؤدة على البساط، من كدس اللُّحَفِ والمِخاد التي تمدّد فوقها صديقه. كان يحدق فيه بعينه الوحيدة. وكان خداه اللذان جوّفهما، هما أيضا، الألم، يعبران عن الكرب الذي يعصف بصدره في حركة كانت تنتهي، مناوبة، إما بالتنهّد أو النحيب. تناول يد المحتضر وقبّلها. ورفّ الصمت من جديد على البيت. كانت الشفاه تواصل تمتمة سورة هؤلاء الذين تحرّرهم فكرة اقتراب الموت، أخيرا، من الهموم على الأرض والذين يتهيؤون للمثول أمام الخالق. وتدفق سيل مضطرب من الذكرى والتذكر المبهم في مخيّلة المحتضر فاستذكر التيزران والدشرة العائلية وأباه وأيام صباه الأولى ورغباته وحبّه الدراسة وفاس والقرويين وكتبه وصداقاته وخطواته الأولى في طريق الوطنية والنقاشات بينه وبين زملاء الدراسة وسي عبد الرحمان وسي تاشفين وتأملاته. وها هو، وهو على عتبة الحياة وعندما بدأ يهيء نفسه، وقد امتلأت رأسه بالمعارف التي لا غنى عنها، للنزول إلى الميدان والى متابعة الطريق التي اختار وإلى إشباع رغبته الشديدة في العمل، يصاب أثناء مظاهرة كان عليه فيها أن يلمس، للمرة الأولى، بيده الجور الذي يكبل المغرب متخفّيا وراء مظاهر حضارية مزيّفة ذات اتجاه واحد، بالرصاصة التي إن كانت قد أخطأته عندما كان يجابه الإسبان في الفندق فهي تصيبه إصابة قاتلة، هذه المرة، وسط أنهج فاس الهادئة.
لقد جاء إلى هذا العالم مثلما قال إما شيئا ما قبل الأوان وإما متأخرا قليلا. وكان في عداد زمرة المضحّى بهم .هذه التضحية التي لن تؤتي ثمارها إلا في الأجيال القادمة باعتبارها ثمنا تولّد عن أخطاء الأجيال السابقة.
لم يتمكن، وهو المسلم الصادق الذي تربطه بعقيدة آبائه عرى راسخة، من الامتناع، وهو على عتبة الموت، من استحضار الصورة التي رسمها له الأب توركواتو، ذات يوم، في غيضات تطوان البيضاء المزروعة برتقالا ذا روائح مدوّخة، عن تعذيب المسيح وموته: جبل الزيتون وحديقة غيتشيماني وطريق الآلام التي تتخطى وادي يوسفيت والتلّ الصغير في مقابل أسوار الهيكل حيث كان يتماحك كهنة إسرائيل الشاهد على حدث سيجعل من راع متواضع في الناصرة لم يخف أمام الموت، إشباعا لتعطشه إلى العدالة، شهيدا ونبيا وفاديا ضفته أعين شيعته كل أفضال الفتنة الإلهية.
إن رواية الإنسانية المجيدة،هذه التي أسست عليها شرائع الكنيسة، فيما بعد، قاعدة دين وهدف رسالة، يمكنها بالمستوى نفسه، في كل مكان وفي كل زمان أن تكون المثال المحتذى في عمل ذي أشكال متشابهة تقريبا. وهكذا كان إدريس يقارن، بتأثير من التقاء أفكار ومن تسلسل ذكريات بعثها تفكير شرد عبر مناطق الشعور الباطن وفي ما يشبه الهذيان مصائب المغرب وتضحيته الخاصة بصورة إن كانت يهوذا مسرحا لها، فهي تنطبق، تماما، على الأحداث في أفريقيا مثلما تنطبق على أحداث أخرى خارج أفريقيا وذلك بعد ألفي سنة من لعنة هيرودس وخديعة بونس بيلاتوس وخيانة حايف وصعود الجلجلة.
*
* *
هزّ المحتضرَ انتفاضٌ. وتزايد تقلصه بمقدار ما كان خداه يتحوّلان من الشحوب إلى لون أكثر شمعية وبقدر ما استغرقت عينيه اللتين انقلبتا في محجريهما هذه الرؤية المرعبة التي هي آخر انطباع يحدثه الموت في النازع منذ بدء اتصاله بما وراء الحياة.
وجاءت الحشرجة أخيرا لتعلن عن نهاية سكرة الموت : نهايات وبدايات وبدايات ونهايات. إن هذه لهي ماهية الإنسان الخالدة إذ هو يولد ويموت ويتعفّن ليعود إلى الحياة من جديد. وهي موضوع جدل شائك معقّد بين الروح التي تواجه الجسد والفكرة المادة والأطروحة النقيضة، جدل بين النور الذي يواجه الظلمة والحياة والموت. وهي قضية تتجدد، على الدوام، في أشكال وألوان مختلفة وسط اللانهاية الشاسعة ذات الحدود التي لا تقدّر والتي فيها يلوّح الإنسان، هذا الذرة الضائعة في المحيط الروحاني، بعدمه مجابها الروح العبقرية التي خلقته وترهقه والتي عليها، مع ذلك، أن تحسب له ،دائما، حسابه.
فتح إدريس، فجأة، عينيه ورأى بين يديه الأسمر الذي كان، وفي اليد سبحة، يرتّل بهدوء آيات ياسين.كانت لحية سوداء تحوط بوجه صديق الطفولة المبرنز. وقد تذكر عينيه واستحضر تسلسل الذكريات التي سبق، قبل عدة دقائق، أن ذكرته بمحاورة الأب توركواتو، فتذكّر،هذه المرّة ،قرية الولادة المخبأة في أرز تيزران. لقد خرجنا من أحشاء الأرض وإنا إليها لراجعون.
هذه القعطة الصغيرة من الأرض التي وُلد فيها والتي أضاءت فيها بسمة أمٍّ وجه طفلها الصغير وهو يرى نور الحياة، إنه ليستذكرها في اللحظة التي كان فيها يسلم الروح. السلام الأسمى على الأرض والدم. وهذه التحية يردّدها، تذكرا، بإجلال وحب مثل التَّمِّ الذي يرسل في الطبيعة، محييا قبل أن يموت، آخر صوت في الحنجرة وأروعه. وفي الدقيقة التي لاقت فيها عيناه عيني الأسمر ورأى يديه تسبّحان في حين كانت تصدر عن شفتيه أصوات مبهمة ظنها طريقة في الحساب، ظهر بين يديه شبح سي عبد السلام وهو ينبثق من أعماق الماضي متدثّرا بثوب أبيض، باسما شبيها برسول الرحمة. وَلَبَسَ خليط من الفرحة والرهبة قسمات المحتضر. وخيل إليه أنه يتبيّن في طرف يد رفيقه الرحيمةَ وشفتيه المهتاجتين مُحْيِيًا بذلك مشهدا من المْسِيد القديم كان جريان السنين قد أقصاه في ركن من أركان الذاكرة .وفكّر في نوع من الامتحان الإعدادي قبل
المثول أمام المنصف.
كانت آيات ياسين تتحول أرقاما كما لو كانت تحصي
الثواني أربع ا ثلاث ا اثنتان ا واحدة ا الأخيرة . وهذه المرّة لم يكن الأسمر يغشّ في اللعب. فعيناه اللتان غشّاهما البكاء ووجهه المنهك والنحيب الذي كان يهزّ صدره، كل ذلك كان، حقًّا، يدلّ على ما كان يعيش من انفعال.
هزّت رجفة النازع وجرى تنمّل مزعج على أخمص القدمين اللذين جمّدهما الموت وأحس بهذه الحِكَّة الشبيهة بما يحدثه سير صفِّ من النمل على الجسد تبلغ الساقين فالظهر فالصدر. وامتطّ جسمه وتقبّضت أطرافه، وهي تتيبّس، في هزّة أخيرة. وارتسم ضرب من الابتسام على شفتيه المتقلصتين المنزوفتين. إنه لوميضُ هلعٍ. ثم إن إدريس دخل، وقد أطاح رأسه لتسقط على كتف سي تاشفين وقد تخفّف ضميره من كل ندامة… في الأبدية.
بعد شهرين كان الأسمر والجبليون الذين نجوا من مذبحة فاس يمرّون أمام منحدرات تيزران. كانت الدشرة على مرمى البصر. وكان السكان قد فرغوا من قطاف العنب وجني التين ولم يتبقّ من منظر الكرْم والأشجار غير شبكات من الجذوع والفروع العارية من الأوراق تحوم فوقها أسراب من طيور الزرزور والكروان. إنها فترة الحرث. كان فلاح الجبل يمرّر، ببراعة أُلْعَبان على تلال الجبال وفي الوهاد الصغيرة وفي غور واد جاف سمحت فيه طبقة من الطَّمْيِ حَمَلَهَا آخر فيضان بمحاولات زرع، المحراثَ البسيطَ الذي يجرّه بغل أو ثور الجبال الصغير الذي يجتاز مجرى السيل قفزا أو يتسلق الصخر بخفة جَدْي.ويشاهد ، أيضا، على المنحدرات مزارعون آخرون عراة الرؤوس سحبوا من الجلابات سواعدهم، يَنْكُشُون بالمعاول ذِرْعَانًا من الأرض الصالحة للزراعة تُطَيّن الحجر ويلصقون فيها الحبوب أكثر مما يَطمرونها.
كان الـ زْبِير يحرق مساحات شاسعة من الدغل. وكانت النار المشتعلة تضيف، تحت زرقة السماء ويشب التموّجات الجبليّة، حرارتها الشديدة إلى نور النهار فيشحب انعكاسها القوي الآفاق.
كان تيزران يشعّ في اخضيضار أفناده العملاقة المثقلة صَبَرًا والتي تزداد بهاء على الدوام بألق ألفيّ. إنه عزّ مجده. كانت غابات مرتفعاته تتقدم بين الأرض والسماء مثل حدائق بابل.
وكان الهواء النقي ينفخ في الصدور. والأرض كانت تَجْحَفُ نُسغا وفَوَحانا مغذيين. ويبرقش الترنجان وزهر اللؤلؤ والخشخاش وزر الذهب حقولا صغيرة يغطيها عشب مائج. وترعى أعنز ذات جزّة بلون حبّاري باقات من الشوك. وتصّاعد القبّرة، رسولة العمل، في الهواء مطلقة صيحاتها الجذْلة. وفي البعيد، وفوق أشجار الأرز، يرسم عقاب دورات حلزونية طويلة قوية، لقد كان يبدو أن السلام يسود…
كان الجمع يمشي صامتا. وكان يتوقّف، بين الفينة والفينة، عند حرّاث أو حطاب أو راع يبادلهم الكلمات أو نَفَسَ ِكيٍف ثم يواصل سيره. كان رجل على بعد عدّة مئات من الأمتار من القرية يتقدم، بمشقّة، وراء محراثه الذي كان يسحبه ثور أبيض مرقّط بالشقرة وبغل كسي جلدا أصفر.
كانت الأرض، على الرغم من أنها على هيئة منحدر، أفضل وأسهل استصلاحا من الأراضي الأخرى. وكان مالكها الذي يلبس جلابة بيضاء قصيرة ويعتمر رازا ساحبا زعبولته إلى الظهر، يبدو في وضع ميسور شُوََيّةً. كان عجوزا. وكانت حركاته متثاقلة غير موفقة. وكان ينتقل متعثرا ولا يستخدم غير يده اليمنى. أما الكمّ الأيسر فكان فارغا. وكانت لحية بيضاء قليلة الشعر تنفش وجها عزوما وإن جعّده العمر والهموم. وكانت العينان الذابلتان مازالتا على احتدام يسكن جسما ضامرا متهافتا.ولقد كانت رأسه الصغيرة ذات القياسات العضدية الرأسية الكاملة وقوسا الحاجبين اللطيفين على الدوام، على الرغم من الشعر الأبيض المبعثر، والنظرة المؤنسة، كان كل ذلك يدلّ على أصل الجنس وصلابته. لقد تحدّب ظهره وكانت بداية ربو، وهو مرض عادي في المناطق المرتفعة، تهزّ، في أوقات متقطعة جسما ليس في وسع نحافته أن يشير إلى عرض من أعراض انحطاط الشيخوخة. أما الوجه الأسمر فكان يتضوّع جلالا. لقد كان الرجل هو الحاج علاّل بن حازم، أب إدريس. كانت الجماعة أمامه عندما بدأ يتهيأ، وقد أنهى ثلمه، لعكس المحراث. تقاطعت النظرات في آن واحد فتوقف الحرّاث بتأثير المفاجأة. ومع ذلك فلقد كان يتآكل شوقا إلى إدريس. لقد كان في قلق لغيابه. وعتّم فجأة هاجس قاتم وجهه وتسارعت دقات قلبه فترك ِمقْوَمَيْ المحراث كما لو أنّ نُعْرَةً لسعته وأدار رأسه وأطلق خُوارا طويلا.
حرك البغل جسمه ثم عدّله في حركة جافة عصبية. انحنى الأسمر وأصدقاؤه لتقبيل يد أب صديقهم النكيب. حياهم ولكنّه لا شيء فيه، مع ذلك، كان يعبّر عن تداع نفسي حقيقي. إن للجبل قوانينه وعاداته وطرقه التي هي إرث الأسلاف القدماء ذوي التقاليد القوية التي لا يستخف الناس، على الرغم من مظاهر الخشونة، بضرورة الأخذ بها.
تبادلوا بعض الكلام المبتذل حول الصحّة والسّفر ثم حلّ صمت مزعج تقطعه جمل مُتحَفّظة أو تلميحية أو كلمات لا معنى لها حقيقيا. أخرج الحاج علاّل منديلا ونشّف جبهته وتمخط ثم ارتجل سؤالا :
وإدريس، أين هو ؟
إدريس، أجاب الأسمر بهدوء مغالى فيه، إدريس لن يعود. ولتشمله الرحمة الإلهيّة. لقد مات صريع رصاصة أصابته عندما كان يمشي، منذ عدة أسابيع، في طليعة مظاهرة فاس…
عقب ذلك وقفة صامتة ثقيلة مزعجة ثم إن جبليا كان قد عاد من فاس صحبة الأسمر قطع الصمت :
فلتغتبط، سيدي، قال، لقد مات إدريس موتة رجال!
لا شيء، باستثناء تملُّلٍ خفيف في اليدين، لا شيء دل على ظل من الوجوم عند الحاج علاّل. ومع ذلك فإن ما ضاع منه إنما هو شيء من حياته ودعام وجوده ومناط مطامحه التي تقوّضت في حين أنه، وهو الأب العجوز المتعب المعوّه الذي تترصّده كل مصائب جسم هالك بلغ الحدّ ،تخلّف عن الابن الذي انبنى عليه فخر وأمل العائلة والقبيلة وربما البلد. إن هذا ليعرفه الحاج علاّل السلفي والمحارب ورئيس الجماعة ويحسه عن خبرة وكان يقدر أهميته وليس في إمكان شعوره أن لا يعبّر عن هذا الأسى البالغ المتولد من خسارة مثل هذه. ولكنه عرف كيف يتمالك نفسه.
إن الرأس، عنده، تغلب القلب. لقد منعته 1 مبادئ تربية عمرها قرون عديدة التحمت بروحه التحام جذور الأرز العملاق بالأرض منذ أمد طويل، من حالات ضعف مماثلة. ولو قدّر لسي تاشفين، صديق ابنه ومرشده، أن يعرفه على غير ما قدمه إليه إدريس من وصف بَخيل لقارنه، يقينا، بشخصية كورنيليّة تجمّلت بخصال أرض أفريقيا الرجولية.
-حسنا، قال، بعد دقيقة من التفكير. فلتذهبوا، رأسا، إلى منازلكم ولا تذيعوا الخبر قبل أن أبادر بإخطار العجوز.
ثم إنه وخز، وهو يدير سكة المحراث نحو الجنوب، ردف الثور، بمنخسه القصير.
كان تيزران، وقد بلغ من الجمال مبلغا لم ير له مثيلٌ يستبد بكلاكله، بهذه الأرض المغربية الشرسة الضليعة التي لم يتمكن أي غاز منذ أزمنة خرافيّّة، من أن يقضي منها وطرا. هذه الأرض تؤوي شعبا صلبا نفورا. وفي كل مرة كان فيها هذا الشعب يستشعر خطرا على استقلاله، كان ينطوي على نفسه. وهو، إذ يغلب، لا يسلم بالهزيمة. إنه لا شيء يفتّ في عضده. هذا الشعب القنوع العنيد الأنوف اللازب النزق غالبا ولكن الصبور دائما المرتبط بأرضه التي محّضها شغفا عنيفا والذي يضمر الإجلال للأجداد، الجسور جسارة العقاب الذي يعشش فوق الذرى، والذي هو نظيره عذابا وشراسة، هذا الشعب يفوّض أمره دائما عندما تتعثر خطاه، إلى سماواته الحامية. وهو يترك، في أيّام الحظّ العاثر المدّ الجارف يمرّ ثم ينتظر، في منجَى جَبَله وبَرَاحه الصحراوي، أن يَنْفَدَ الموج
ذاتيا. ومثلما كان شأن أنتى 2، يستغل هذا المآل لتجديد قواه بتأثير الأرض الأم. إنه بهذه الطريقة توصّل إلى إضناك روما وبيزنطة. وهكذا فإن شعب الحاج علاّل وإدريس الذي هو في الآن نفسه متمرد ومستوعب ولود على غرار مكسر البحر الذي تضربه المياه المجنونة والعنينة، يرشح نفسه حارسا لا يقهر لدينه و…لوطنه.
بغداد ، ديسمبر 1941- جويلية 1942

======================

Vox populi, vox dei :(1)

(1) : بالعربية في النص

1.razza : غطاء الرأس.

1. السوط

1. هو حسب الوصف محمد بن الحسن الوزاني الذي تخرج من المدرسة الحرة للعلوم السياسية في باريس سنة 1930.

1.كلاب حراسة من بلاد المولوس
2. القراصنة.

1. هوس : مصلح تشيكي أحرق اذ اتهم بالهرطقة ـ ق 14 ـ 15 ـ

1. مختلف أغطية الرأس الغربية عند المراكشيين.

1.Toubib

1. منعته ، بتشديد النون
2. هو في الأساطير الاغريقية عملاق متعلق بالأرض التي هو منها. وقد خنقه بعض الآلهة بأن أبقاه معلقا في الهواء ، بعيدا عن الأرض التي يستمد منها قواه.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal