img8.jpg

تمثل الفضاء الثقافي الأمازيغي في “وصف إفريقيا” للحسن الوزان (2/1)

ينطلق الحسن بن محمد الوزّان الفاسي من منظورية ثقافية عالمة، قائمة على مرتكزات الأرثوذكسية الفقهية والكلامية الأشعرية السنّية. فهو سليل التقاليد الثقافية السنّية الأرثوذكسية، والثقافة العربية الإسلامية العالمة، المتمايزة، روحا وأفقا، عن اللا أرثوذكسية الدينية المحلّية والنظام الرمزيّ والثقافيّ الأمازيغي.
تصدر تقريرات الحسن الوزّان عن رؤية اثنوغرافية شديدة التمركز، قائمة أساسا على الصوابية المطلقة للرؤية الدينية السنّية، وتفوق المعيارية العقدية الإسلامية كما بلورها أهل السنّة والجماعة على التعبيرات العقدية المغايرة للنسق الاعتقادي السنّي. فالواقع أنّ الحسن الوزّان، يكثر من عقد المقارنات الصريحة والضمنية بين الأرثوذكسية المعيارية المرجعية السنّية وبين اللا أرثوذوكسية اللامعيارية واللامرجعية المفارقة، أصلا وتطلّعا، للحقائق التداولية الإسلامية. فهو منشغل باستقراء الخصائص الاثنوغرافية والانثروبولوجية والتاريخية والسيكولوجية والسوسيولوجية، للفضاء الثقافيّ والسياسيّ الأمازيغيّ المتأثّر، كليا أو جزئيا، بالتقاليد العقدية والثقافية العربية الإسلامية آنذاك.
لقد وصف الحسن الوزّان الفضاء الثقافي المغاربيّ، وهو يعيش مرحلة ارتكاس وتراجع وتذرر، على المستوى الثقافيّ والحضاريّ. وحين نقارن أقواله في “وصف إفريقيا” مع أقوال ابن خلدون التوصيفية لوقائع عصره، نكاد نجزم أنّ الحسن الوزّان قدّم تفصيلات تاريخية للتوصيف وللتشخيص الخلدونيين للتراجع العمراني بالمغارب بعد أفول الدولة الموحّدية.
فالحسن الوزّان، المتشبع بالوثوقيات الشرعية للفكرية السنّية، لا يقارب معطيات الفضاء الثقافي المغاربي، إلا انطلاقا من مفاهيم ومتصوّرات ومثالات الفكرية السنّية وجهازها المفهومي المتشبّع بالمقولات الأصولية والمفاهيم الفقهية. وتحكيم مقولات المركز في المحيط، يتساوق في هذا السياق، مع إعادة تنشيط ذاكرة السنّيين، وإعادة التذكير بكيفية إعادة بناء صورة الآخر من منظور الأنا. فالآخر المستوعب ثقافيا، تعرّض لعملية تفكيك لذاتيته الثقافية، ولتشكيلته التصوّرية ولعالمه الثقافيّ.
لقد سجّل حسن الوزّان واقعة إقدام الثوّار المسلمين على الحكم والخلافة العبّاسييْن، على إحراق الكتب الإفريقية وإتلاف الذاكرة الثقافية الأمازيغية وطمس معالم التميز والغيرية الثقافية في فضاء لسانيّ وثقافيّ مختلف. فالفكرية الإسلامية، نزّاعة، إلى إبادة الذاكرات الجماعية والرمزيات الروحية المخالفة لها، باسم الأفضلية المعيارية – التداولية لإطارها الرمزيّ والثقافيّ الخاص. والحقيقة أنّ إفادة الحسن الوزّان دالّة، لأنّها تؤكّد على تمكّن العقل الأمازيغيّ من التصنيف المتمكّن في العلوم والتاريخ، وعلى استقلال الذاتية الأمازيغية بتاريخية خاصة وبذاتية ثقافية متمايزة، وبأفق نظريّ مخصوص قبل هبوب رياح الإسلام بكثير.
( وفي الوقت الذي كان حكم إفريقيا بيد المبتدعة الفارّين من خلفاء بغداد، أمروا بإحراق جميع كتب الأفارقة المتعلّقة بالتاريخ والعلوم، متوهّمين أنّ الإبقاء على هذه الكتب من شأنه أن يترك الأفارقة على نخوتهم القديمة ويدعوهم إلى الثورة والارتداد عن الإسلام. )
( -الحسن بن محمد الوزّان الفاسي – وصف إفريقيا – ترجمه عن الفرنسية – محمد حجي ومحمد الأخضر – دار الغرب الإسلامي –بيروت – لبنان – الطبعة الثانية – 1983-ج1- ص.69)
والحقيقة أنّ هذا الشاهد، يؤكّد صعوبة إقرار نظام رمزيّ تأويليّ خاصّ وتاريخيّ(أقصد العقيدة والشريعة الإسلاميتين)، محلّ نظام مغاير، تكفّل أصحابه بتأصيله وتأثيله ووضعه ضمن مساقات وسياقات ثقافية عالمة (التاريخ والعلوم)؛ كما يؤكّد ضمنيا تبلور روحية أمازيغية متماسكة نظريا ومتوافرة على جهاز تصوّري ومنظورية ثقافية متمايزة، منهجا ورؤية.
كما يفصح عن انتظام المتسنّنين والمبتدعين في حروب الاستئصال الثقافية، القاضية بمحو الذاكرة الثقافية والمتخيّل الاجتماعيّ للجماعة السياسية- التاريخية المستهدفة. فالاختلاف السياسيّ لا يمنع الفرقاء السياسيين الإسلاميين من تبنّي نفس المنظور الثقافيّ، ومن سلوك سبل المحو الثقافي لتكريس حالات التبعية الثقافية والأخلاقية ثمّ السياسية.
ومن المؤكّد تاريخيا، أنّ تفكيك الكيانية الأمازيغية تطلب مجهودا خاصّا، لأسباب يحصرها ابن خلدون فيما يلي: ( وانظر ما وقع من ذلك بإفريقية والمغرب منذ أوّل الإسلام ولهذا العهد. فإنّ ساكن هذه الأوطان من البربر أهل قبائل وعصبيات؛ فلم يغن فيهم الغلب الأوّل الذي كان لابن أبي سرح عليهم وعلى الإفرنجة شيئا. وعاودوا بعد ذلك الثورة والردّة مرّة بعد أخرى، وعظم الإثخان من المسلمين فيهم. ولمّا استقرّ الدين عندهم عادوا إلى الثورة والخروج والأخذ بدين الخوارج مرّات عديدة.
قال ابن أبي زيد : ارتدّت البرابرة بالمغرب اثنتي عشرة مرّة. ولم تستقرّ كلمة الإسلام فيهم إلا لعهد ولاية موسى بن نصير فما بعده. وهذا معنى ما ينقل عن عمر أنّ إفريقية مفرّقة لقلوب أهلها، إشارة إلى ما فيها كثرة العصائب والقبائل الحاملة لهم على عدم الإذعان والانقياد.)
(- ابن خلدون – مقدمة ابن خلدون – تحقيق : درويش الجويدي – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت -2002-ص. 153)
لقد تمكّنت الروحية الإسلامية من التغلغل في المغارب ومن تصفية التراث الثقافيّ الروحيّ الأمازيغيّ العالم، إلا أنّ الروحية الإسلامية السنّية وجدت صعوبات كبرى في اختراق الذاتية الأنثروبولوجية الأمازيغية وتكييف الفضاء الثقافي والروحيّ الأمازيغيّ، خاصة في المنعطفات التاريخية المتميّزة باهتزاز اليقين وتذرّر البنى السوسيو- انثروبولوجية، وتفتت سماكة بنى المقدّس الروحيّ والسياسيّ جرّاء الحروب الفكرية والمذهبية بالمركز الخلافيّ.
كغيره من مفكّري الزمن الإسلامي ومؤرّخيه، ينطلق الحسن الوزّان من ارتهان قوام الهيئة الاجتماعية للمعيار الدينيّ، أي من استحالة تصوّر قيام اجتماع بشريّ منظّم خارج الإحداثيات الدينية ومن تكريس وتنظيم سلطة المقدس. فالاجتماع مرتبط ارتباطا حتميا بحضور الناظم الرمزي القدساني، باعتباره سدى الجماعة المنظمة ولحمتها، المحتكمة إلى رؤية مخصوصة للعالم وللذات وللغير وللحياة والموت. فانتفاء بنى المقدّس وسياسة تدبير واستثمار معطياته (المؤسسات الفقهية) يعني في اعتباره، تدنّي مكانة الإنسان، وتثبيت بهيميته. فهو يرى أنّ تحكّم مدبّري المقدّس ومستثمريه في الهيئة الاجتماعية، هو الوضع الطبيعيّ ومصدر استحقاق الإنسان لإنسانيته؛ أي أنه يربط مدنية الإنسان بالرابط الدينيّ حصريا. فانتفاء مدبّري المقدس، أي غياب التأطير الفقهيّ لبعض الهيئات الاجتماعية بالفضاء الثقافي الأمازيغي، يعني في اعتقاده، غياب أية قواعد اجتماعية أي غياب التأنسن من حيث المبدإ. والحال أن هذا الضرب من الفكر، لا يستقيم، متى علمنا أن الهيئة الاجتماعية تنتج مقدسها المخصوص وقواعدها التنظيمية، ومعاييرها الأخلاقية المتمايزة، انطلاقا من وضعها الثقافي ومن انشغالاتها ومحفزاتها الكيانية الصادرة عن تواريخها ودينامياتها الروحية والأخلاقية والجمالية.
فغياب الفكرية السنّية أمارة دالة في اعتقاده، على الانتظام في أفق البهيمية، والنأي عن أفق البشرية.فالانخراط في أفق التأنيس، يقتضي التمسّك بالسوية العقدية، وتنظيم العقل الجنسيّ على النحو المسطّر في العقل الجنسيّ السنّي أو في العقل الجنسيّ الإبراهيمي عموما. فرغم طهرانية المرابطين والموحدين والمرينيين، وتمتّع المؤسسة الفقهية والصوفية بالآليات الفكرية والمؤسسية القمينة باختراق الجسد الاجتماعي واستتباعه للنظام الأخلاقي العربي – الإسلامي، فإن النسق الاعتقادي الأمازيغي القديم تمكن من ضمان سريان مفاعيله، وتسريبها إلى المنظومة البديلة نفسها أحيانا . لم يتمكّن الشرع رغم التغلّب السياسي، من اجتثاث النسق الثقافيّ القديم، ومن إبطال فعالية المؤسسات الجماعية المديرة لمفرداته. وللتدليل على قوة العرف الجماعي والمؤسسات العرفية، نورد الحادثة التالية :
(…وذلك أن رجلا عاميا، من أهل هذا الدوار، قد هرب بامرأة، وصار “يزني” بها جهارا. ولم يكن أحمد بن يوسف، خريج معهد ” تامقرة ” السلفي الإصلاحي، أن يسكت عن هذا المنكر، أو أن يمالئ الجاني، أو أن يطالبه بالنكاح الشرعي بدل استمرار الزنا. وردع احمد بن يوسف الرجل الهارب بالمرأة وزجره، وحاول منعه منها منعا مؤبدا. لكن الرجل تعصب عليه في أهله وعشيرته. ولما لم يفلح احمد بن يوسف في تغيير هذا المنكر بنفسه، قرّر رفع أمره إلى الشرع. وقصد قاضي بني راشد لمقاضاة المختطف عنده. لكن القاضي لم يأبه به، ولم يستنكف عن إهانته والإعراض عنه. )
(-عبد الله نجمي – التصوف والبدعة بالمغرب –طائفة العكاكز،ق16-17 – منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية- الرباط – الطبعة الأولى – 2000-ص. 83).
وبدلا من استكناه آليات العقل الأخلاقي والجنسي والتنظيم الاجتماعي لدى الأمازيغ، اكتفى الحسن الوزّان بإنكار ثقافية الفضاء الأمازيغيّ، لمجرد أنه لا يخضع لمعايير العقل الأخلاقي الإسلامي ولا يستجيب لمتطلبات العقل الأرثوذكسي والمخيال الشعائري للتوحيد الآسيوي.
(والأزواج المخدوعون عندهم أكثر من غيرهم. ويمكن لجميع الفتيات أن يكون لهن قبل الزواج عشّاق يذقن معهم حلاوة الحبّ، ويرحّب الأب نفسه بعاشق ابنته أجمل ترحيب، وكذلك يفعل الأخ بعاشق أخته، بحيث إنّه لا توجد امرأة تزفّ بكرا إلى زوجها. حقّا إن المرأة بمجرّد زواجها ينقطع عنها عشّاقها، ولكنهم يذهبون إلى أخرى. وأكثر هؤلاء القوم ليسوا بمسلمين ولا يهودا ولا بالأحرى مسيحيين، لا إيمان ولا دين بل ليس لهم حتى ظلّ الدين. لا يؤدّون أيّ صلاة، وليست لهم مساجد، وإنما يعيشون كالبهائم. وحتى إذا وجد من بينهم من له ذرّة شعور بالدين اضطر إلى أن يعيش كغيره ما دام ليس هناك مبادئ دينية ولا فقهاء ولا أية قاعدة من القواعد. )
( -الحسن بن محمد الوزّان الفاسي – وصف إفريقيا -ج1- ص.88-89) فالحسن الوزّان لا يتصور قيام اجتماع إنساني، خارج وجود الحقل الديني، ووجود هيئة مشرفة على الإنتاج الرمزي ومحتكرة لسلطة التشريع والتفسير والتأويل. والحال أن الفضاء الاجتماعي، لا ينتظم وفق المؤسسات العقدية الأرثوذكسية أو إلزامات جسم احترافي مؤسسي مكلف بتدبير خيرات الخلاص أو النجاة دائما؛ فهو يكتفي بالمقارنة بين الأرثوذكسية واللاارثوذكسية، بين النموذج المعياريّ المبلور في كتب السياسية الشرعية وفي المدونات الفقهية المالكية المعتمدة، وبين الممارسة السوسيو- اجتماعية في وسط أمازيغي له مرتكزات قاعدية مختلفة وطرائق مختلفة في إنتاج وإعادة إنتاج الدلالة الاجتماعية والمغزى الميتافيزيقي.
فالحسن الوزّان المسكون “بنموذج فاس” و”نموذج غرناطة”، وقبل ذلك بـ”نموذج يثرب/ المدينة”، لا يتوخّى استقصاء حقائق الظواهر ولا استدعاء المسبّبات ولا استحضار تعقّدات السياقات التاريخية والمعرفية. وانطلاقا من هذه المركزية الفاسية /الغرناطية /اليثربية-المدنية، فإنه ينفي الشرعية المعرفية والسياسية والأخلاقية والروحية عن مجمل الفضاء الأمازيغي، ويحكم على الصيرورة الأمازيغية بالشقاء الأبديّ.
(والنوميديون بعيدون عن معرفة الأشياء جاهلون بطريقة السلوك في حياة طبيعية منتظمة، فهم غدّارون فتاكون متلصّصون لا يراعون إلّا ولا ذمّة، كما أنّهم لا إيمان لهم ولا قواعد دينية. عاشوا دائما ويعيشون وسوف يعيشون في شقاء.وإذا احتاجوا إلى شيء أو طمعوا فيه ارتكبوا كلّ خيانة مهما عظمت وفظعت. ولا توجد بهائم تحمل قرونا كقرون هؤلاء الأنذال يقضون حياتهم كلها في الإضرار أو الصيد أو القتال فيما بينهم أو رعي ماشيتهم في القفر يمشون دائما حفاة عراة.)
( -الحسن بن محمد الوزّان الفاسي – وصف إفريقيا -ج1- ص. -89) نستخلص من هذا الشاهد الاستنتاجات التالية :
1- عجز النوميديين عن إدراك حقائق الأشياء، أي عن إدراك نظام السببية والعلية، 2- عجز النوميديين عن بلورة قواعد اجتماعية وأخلاقية وسياسية سليمة ومتفق عليها، 3- افتقاد النوميديين للمؤسسات الأرثوذكسية المكلفة بمأسسة المقدس والتحكم باقتصاد الاعتقاد وبالمعيارية السلوكية الاجتماعية.
لا جدال في أنّ الحسن الوزّان، يقارب الوقائع والظواهر والإشكاليات الاجتماعية من منظور مركزية عقديّة مبطّنة أحيانا وصريحة أحيانا أخرى. فالأرثوذكسية توازي في فكريته، الانتظام وتوافر نسق معياري أخلاقي وسلوك متماسك نظريا وعمليا، وحصول الفضائل وتحصيل السعادة،أمّا اللاارثوذكسية فتعني في اعتباره الفوضى واللاانسانية واللااخلاق والشقاء.
فهو ينطلق من أفضلية نموذجه النظري وإبداله الفكري، في كلّ مقايساته وكلّ أحكامه وكلّ مقارباته للمادة الإناسية الأمازيغية خصوصا المادة السوسيو- إناسية المنفلتة من القواعد التوجيهية للمعتقد والفكرية الإسلاميتين. فالحسن الوزّان نتاج تضافر السلط الخمس : 1- سلطة الأرثوذكسية المالكية – الأشعرية، 2- سلطة الثقافة العربية – الإسلامية العالمة، 3- سلطة السلطة السنّية المحتكمة إلى مثالات السياسة الشرعية والآداب السلطانية، 4- سلطة اللغة العربية وعالمها الدلالي وفضاءاتها المجازية، 5- سلطة التحضر الفاسي – الغرناطي – الأندلسي.
وهذه السلط الخمس مترابطة ومتداخلة، كما أنها وليدة ذاتية حضارية متمركزة حول ثوابتها الثقافية ومعاييرها الأخلاقية والإيطيقية، ورافضة لأي رؤية انثربولوجية موضوعية أو أي مقاربة علمية للغيرية والاختلاف الثقافي والأخلاقي. وبناء على هذه الرؤية المركزية، فإنّ الحسن الوزّان يثمّن كلّ ما صادفه من مطابقة للأرثوذوكسية، فكرا أو ممارسة، في رحلاته ويندّد بما يصادفه من مخالفات واختراقات وسلوكيات هرطوقية أو بدعية. ومن هذه المنظور فإنه حريص على استقصاء مواطن وعلامات حضور الفكر والسلوك الأرثوذكسي في الفضاء الثقافي- الانثروبولوجي الأمازيغي. فهو يقرأ تفاعلات الاجتماع البشري الأمازيغي مع الاكراهات السوسيو- سياسية والسوسيو- تاريخية، من باب المعيار النموذجي العربي الإسلامي، ومن باب ضرورة التطابق مع المعيار المثاليّ. ومن هنا فانه يطلب من الذاتية الثقافية الأمازيغية، أن تتنكر لنسقها القيمي ونظامها الفكري والروحي، وتنقطع عن المكونات القاعدية لشخصيتها وتاريخ وجدانها.
ففي حديثه عن قرية إداو إزكواغن بحاحا، قدم صورة سلبية للغاية عن الحياة في هذه القرية الحاحية، وعن الروابط الاجتماعية والنواظم الرمزية والمعيارية المنظمة للعيش الجماعي بها. فلئن افتقدت إلى الوسطاء المؤسسيين المكلفين بتقديم الخدمات الدينية والإشراف على تدبير حقل المقدس الأرثوذكسي، فإنها تتوافر حتما على رأسمال رمزي وعقدي، ومعايير تقديسية وترميزية لا أرثوذكسية، وعلى نسق ميثي- شعائري مختلف عن النسق الطقوسي الشرعي. (يسيرون حفاة إلا قليلا منهم ينتعلون نعالا من جلد الجمال أو البقر، ولا يفترون عن محاربة سكان البادية فيتقاتلون كالكلاب. ليس لهم قاض ولا فقيه ولا شخص يحكمونه ليفصل بينهم في خصوماتهم، إذ ليس لهم من الإيمان والشريعة إلا ما يجري على ألسنتهم. ولا يوجد في جبالهم كلها أي نتاج آخر غير كمية كثيرة من العسل الذي يدخرون كطعام ويبيعون منه لجيرانهم، ويلقون بالشمع في المزابل.
في هذه القرية مسجد صغير لا يسع أكثر من مائة شخص، إذ ليس لهؤلاء القوم أدنى اهتمام بالديانة أو الاستقامة. يتقلدون دائما خناجر أو رماحا للفتك بالناس، وهم خونة غادرون. ) ( -الحسن بن محمد الوزّان الفاسي –-ج1- ص. 102-103)
حين نتأمل هذا الشاهد الدال، نخرج بالملاحظات التالية : 1- غياب السلطة السياسية ببادية حاحا، واندحار العمران البدوي بهذه المنطقة إلى مواقع متدنية بسبب عوامل سياسية وعسكرية وثقافية مختلفة، 2- غياب سلطة المؤسسة الدينية – الفقهية الرسمية، أي غياب سلطة محتكرة للإنتاج الرمزي وللفاعلية الرمزية، 3- تدهور مستوى الدربة والمراس وإتقان الصنائع بحاحا، أي هيمنة العمران البدوي وغياب تقاليد العمران الحضري بهذه المنطقة، 4- تأسس رؤية الرحالة على معيارية عقدية صارمة مانعة من استقراء معقولية العيش بحاحا أو استخراج الآليات المنظمة للفوضى البادية على السطح الاجتماعي؛ ويسير مارمول كربخال في نفس اتجاه الوزّان، في توصيفه القاسي لنفس القرية، فيما يقرب من التآزر بين أبناء نفس الأرومة !
( يمشي الرجال والنساء بدون نعال، وبأرجلهم شقوق تصل حتى العظم، يتحاربون دائما مع جيرانهم ويقتتلون لأتفه الأسباب، بدون قانون ولا عدالة، كمن لا يخشى الله ولا يحب أخاه وإن ادّعوا بأنهم مسلمون، لكن ليس هناك قضاة ولا فقهاء في هذا الجبل كله، حيث توجد بعض القرى المأهولة بنفس الرهط من الناس. تجارتهم عبارة عن العسل والشمع يبيعونها للتجار المسيحيين، وقد كانوا لا يعرفون قيمة الشمع قبل مجيء البرتغاليين فيرمونه. لا شرف لهم ولا معرفة بالإحسان، ولا يفكرون إلا في الانتقام من أعدائهم وقتلهم غدرا أن أمكنهم ذلك، وهي الطريقة المفضلة عندهم. وأخيرا فإنهم أكثر سكان بلاد البربر كلها قسوة وخشونة، ومن لم يقتل اثني عشر أو خمسة عشر رجلا لا يعتبر شجاعا. )
(- مارمول كربخال – إفريقيا – الجزء الثاني – ترجمه عن الفرنسية – محمد حجي / محمد زنيبر / محمد الأخضر / احمد التوفيق / احمد بنجلون – دار النشر المعرفة – الرباط – تاريخ الطبع 1988-1989- الجزء الثاني – ص. 17)
يتفق ممثلا المركزية الإسلامية والمسيحية، في التوصيف والتشخيص والعرض الاثنوغرافي؛ إلا أنهما لا يعللان توصيفاتهم ولا يتساءلان عن دلالة الفوضى الكينونية المشار إليها؟ هل الفوضى عرضية تاريخية، أم جوهرانية مرتبطة بماهية من لا يبني نسقه الثقافي عن الدلالات الخيالية للتوحيد الآسيوي؟
والحقيقة أن نصّيْ الوزّان وكربخال دليلان تاريخيّان، يكشفان عن صعوبة إقرار المؤسسة الأرثوذكسية ببادية حاحا في القرن السادس عشر الميلادي خصوصا وبالمجال القروي – الجبلي عموما، وصعوبة تبلور مؤسسة متخصصة في تدبير الرأسمال الديني وربطه بالمراكز الأرثوذكسية ليست الممانعة المجالية، فصلا عرضيا في تاريخ المغارب؛ وهي تفصح عن أمرين : 1- استمرار العرف في تفعيل آلياته، 2- عدم تمكن الرؤية الإغرابية المتعالية للأرثوذكسية من فهم إواليات اشتغال النسق العرفي. ولا يخرج توصيف الوزّان لمنطقة الريف عن نفس التمثل؛ فالخروج عن مقتضى الارثوذكسية والارثوبراكسية، يقتضي البقاء في التوحش وعدم التحضر.
( سكان الريف شجعان، لكنهم تعودوا السكر والملابس الرديئة. وتقلّ الحيوانات في هذه البلاد، ماعدا الماعز، والحمير، والقرود التي تعيش في مجموعات كبيرة بهذه الجبال. كما تقل فيها المدن، وكل التكتل السكني المهم في قصور وقرى ذات بيوت حقيرة مكونة من طابق أرضي ومبنية بشكل الاصطبلات التي نراها في أرياف أوربا، سقوفها من قش أو لحا الشجر. وجميع نساء هذه الجبال ورجالها مصابون بتضخّم الغدة الدرقية، وليسوا سوى غلاظ جهلة. )
( -الحسن بن محمد الوزّان الفاسي – وصف إفريقيا –-ج1- ص.324) يرسم الوزّان صورة سوداوية للريف وللإنسان الريفي؛ كما يمعن في عقد المقارنات الضمنية والصريحة، لتبئير منظوره وإظهار مأساوية ودونية الاجتماع البشري بمنطقة أمازيغية ذات سمات ايكولوجية وثقافية خاصة. لا تستدعي الملاحظة الاثنوغرافية هنا، أي تعليل سوسيو- تاريخي أو سوسيو-ثقافي؛ بل ترتبط برؤية جوهرانية ماهوية. فغياب الضوابط المؤسسية، يعني الانفلات وسلوك سبل التدني والتسفل وغياب الأناقة واللياقة لا سبل الترقي والتحضّر.
فمما لا شكّ فيه أنّ المغارب عاشت بعد أفول الإمبراطورية المرابطية والموحدية، أزمات مستعصية، تمثلت فيما يلي : 1- عجز السلطة المركزية عن توحيد المغرب وتحقيق التناغم بين السلطة المركزية المستندة إلى الشرعية الدينية أو الشرعية السلالية –العقدية (مثل دولة السعديين والعلويين )وسلطة القبائل والتنظيمات المحلية والزوايا والطرق الصوفية، 2- تقلص فضاءات ومساحات التحضر وتراجع العمران الحضري بسبب الحملات المسيحية على الثغور المغربية وبسبب الدور التخريبي لعرب معقل وحكيم وهلال؛ وقد قدم الوزّان إضاءات تاريخية هامة حول تراجع التقاليد الحضارية بمراكش مثلا، 3- ضعف التقاليد الفكرية بالمغرب الإسلامي عموما، واكتفاء المفكرين المغاربة باستنساخ النماذج الفكرية والاستدلالية المشرقية، والانشغال المبالغ فيه بالترميق الفكري على حساب التنظير المحكم المستند إلى قواعد منهجية محكمة وإلى أصول نظرية صلبة.
ونحيل في هذا السياق على شاهدين، يبرهنان على تبعية المغرب الإسلاميّ للمنجز المشرقيّ السّلفيّ، في الفقهيات والكلاميات على السواء.
يقول ابن خلدون ما يلي : (… وأيضا فالبداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس، ولم يكونوا يعانون الحضارة التي لأهل العراق؛ فكانوا إلى أهل الحجاز أميل لمناسبة البداوة. ولهذا لم يزل المذهب المالكي غضّا عندهم، ولم يأخذه تنقيح الحضارة وتهذيبها كما وقع في غيره من المذاهب. )
(- ابن خلدون – مقدمة ابن خلدون – تحقيق : درويش الجويدي – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت -2002-ص. 420)
يقول محمد عابد الجابري عن غياب التقاليد الكلامية- العقلية بالمغرب والأندلس ما يلي : (…أما الأندلس، فقد بقيت، هي والمغرب، بعيدة عن الصراعات المذهبية التي شهدها المشرق، بين المعتزلة والأشاعرة، واستطاعت أن تقلص إلى الحد الأدنى من نشاط الشيعة الباطنية على حدودها وأطرافها. وهكذا بقي “إسلام السلف” سائدا فيها وبقيت المذاهب العقدية الأخرى تتحرك على الهوامش كمجرد تموجات آتية من مركز بعيد. ) (-ابن رشد – فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال أو وجوب النظر العقلي وحدود التأويل (الدين والمجتمع) – مع مدخل ومقدمة تحليلية للجابري – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – لبنان – الطبعة الثالثة – 2002- ص. 24)
4- استناد القرار السياسي والاستراتيجي إلى تحالف الفكرية الفقهية المالكية / الأشعرية / الصوفية مع السلطة المركزية المتغلبة بفضل استثمار الرأسمال الغيبي أو المناقبي(المهدي بن تومرت والشرفاء السعديون على سبيل المثال)، وإقصاء التنظيمات والقوى المحلية.
وبسبب احتكار قلّة من المدبّرين للسلطة السياسية والفكرية، وما ينتج عنهما من خيرات رمزية ومادية، أقدمت مجموعة من الثوار على التمرّد على الواقع القائم، استنادا إلى شرعية فقهية أو مناقبية أو قبلية أو مهدوية. فبالنظر إلى الترابط الوثيق في التجربة السياسية المغربية والمغاربية عموما بين السلطة السياسية والسلطة العلمية، أي بين الفقه والسلطة، فإنّ الساعين إلى امتلاك الحكم كثيرا ما سعوا إلى نزع الشرعية الدينية / العلمية عن السلطات القائمة، والى الإبانة عن مخالفتها للمقررات الشرعية ولمعايير الحكم الشرعي.
(…فجهاد الكفرة الملثمين قد تعين على كل من يؤمن بالله واليوم الآخر، لا عذر لأحد في تركه، ولا حجة له عند الله، فإنهم سعوا في هدم الدين، وإماتة السنّة، (واستبعاد) الخلق، وتمادوا على الفساد في الأرض، وعلى العتوّ والطغيان، وعلى هلاك الحرث والنسل، والاعتداء على الناس في أخذ أموالهم، وخراب ديارهم، وفساد بلادهم، وسفك دمائهم، واستباحوا أكل أموال الناس بالباطل، وأخذ أموال اليتامى والأرامل، وتمالئوا كلهم على ذلك، وتعانوا عليه، فرحين مسرورين ، ولا ناهي ولا منتهي….)
(-محمد بن تومرت – أعزّ ما يطلب – تقديم وتحقيق : عبد الغني أبو العزم – مؤسسة الغني للنشر –الرباط – المغرب – 1997-ص.407)
وبالنظر إلى انخراط الحسن الوزّان في الفكرية السنية / الفقهية، وفي دعم وتثبيت السلطة الشرعية، فإنّه ينافح عن الأرثوذكسية المكرسة، سياسيا وعسكريا، ويرمي الثوار الساعين إلى اقتناص السلطة بالابتداع والتفسيق ومخالفة مرسخات الشريعة الإسلامية.
( مرّ كاتب هذه السطور أمام هذه القلعة مع فرسان الأمير الشريف (السعدي)، فأصاب رماة القلعة بعضهم لكنهم لم يختطفوا منهم أحدا. وبعد ذلك تحادث المؤلف مع بعض مريدي عمرو السياف فاخبروه بحياة هذا الزنديق وأطلعوه على مذهبه المخالف للشريعة الإسلامية، وقد ذكر ذلك في كتابه “مختصر تاريخ الإسلام “. )
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – ج1-ص. 108)
ونجد نفس الإدانة عند مارمول كربخال؛ وهذا التوافق مفهوم بالنظر إلى اتفاق الأرثوذكسية الإسلامية والمسيحية على تجريح الفكريات التوليفية أو الهرطوقية:
( يوجد ضريح هذا الماكر(يقصد عمْرًا السياف) داخل المدينة، حيث أسس حفيده موسما ما زال العمل جاريا به حتى الآن، ولشدة جهالة هؤلاء القوم، يتعبّدون في ضريح رجل قتل من أجل رذائله ويقدّسون رفاته. ) (- مارمول كربخال – إفريقيا –- الجزء الثاني – ص. 21)
فالفقيه والسلطان، ملزمان على الدوام بمناهضة السلط المضادة لهما وخصوصا سلطة المتصوف القادر على الانتقال من التسنّن إلى”التهرطق” أو”التبدّع”. فالسلطة نتاج تأويل ومحصول صراع تأويلات كما أنها وليدة الصراعات السياسية والعسكرية والإستراتيجية. فالسلطة المستندة إلى معيارية مرجعية قدسانية، وإلى تسويغ فقهي أو إلى دعم صوفي ليست بمعزل عن المنافسة المحاكاتية، وعن بروز قوى أو أشخاص كرزميين قادرين على إقرار شرعية مضادة للشرعية القائمة، بدلالة تمكن المهدي بن تومرت من استشكال الشرعية الدينية للحكم المرابطي، رغم استناد شرعيته إلى الدعم المؤسسي للفقهاء المالكيين.
وبالنظر إلى موقعه الفكري والسياسي، فإنّ الوزّان لا يملك إلا الطعن في المنافسين الكارزميين للسلطة الهشّة بمغرب القرن السادس عشر. وعليه، فإنّ إدانته الأرثوذكسية لحركة الصوفي سليمان الشياظمي المعروف بالسياف أو بالمريدي، لا تعني إلا إلحاق هذا المنافس بالكاووس اللاارثوذكسي المميّز أصلا للمغارب قبل الإسلام وبعده على حدّ سواء. ففوضى التصوف الهرطوقي، ما هي إلا نتاج فوضى معمّمة متغلغلة في كلّ مسامّ المجال الممانع.
والواقع أنه، ينطلق من منظور فقهي أرثوذكسي، شديد الحذر من الفكر والاهتيامات الصوفية. فلئن عجزت المؤسسة الفقهية على إقرار الحقل الديني والفضاء المؤسسي الديني والتحكّم استتباعا في الفضاء الاجتماعيّ، فإنّ مداوري النظام المعرفي التحاجي، تمكنوا من التكيف مع المقدس المحلي ومع آلياته الترميزية والتدليلية. فالعرفاني الصوفي، قادر على التكيف مع النظام الرمزي الأمازيغي، ومع إطاره القدساني الشعائري، أما الفقيه الأرثوذكسي المعتمد على الآليات الأصولية والتوجهات التسلفية للمؤسسة الفقهية، فيجد صعوبة في التكيف مع الصور النموذجية للمخيال الاجتماعي الطرفي لاعتبارات نظرية ومنهجية وسياسية، رغم كلّ التسويغات والتدليلات المقدمة على سبيل المسايرة الاضطرارية أحيانا.
والواقع أنّ خطورة المتصوف اللاارثوذكسي، تكمن في قدرته على خلخلة التوازن السوسيو- تاريخي، وفي قدرته على إعادة رسم خريطة المقدس ومواقع مدبريه على نحو غير مؤسّسي. فالمقدس الصوفي اللاسنّي، متحوّل دوما، توليفي واستدماجي؛ أمّا المقدّس السنّي فمحدّد التخوم، والآليات والمسالك، ومتمسّك بنمذجة صورية متعالية على الصورة الخيالية المنبثقة عن المخيال الاجتماعي المحلي. ولئن اختلف المقدّسان في كيفية تدبير المقدّس، وتنشيطه وتكييفه، معرفيا وسياسيا، مع المستجدّات الوقتية، فإنّهما ينطلقان من التسليم المبدئي بالخارقية أو اللاعقلاني أو الكرامة. وقد ذهبت الأشعرية بعيدا في الذبّ عن الخارقية الكرامية، وفي تجويز خرق العادات وقلب الطبائع بشهادة (معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان) للدباغ.
فالفضاء الثقافي الأمازيغي، لا يجنح إلى اللانسقية واللاتمأسس الفقهيين فقط، بل يتضامن مع التذاهن الصوفي ويستمتع بالعوالم العجائبية للمناقب. فالأمازيغي يجمع بين إبطال حكم الشريعة، والتسليم الإيماني بخارقية النساك والصوفية. ( هؤلاء الجبليون أمناء جانحون للسلم، إذا سرق أحدهم أو ارتكب أية جريمة نفوه لمدة معينة. وهم مغفّلون إلى أقصى حد، إذا فعل أحد هؤلاء النساك أي شيء عدوه من الكرامات.) ( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا –- ج1-ص. 112)
وهكذا فهو ينظر بعين الارتياب والتشكيك للمقدس الموزع في أنحاء الجسم الاجتماعي، بدون مؤسسات مركزية منظمة ذات رهانات وتطلعات محددة بدقة . فحين يصادف المقدس اللارثوذكسي، يتحصن بعقلانيته البيانية، وبوضعه السوسيو- ثقافي، وبتقاليده الحضرية المتأففة أصلا من الغير الثقافي ومن ثقافات الأطراف والهوامش. فهو ينزع الشرعية عن المقدس اللامركزي، ليصبغها على المقدس الأرثوذكسي، ناسيا أن المقدس الأرثوذكسي ما هو إلا مقدس لا ارثوذكسي ومحلي صار أرثوذكسيا وكونيا بقوة السياسية والتوازنات الإستراتيجية وانتظام الاستراتيجية الدعوية والثقافية. فالغير لا يحمل الذات الملاحظة والواصفة، على تنسيب موقعها وخلفيتها الثقافية، بل يزيدها تشبثا بمقرراتها. وفي معرض توصيفه لأحوال ماسة بسوس، أشار إلى حضور المقدّس اللاارثوذكسي في مجرى حياة الساكنة المحلية، وانغراس الأساطيرية والأسطورية في عقول ومخيال الماسيين.
( ويوجد في خارج ماسة على شاطئ البحر مسجد يقدسه الناس كثيرا، ويذكر عدد من المؤرخين أن المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلا حسبما أخبر به النبي محمد (عليه السلام) سيخرج من هذا المسجد. ويقال أيضا إنّ النبيّ يونس (عليه السلام) لما التقمه الحوت نبذ بالعراء في ساحل ماسة…..)
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا –-ج1- ص. 114)
إن المقدس اللاارثوذكسي يجتاف الصور الميثية للمقدس الأرثوذكسي، ويستثمرها في صياغة عوالمه الطوباوية، وفي التمهيد لإنشاء كيانه السياسي. فالمقدس اللاارثوذكسي إذ يتأول التراث السنّيّ والميثولوجيا المؤسسية، يبرهن على قدرة كبيرة، على تحريك المتخيل الجماعي، وعلى مدّه بالإيحاءات وبالاستعارات الوجودية وبالاستيهامات الألفية المعادة الصوغ. فإذا تمسكت الكتابات الفقهية والكلامية، باستنساخ النماذج الأصلية المشرقية، فإن التطلعات المخيالية للاوعي الجمعي الطرفي، تصبو إلى الحيازة والاستدماج والاستبطان. ولا يكتفي العرفاني بتذويت الحكايات الألفية، بل يسعى إلى تفعيل اهتياماته في واقع مهووس بالوعود الخلاصية.
يقول ابن خلدون عن التوبذري : ( وقد كان لأول هذه المائة خرج بالسوس رجل من المتصوفة يدعى التوبذري، عند إلى مسجد ماسة بساحل البحر هنالك، وزعم أنه الفاطمي المنتظر، تلبيسا على العامة هنالك، بما ملأ قلوبهم من الحدثان بانتظاره هنالك، وأن من ذلك المسجد يكون أصل دعوته. فتهافتت عليه طوائف من عامة البربر تهافت الفراش. ثم خشي رؤساؤهم اتساع نطاق الفتنة؛ فدسّ إليه كبير المصامدة يومئذ عمر السكسيوي من قتله في فراشه. ) (- ابن خلدون – مقدمة ابن خلدون – تحقيق : درويش الجويدي – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت -2002-ص. 150) وقد يذهب العرفاني المحلي، إلى حدّ ابتداع ديانة ناسخة ومستنسخة للديانة الأصلية كما في حالة صالح البورغواطي وحاميم الغماري : ( وتنبّأ من البربر بعد صالح بن طريف البرغواطي، اثنان: عاصم بن جهل اليزدجومي، وحاميم بن من الله الملقب بالمفتري (الذي)ادّعى النبوة ببلد غمارة سنة عشر وثلاثمائة، وشرع ديانة تشبه ديانة برغوطة في الضلالة والكفر، وهي: صلاتان: صلاة عند طلوع الشمس، وأخرى عند غروبها، وفرض صوم يوم الاثنين والخميس، وعشرة أيام من رمضان، وأحلّ لهم أكل الأنثى من الخنازير، وقال : إنما حرّم في قرآن محمّد صلى الله عليه وسلم الذكر….) ( – مجهول – مفاخر البربر – دراسة وتحقيق – عبد القادر بوباية – دار أبي رقراق للطباعة والنشر – الطبعة الأولى – 2005- ص 174).
حين نتأمل شاهد الوزّان عن مسجد ماسة، نستنتج ما يلي: 1- حضور أجزاء من الميثولوجيا الإسلامية في الثقافية والروحية الأمازيغية بماسة وبسوس عموما(قصة يونس، والمهدي المنتظر…)؛ 2-اجتياف الذاتية الأمازيغية للمهدوية وقصة يونس وامتلاكهما بعد توطينها في الفضاء الثقافي والتاريخي لأمازيغ ماسة وسوس، أي أن التمثل مصاحب بالاجتياف والامتلاك وإعادة الصياغة. فالتقليد الثقافي الأمازيغي، بماسة وسوس، لا يكتفي باستنساخ العناصر التكوينية للميثولوجيا الإسلامية، بل يعمد إلى ربط المنقولات الأسطورية بتطلعات واستشرافات الجماعة المحلية. ومن البديهي، أن المخيال السوسي، يعمد إلى تغيير الجغرافيا الميثية للميثولوجيا الأصلية، وربط الخلاص بأرضه الميثية الخاصة. فالذات الأمازيغية لا تتمثل الروحية الأرثوذوكسية من باب الإتباع بل من باب إعادة الصياغة وإعادة التركيب أي من باب التأويل الذاتاني. والتأويل هنا لا يعني القبض على الدلالة الأولى،بل صبغها بصبغة الذات. و من المعلوم أن تأويل الميثولوجيا المؤسسية، مرتبط في المعهود الفكري الوسيط، بإنشاء الدول وإحلال سلطة جديدة محل سلطة منزوعة المشروعية العقدية والشرعية السياسية. ( وتحكي العامّة أنه ما مرّت سمكة من هذا النوع بقرب المسجد إلا ماتت بسبب البركة التي منحها الله لهذا المسجد. وكان يصعب عليّ أن أصدّق ذلك لولا أنّي رأيت بعيني سمكات منها يقذف بها البحر ميتة كلّ يوم.) ( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا -ج1- ص. 114)
فالفضاء الثقافي الأمازيغي كما يقدمه الحسن الوزان، غارق في التقديس، إلا أن هذا التقديس ليس معياريا وممأسسا وخاضعا لإشراف الجهاز والآلة الفقهيين المحكومين باعتبارات ثقافية – إناسية مشروطة بفضائها الأصلي (شبه الجزيرة العربية) وبزمانها التأسيسي (أي القرن السابع الميلادي). لا جدال في أنّ الحسن الوزّان، يتعامل مع الرمزية الثقافية الأمازيغية من منظور برّانيّ إغرابيّ، أي من منظور مقدّس ممأسس تراتبيّ ومسيّس. وبناء على هذا المعطى، فهو لا يسعى إلى قراءة الرمزيات الثقافية الأمازيغية قراءة داخلية محايثة، باحثة عن التناسق بين المتفرقات، وعن المعنى الثاوي وراء تمظهرات وتجليات المخيال المنفلت والمتحرر.
فمن المؤكّد تاريخيا، أنّ المؤسسة الفقهية فرضت مؤسّساتها وفكريتها ونظامها التنظيميّ ورؤيتها للعالم، بالحواضر المغاربية (فاس ومراكش والقيروان وبجاية….الخ)، فيما تمسكت البوادي والقرى برأسمالها الثقافي الرمزيّ وترسانتها القانونية العرفية. وقد قبلت السلطة الفقهية مرغمة، توزيع السلطة وتقسيم المهامّ التنظيمية، وإقرار “علمانية” جنينية وإجرائية كما في حالة تييوت. ( وفي مدينة تييوت قضاة وفقهاء يرجع إليهم في الأمور الدينية، أما المسائل الدنيوية فإنّ من كان أكثر أهلا كان أكثر حظا فيها….) ( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا –-ج1 ص. 117)

بقلم: إبراهيم أزروال

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal