img14.jpg

ادريس رواية شمال أفريقية / تعريب محمد الناصر النفزاوي (١٤)

الدكتور محمد الناصر النفزاوي

التـاريخ  هذا الدليـــل

كانت الجماعة تخصّص أوقاتها للتعلّم قبل كل شي. ولكنها لم تكن على هذا الحدّ من السذاجة الذي يدفع بها إلى أن تتغاضى، تماما، عن مصير البلد. فقضايا تاريخ مصر الحديثة وتاريخ أوروبا منذ الثورة الفرنسية وحتى عصر التوسّع الإمبريالي وسياسة فرنسا في مراكش وفي شمال أفريقيا على وجه الخصوص والمسائل الاجتماعية كانت تشغل بال الطلبة بشكل متزايد يلائم اتساع مجال بحوثهم .فكانت تجتمع في منزهٍ تملكه عائلة الفقيه الحفصي وتجتمع ، مرات أخرى، في بيت قديم في اتجاه باب المحروق حيث يستقبل الطالب السلاوي زملاء الدراسة. وكان من عادته، في كل مرّة ينعقد فيها الاجتماع في بيته أن يستقبل أصدقاءه عند الباب. وما أن يحلّ أحدهم حتى يشير إلى البهو قائلا ، وعلى الشفتين ابتسامة ساخرة لا تَتَبدّل: ” إلى الأمام ، نحو سراديب ! الأموات ولا يقبل ضمن الحلقة، لسرّية الاجتماعات المطلقة، أي تلميذ من غير الأعضاء إلا بعد عجم عوده مسبقًا. لم تكن الجماعة لا نادي تمرين على الخطابة ولا بِؤرة تآمر. فالقوم يجتمعون للتثقّف ويجتهدون، خارج أوقات الدراسة، في فهم انحطاط بلاد المغرب وتحديدها. ومن البديهي أنه إذا كان الطلبة يعيشون وضعا يؤهّلهم للانفلات، نهائيًا، من المستنقع الذي تنقّ فيه ضفادع القرويّين فإنه لا شيء، كذلك، يجبرهم على الانخداع بطُعم القائد كوينلارت الهزيل. فهم ، بِحَرَكَتِهم الذاتية، إنما يعبّرون عن احتجاجهم على كل محاولة إكراه. ومن أجل هذا الأمر اكتست اجتماعاتهم طابعًا عامّاً يزداد اتساعا بمرّ الأيّام فجمعوا بين مواضيع دراساتهم والمناقشات حول ضرورة الإصلاحات التي لا بدّ منها في مراكش وتوقيتها.
لقد كان سي تاشفين، المتحمّس لكل ما يرد من الشرق، هو الذي اضطلع بمسؤولية إنارة عقول المستمعين إليه حول قيمة التحرّر الاجتماعي الذي شُرِع في الدعوة إليه في بلاد الإسلام. لقد كان استقرائيًّا ينتقل من البسيط إلى المركّب. ويلجأ إلى هذه المقارنات التي يحلو للمنطقي أن يستخرج منها براهينه ويضفي عليها قيمة. كانت طريقته حرِيَّة أكثر من غيرها بالنجاح خاصة أنها تتجنّب ، قصدا، التحليل المغتصب الذي لا يلائم عقولا لم تتعوّد بما فيه الكفاية على عمليات البرهنة الديالكتية المعقّدة. كان يبحث ، قبل كل شيء، عن إقامة الدليل. وهذا لا يستبعد لا الآراء المتعارضة ولا الدحض النقدي.
ولقد ناقش سي تاشفين ، ذات يوم ، قضية تطوّر الإسلام المغربي في ضوء ما تحقّق في مصر من تقدّم.
كانت هذه المسألة موضوع محاضرة شاركه في إعداده عدد من الأصدقاء وهدف الأستاذ الشاب منه إلى الوصول بطلبته إلى تغيير نظرتهم رُكُوحًا إلى الآراء الجديدة ، فتحدّث عن حملة الجنرال بونابارت على مصر وحرص، قبل كل شيء، على أن يحدّد موضعها في إطارها الأصلي الناشئ عن تضارب مصالح القوّتين الخصمين وكذلك عن حِرْصهما على ضمان توسعهما في المتوسّط. وأظهر وجه قاهر الأهرام وهو يتفلّت مثل جانونس بيفرونس(1) من حملته الشرقية. إنه بونابارت قائد الحملة العام الذي كان يحرص على تعهّد برامجه في الفتح وعلى استمالة أكبر عدد ممكن من الأحلاف في صراعه ضدّ انجلترا.
ويوجد بونابارت آخر هو ذاك المتعالي الفظ العصبيّ الذي كانت تتخفّى تحت معطفه العسكري المزركش بأوسمة جنرال جمهوري أخلاق الدّغل الكورسيكي الأكثر تنفيرًا.

إن هذا، شرع سي تاشفين في الحديث، هو نفسه الذي أمر الجنرال  » بوايي بتقتيل سجناء يافا المسلمين متذرّعًا بأنهم عيال. وهو الذي كان يصف جزائريي الإيالة بالأنذال وأمر ممثّله لدى بلاط فاس الكومت دورنانو بتجاهل عدد من قواعد البروتوكول المعمول بها على الرغم من أن فظاظة مثل هذه تتضمّن إهانة للسلطان موصوفة. وما من شك في أن فرنسا ، لو قدّر لها أن تنتصر، نهائيًًّا، لكانت فرضت على مصر عقلية هذا البونابارت أي حكم السيف والكمامة وقوانين الاستثناء والتعمير الأجنبي والتبليد ومصادرة الأراضي الخصبة بالجملة وما يعقبها من استغلال مفرط للفلاّح…
- مثلما هو الشأن في الجزائر، دقّق سي عبد الرحمان بن الفاضل الذي كان مطّلعا عن كثب، على مسألة الاستعمار في أفريقيا الشمالية. مثلما هو الشأن في تونس حديثة العهد بالوصاية ومثلما هو الشأن هنا في مراكش…
انه لو نجح هذا البونابارت في اقتحام أسوار القدّيس يوحنّا في عكّا وفي  » تجنّب أسطول نلسن، واصل سي تاشفين، لكانت مصر اليوم جزائر ثانية ولما أمكن لطه حسين، رمز النهضة الحالية في وادي النيل، أن يكون أكثر من مصري ضائع وسط حشد مُغَْفٍَل من معاصريه. فهو ما كان ليجد، وقد قبل في الأزهر، غير معهد آسِنٍ بفعل المناظرات السكولاستيكية التي يديرها رودانيون مصريون يكاتفهم كوينلارتيّون لم تفتقر إليهم فرنسا البتّة منذ اليوم الذي اكتشف فيه حمار بيير الناسك شوارع الشرق.
“إن أزمة حكومة المديرين وهزائم عكّا وأبو قير وروح الكورسيكي المعذّبة، كل ذلك دفعه إلى مغادرة مصر. لقد لفظت الحملة التي كان عليها أن تقود إسكندر الأهرام الجديد إلى بابل ومعابد الغنج، بعد أن ضعفت أنفاسها الأخيرة ، بطعنة من خنجر أزهري هو سليمان الحلبي. وإذن فإن حرّيات مصر الآتية تربّت على جثّة الجنرال كليبير.
“ولكنه كان يوجد بونابارت آخر، هذا الذي كان عليه، بالتأكيد، أن يدفع،    رغما عنه، بِرُقِيّ مصرَ قُدُمًا. إنه جندي الجمهورية الذي احتكّ بمبادئ الثورة والذي تفتّح، بعد رحيله واستسلام جيشه، عدد من الحبّات سقطت منه على ضفاف النيل، على هيئة ِبذار فكري. ولكن، ولنلاحظ ذلك ، إن رحيل بونابارت واستسلام جيشه كانا شرطين ضروريين أتاحا مثل هذا التولّد. وفوق ذلك، فقد كان لا بدّ من ترافلقار وليبزش وواترلو وصخرة سنت هيلينة حتى يتاح لحبّات متشابهة ألقاها الزارع نفسه، عن غير قصد في ما صادف من ثَلْمٍ، أن تُغِلَّ عبر أوروبا وحتى في روسيا. ” ولقد أعانت مصر، إذّاك، مجموعة من الصدف. ويمكن القول إن محمد علي ، وهو يستقَلّ ،عمليّا، عن السلطان ويخصّ البلد بموارده الوطنية ، قد خطا الخطْوة الثانية .وقد فكّر الوالي بعد أن أصبح يتصرّف بحرّية، في خلق مِلاَكٍ (1) إداري وعسكري. وشرعت مصر، وهي التي وجدت ضمن سكّانها نخبة قادرة على تطوير ما حمل بونابارت من بذر إدارة ، تتخلّص، تدريجيّا من جمودها وتتحسّس حركاتها الأولى نحو النظام والتقدّم.

إن الأمر لم يكن بالسهل. وكانت العقبات كثيرة. من الخارج ومن الداخل » أيضا. ولقد كان تقتيل المماليك وسيلة صائبة.وكذلك مركزية الإدارة. وقد أصبح في إمكان الخديو إسماعيل سنة 1869 عندما أعلنت حفلات فخمة للعالم افتتاح قناة السويس، أن يَتَحَدَّثَ منذ ذلك الحين ، باسم شعب يعي، إن كثيرا أم قليلا، مصيره الوطني. لقد أقرّ رفع الولاية إلى منزلة خديويّة وتغيير قوانين الخلافة في الملك لصالح الوريث المباشر أمرًا واقعًا كان يهدف، عبر اختبار نظام دُستوري وإمكانات ديمقراطية أوسع ، إلى التخلّص من نظام حكم عفَّاه الزمن.
لقد كان الخديو إسماعيل شخصية فريدة. ومصر مدينة له بقدر كبير من » نهضتها الحالية.ومن الخَطَا تصديق كل ما كتب فيه. ومن المؤرّخين من شاؤوا ألا يروا إلا الجانب الخيالي في حياة كان يمكن، حقّا، أن تكون مذهلة لولا المصاعب التي تخلّلتها وأخطرها متأتٍّ، ما من شك في ذلك، من الدسائس التي كانت تدبّرها الأمم الأوروبية الساعية إلى احتلال مصر. كان إسماعيل رَحْبََ النظرة. ومصدر ضعفه هو بالذات أنه كان رَحْبَ النظرة إذ كانت الحكمة تقتضي عملا يناسب الوسائل والظرف الزماني. لقد كان يريد أن يكون سيزُوسْتِيرِيس (1) بلد، إذا كان فخورا، عن حق، بالرفاه الذي يدرّه عليه مورد الماء الذي يخصّبه، فإنه لم يشْرع إلا منذ أمد جدّ قصير في التخلّص من حِمِْل ماض ثقيل يعرقل سيرَه.ولقد فقد عرشه بسبب هذا الطموح الذي كان يدغدغه. ولكنّه لم يتخلّ عن خديويته من دون أن يخلّف عددا من الإنجازات ستستفيد منها نخبة تعزّز أساسُهَا أفضل استفادة.لقد كان إسماعيل في سدّة الحكم عندما حلّ ،في يوم من الأيّام، جمال الدين»

بالقاهرة مطرودا من كلّ بلد يستقِرّ فيه حاملا معه صندوقين لا ثالث لهما مثلما سيقول ، في يوم آخر، لمبعوث السلطان عبد الحميد الذي استقبله في القسطنطينية: صندوق كتب هو رأسه وصندوق منقولات هو جبّتَه. لقد كان مصلح الإسلام ، وهو يحل بمصر،يطأ أرضا سبق أن تهيّأت لالتقاط تعليمه وتمثّله.
كان إسماعيل وجمال الدين متناقضين تماما في النظرة إلى الأشياء. ولم»
يكن من الممكن، يقينا، أن تنشأ علاقات وئام بين الأمير، وهو مستبدّ مقبل على ملاذ هذه الدنيا محافظ مبدأ ومزاجًا والثوري الأفغاني وهو مبشّر يحترق حماسة لا تَخمد ويضحّي ، في سبيل الفكرة، بكل شيء، مُستخفّ بثروات هذا العالم وأمجاده المتهافتة. كان التناقض يشمل الجسدي والأخلاقي معًا.ولقد أورثت الحِفارة صورتيهما الأجيال اللاحقة . لقد كان أحدهما وهو الخديو رجلا ممتلئا رَبْعَةً شهوانيًّا ذا هيئة متعجرفة شُوَيّة لا يبدو أن هموم الحكم قد أثّرت
كثيرا في صحته التي ينبئ عنها بما فيه الكفاية لون وجهه وبدانته. أما الآخر، وهو المصلح، فقد كان نحيفا نحيلا ذا وجه شاحب مُتَوَجِّعٍ لفّه قماش صغير أبيض يضفي عليه هالة ناسك باهرة ويحيط به شعر يتهدّل على قفاه في تجعّدات سوداء مبعثرة.
على أنه يوجد أمر جامع بين هذين الكائنين المختلفين إلى هذا الحدّ عنّ»
بعضهما البعض. لقد كانا، معا، متفقين على نشر التعليم ومقاومة الجهالة.وكانا متفقين،معا، على إصلاح الأزهر وعلى تخليص الجامعة الألفية من القشرة التي
كانت تعرقل سيرها عرقلة تتمثّل في متحذِلِقين يتلفّظون بصيغ قديمة لشبيبة تستأهل تعليما أفضل بكثير. ولذلك تعرّضا، معا، للنفي.
لقد تكوّنت حول جمال الدين نواة الأتباع الأولى التي ستمسك، فيما بعد ،» بمشعل البعث المصري .وإذا كان تعليم المصلح الموجّه إلى العالم الإسلامي والذي أثمر، عمليّا، في مصر أكثر مما أثمر في غيرها من البلدان، يتضمّن رؤى متنوّعة تتعلّق بمجمل الحياة الاجتماعية ، فإن أتباعه أكبّوا على جملة هذه المسائل ، كل حسب تهيّئه ومقدرته. وهكذا فإن محمد عبده، تابعه المفضل، انشغل بترويض العقيدة بإخضاعها للتأويل العقلي الذّكِي فنقد، هو بدوره، الأزهر وسعى إلى حمل المؤسسة الجامعية العتيقة على الاستئناس بروح القرن يشدّ أزره في هذا المسعى أتباع آخرون.فسلك عدد منهم إلى هذه الغاية طريق السياسة والأدب وطرق عدد آخر منهم باب الفلسفة والإصلاح الاجتماعي.وقد تأنّس عدد منهم بنظريات الإنهاض الاقتصادي والمسائل الزراعية .
لقد ظهر، عندئذ، مصطفى كامل، منشّط الوطنية المصرية الشاب . إن»
مصطفى كامل يمثل في المسار الذي قطعنا، النتيجة المنطقية والهدف الذي تلاقت فيه الجهود التي بذلتها مصر، منذ غزوة قمبيز(1) وسقوط آخر الفراعنة، وما زالت تبذلها لاستعادة هذه الوحدة الترابية التي يرسمها بحتميّة مجرى !النيل تماما مثلما يرسم خط قمّة الأطلس، هو أيضا، وحدة مغربنا كان وجه سي تاشفين، وهو ينطق بهذه الكلمة، يتجمّد فيما يشبه نوعا من الانخطاف وكأنه خضع لتأثير صدمة كهربائية. كانت عيناه تلتمعان وكان جذعه ينتفخ في حين نوّرت ابتسامة شاحبة وجهه الذي أنهكه الإعياء وزادت من شحوبه، إضافة إلى ذلك، بنية جسدية ضعيفة تظهره في مظهر مسلول لن تطول به الحياة…

لقد كان يمكن لمغربنا، هو أيضا، واصل الفقيه الفحصي، أن يسلك طريقا » مماثلة لو لم يحدث أن برزت عوائق حالت دون تحقيق تطوّر كان كلّ شيء يبشّر بملامحه الواعدة.لقد وطّن المغرب، وريث الفترة الأندلسية المباشر، بتفاوت، حضارة الإسلام الأندلسي البهيّة وحافظ على بقاياها. وإذا كان قد نشأ نوع من الفكر المتخلّف وبقي في الحالة نفسها مُقاوما، إلى هذه الأزمنة ،كل جهد خلاّق، فإن هذا كسوف علينا، لسوء الحظ ،أن نقرّ بنتائجه الكارثيّة. ولكنه لم يعد في وسعنا أن نقبل ، إلى أبد الدهر، بالخضوع له. لقد مدّ العلويّون مراكش بثلاثة سلاطين من الطراز الأول كان يمكنهم أن »
يصبحوا مجدّدي المغرب.هؤلاء الحكّام لم يكونوا شخصيات هزيلة.ويجمع النقد التاريخي ، اليوم، على تصنيفهم ضمن زُمْرَة هؤلاء المستبدّين المتنوّرين الذين وظّفوا قواهم لخدمة شعوبهم. لقد استعمل البعض منهم،مثل مولاي إسماعيل، القوة على غرار واحد مثل بيير الأكبر وراوح الآخران،مثل مولاي الحسن،بين الوسيلتين أو، إذا شئتم، كان قلُُّبًّا مثلما هو الشأن في ينابيع مولاي يعقوب الكبريتيّة.هؤلاء السلاطين أحبّوا بلدهم ونافحوا عن هيبته واستشعروا في حياته الاجتماعية بعض ما يتخّللها من تعثّر وتقلقل ومن ثمّ سعوا ،فعليّا، إلى تحقيق عدد من التغييرات المفيدة. ولكنهم، جميعا، فشلوا في مسعاهم. فلماذا؟
ها هو سؤال يلزمنا بضرورة البحث عن إجابة عليه. وعندما نحصل على » هذه الإجابة فإنها تسمح لنا بفهم أفضل للأشياء في مقبل الأيام. وقد نصل ، إذا حدّدنا هذه الأشياء بشكل أوضح، إلى التخلّص من هذه العادة المؤسفة المتمثّلة في إسْلاَمِ أَمْرِنَا، دائما، إلى هذه القوى الغيبيّة في ما يتعلّق بالبحث في مشاكل عالم الأرض. ” إنه لا مسبّبات من دون سبب. وحتى يتمكّن السبب من تحقيق نتيجة لا بد من توفّر سلسلة من الظواهر المتتابعة المرتبطة بعضها ببعض : ها هي ، للمرّة الثانية، قاعدة لا تَقِلُّ عن الأولى إطلاقا.والاثنتان ،تتحدان، بالبداهة ، وتتكاملان في الحقيقة المعقولة ذاتها. إن البيضة لا تخرج من الدجاجة إلا بعد أن تكون قد تعرّضت لسلسلة من التحوّلات التي تبدأ من الحُوَيْن المنوي الذي أودعه ِفعْلُ الذكر في المبيض وتنتهي بتكوين الزّلال وتبلّر القشرة. وتتطور المضغة الِمحْمُولة بعد وضعها وتفريخها فتنشأ وتكبر وتفقأ قوقعتها لتندفع مباشرة في البحث عن الحبّة المغذّية. وفيما بعد يحدث تبدّل آخر عندما يخلي الزغب الذي يغطّي جسم الفَرّوج العاري المكان لريش الديك الجميل الساطع. إننا ،على هذا النحو ، نعرف كيف تتولّد الدجاجة من البيضة. وهذا منتهى الأمر. ومن غير المفيد أن يضيع المرء وقته في إقناع النفس بأيّتهما، الدجاجة أم البيضة، سبقت إلى وضع الأخرى وضمنت تكاثر الدواجن الذي لا ينقطع.إن هذا القانون الكيميائي الحيوي يمكن أن يتآلف كذلك مع تفسير الظواهر التاريخية. “إنه بوسعنا منذ الآن، واصل سي تاشفين بعد هذا الاستطراد، أن نفهم، بوحي من تفكير مثل هذا، الأسباب التي حالت دون بعث المغرب في الوقت المناسب على الرغم من إرادة كثير من سلاطينه. لقد كان مولاي إسماعيل ومولاي الحسن متوحّدين في عصر غشَّته خِلْفَة عوائق شالّة مكّنها من التوطّن،هنا، فقدان كل فكرة إصلاح. وحتى فكرة الثورة..
حدّق سي تاشفين في الحاضرين وهو ينطق بهذه الكلمة. ثم واصل : “هل تفهمون، إنني أقول ثورة ولا أقول تمرّدًا وهو أمر مختلف تمامًا.
لقد كان الإسلام ثورة كبيرة. وكان محمد، مثلما كان المسيح من جهة أخرى، أكبر ثوريي عصرهما. إن القرآن، تمامًا مثل التوراة والأناجيل ، لم يخل من هذه الخميرة الثورية التي صمّمتها عدالة ثابتة هي الصفة الأصل في إله واحد سام عادل. والإسلام الذي ترون اليوم ليس غير ثوب رثّ ورسم ساخر عن العقيدة الكبيرة الديمقراطية الإنسانية زمن الرسول والخلفاء الراشدين. وإلى ذلك الإسلام أردت، قبل كل شيء، أن أصل. ” إنه من غير المعقول السعي إلى فصل عدد من سلاطيننا عن وسطهم.
ويمكن للمرء ، فقط، أن يقول إنهم بحثوا عن أن يتقدّموا عليه. ولذاك السبب لم يقع فهمهم. فهذا الوسط لم يكن بعد مهيّئا لقبول الإصلاحات التي انتَوَوْا تحقيقها. لقد كانت تعوز مراكش مقدّمات مثل هذا الإيلاد.ولنعمدْ إلى بعض المقارنة. إن الثورة الفرنسية التي هي نتيجة منطقية للصيرورة الطويلة التي حضنها النظام القديم هي التي ولدت نابوليون وأنضجت المبادئ التي قادت جزءًا من العالم نحو النظام الجديد.ولقد سبق أن رأينا كيف أن نابوليون ، الطاغية الإمبريالي، كان عاجزا عن الإفلات من الروح الثورية التي نشأ عليها ومثّلت مَرْقًى لمجده.ورأينا كيف أنه ترك، رغما عنه، في مصر التي جاءها غازيا باحثا عن مآثر خانقة للحرّية شبيهة بالمآثر التي يمثّلها اليوم في أفريقيا الشمالية لارُوقان ومدرسته، عددًا من البذور أغلّت، بعد رحيله، حصادًا جدّ وفير.
” وحاصل الكلام هو أنه قد يكون من الصعب، إلى حدّ ما، الاعتقاد أن السيف» العربي، لولا اليهود الذين بلغ بهم الصلف حدّ الإيمان بأنهم شعب مختار ولولا الكنيسة التي عجزت، هي بدورها، عن الوفاء بالالتزامات التي قضى بها شهيد الجلجلة ،كان يكفي وحده لتحقيق المعجزة الإسلامية في القرن السابع.
” إنه توجد، في تاريخنا المغربي، حلقة مفقودة. لقد حطّ ابن خَلدون، وهو كاهننا، فوق ذرى الأطلس من دون أن يفكّر البتّة في أن يبني فيه عُشّا له. وهذا مَثّلَ، بالنسبة إلينا، خيبة كبيرة. لقد اكتفى بأن ضرب الهواء بجناحيه ضربات قويّة قبل أن يهاجر إلى الشرق فتنتهي شعلته المضيئة المعذّبة بالانطفاء عند قدمي تيمورلنك. وبعد ذاك كانت الفوضى أو ما هو قريب منها.أما جهود المرينيين والسعديين الجديرة بالتقدير فلم يتح لها أن تصمد بعد تشتّت هاتين السلالتين اللتين دونت مع ذلك البناءات التاريخية التي تجمّل جزءا كبيرا من أرضنا، آثارهما.
إنا علينا، حتى يكون عملنا مثمرًا، أن نبدأ من حيث يجب الابتداء، أي بالتعليم» بالمدرسة. هل تسمعون: بالمدرسة. وهذا هو المأخذ على سلاطيننا في عصر الانحطاط. إن لمولاي إسماعيل عذر الزمن. فالقرن الثامن عشر هو الفترة الأكثر اضطرابا في العالم الإسلامي القديم. إنه عصرنا الوسيط أو، إن شئتم، العام الألف الذي شهد الإسلام يترنّح في قاعدته ترنّح جبّار هَرِمَ قبل الأوان.
لقد أصبحت قرطبة منذ زمان مسيحيّة ولم يعد الإسلام، في إسبانيا، غير ذكرى لا تكاد تطفو على الجهالة التي نشرتها جيوش متعصّبة ماكرة. وأغرقت بغداد ضربات التتار. ولم يكن وضع القسطنطينية والقاهرة أفضل من وضع فاس أو الجزائر. لم يكن، إذن، في وسع خليفة مولاي رشيد أن يسرع أكثر مما كان ممكنًا. أما في ما يتعلّق بمولاي الحسن فالأمر مختلف. كان هذا الأمير يحكم بلدا يفصله عن أوروبا مضيق لا يتجاوز عرضه عددًا من الكيلومترات. ولقد استغرق حكمه العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي. أودّ أن أقول إنه استغرق فترة حاسمة كان يمكنها، لو حسنت الاستفادة منها،أن تعين على تطوّر أفريقيا الشمالية جميعها. لقد اعتلى مولاي الحسن سدّة العرش، وهو الذي عاصر عبد الحميد وجمال الدين بعد زمن غير قصير من إصدار الخلافة العثمانية قوانين التنظيمات التي فتحت أبواب التقدّم في الشرق وزمن سنّ خير الدين، في تونس، دستورا بقي عند مواطنينا في الشرق السلاح المطلبي المتميّز. ولو استوحى السلطان هاتين السابقتين، لكان في إمكانه، إن لم يجدّد مراكش، أن ينشئ فيها،على الأقل، مدارس ما من شك أنه كان يمكن لشبيبة البلاد على الأقل،أن تعثر فيها على وسيلة تسمح بتنمية ملكاتها.ولكن مولاي الحسن، ومهما كانت نواياه الحسنة ووطنيته التي لا مطعن عليها، لم يكن بقادر على استيعاب هذه البداهة البسيطة التي تعادل بيضة كولومب. نعم، لنستعمل هذا المثل. لقد كان، بالتأكيد، صادق العزم على إفادة بلده»
ولكن ما كان ينقصه هو هذه القدرة على التمييز التي تسمّى، أحيانا، العبقرية.
كذلك لم يتمكن عدد من مستشاريه الذين كانوا يعادلونه حسن نيّة من تكوين فكرة عن الإنهاض الذي تقتضيه قوانين القرن. لقد كان محمد بن العربي الطّـِّريسْ (1) وفضّول قرنيط وبن يعيش وبا أحمد خَدَمَةً أوفياء نزهاء. ولكنهم لم يكونوا أكثر من ذلك. وقد وقع إرسال عدد من البعثات إلى أوروبا وقع التخلّي عنها فيما بعد. ومن ناحية أخرى، كان على مدّة الملك أن تُسْتَنَفَدَ في حملات لا نهاية لها كان الملك يقودها قمعا لحركات عصيان لا تعدّ كانت تهزّ مراكش وتذهب بما تبقّى من قوى الإمبراطورية. وهكذا فإن الشبيبة المراكشية كانت، عند موت مولاي الحسن، ما تزال في طور اجترار القرآن المحفوظ في اللوحة، في زاوية مظلمة يلفّها الدخان من زوايا مَِْسيدَات فقيرة…
استحضر فكر إدريس ،على الفور، تأثّرا بهذا الاسترجاع، سي عبد السلام في حين أحسّت قدماه، نتيجة ارتكاس عفوي، لكنه جد ّطبيعي، بتنمّل خيالي اختلط ! بذكرى الرحيمة البعيدة ”في الوقت الذي كان فيه الغرب يلد أمثال باستور وإديسون وتولستوي و رودين، إي نعم، في الوقت الذي كانت مفاهيم الصحّة والعلم والأدب والفنّ تزهر في حضن الحرّيات المعيشة والرخاء المحيط. إننا هنا بحذاء أحداث ، بحذاء أخطاء لا بدّ لها من ثمن . وها نحن ندفع ثمنها. ـ “إننا ندفع ثمنها مرّتين، صاح السلاوي. إننا ندفعها بفقدان الحرّيات التي تتحدّث عنها والتي لا نقدّر قيمتها إلا بمقدار الوضع الذي أجبرنا عليه ومع الشعور المرّ بضعفنا. وندفعها ،ثانية، باحتمال هذا الجمع من الببغاوات القديمة التي تُعَقْعِقُ على سِلَع مناة: هذا هو ما نعارض به باستور وإديسون وتولستوي ورودين ا
ولكن ، لا بأس، ردّ الفقيه الفحصي، لنفعل.لنتعلّم، ومن دون عون ، إن» اقتضى الأمر. ولنشرب حتى من هذا الخُيَيْط المائي النزر المتاح لشفاهنا. لنواجه، بتصميم، المستقبل.لنعوّض الكمّ بالكيف ولسوف نسدّ الفجوة إن عاجلا أو آجلا “

كانت هذه الدروس أنفذ من عرض علمي حول فصل من فصول التاريخ المعاصر. فمن ميزاتها أنها تنبض حياة وتُلْقَى بحسب ما يقتضيه المنهج المباشر. كانت تثير الاهتمام وتروق للسامعين وتدرّب العزائم الشابة على مشاكل المستقبل. ولقد تواصلت على هذا النحو، متنوّعة آنيّةً دائما مُقْنِعَة في غالب الأحيان.

وفي يوم آخر كان سي عبد الرحمان بن الفاضل الو نوغي هو الذي ألقى على الحاضرين ما يشبه محاضرة حول تاريخ الاستعمار الفرنسي بعد 1789. ألقيت المحاضرة في منزهٍِ يملكه واحد من الطلبة، يقع على مقربة من دار دبيباغ مساء يوم معتدل الحرارة من أيام ماي ،وسط حديقة تتخلّلُها أجُمُ قرنفل وخُبّيزةٍ.
كانت نشوة العبير والألوان تمتزج برأفة شمس تنقل، بأشعتها، نسمات البوإبْلان المختلجة الأخيرة. وكان القوم جالسين على الطريقة المغربية، على الأرض، فوق بسط من الرباط ، حول الطبق النحاسي الذي لا مفرّ منه. ولكن المجلس لم يكن موضوعه هذه الحالة من الكآبة التي كان مؤلّفون هزيلون يغدقون ملامحها، بغباوة، على شرق اختير موضوعا لرواية رديئة.
لقد كانت الأذهان جادّة وكان كلّ طالب قد أتى إلى هنا، وقد تحرّر من الوهم الذي يزوّد به في أماكن أخرى، بحثا عمّا هو أكثر احتياجا إليه. إن التعليم ، على حدّ تعبير كَرْنْيَاد يؤخذ من المكان الذي يعثر فيه المرء عليه.
كان سي تاشفين هو الذي يرأس الجلسة. وكانت الفرنسية هي لغة المحاضرة وذلك لغرض واحد، وجدّ موضوعي، هو تعويد الطلبة على التعبير بهذه اللغة التي لا أحد ينكر حسنها ولا وضوحها.
كان إدريس يتكلّمها قبل الآن بما يقرب من الإتقان وكان يقرأها مكتوبة ،من دون أخطاء. ولكن النطق بها كان ، لفقدان الممارسة المتواصلة، يشكو من نبرة تشي بآثار من القشتاليّة حافظ عليها منذ دروس الأب توركواتو الطيّب الأولى. كان سي الونوّغي يتكلّم في هذا اليوم.لقد شرب، هو، من نبع كْلِيّو(1). وكان يتقن، تماما، لغة الأب فيكتور ولا تفوقه أي صغيرة في التاريخ المعاصر. لقد أمضى وقته، وهو الذي عاش مدّة طويلة بما فيه الكفاية في فرنسا وسافر عبر أوروبا متطلّعا إلى كل ما يمتّ بصلة الى المكتبات والمتاحف والمخابر وقاعات التحرير والنشاط الاقتصادي ومشاكل الحياة الاجتماعية، في التعلّم ومقابلة الآراء التي كوّنها عنها بعضها ببعض. وقد استنبط من مجموع هذه الآراء نواة أفكار وسيطة أصبحت بعد أن رسخت نهائيا في ذهنه، تقوم مقام المعيار المحدّد لطريقته في التصدّي للأمور.

كان موضوع البحث على قدر من الأهمّية. هو لم يكن بحثا في أصول التوسّع بقدر ما كان بحثا في التناقض بين الوسائل المستعملة لتطوير نتائج استعمار لا حدود له وإعلانات الترفع عن الاستغلال والإنسانويّة، التي يقع إبرازها باستمرار والتي يصرّ سي الونّوغي على التشديد عليها وعلى إفحام المُتَلِبّسين بها. ولكن العرض كان يتضمن، من أوّله إلى آخره، ملخّص أحداث كثيف يعبّر جيّدا عن قرن المِحَن هذا الذي شهد بلدان المغرب تزول، الواحد تلو الآخر بمقتضى قانون الأواني المُسْتَطِْرقَة الذي يشاء أن تكون أفريقيا الشمالية إما حرّة تماما وإما مستعبدة تماما.
“يمكن اعتبار الثورة الفرنسية في عدد من الوجوه، بدأ سي عبد الرحمان» الونّوغي، نظيرة الثورتين الإنجليزية والأمريكية اللتين سبقتاها. لقد كانت ديمقراطية في فرنسا ولكنها مدّت الحركة الإمبراطورية والاستعمارية بطاقة غير معهودة حتى ذلك الوقت. لقد أصبح هذا طابعها ابتداء من 1792. فقد دمّرت حروب متظلّلة بالشعار الذي تضمنه الدستور الجمهوري، أوروبا. وشنّت حروب في آسيا وأفريقيا تأذى منها استقلال الشعوب والسلام العالمي. إن الإٌيديولوجية التي دفعت إلى الثورة بتأثير من النظريات التي دافع عنها كانط وروسو والموسوعيون والفيزيوقراطيون تلاشت تماما على عتبة المستعمرات.
وإذا كان هذا الضرر محدودا في أوروبا التي تمكّنت فيها ردّة فعل الشعوب على الهجمة النابليونية حاملة لواء النظريات المثبتة في روح القوانين والعقد الاجتماعي، مع ذلك، من الغلبة باستعادة توازن الحقوق الذي تعرّض، فترة، للخطر، فإن الأمر كان مغايرا في الشرق.
لقد تبنّى اليعقوبيون منذ سنة 1792 سياسة الهيمنة التي ثبّتتها، أثناء حكم» الطاغية ،معاهدات واستفاليا والتي اقترنت جهود تحقيقها باسم ريشوليو.بدا ذلك صريحا في الهيئة التشريعية التي كانت فيها الغلبة لِذِمَامَةٍ جديدة تبيح كل شيء باسم مبدأ أعلى يقع اختزاله،دوما، في مبدأ الإنقاذ الوطني. إن فالمي التي اعتقد غوته انه اكتشف فيها شيئا ما جديدا كانت، على العكس من ذلك، تدلّ على أنها الهجمة الأولى التي ستقود عقبان مقبل الأيام إلى الأهرام وإلى يينا. أما فيما يخصّ حكومة المديرين فقد أقامت أسس حرب توسّعية ذات سمة استعمارية واضحة وكان بَرّا يعلن منذ ذلك الوقت، عن سياسة عدوانية، إن كانت، ربما، معادية لانجلترا فهي، قطعا، من أجل فرنسا أكبر، في القارة وفي ما وراء البحر شبيهة بهذه السياسة التي سيطلق عليها غليوم الثاني اسم السياسة العالمية(1) والتي كانت عاقبتها كارثة 1914.
إن رأسمالية كبار أصحاب السفن الفرنسيين المركنتيليين في القرنيين السابع» عشر والثامن عشر اقتصرت على امتلاك وكالات تجارية واجتذاب عدد من السلع الكمالية التي حتّمت على ريشوليو وكولبير أن يعمدا إلى محاولات توسّع أوِّليّ. ولقد بدّدت خيبات القرن الثامن عشر الاستعمارية هذه الأوهام الخادعة. ولكن رجال ترميدور اعتقدوا أن في إمكانهم أن يصلوا إلى نتائج أفضل وذلك بإرسال بونابارت لينجح حيث فشل ديبليكس وقراصنته وبهذه الطريقة تتكرّر المشاريع الاستعمارية التي فشلت زمن الحروب الصليبية بفشل مغامرات القديس لويس على أسوار دمياط وتونس، متوسّعة زمن العلم الذي تكرّس على درجات الباستيل.

إنني لن ألحّ على هذا الفصل بعد أن استمعتم إلى دروس سي تاشفين. » فأنتم قد حصلتم على قدر من المعرفة في ما يتصل بفتح مصر ثم جلاء الجيوش الفرنسية عنها…
-جيوش القديس لويس؟سأل تلميذ يبدو أن الأمور اختلطت عليه.
…لا، أجاب سي عبد الرحمان وعلى وجهه ابتسامة خفيفة، إنها جيوش» جمهورية السيدين مونج وبرتولي. ولكن ما أميل هنا إلى إبرازه، قبل كل شيء، هو التحمس الذي أبدته هذه الجمهورية ،السبّاقة اسما، لتأثر الملكيّة في ما يتصل بمجموع سياستها الخارجية. وهذا على الرغم من طنّانيّة الكلام التي استخدمته في محاربة الحكم الملكي المطلق والامتيازات الطبقية في فرنسا. وعليكم ألا تنسوا أن نابوليون هو الذي أعاد العمل بنظام الرَق ّفي المستعمرات وأن جول فيري لم يتردّد، بعيد كوارث 1870، في دفع القَادِسِ الجمهوري نحو أفريقيا الشمالية وبحار الصين.
إن مؤتمر فيينا، ومهما كان رجعيا في ما تمخّض عن النقاش من نتائج،» أقرّ، هو أيضا، المسألة الشرقية في جدول أعماله.وعلى هذا النحو، تشكّل الشرق في عيون ميترنيخ وتلامذته على هيئة أراضٍ للاستعمار بمقتضى مبادئ نفعية صرفة. لكن القوم اعتقدوا أن من الضروري إلباسها بَرِْلينَةَ صليبيّ مثلما ظهر ذلك في نافارين وميسولونغي والجزائر. لقد كانت الملكيات المنتصرة على نابوليون المتَّفِقَة فيما بينها عندما يتعلّق الأمر بقمع الحرّيات في أوروبا، تتفاهم تماما، بموجب ميثاق التحالف المقدّس،على كلّ ما يمكن أن يَكِيدَ بلاد الإسلام أو يضعفها.
لقد كانت هذه ، عندها، سياسة ثابتة، ودليلا على الاتجاهات الجديدة التي تعبّر عنها تعليمات دواوين قنصلياتها.أما فيما يتعلّق بملوك الاستِعْرَاش(1) فلقد حذوا، هم أيضا، حذو المجلس التشريعي والإمبراطورية مثلما حذا بريسو وبونابارت
حذو ريشوليو والملك- الشمس.
” أمر شارل العاشر باحتلال الجزائر متذرّعا بوجوب عقاب الداي حسين.»
وقد يكون ، مع ذلك، من الطريف أن يعرف المرء إذا كان خدّا القنصل دي فال قد تعرّضا، حقّا ،لضربة الِمذَبّة الشهيرة هذه التي ورّثتها الأسطورةُ، منذ ذلك العهد، التاريخَ. غير انه ما أن احتلّ بورمون (2)مدينة الزيريين حتى نسي القوم قضية المروحة لتنحصر ذريعتهم في القضاء على القرصنة وإلغاء العبودية
وكأن روح فولتير ما زالت تؤرق شوارع باريس. ثم رفع القناع، بفظاظة، وأعلن الملك لمن ما زال يشكّ في ذلك، أن الفرنسيين نزلوا في إفريقيا باسم الصليب…
رَفع سي عبد الرحمان ساقيه وشبّك يديه حولهما وتابع مونولوقه :
بعد ثلاثة أشهر من إنزال سيدي فرج اختفت الملكيّة وأعادت ملكيّة جويلية»
العلم الثلاثي الألوان الذي دفن في واترلو وذلك بأن نصّبت على العرش الشاغر ابن بوربوني سبق له أن حارب في فالمي وفي جيمابس في صفوف الجمهوريين. وهذا لم يقِ رأسه من أن تتدحرج في سلّة المواطن شمشون. ولقد تسلّم لوي فيليب السلطة باسم الدستور وبترحيب من البرجوازية الباريسية وكتيبة من الرومانسيين كانت تطالب بنقل بقايا روسو إلى البانتيون وبقايا شهيد سانت هيلينة إلى الأنْفَليد وانتهى الأمر بتلبية رغبتها.

هل كان ذلك يعني فاتحة عهد جديد؟ لقد هبّت، حقّا، نسمة أمل فوق سهوب»
بولونيا المضَرّجة دمًا وتنوّرت جمعيات المافيا في غاباتها. وانتصرت الليبرالية في واحد من بلدان أوروبا. ولكن الجزائر ، وأنا أسألكم، ماذا غنمت الجزائر من تقلّب الرأي هذا في الزمن الذي عاد فيه قصر التويلوري في علاقته بمصر، إلى سلوك السياسة التي تحدّدت ملامحها بعيد الأهرام؟ وماذا كان حظ المغرب منها؟ لقد كان مواصلة غزو الجزائر المقترن بعمليات إبادة: أوامر الإعدام التي أصدرها سافاري، دوق روفيقو، في المتّيجة ومحرقات الظهرة والهجوم على السمالة والحنث باليمين المتمثّل في نقض اتفاقيات ديميشيل والتّفنة.
انه لا شيء البتة، في نهاية الأمر، أعطاه تغيّر النظام هذا المغربََ»
الذي فقد منذ هذه الفترة جزءا منه ولا المشرق بل إن الأصوات الليبرالية والرومانسية المدوّية تغاضت عنهما. فشاتوبريان، على الرغم من وَلَعِهِ بهذه العبقرية المسيحية التي لا تلائم كثيرا روح روني، كان يحرّض على الغزو وافتقرت قيثارته افتقارا كاملا إلى وتر قادر على التغنّي بمآثر الجزائري وهو يحارب دفاعا عن دينه ووطنه. إن هذا المفتون بآخر بَنِي سراج ، والفنّان ذا الحسّ الرهيف الذي كان يقف وقفة ذهول تحت قباب الحمراء وإيراق حدائقها، لم يعد ،وقد استنّ ووهن منه العظم، غير مُحْتَضٍَر باحث عن تبريك بابوي. ولذلك فإن هذا الذي استهجن مذابح يافا في مذكرات ما وراء القبر لم يتمكن عندما دَخَنَ بِلَيسي بموافقة بوجو التّامة –ورضا الملك- المواطن الأكيدة ، أولاد رياح في كهوف الورشنيس، من العثور على كلمة رثاء أو لم يشأ أن يرثي الضحايا الأبرياء الذين نكل بهم الجُنْدَِويون الفرنسيون.
كذلك كان، من ناحية أخرى، شأن لامارتين وشأن هوغو. فلا أحد تجرّأ»
على إبداء انشغاله بالمغرب المجتاح أو بالإسلام المهاجم.إنها سياسة الأذن الطرشاء. هذا إن لم يجرّد في وجهه سيف الحروب القديمة مثلما كان شأن بيرون في اليونان. فلا وجود في القيثارة ، البتّة، لأوتار ترثي أتباع الهلال…
انتفضت الجلابات لسماع اسم هوغو. فلقد اشتهر الشاعر المنشد، على الأقل مثلما يظهر في الأولمب الأدبي، بأنه روح سويّة سليمة النيّة ذلك أن لسَحَرَة الكلمة صيتا شالاًّ يحيطهم ، بعد موتهم، بهالة شبيهة بالتاج العُذِْري القادر على الحدّ من أقوى المآخذ.
وعندما شرع سي عبد الرحمان ، بعد أن ندّد بصمت عاشق أتلا المبين، في إفراغ ما في جعبته عارضا أسماء الشعراء الكبار تمدّدت وجوه المستمعين الفتيان في شيء من التلهّف. لقد كان عدد منهم يحفظ، غيبا، مقطوعات كاملة من التأملات ومن أغاني الشفق.وكان آخرون قد عثروا، وهم يقرِؤون رافاييل، في الغنائية على هذه الموسيقى الباطنية التي تؤثر في القلوب جميعها وتتصل بكل الانفعالات الإنسانية . لقد شربوا،هم بدورهم ، من هذه الكأس ولم يكونوا أواخر من أثْمَلَهُمْ هذا الشراب.
لقد حاز إدريس الذي كانت نفسه الرقيقة الحالمة تبدو أنها تضخّمت بِبَلاَسِم
تيزران، على الدوام، نسخة من رافائيل ضمن المكتبة الصغيرة المرتّبة في خزانته. ومن ناحية أخرى، فقد كان رافائيل وصالامبو وجرمينال وأزيادي
كتبه الأولى المفضّلة.لقد حاول ابن الحاج علاّل من خلال لامارتين وفلوبير وزولا ولوتي، بالذات، وعبثا، أن ينفذ إلى هذه الروح الفرنسيّة التي حبكت على هيئة مفرطة إفراطا غريبا في التناقض والمفارقة. ولكنه لم يتمكّن البتّة من فهمها. فهو غالبا، عندما يقارن بين ما يقول الفرنسيون وما يعملون وبين المبدإ الذي يعلنون وما يمارسون وعندما يقارن بين كمال قوانينهم وروح الابتذال
والصَّغَار التي تتّسم بها إدارتهم ومحاكمهم في علاقتهما بالشمال أفريقيين وعندما يحاول دراسة الإعلان عن حقوق الإنسان وقانون الأهالي ويسعى الى إقامة مقايسة، وفي أضيق الحدود، بين مفاهيم الرموز المرسومة على الشعار الجمهوري وسياسة التمتّع الضارّة مثلما يشاهد في مراكش وعندما يضيع ،غالبا، وقته في مثل هذه المضاربة، فإنه يتأكد من عجزه عن النفاذ إلى ارتكاسات روح بلغت من العبث ما بلغته هذه الخرافات المدهشة التي حَبكَهَا كبار سَحَرَةِ اللفظ الذين انتهى أمره إلى أن يمحّضهم ثقة معيّنة.
ومع ذلك فإن إدريس لم يتمكّن، وهو يرى المحاضر يتأهّب لإلقاء أسماء كان يعتبرها مقدّسة في الحُِرّاق، من أن يكبح حركة غضبيّة خفيفة. غير أن هذا لم يزعج سي عبد الرحمان الذي تابع كلامه في غير شفقة :
نعم، إن لامارتين وهوغو لم يتميّزا، في ما يخصّنا، عن شاتوبريان. ولقد تأثر»
آخرون خطاهم في برج الأفكار المسبقة هذا. لقد كانت فرنسا ،سنة 1833 تفكّر، جدّيا، بعد أن أذعرتها مغامرتها الجزائرية، في الجلاء. لقد تسلّم عبد القادر زمام المقاومة بعد هروب الداي وتقصير حكومة إستانبول، التي يعود إليها أمر الجزائر وبلاد الإسلام الأخرى…
-حتى تونس ومراكش ؟، سأل ببعض الحيرة طالب في المعهد جدّ شاب ذو
خدّين هَِزيلَيْن مَنْزُوفَيْن.
….نعم ،أجاب سي عبد الرحمان بعد ثوان من التفكير، حتى تونس»
ومراكش. في مراكش أدّى تأثير الوزيرين بن إدريس والقاضي التّسُولى، بعد خمس عشرة سنة من الغزو، إلى أن نفكّر في تغيير موقف الصمت الذي وقفنا وأن نسرع في الانتصار للجزائريين. على أن هذا القرار الذي لم يصدر عن حماسة لم ينفّذ كذلك على الوجه المطلوب. كانت تعوزنا الرؤوس المفكّرة. ولذلك
آلت مساعدتنا إلى خيبة مؤلمة على ضفّتي إيسْلي.وعلى كل فقد بذلنا شيئًا ما. أما في تونس التي كانت في وضع يسمح لها أكثر من مراكش بوعي أبعاد هذا الغزو فقد اعتقد الساسة أن أفضل موقف هو سلوك سياسة الحياد. ولم تزد القضية التي ترهن وجود المغرب جميعه على إبراز تنافس الحكام المختلفين الذين كانوا يحكمون أفريقيا الشمالية على طريقة أمراء النهضة الإيطالية.
“إنه لم يكن لمصطفى خزندار لا مشاعر بن دريس ولا نظرته وذلك على الرغم من أنه اشتهر بأنه كان سياسيّا حاذقا وكان على تأثير في تونس يفوق بكثير تأثير بن دريس. أما خير الدين فكان دوره، إذاك، ينحصر في معارضة يمكن أن يكلّفه أقلّ حيد عنها حياته. وهكذا فإن تونس انتظرت، في وجل، مثل عصفور خلبته أنظار الِصّلّ، أن يبتلعها هي بدورها، الزاحف الشره الذي كان يجوب جبال المغرب ووديانه.
والآن، فلنعد إلى موضوعنا .عندما بدأ التفكير في فرنسا سنة1833، نتيجة»
ضغط الرأي العام المتخوّف، في إمكانية الجلاء عن الجزائر ظهرت حركة مضادة في وسط الجيش وطبقة معيّنة من السكان. ولقد قاوم لامارتين بضراوة، وهو يتصدّى لرأي الاقتصاديين الذين كان يتصدّرهم مشاهير أمثال سيسموندي وهيبوليت باسي وأغلبية نواب الجنوب الفرنسي بقيادة ديجوبار(هل كان القوم
منذ هذه الفترة يستشعرون منافسة أتلال متّيجة الكَرْمِية نبيذ اللانقدوك؟) ،مبدأ الجلاء وكان الناس يرون شاعر إلفير ينطلق لاقتحام الطواحين الهوائية.
! فماذا تريدون؟ إن للغنائية، غالبا، زلاّت على هذا القدر من الهزال
ثم إن لامارتين لم يخف البتّة ميوله اليعقوبية. وهو، عندما يطالب بمواصلة »
غزو الجزائر ويحرّض على المغربي ، لم يأت أكثر من الحذو حذو المجلس التشريعي. وشأن هوقو هو شأن لامارتين. إنه، يا أصدقائي، من الصعب علينا، بوصفنا مغاربة، أن نفهم الفرنسي. ولقد بذلنا كل ما وسعنا من أجل النفاذ إلى حقيقة هذا اللغز فنصل، بذلك، إلى تفاهم حريّ بأن يرضي الطرفين. فعلنا ذلك في مراكش وكذلك في الجزائر وفي تونس. ولكننا لم نتوصّل البتّة إلى التغلّب على الأحكام المتحيّزة أو دفع الأحكام المسبقة . لم نتوصّل البتّة إلى فهم ما الذي تريد فرنسا أن تفعل بأفريقيا الشمالية أو، بالأحرى، أن نفهم ذلك حقّ الفهم. ومع ذلك فلقد كان يجب أن يذّكر ثلاثة وعشرون مليونا من المغاربة من يودّ أن يفهم أن عصر الميثاق الاستعماري قد ولّى، من الآن فصاعدًا، وأن القرن العشرين يقتضي أخلاقا أخرى ووسائل أخرى وحلاّ يُمَاِشى قوانينَ التقدّم الاجتماعي. ولكن الواقع، لسوء الحظ، مازال على حاله لم يتغيّر.
إننا مازلنا دائما خاضعين لنظام يتسم بالقدم والغموض والانتقالية. والكلّ »
يقوم على وسائل الإكراه. وذلك في الوقت الذي يكرّر فيه القوم على أسماعنا ما يشبه الدرس الذي أُجيد حفظه، أغاني لا نهاية لها حول مثل مزعومة لم تكن البتّة بالنسبة إلينا غير أساطير من دون مضمون. إنه حكم المتناقض والملتبس. ومن الصعب علينا، مثلما حدث لمن حضروا حفلة الفانوس السحري التي أقامها قرد الحكاية، أن نعرف أين نُقَاد عبر شاشة تفتقر بالذات إلى الشفافيّة. حتى إذا ما خطر للواحد منّا أن يحتجّ، بدافع من سلامة النيّة، على تعسّف نظام مثل هذا، استشاط الفرنسي ، عند ذاك، غضبا لا حدود له. والمصيبة هي أنه صادق في سخطه هذا. وعقلية الأب هوغو إنما تصدر ،تماما ،عن هذا الوضع النفسي.
إن هذا الشاعر الذي مجّده القرن التاسع عشر وكافأته الجمهورية بأن »
منحته أوسمة البانتيون السامية ، امتنع عن البحث في ما إذا كان وطنه قد عرّض المغرب للامتحان.وبذلك زكّى تماما القول الإنجليزي المأثور: أن يخطي وطني أو يصيب، فهو يبقى وطني(1). لأن شعره المتوهّج عندما كان الأمر يتعلّق بالدفاع عن القوميات المضطهدة في أوروبا تجاهل، عن رأي َقبْليّ ، الجزائريين ولم يحرّك فيه قصف طنجة وموغادور غير المبرّر ساكنا. وفيما بعد سيأبى، وقد أصبح عميد الآداب في نهاية حياة رصدها لخدمة الفنّ، وفي إصرار غريب أن يفكّر أيضا، في استهجان فعلة فرنسا في تونس.
شرع السلاوي الذي كان قد استند إلى ِمخَدّة وألقى برأسه تستريح على يده اليمنى في تقطيع عدد من أبيات أوراق الخريف وهو حالم منتبه في الآن نفسه، على غرار من يدندن أغنية :

لكم ألاقي عند رأي الجور من عَنَتٍ
حتى إذا بلغ المسامع من قريب أو بعيد
في سماء من رصاص عند أملاك عتاة
صوت شعب مسترق يستغيث ويصيح..

ثم إنه واصل، بعد توقف، وكما لو كان يبحث عن التعويض عن نسيان انتابه:

أوه ، ربة الشعر، كم لشعب خالي الناب عليك من ديون
فوداعا أيها الحب أيها البيت والصبا ولذيذ النغم وأوقات الفراغ فمن الحق لشعري أن يضيف وترا من حديد

كلمات لا تنتهي ، قال سي الو نوغي، كلمات! كلمات! كلمات ! كلمات»

تردّدها أصداء ماكرة في أنحاء العالم الأربعة. لقد كان في إمكانه، وهو مبعد في قرنسي يُصِْلي ابن أخ معبوده نارًا، أن يستنكر، أيضا، ما كان يأتيه جنرالات
الثاني من ديسمبر في أفريقيا الشمالية. إن
ما أُريق من دم إخواننا في بلاد القبائل لا يقلّ، في شيء، قيمة عن دم بودان(1). ولكن العقاب أخرس فيما يتعلّق الأمر بهذا الموضوع.
لقد مرّت سنة 1848 على المغرب مرور عصفور العاصفة. فمجال الرحمة»
الإنسانية يمتدّ، فقط من البيريني إلى البلقان. لقد كان الإسلام تقريبا في وضع الخارج عن القانون. والمغرب لم ينل شيئا من المعانقة العالمية التي شهدت سقوط مترنيخ ونهاية التحالف المقدّس. وكل ما يمكن للمرء أن يلاحظه هو معاملة الجمهورية الثانية عبد القادر.فلقد آل أمره بعد أن أحتجز في طولون، على الرغم من عهد دوق أومال ، ابن الملك نفسه، إلى أن ينفى بعد ذلك إلى بو ثم أمبواز التي مكث فيها خمس سنوات قبل أن يطلق نابوليون الثالث سراحه: ولقد كان يمكن أن يطول هذا الاعتقال لو تمكّنت جمهورية السيد لوردو-رولين من الانتصار الى نهاية حياة هذا الذي نزّله التاريخ منزلة أمثال كاناري وكوسوث وأوكونر وغاريبالدي. لقد سعى نابوليون الثالث وهو يَتَسَنَّمُ العرش أن يحقّق في الجزائر عبر مزج بين المثل الرومنسي والواقع السياسي، شيئا ما يكون ثابتا ودقيقا. وقد فكّر، لحظة ،في أن يجتذب إليه الإسلام عبر بادرة صداقة مبنيّة على أوضاع ملموسة تجافي كلّ لبس.إنه ما من شكّ في أن مشاغل براغماتية، قبل كلّ شي كانت تحكم هذا الهم.ّفابن الملكة هورتنس وريث التقليد البونابرتي الساعي إلى إذكاء شعلته كان ينوى استعادة مخططات العمّ التي غرقت في هزيمة أبوقير بأشكال ملطّفة ولكن بأهداف تكاد تكون مماثلة. ونتيجة لذلك أصبح استعمال الإسلام، هذه الورقة الرابحة، أفضل وسائل النجاح. على أننا، إن استثنينا هذه الحسابات النفعيّة، نسيء إلى التاريخ إن نحن حرمنا “المستبدّ” من التحيّة الواجبة لذكراه نظرا إلى أنه كان الوحيد القادر على أن يبدي، بصدق، حسن نيّة حول هذه المبارزة القديمة بين المغرب وفرنسا. ولقد أراد ، مثلما قال في
رسالة شهيرة، أن يكون “إمبراطور العرب تمامًا مثل ما هو إمبراطور الفرنسيين” والقرارات المشيخيّة التي حمّلها هيئته التشريعية تثبت، في النهاية، شيئا من هذا.
إنه ليس علينا أن نعلّق، هنا، على أسباب هذه الرغبات الليبرالية النفسية.»
فلنترك جانبا كل دعوى على النية. إننا لن نسجّل غير النية التي تصدر، أكيدا، عن ذهن ذي موهبة فائقة. ومع ذلك فإن الإمبراطور، على ما كان عليه من استبداد في عيون رجال 48 و70، لم ينجح في استمالة الإسلام الشمال أفريقي وفي تحديد سياسة فرنسا في حوض المتوسط الجنوبي تحديدا نهائيا. ذلك أن نظاما هو نظام الاستعمار ملثما عرّفه بوجو بإيجاز وبقي، منذئذ، مبدأ عمل فرنسا الأساسي في أفريقيا، عارض رغبة نابليون الثالث التوفيقية وأفشل، حتما، خططه. وقد ساهم جيش أفريقيا وجماعة المستوطنين بمقدار في هذا الفشل. جماعة المستوطنين خاصة. لقد بقيت قرارات 1863 و1865 المشيخيّة حبرا على ورق وذلك على الرغم من أنها لا تطابق البتة، على ما فيها من مسحة ليبرالية، ما كان من حق أفريقيا الشمالية أن تطالب به إذ لا يمكن لأية تجربة إدماج أن تغريها. وهكذا تنتظم الإمبراطورية، هي أيضا، في خط هذه السياسة السلبية التي يعسر فهمها والتي بدأت منذ 1830 إلى أيامنا هذه وكأنها تلتذّ بمجانبة كل واقعية وكل ثبات في الرأي وكل استقامة.
ولكن الأدهى كان زمن الجمهورية الثالثة… »
تناول سي عبد الرحمان عددا من جرعات الشاي وألقى بنظره في اتجاه بو إبلان وكأنه كان يريد أن يشهد أرواح الأطلس الحارسة ثم ساق خطابه:
“إننا زمن الجمهورية الثالثة سنتخبّط في غمرة المتهافت. إنه أسلوب الاستدراك. لقد هجرت الإمبراطورية في سبتمبر 1870، نهاية سيدان. وبعد ثمان وأربعين أعلن غامبيتا وأصدقاؤه الجمهورية وأمروا بشن حرب إبادة عملا باليعقوبية التي يعتبرون أنهم أخلص ورثتها. وبعد عدة أسابيع أقرّ غامبيتا، في ليون التي لجأت إليها الحكومة المؤقتة، مشروع قانون واحد من وزرائه هو اليهودي إسحق أدولف كريميو الذي يمنح الإسرائيليين الجزائريين، دفعة واحدة، حق المواطنة.
- لقد أكد دريمون، قاطعة سي تشفين الذي كان يستقريء بمثابرة نموذجية كل ما كان ينشر في فرنسا مما يستحق القراءة، أن الجمهورية إنما هي هبة من عند يَِهْوَه وأن في إمكان الشعب المختار، أيام الشدة، أن يعثر فيها على مَلجإ في كل مرة تظهر في الأفق العلامات المنذرة بطوفان صغير.
هزّت ضحكة المجلس.
” ـ وعلى أية حال، أجاب السلاوي، فإن أبناء يهوذا لن يعدموا وسيلة تضمن خلاصهم مثلما أثبتوا ذلك في سفينة نوح. إنهم ملاّحون جيّدون ولا أحد يستطيع أن ينفي عنهم الاتصاف بالمقدرة على الاحتماء في الوقت المناسب بجناح الربّان الأفضل.”
إننا لم نصل بعد الى هذا، رد عليه سي الونوغي .والشجرة لا يجب أن تخفي»
عنا الغابة. وعلاجنا ليس في مضادّة للسامية قد تكون مثيرة للسخرية عندما تكون حرياتنا مشروطة بعوامل أخطر بكثير. إن المسالة اليهودية لم تطرح بعد في أفريقيا الشمالية. وإذا كان أتباع إسرائيل قد اختاروا طواعيّة أن يخرجوا عن المجموعة القومية التي رحّبت بهم وآوتهم طوال قرون فإن ذلك شأنهم الخاص. والأمر الوحيد الذي نبالي به هو أن لا يعترضوا سبيلنا إذ ليس علينا أن نتحمّل نتائج هذه الإيديولوجيات أو تلك الخصومات التي لا تهمنا مباشرة. إن مرسوم كريميو ألحق الضرر بالمغرب. وهذه مسألة مفروغ منها، ولكن الأمر كان قبل كل شيء مناورة و”حيلة “تهدف إلى إحداث لبس مناسب وظاهر فوضى يسمح لفرنسا بحرية التصرف كِلّيِةّ تبعا لذلك وفي الوقت المطلوب. وسنرى كيف بتتبع أعمال جمهورية 4 سبتمبر.
في الوقت الذي أدمجت فيه حكومة السيد غامبيتا بلا تمييز يهود الجزائر في»
المدينة الفرنسية اتّخذ بخصوص الجزائريين مجموعة من الإجراءات الاستثنائية التي لا تليق بالقرن الذي نعيش فيه. وقد تمثّل ذلك في قانون الأهالي الذي لا يذكر إلا مقرونا بالاستفظاع. هو تشريع عبودي وافقت عليه جمعية ثورية كانت تعقد مشارواتها تحت نظر التماثيل التي تشخّص فلاسفة القرن الثامن عشر الساخر وما تزال، في الآن نفسه، تظهر نفسها بمظهر ضحية ملك بروسيا…
يا لها من جمعية هزيلة! هتف السلاوي الغير قابل للتأديب. ” –”
… لقد وقع استثناء المسلمين الجزائريين من نظام القانون العام وتسليمهم إلى»
هوى إدارة كانت تنوي، وقد تزوّدت في ما يخصهم، بقوانين تقديرية، أن تنصرف حسب هواها باسم وقاية السيادة الفرنسية التي وقع التفنن في إحاطتها بما لا يدري المرء أي مخاطر تتهدّدها. إبعاد واعتقال وحجز أموال ومصادرتها: إن هذا لهو الأساس المثلوث الذي قام عليه بناء الجور هذا. وهو الهبة التي منحتها الجمهورية الجزائر بمناسبة ولادتها السعيدة. أو بالأحرى وهبتها المغرب. ذلك أنه إذا كان في الجزائر رسميا يطابق تقريبا الصلاحيات التي مكنت منها الحكومة العامة في الإيالة القديمة، البلدَ الملحق فإنها طبّقت، فيما بعد، فعلا، في تونس ومراكش وهما بلدان خاضعان لنظام الحماية ويتمتّعان بشخصية قانونية تحددها اتفاقات دولية.”
“وماذا فعل القوم بالقرارات المشيخيّة؟ سأل أحد الطلبة. ”
لقد ثُبِّتت، واصل سي الونوغي. فالجمهورية لم تكن تؤرقها المبادئ ولا»
المنطق. وعلى هذا النحو أصبح الجزائريون الذين هم فرنسيون بموجب مراسيم 1863 و1865 الإمبراطورية خارجين عن القانون بموجب قانون الأهالي الذي صنَّفَهُمْ ، بحرمانهم من ممارسة أبسط حقوقهم، ضمن عبودية تشبه عبودية الموالي القدماء في الإمبراطورية الرومانية. ومنذ ذلك الوقت وهم يدفعون غاليا ثمن هذا الوضع.
فإذا تعلق الأمر بالمطالبة بالحريات السياسية يعارض الجزائريون في كل مرة»
بحالتهم القانونية. فإذا ما طالبوا بتطبيق القرارات المشيخيّة التي تُِقرّ لهم بالمساواة في الحقوق يقع التذرّع بالصعوبات الناتجة عن حالتهم الشخصية التي تستثنيهم من مجال القانون المدني وتحرمهم، نتيجة لذلك، من إمكانية الانضمام إلى جمعية تشريعية فرنسية إلا إذا حصلوا على تجنيس مسبق طبقا للأصول الواجبة. ومثل هذا الشرط يضيم انتسابهم إلى الإسلام إذ القرآن كتاب ديني وكتاب تشريع في الآن نفسه. وإذا ما طالبوا، رافضين التخلّي عن جنسيتهم، بإصلاحات ضمن إطار تقاليدهم الخاصة، يقع تَذْكِيرُهُمْ ودائما في الوقت المناسب، بأنهم فرنسيون وأن الإفصاح عن رغبات مماثلة إنما يدلّ على بادرة عمل مضاد لفرنسا يستهجنه الضمير ويعاقب عليه القانون ممّا يبرر عندئذ تطبيق قانون الأهالي آليا…
“-إبعاد واعتقال وحجز أموال ومصادرتها، أكمل السلاوي. إن هذا لهو التناقض يُنَزَّل منزلة القانون.”
بالضبط، أكّد سي عبد الرحمان. وعندما اجتاحت فرنسا سنة 1881 وسنة»
1907 تونس ومراكش مستسلمة لجموح قدرها الأفريقي كانت مقطورات جيوش الغزو تحمل قانون الأهالي وعليه، اليوم، مثلما هو الشأن في الجزائر، تقوم الإدارتان التونسية والمراكشية. لقد كان الردّ على أمر كريميو وعلى الإعلان عن قانون الاستثناء هذا مباشرا. فلقد ثارت بلاد القبائل، معقل القومية الشمال أفريقية الموغل في القدم، من شرشل إلى أقبو تلبية لنداء الباشا آغا المقراني ورددت قمم جرجرة، من جديد، صيحة الحرب الشهيرة مثلما كان الأمر زمن فيرموس ويوغرطة وسال الدم ووجهت الفرق الفرنسية التي أفرج عنها بسمارك قبل قليل من المعتقلات الألمانية، فورا، إلى الجزائر حيث نجحت في تحقيق ثأر سهل عوضت به شُوَّيةً ما لحقها من هزائم مذلّة ألحقت بها في ميتز وفي سيدان.
لقد سقط المقراني في ميدان القتال مع عدد كبير من رفاقه في حين أبعد الشيخ»
الحدّاد ،وهو مقاتل شجاع يذكر بالملاحم المغربية القديمة، صحبة ابنيه الاثنين وعدد ضخم من الثوار إلى أقاصي الأرض حيث أتى عليهم النفي والمناخ.
لقد افتتحت الجمهورية الثالثة بمثل هذا الطالع السعيد حكمها العادل الديمقراطي.
ويبدو أن الأمر لم يتغير كثيرا من 1870 إلى أيامنا هذه. لقد خلفت أحزاب أحزابا وخلفت أغلبياتٌ أغلبياتٍ. وخلفت الديمقراطية الرجعية وحلت الراديكالية في محل الانتهازية والمثل الأعلى التقدّمي في محلّ المفهوم المحافظ ثم خاضت الاشتراكية، بدورها، المعركة بالركوح إلى أطروحاتها حول عولمة النظام الإنساني وتقدم 16 ماي على الكومونة حتى يفتح الطريق لقضية دريفوس وروايات زولا وانتهى الأمر بأن يحل كليمنصو في محل فيري:ولكن سياسة فرنسا الأفريقية، رغم كل هذا لم تتغيّر قيد أنملة، إذ يهيمن عليها مبدأ واحد هو استعمار البلد. ويدعم هذا المبدأ مدار واحد هو قانون الأهالي حتى أنه ليصبح الاعتقاد، مثلما كان بيكون يؤكد، أن قشة اللفظ دائما ليست شيئا مقارنة بحبة النبتة.
لقد أدرجت حركة الثأر والتوسع الاستعماري، فورا،في البرنامج الجمهوري.»
وكانت إحدى عينيه تستقرّ على خط الـفوج الأزرق في حين كانت الأخرى على بلاد مدار الاستواء. لقد كانت ذكرى ريشليو وديبليكس المزدوجة ترِفًّ من الآن فصاعدا، على مكاتب الكي دورساي التي تسرّب من خلالها، ومنذئذ، شخص تيوفيل ديلكاسي الشيطاني. وكانت فرنسا المستعجلة دائما بعد سبع سنين من معاهدة فرانكفورت، تهيج في مؤتمر برلين وتصب جام غضبها على أختها اللاتينية في ما يتعلق بتونس فقبلت اقتراحات بسمارك على الفور ولم يتردد دبلوماسيوها جهارًا في معارضة المستشار الحديدي الذي قابل هذه الحماسة بقدر من الدهشة لا يقلّ عن شعوره بالسلوان. لقد وقعت التضحية بتونس ففقد المغرب من جديد عضوا من أعضائه. وفي اللحظة الأخيرة، ومثلما يحدث في الفصل الأخير من دراما رديئة، كان مصطفى بن إسماعيل هو بطل المشهد. لقد وجد على الدوام طائر من طيور الشؤم التي تظهر في هذه الساعة المحدّدة في حياة شعب لتُسبّب خاتمة محتومة أو تُعجّل بها.
لقد استقطب جول فيري وغابرييل هانوتو وأوجين إيتيان كل الاهتمام وتوسع»
الاستعمار من دون عراقيل. وخَلْفَ قناع أدولف تيير كان روتشيلد هو الذي ينقذ فرنسا بنسبة ربا خليقة حقا بحسابات إسرائيل. كان البنك يموّل ويحرّك ويدير كل شيء. وكان مؤتمر برلين يواصل حلّ المسألة الشرقية التي ليس المغرب إلا جزءا منها بالطريقة التي أوصى بها مؤتمر فيينا. وأبدت أوروبا المتسابقة للصيد سُعَارًا دلّل على بداية عهد مرعب من التنافس الاستعماري يستظل بسلم مسلحة تستند إلى مجموعات من القوى المتنافسة على الهيمنة على العالم.
لقد فشل مسعى إيطاليا التي ما أن وحدتها مشاريع البعث(1)حتى بدأت تبدي »
رغبة متوقّدة في احتلال ضفاف أفريقيا الشمالية. وها أن الإيطاليين يشتكون من سوء حظّهم. فالإيالة الحسينية التي وعد كريسبي مواطنيه أن يقدمها لهم باعتبارها فاتحة الوحدة المكتسبة المحتومة احتلتها فرنسا التي تنوي أن تجعل من أفريقيا الشمالية مصادًا خاصا. فوداعا يا بحرنا!.(2)
إن سقوط فيري لم يغيّر نزعات هذه الإدارات وسيشاء الحظ، وهو في الغالب»
ساخر غاشم، أن يكون جورج كليمنصو بالذات، المقاوم للاستعمار والرجل الذي لم يكفّ عن التنديد بالحملة على جبال ِخِّميٍر سنة 1881 ومنطقة التونكين سنة 1885 هو الذي دفع سنة 1907، وكان إذاك رئيس المجلس، بفظاظة، إلى احتلال مراكش وإلى مصادرة أفريقيا الشمالية نهائيا، هذه المصادرة الني سبق أن طالب بما بريفوست -بارادول.
“وبهذه الطريقة سيولد القرن العشرون وقد تلبّدت آفاقه بالغيوم. كان الذهب يتدفق وكان رخاء خدّاع ينوّم العقول في حين كانت دواوين القنصليات تردّد صدى ندوات ليس من شانها أن تسكن كثيرا روح مولوخ. كان الإسلام يتعرّض للهجوم على كلّ الجبهات، في آسيا كما في أفريقيا. وكان عصر الاستكشافات الكبيرة قد أغلق. وكان ليفينسقون وستانلي يُكِْملاَن، على طريقتيهما، دورة الرحلات التي بدأها كولومب وماجيلان وألبوكيرك وكانت الإمبراطورية العثمانية تتقهقر خطوة خطوة عجزا منها عن التصدي لهجوم قارة أَعْمَاهَا جموح نفس أسلمت قيادها، حصرا، إلى المتع الحسّية.
“ولكن بلدا لم يكد يكون معروفا من الشرق الأقصى ومن ضفاف المحيط الكبير الغربية ارتمى، بتصميم في مصطرع الأمم. كان اليابان ينبثق من ضباب جزره الألفية مثل أدامستور لشعوب الشرق ويقبل، فورا، تحدي الجنس الأبيض…
جنس مختار أيضا؟ سأل السلاوي. -”
نعم، مختار ومكلّل، أجاب، بهدوء، سي الونوغي. لقد سقط الجبّار الروسي،»
في هوكدن وتسوشيما، في البر والبحر، وقد أصابته إصابة قاتلة ضربات نوجي وتوقو محدثا دويًّا تدركه الآذان المدربة بمثل ما تدرك نذر عصر جديد. كان الشرق يردّ على الغرب مثلما كان الشأن زمن كان وماراتون وزمن الشانكاتالوني وبواتيي وزمن المنصور والسّيدْ وزمن قُودْفْروا وصلاح الدين وزمن جنغير وزمن شارلكان وسليمان ومثلما كان الشأن منذ العصر الإمبريالي الذي تولّد من التحولات الاقتصادية الكبرى ومن تطوّر الرأسمالية الحديثة المِجَسِّي.
لقد فقدت مراكش، وقد جرفتها الدوامة، استقلالها، هي بدورها، وآل أمرها إلى»
عبودية لا مفرّ منها. هذا الاستقلال ما كان لمراكش من فقده بدّ. وفعلا فلقد ولّى الزمن الذي كان فيه ركاب سفينة انقضّت عليها العاصفة يكتفون، وهم يقاومون عناصر الطبيعة الثائرة، بضرب من الاستجارة بالقوى الفوطبيعية في انتظار أن يشهدوا الموج الهائج يغرقهم. إنه لا بد، أكيدا، من حلّ آخر. لقد سبق لسي تاشفين، وأنتم تتذكّرون ذلك، أن حدثكم عن الجهود غير المثمرة التي بذلها مولاي الحسن لاستدراك حالة دولته التي كانت تتقاذفها تيارات لم يكن يَتَبََّين بالقدر المطلوب مصدرها. ولقد فات الأوان. ومثلما انتهى إليه صديقنا، كان يجب الابتداء من البداية. إن على الأمة التي تصرّ على البقاء في هذه الأرض أن تحسّ بالسبب الذي يلزمها بركوب مجرى القرن الجارف أي أن تكون لها مدارسها ومخابرها ومصانعها وورشاتها ومصارفها وبنوكها قبل أن تفكر في شيء آخر. إنه يمكن لبرايار أن ينهق وأن يطيل النهيق. فما يحكمنا إنّما هو سيف لاروقان زمن جمهورية إذا كان طالع ولادتها رمزا يمثل ميزان تيميس فإنها تحقّق عندنا أمرا مستحيلا بقرن أمر كريميو بقانون الأهالي. إننا إن لم نردّ الفعل، قبل فوات الأوان، مثلما فعلت كل الشعوب التي نهجت قبلنا هذا النهج فسيتواصل عيشنا ما من شك في ذلك، في هذا الجو الذي اختلط فيه الجور بالعجز.
*
* *
تواصل هذا الضرب من المحاضرات والمناقشات. وكان إدريس يستفيد منها قدر المستطاع. كان يلتقط ما ينثر اتفاقا، وكان ذلك شأن رفاقه أيضا. وفي أثناء ذلك أصبحت مراكش مسرح أحداث جسيمة.
لقد ثار الجبليون في الشمال، في الريف والجبل، وكانوا في حالة حرب مستمرة منذ 1909، ثورة رجل واحد استجابة لنداء قائد حرب جديد تصدّيا منهم لإسبانيا الملكية الكاثوليكية التي لم تتحرّج، مثلما سنرى عما قريب، من الاتفاق مع فرنسا الجمهورية اللائيكية لإتمام تقطيع أوصال مراكش بالرغم من الاتفاقيات الدولية
التي تنظّم وتحدّد التدخل الأجنبي. إن الإمبريالية وسواء أكانت ملكية أم جمهورية أم اشتراكية أم شيوعية لا تستلهم العقائد. والظاهر المبدئي لا يبرّره غير الحرص على تغطية الفعل الافتراسي مثلما تغطي الفخَّ المأسلةُ. فسياسة الإمبريالية القائمة على تركيبات مؤقتة ومصالح دائمة تبقى واحدة ثابتة. وبناء عليه فإنه لا كانط ولا روسو ولا ماركس كان بوسعهم أن يدحضوا هذه الأطروحة التي دافع عنها أرسطو وعرفها تهكّم هوبز أحسن تعريف في عبارته الإنسان للإنسان ذئب1. إن العالم الاجتماعي لم يكن البتة، على الرغم من قوانينه الإنسانية، غير غاب شاسع لا حياة فيه إلا لسلطة النّاب وقوة المخلب.
لقد تواصلت الحرب وتطوّرت في كل مكان تقريبا منذ معارك الشاوية وبني سناسن. وكانت قبائل تحارب بأسلحة غير متكافئة. وكان قادة، يبرزون، ارتجالا، في هذا المكان أو ذاك ويوقفون، لفترة من الزمن، تقدم الغزاة ثم يختفون سريعا، بعد أن يكونوا قد أَدْلَوْا بِدَلِْوِهمْ في المعركة، من المسرح الدامي، وهلم جرا. ولكن الانتفاضة ،هذه المرة ، بدت حركة منظمة. كانت تشعر بتأثير لا رئيس أو أمغار عابر وإنما برجل يعرف حق المعرفة ماذا يريد. ذلك أنه ولد في منحدرات الأرض المغربية العتيقة يوغرطة جديد. وستعيش أفريقيا الشمالية من 1921 إلى 1926 ساعات مُلِْهبة.
“لقد آذنت أباران وأنوال(2) وموني-أرويط وإبادة الجيش الإسباني في أفريقيا في ظرف أسبوع بدء عصر جديد. وفعلا فإنه لم يتبقّ غير اللجوء إلى السلاح وسيلة لكبح جماح الاستعمار. لقد تحققت هذه الغاية، بهذه الطريقة ،في كوبا وفي ولهذا السبب أهدى الحمامي الخطابي روايته.
الفيلبيين بعد قرون من الجور انتهى الأمر بإسبانيا، بسبب رفضها التفاهم، في الوقت المناسب، مع الشعوب التي تعيش في أقاصي الأرض بعيدا عنها، إلى أن تفقد ما تبقى في حوزتها من الإمبراطورية الشاسعة التي اقتطعتها في القرن السادس عشر. الكل أو لا شيء: هل هذا هو المعيار ومبدأ التمييز الحَِريّ بأن يحلّ المشاكل التي تطرحها غزوات الإمبريالية الحديثة؟ إن زمن المغامرين الإسبانيين الذين غزوا أمريكا والقراصنة قد ولّى نهائيا. وإذا ما فكّر العالم الذي يرتج نتيجة هزات بلاياه الاجتماعية المفزغة وحروبه المزمنة في تحسين ظروف عيشه وعلاقاته المتبادلة تحسينا حقيقيا وطمح وتطلع وتوسل إلى ذلك فإنه لا مناص من نبذ الطرق الخاطئة وما يقوم عليه، جوهريا، عدد من الأفكار المسبقة نبذا نهائيا. لقد نال الجنرال فيرنانديز سلفاستر رتبته العسكرية زمن الجنرال فيلر، جزار كوبا. وكان يأمل في نهج الأسلوب نَفْسَه في مراكش بما يقوم عليه من ممارسات فظّة خرقاء وفي أن يحذو، في حربه على الريفيين، حذو قائده عندما حارب ثوار الأنتيل. فما كان لهذا البيليسيي الإسباني وقد زرع الريح إلا أن يحصد العاصفة. لقد هلك في أنوال هو وجيشه مثلما أباد شيروسكيو أرمنديوس [الجنرال الروماني] فاروسَ.إن أخطاء مثل هذه تقتضي، على الدوام، ثمنا بالقدر المطلوب وفي الساعة المقررة. لقد كانت كارثة أنوال إنذارا لمن كان في جانبي خط ورغة. هذا الإنذار لم يفهم على أنه استرعاء لتقييم أفضل للأوضاع ولكن باعتباره تحدّيا يستخف بالمحتل. وبدلا من أن يقيّم انطلاقا من واقع الأمور اعتقد القوم أن من الأفضل أن يقفوا منه موقف الإسكندر إزاء الأُرْبَة. ولكن الأمور لم تسر على هذا النسق. فالقضية بقيت، بعد كبح الانتفاضة، على حالها، بل ازدادت تعقيدا واستعصاء. ذلك أنه يمكن للمرء بسهولة أن يغرز حربة في مكان ما ولكن المؤكد هو أنه سيظل من الصعب عليه أن يجلس عليها. هكذا كان إدريس يفكّر وهو يرى فيالق ابن عبد الكريم تطير من انتصار إلى انتصار في بداية الانتفاضة.
حل في سنة 1924 دور الجبل. ولقد شهد خريف هذه السنة جيشا إسبانيا ثانيا، ذاك الذي قاده الدكتاتور الجنرال بريمو دي ريفيرا شخصيّا ينهزم شرّ هزيمة ويتراجع عن خط تيزران في فوضى عامة. لقد استأنف الجبل القتال واضطلعت حركة تيزران، حسب الأخبار التي بلغت فاس، بدور متميز بوجه خاص، في ملاحقة الإسبانيين عبر مضائق بني عروس. ومنذ ذلك الوقت كان طلبة الجبل يتهيؤون للالتحاق بجبهة القتال. إنهم يغادرون مدينة الملذات والدروس وفتنة المعرفة والنقاش الثقافي للالتحاق بأرض الأجداد التي تطلب من جديد، وقد اغتصبها الأجنبي، دم أبنائها. إن هذا لهو قانون الإنسانية القديم الذي فيه يبين ويتوجب معيار غريزة البقاء الأكثر رسوخا. لقد بدلوا الجلابة البيضاء بالجلابة السوداء والشكارة ذات الجلد الفيلالي المزخرفة بشخوص مذهبة محلاة بزخارف حريرية بالزعبولة المُحْمَرّة المؤاتية لشوك الدروب الضيقة والأكلة المغذية، على الرغم من أنها نادرا ما تكون وفيرة، بالبيسار الحاِمز الحارف مثل سيقان الصَّبْر وأوراق البلوط الصر ودي.
كان إدريس يتهيأ هو أيضا لمغادرة فاس صحبة عدد من رفاقه عندما استدعاه مولاي عبد الجبار الذي بلغه خبر المشروع، إلى منزهه. وقد اجتهد، بعد أن أثنى على المشاعر التي تدفعه إلى الوقوف هذا الموقف من بلده، في أن يصرفه عن مغادرة القرويين قبل أن ينهي تعليمه. ومن ناحية أخرى فلقد كان يعمل بأوامر قاطعة من أبيه إذ لا يجب على إدريس أن يغادر بأي حال فاس من دون إذن أبوي. احتار الطالب الشاب. وإذ أبدئ ارتباكا وغمغم حججا هيهات أن تأتي على تجربة الشيخ الفاسي، طلب منه مولاي عبد الجبار البقاء إلى أن يبلغه رقّاص(1)
حامل الرسالة وقد وردت بالعربيّة (1) بقرار الحاج علاّل. لقد كان لهذا الاقتراح الأثر المراد فلقد وافق إدريس الذي ينحدر من جنس لا تناقش عنده البتة سلطة الأب، على إرجاء سفره فغادر المنزه إلى القرويين وقد هاج نفسه غيظ صامت. وهناك لم يعثر على أحد إذ كانت رسالة صغيرة تركت تحت ِمخَدّة سريره تعلمه بالذهاب، فورا، إلى طرف المدينة، قريبا من برج الشمال، في أرباض كبيبة بني مرين حيث يعقد الطلبة المتأهبون للالتحاق بجبهة الشمال اجتماعا يضعون فيه تصميم الطريق.التحق بالمكان فوجد حوالي ثلاثين طالبا . وقد انضم عدة من الغياطة والبرانس وسوسي وفاسيان كانوا يحملون، بفخار، ألقابا أندلسية إلى الحملة المكوّنة، خصوصا، من الريفيين والجبليين.

*
* *
أبلغ إدريس، منذ وصوله أنه وقع اعتقال سي الونوغي والسلاوي وأنهما أودعا سجن باشا المدينة. فمصلحة الاستعلامات كانت، فيما يبدو، تستشعر مظاهرة تُنَظِّمُها الشّبيبة انتصارا للثائرين وبلغتها أخبار تفيد أن المؤمنين كانوا يقرؤون في المساجد بعد الصلاة صلوات ويتضرعون إلى الله أن ينصر الأمغار على الإسبانيين. لقد كانت تَشْتَبِه بوجود منظمة سرية وبيد مديرة وبشيء شبيه بحركة سرية تهدف، على غرار ما كانت عليه جامعة الشباب الألمانية (1) وإيطاليا الجديدة (2) بقيادة جوزيف ماتسيني، إلى تحريك طاقات الشعب المبعثرة بتوجيهها نحو فكرة التحرير.
كان سي تاشفين الذي أصابته نزلة حادة يخضع في بيته لمراقبة محكمة وكان ِجلْوازان يتناوبان في كل أربع ساعات في حراسته. ولكنه نجح، رغما عن كل شيء، في أن يوصل إليهم دجاجة خَرْبَشَ عليها بقلم رصاص كتابة سريعة تتضمن توديعه وتعاطفه “هلموا، كان يقول لهم فيها، إن مكانكم هناك ما دام القوم يدّعون تحضيرنا بالمدافع وجذاذات المعلومات السرية”. أبلغ إدريس، وهو واجم ،أصدقاءه بالأسباب التي تمنعه وقتيا من التطوّع وبالهمّ الأخلاقي الذي يحول دون التحاقه بحملة تكوّنت من أجل الدفاع عن حدود الوطن الصغير الذي ولد فيه وكبر ولكنه لن يتردّد، إذ الأمر لا يعدو أن يكون تأجيلا مشروطا بوصول موافقة أبيه، في الالتحاق بهم في أول فرصة تتاح له فأقروا تصرّفه لاسيما أنهم كانوا ينوون تكوين حملة ثانية يقودها سي تاشفين. فهم رسموا خطة لهروبه بالاتفاق مع عدد من الخدم. إن الأمر، إذن، لم يكن إلا تأجيلا. وقد افترقوا بعد أن ضربوا لهم ملتقى في بيت في باب السقمة. كان عليهم بحلول المساء أن يغادروا المدينة في مجموعات صغيرة تتكوّن من ثلاثة أفراد إلى أربعة إذ عليهم أن يقوموا برحلتهم منفصلين سالكين أسبلة ثلاثا مختلفة حتى مزار سيدي علي بن داود، قرب عيون الورغة إذ أن على الحملة هناك إما أن تنتظر، بعد أن يكون قد أعيد تشكيلها، وصول الحملة الثانية أو تقرر الصعود إلى تيزران ثم افترقوا. واستأذن إدريس، وهو واجم، أصدقاءه في الانصراف وخلا بنفسه. كان يتابع بنظر حائر وهو جالس على مرتفع أرض متموّج تغطيه النباتات وتنتثر فيه زهور ذات بتلات صلّبها هبوب ريح الشمال، الجماعة الصغيرة التي تعود، بالتتابع، إلى المدينة التي بدا جسدها يغرق في أبخرة الشفق. كانوا يمشون بخطوات موزونة حثيثة مرفوعي الرؤوس تشعر حركة أوراكهم السريعة، من بعيد، بالقوة والشباب. لا أحد منهم التفت بوجهه إلى الوراء. كانوا يعدون أكثر مما يمشون وكان في إمكانهم أن يجروا أو يركضوا نحو هذه القمم البعيدة التي كانت تبرز بوضوح على خط النتوءات التي ترتج شمال الأطلس. إن المغرب الفتى يجاوب أفريقيا العجوز. وعندما اختفت آخر جلابة قصيرة ذات خيوط حائلة اللون أجال إدريس، وقد أذهله المشهد الذي رأى، طرفه حول المكان. كان الوقت بليلا وكان العشب يتضوّع بفَوحَان صرُوديّ يذكره بتيزران آبائه. وكانت فاس تنبسط تحت قدميه بيضاء وخضراء تحت سماء أغرقتها الزرقة. وكانت المآذن الناصعة البياض المنبثقة من كتلة السطوح لا تكاد تكسر خط دائرة مدينة يكمن جمالها، بالذات، في اضطراب هندستها. ومن كل جهة كان الأطلس يَشِعّ. الأطلس الذي يَغْمُد المغرب في سفينة تملك البحرين، بحر المياه وبحر الرمال مثلما كان قضاة قرطاج يحبون أن يقارنوا سلسلة الجبال الأفريقية بأمواج المتوسط الغالية. كان البوإبلان يهيمن في الجنوب الشرقي وكانت قمته البركانية الواسعة البعيدة تعكس الثلوج الدائمة حيث ترصع غابة أرز صغيرة تُحَسٍّ أكثر مما ترى إذ لا تكاد العين تتبينها، تَلّتَهُ مثل عُرْفٍ وحشٍ خرافي.
ولقد استرعت مياه النهر الموحلة الجارية تحت عقد الجسر العلوي القديم بدورها انتباه إدريس. فمن السْبُوْ إلى بوعنان، هذا هو قلب الأرض الأم الخافق الذي أحس إدريس، وهو مستلق على العشب، حزينًا متأملا، نبضَه الشديد المنتظم. ولقد هاج فكره تأبُّهٌ جغرافي. العياشي والبوعنان وجرجرة والأوراس وتيزران. والتقط بصره التائه عبر الفضاء، بعيدا، طيران زوج من العقبان يحلق فوق قمم الجبل فتذكر بلده وحيواناته المجنحة ومعركة الفندق وموت الفاريز وخُيّل إليه أنه يرى سي عبد السلام ُمقْبِِلاً عليه وقد تقلّد بندقيته ثم ظهر له وجه أبيه جادّا حليما مثل ظل عابر فتبلّلت عيناه. لقد كان أبوه، دائما، بالنسبة إليه مرشدا صادقا آمنا. وهو بمزاجه الذي يقوم على الرجولة والثبات إنما يلامس معدن العرق. وبقدر ما كان إدريس يكبر بين كتبه وأصدقائه وبقدر ما كان التعليم الذي يستقيه من حوله ينمّي ملكاته الطبيعية، كان الحب الذي يكنّه لأبيه يزداد بالمقدار نفسه. وفي المحنة التي كان البلد يعيش بدا له أن قدوة مثل هذه قامت على البساطة وإنكار الذات هي ضمانة الخلاص الممكن الوحيدة. وتزاحمت دقّات قلبه لفكرة أن الحاج علاّل الذي بدّل، مرة أخرى، المحراث بالبندقية، كان يتعرض لمخاطر جسيمة في ميدان القتال. لقد كان يعرف بسالته. وعلى الرغم من أنه أقرّ بالأسباب التي كانت تدفع بأبيه إلى اتخاذ قرار مثل هذا فإن مشاعره لم تتمكّن من الصمود لتيار من الحنان اجتاحه في هذه اللحظة. فكّر في الأسمر وفي ممتلئ الخدين الذي مات منذ سنين كثيرة وفي رفاقه في المْسِِيد الذين انضمّوا جميعا ،تشبثا منهم بقوانين القبيلة، إلى راية الجهاد وفي العجوز سي بن عمّار الذي استأنف قيادة حركة تيزران والذي كان يتأهب، بعد أن رتّب في خزانة مخطوطاته في تفسير القرآن ذات الصفحات المزدوجة المتآكلة، للزحف على العدو معتمدا على عصاه القديمة…فكّر أيضا في تطوان وفي الأب توركواتو، هذا الكاهن الحكيم. ثم إن تفكيره انتهى، بعد أن بلغ نهاية طوافه المتوحد، إلى أن يستقر فوق قراميد القرويين. وهناك، وفي كنف معبد المعرفة القديم هذا، انفتح جدل ضميري. ما الذي كان يجب عمله؟ صراع مسلح أم صراع بالتربية؟ لقد كان هذا هو المبحث الجديد. لقد كان منذ أن عاشر سي تاشفين وسي عبد الرحمان ومنذ أن أصبح يتصدى، في جلساتهما العلمية، لمسائل كثيرة لم تكن سابقا لتخطر له على بال، ينظر إلى مستقبل بلاده نظرة مختلفة. لقد أصبح الآن يعرف التاريخ بما فيه الكفاية. تاريخ المغرب خاصة.ولقد أبانت له معرفة الفرنسية، رغما عن المطفأة التي رفعها البراياريون والكوينلارتيون، عن آفاق كان حب اطلاعه المتوثّب الذي لا يرتوي البتة يتفحصها ويحاول أن ينفذ إلى حقيقتها من دون انقطاع. كان يهتم بالحياة الاجتماعية وبمسائل الاقتصاد المعاصر وبأسباب وأهداف الامبريالية التي لم ينقطع عن ملاحظة نتائجها المؤسفة. هذه الحضارة القائمة على الربح التي لا يقع الاقتصاد في امتداح حسناتها في الوقت الذي يُجْتَهَدُ في قصر التمتع بها على أوروبا وحدها وهذه الثقافة ذات الواجهة اللامعة والطعم المسكر إسكار شراب الأبسينت الذي يقدم في مقاهي السلام وفي الخمارات المريبة في الضاحية الباريسية والمقاطعات وهذا المشهد المثير، مشهد الآلية والأرقام والرموز حيث يردّ كل شيء إلى قاسم مشترك واقع تحت تأثير طالع العجل الذهبي: إن كل هذه العظمة وهذه الثروات التي كانت تعرض للإبهار أو للتخويف لم تكن لتعني بالنسبة إليه شيئا. إن البناء يبدو خاليا من العيوب . وهو لا يخلو في الحقيقة من إغواء. ولكن أسسه كانت نخرة.ومن كان يشك في ذلك فما عليه إلا أن يعاين، عن كثب، التناقضات التي تأكل قواه.
كان سي الونوغي الذي يمتلك ثقافة أدبية يقارن الاستعمار بـكوتوبلباس الحكاية الذي كان، لعجزه عن الحياة حياة طبيعية ،يتغذى من مادته ذاتها معرضا نفسه للخطر. إن حركة التقدم البناء تصبح، على هذا النحو مهددة بالشلل والاختراعات ومنجزات العلم والآثار الفنية والازدهار الأدبي، كل هذا لا ينسجم لا مع قوانين الانتاج ولا مع قواعد العلاقات الأكثر دقة في المجتمع الإنساني. إن النظام الإنساني إن لم يكن في مجموع التحولات العلمية مثل اكتشاف البخار والكهرباء واستغلال مبادئ الضوء والسرعة معِرّضًا في بداية انطلاقه لما يعرقل سيره فهو يجد نفسه، في المقابل، يردّ إلى أوضاع استعباد بالية خطرة. لقد كان باستور وإديسون وغراهام بيل ومركوني يبنون مخابرهم في بيئة مازلت تحكمها قوانين الغاب. كان سقف واحد يؤوي أخلاقا متباينة ومتناقضة دائما. على هذا النحو كان القوم في فرنسا يكرّمون زولا في حين كانوا، في أفريقيا، يضطهدون أقرانه. في فرنسا كان العقد الاجتماعي هو الذي يلهم أشغال برلمان حر سيد يتمتع بكل حقوقه في حين يعيث فسادا، في أفريقيا، قانون الأهالي المستنسخ من قوانين العبودية التي ميزت سابقا السلم الرومانية2. في فرنسا ترفع الحرية3 مشاعلها في زوايا كل مَفَاِرق الطرق وفي أفريقيا يسود قانون الفتح بكل ما يتضمّن من صرامة محاكمه القمعية وقرارات ولاته الإرهابية. فما العمل؟ النضال؟ لقد ناضل المغرب بشجاعة من سنة 1830 إلى 1925. وهو لم يكف على امتداد قرن طويل، عن مواصلة المباراة غير المتكافئة التي لم يتردّد فيها المصارع المتسلح بعصا عن مواجهة فارسين قويين مدرّعين بالحديد ومجهّزين بالرماح والدروع. وهكذا شغل الحلبة إلى الساعة التي أصابته فيها الضربة القاضية التي لا مفر منها. على أن مباريات مثل هذه لا تصلح ،على الأكثر، إلا للحفاظ، على الأقل، على الشرف. إن الشعب، وقد اجتيح وأخضع ،يتعرض لخطر قاتل إن أعوزته التربية. ويمكن لاستعباده أن يدوم طويلا إن بقي في الجهل. فعليه، إذن، أن يرد الفعل. إنه لو كانت رغبة التفهم والوفاق من بين ما حمل الفرنسيون من أمتعة لكان سبق للسيف منذ زمن طويل أن يصدأ في غمده. ولكن دور العقل امّحى ذاتيا لأن غريزة السيطرة كانت هي التي توجه مشاريعه فاتحد الهوى بالغلظة ليلدا ضربا من البلبلة التي تُلبِّسُ تنظيما ظرفيا. وهكذا فإن المهزوم يدفع بمقتضى هذه الضرورة التي تدفعه دفعا لا يقاوم إلى أن يرد الفعل على الجور وإلى أن يأخذ عاجلا أو آجلا بالثأر؟ بأية وسائل؟ بالكفاح المسلح أو بتربية الشعب؟ بالمنصور أو بابن خلدون؟ لقد كان هذا هو موضوع محاضرة ألقاها سي الونوغي، ذات يوم، أمام الحفل نفسه ودافع فيها كل من سي تاشفين وسي عبد الرحمان عن وجهتي نظر مختلفتين. ولكن الجميع، بما فيهم سي تاشفين الذي عرف بأنه من القائلين بالوسائل العجولة، أخذوا مع ذلك، بفكرة سبق المدرسة والتقدم الاجتماعي. ولكن السياسة التي جسّدها لاروقان كانت تعترض على نشر هذا المَنّ الفكري الذي هو الشرط الأول الذي يتوقف عليه تحسين العلاقات الاجتماعية. فالتعليم الذي هو مجاني وإجباريّ في فرنسا ممنوع في أفريقيا. وهو يماثل بجريمة قدح في الذات الجمهورية. لقد وجد، بالتأكيد، عدد من المدارس الابتدائية الخاصة بالمغاربة تدرس فيها العربية بمقدار لا يسمن ولا يغني من جوع ووجد عدد من المعاهد ومدرسة ترشيح أو مدرستان كانتا توصفان بالأهليتين توصيفا للبرامج التي تطبّق فيهما وكان في إمكان قلة من المصْطَفين الذين يعدّون على الأصابع أن يلتحقوا بالجامعات وأن ينهوا دراساتهم. ولكن هذا لا يعدو أن يكون ذرّ رماد في العيون. وهو مسرحية أخرجت لتمثيل أدوار محزنة مضحكة بدليل أن الجزائر، من سوق أهراس إلى تلمسان، لم تكن تعد في هذا اليوم يوم 14 جوان 1930 الذي كانت فيه فرنسا تحتفل، في جو من الفرحة المشهدية، بمأوية احتلالها أكثر من حوالي أربعين محاميا وطبيبا مسلما ولا يوجد فيها مهندس واحد.
وحتى الخمسة أو الستة ضباط الذين تخرّجوا من المدارس العسكرية عليهم، وجوبا، أن ينهوا مهنتهم من دون تجاوز الشريط الرابع. كذلك هو شأن عدد قليل من الصحفيين الذين أنجبتهم كتاباتهم والذين جُمِع بين جذاذاتهم الاستعلامية وجذاذات أمثال تروبمان ولاندرو في كل فرنسا على سبيل الاحتياط طبعا. إنه لا يوجد قضاة ولا مقاولون ولا عمال متخصصون ولا كاتب جدير بهذا الاسم. وعلى العكس من ذلك توجد جحافل متكاثرة من مسّاحي الِجزَم وحشود من العمال الفلاحين الذين يجزون جزاء الخماسة وعمال مناجم وعمال أحواض سفن يؤجرهم صناعيون في غاية الثراء بأجور بائسة برضاء من قادة النقابات الذين يقضون، في باريس، وقتهم في ترسيخ أوضاعهم باعتبارهم ناخبين كبارا وفي التبختر وراء العلم الأحمر في يوم عدد من الأعياد وعند حلول المساء، وبعد أن يلبسوا مباذلهم وأخفافهم، في قراءة كروبوتكين وجورج سوريل وجول فالليس أو … السيدة ذات الكاميليات. إننا هنا بإزاء نتيجة قرن من الهيمنة حاسمة لا أحد من المحتفلين بالفتح اعتقد، بصدق، أن عليه أن يسجلها في خصوم الحساب الجهنمي. ولكنه لا بد، مع ذلك، من الفعل. فالكمامة وإن تمكنت من إعاقة التنفس، لا تقتل. ولابد أن تنتهي كثرة الصرخات بتحرير الصوت. إن الأنبياء وسقراط وإخوان الصفاء في الفترة العباسية وهوس وإتيان دولي والموسوعيين ودوستويفسكي وتولستوى وجمال الدين يعلموننا، عبر المثال الذي ضربوه بحيواتهم وبأعمالهم، أن للكلمة وللقلم من الحقوق ما لا يمكن للزنزانة ولا للنفي ولا للهراوة ولا حتى للمشنقة أن تضيع أو تمنع. ولهذا السبب كانت نشاطات الجماعة تميل غالبا إلى تفضيل كتب ابن خلدون على يطقان المنصور من دون أن يؤثر ذلك سلبا في مواقفها. ولقد سبق أن رأينا ذلك من خلال دجاجة سي تاشفين.

كانت تنبثق من جهات فاس الثلاث منازه وفيلات.وكان كثير من هذه الفيلات قد بني حديثا. كان عدد منها قد هيئ بناء على معطيات الفن المغربي.4 كان يملكها معمرون جعل منه اغتصاب الأرض الذي لا ينقطع والمضاربة الاحتيالية شخصيات ثرية. وكانت الحدائق والبساتين والمغارس المتنوعة تظهرها ،في اعتدال السماء الأفريقية، بمظهر بيوت فاخرة حسن اختيارها للراحة والبهجة. كان يلذ للاروقان أن يقارن، في هذيانه المثير، المغرب بشكل من أشكال كاليفورنيا أو ببعض بلاد الهند يحافظ عليه مدخرا لفرنسا تتوسع فيه مستقبلا، ويكون المغربي، شأنه في ذلك شأن السيو في المروج الأمريكية أو متشرد راجبوتانا، هو الذي يدفع الثمن إجباريا. لقد كان إدريس وهو يطوف بنظره في منازل النابابات الجدد هذه يعي جيدا معنى مجاز مثل هذا. على أن المعمرين الذين يسكنون أفريقيا الشمالية لا يعدلون تماما معمر الغرب الأمريكي. فهؤلاء ينحدرون من أرومة ملتبسة في الغالب: من الأرستقراطي الغارق في الديون والرذائل الذي يقبل على الاستعمار باعتباره السبيل الوحيدة الباقية إلى سجين الأشغال الشاقة المسرّح الذي لم يرصن بما فيه الكفاية، ومن المرابي التي يضارب على الأراضي إلى الفيلقي الذي يرمي بمتاعه بعد عشرة أعوام أو خمسة عشر عاما من الخدمة في الجيش، ومن المزارع الذي تمكن من اقتطاع اقطاعة في البلد لارتباطه بعقد بهذه الشخصية السياسية المتنفذة إلى تاجر بلنسية الغشاش، يحوز، بعد أن يتمكن من أن يوفر بطرق ملتوية أو بسعر متهاود قطعة أرض ضاحوية ويكب على الزراعة الكثيفة، ومن فرنسي فرنسا إلى فرنسي الورقة المدموغة الذي ينهب المال من دون حساب وهو يبصق في وجه الجمهورية كما لو كان يحتج على سيدته العذراء: هذه هي مادة، أو بالأحرى خلاصة ،هذا الاستيطان الذي عاد بعد ثلاثة عشر قرنا من سبيطلة إلى مكان كانت تشغله بطرقة إغريقية رومانية وكان على الإسلام أن يكنسها من دون شفقة من بيزاسين إلى بيتيكا.
كانت ثلاث ليموزينات شبيهة بهذه التي تستعملها البلاطات أثناء حفلات الاستقبال الكبيرة تجري عبر الطريق. وكان سواق مراكشيون يرتدون بزات زرقاء ذات أكمام بيضاء وتغطي رؤوسهم شاشيات كما لو كانت لإثبات الجنس الذي ينتمون إليه، يسوقونها بسرعة مدوخة. لقد كانت هذه البزة خلعة. وكانت تنبعث من هذه السيارات الفخمة أغان، أو بكلمة أدق، زعيق مما يثبت، كذلك، نوع الشخصيات التي بين أيدينا.
ميز إدريس منهم عددا من الوجوه. كان شاغلو السيارات من كبار المعمرين في المنطقة وكانوا عائدين من بعض الأعراس. كانت القبعات تنطبق على الرؤوس على عادة المسنين المتأنقين المماشين لذوق 1900 والسجائر الهافانية تنغرس في المناقير والأعناق تتدثر بمناديل من الحرير سكرية اللون تبرز من ياقات معاطف جيدة الانقدار. كان واحد منهم، وهو رجل قوي شديد البدانة، شبب شدقيه استعمال الموسى والمراهم معا، هو البارون هوغ دي قرولو دي بونتير. لقد جاء من بعيد. وكان يمكن لماضيه المهني أن يصلح مادة خصبة لرواية بلزاكية. لقد كان أمين صندوق عام قديما انتهت محاكم الجمهورية، على الرغم من حلمها المعروف إزاء أمثاله من أبطال أبناء المحاكم، إلى إفحامه بالاختيانات المتكررة التي أضرت بخزينة الدولة وحكمت عليه بقصاص شائن. على أن هذا لم يكن يمثل في نظر البارون النبيل سببا كافيا لمقاطعة نظام قائم على أمر واقع وهو أن الإثراء يرد إلى صاحبه الاعتبار ويكرس كل شيء. لقد قلد السيد دي بونتير سابقا، روشيت. ولكنه مثل روشيت، غادر فرنسا سرا، بعد أن أسس شركات يغذيها رأس مال وهمي وضخ قليلا الادخار الذي لا ينضب وصفى حساباته الختامية بديون تفالسية وقضى في السجن زمنا ليجنح في مراكش حيث انتهى، ذات يوم، بفضل علاقات متينة، إلى نيل مودة لاروقان الذي أذهله بمعارفه المالية وخططه المغامرة. لقد كان بحديثه الجذاب قبالة الخالق وبتعليمه وبثقافته وبتضلعه في علم الأرقام وبتفوقه البالغ في تعاطي أعمال كثيرة وفي امتلاكه جسارة في كل شيء نوعا من روكفيلير صغير ممزوج بصنف من أصناف ال كابوني. كان فردا من عصابة، جذابا وخطيرا معا. لقد كان يتقن فن اعراق الجلابة وهو ينشد أوفيد ويعرك أذن الاشتراكية. كان البارون دي بونتير عينة لا مثيل لها من فرنسا الأفريقية التي حلم بها بريفوست برادول ومثلها في أفريقيا الشمالية أمثال فيلار وبرطانيا وكارنيير. لقد كانت له علاقاته في فاس والرباط. ولقد نال قبل قليل، رغم تحفظات معينة من وزارة العدل، وسام جوقة الشرف الذي يشتد الطلب عليه. فلاروقان طلب من فوق نجمه السبع لمساعدته على اعتراض الكي دورسيه ووزارة الفلاحة (إذ أن أمين الخزانة القديم المحكوم عليه أسندت إليه درجة فارس في مراتب الأوسمة بعنوان هذه الوزارة) اللذين طمحا الى إبداء بعض الشكوك حول ماضي البارون، لالي – توليندال وهاستينغس وآخرين من بناة الإمبراطورية الذين لا تتحرج ضمائرهم بالذات من كل هذه الدناءة.
هكذا أصبح دي بونتير مليونيرا يملك آلافا كثيرة من الهكتارات وحدائق ومطاحن وبيوتا للإيجار وفللا في مراكش ومسكنا موسميا في باريس وكازينو في مدينة مائية استشفائية مشهورة تقع في غرب فرنسا وحزما من الأسهم وسندات الإيراد تعوضه، وزيادة، عن فقدان وظيفة العون الضريبي القديمة.

*
* *

كان في الليموزين راكب آخر هو اريك كميلكوبف، وكان هذا فيلقيا قديما ترك بلده البافيير لأسباب بقيت غامضة. وقد التقطته ثكنات سيدي بلعباس تقريبا مثلما تستقبل سجون الأشغال الشاقة الملاعين من فاقدي الضمير. لقد حارب في مدغشقر وجنوب غرب الجزائر وبلاد الشاوية وقد نجته صفة البوش5 من مذابح أوربا أثناء الحرب الكبرى، لقد ترقى مرتين إلى رتبة رقيب ومرة إلى رتبة عريف ولكنه كان في كل مرة يسقط من رتبته فخطؤه هو أنه كان مفرطا في التعلق بعصير العنب : وهو، إذا ثمل، لا يعرف أحدا. ولذلك فإنه لابد ، إذا ما شرب، مما لا يقل عن زمرة كاملة من الأقوياء الأكثر متانة في السرية، للسيطرة عليه. كان الجنود في الفوج يسمونه الكناري الأزرق. وفعلا فإن مثل هذا الغليظ الفظ لم يكن فيه شيء من عصفور على هذا القدر من الجمال، ولكن جسمه، من الرأس إلى أصابع الرجل، كان جدارية حية اذ جعلت منه إبرة الوشام حديقة نباتات فكل حيوانات الخليقة تظهر فيها. ويذهب البعض إلى حد التأكيد أن كاملكوبف استوشم على أليته، بيد فنانة، عصفوري جنة بديا يتباوسان على نحو غريب شويّة في مثل هذا المكان. إن مثل هذا التأكيد يبدو جريئا شيئا ما، ولكن لمزّاحي الفيلق أحيانا مثل هذه القدرة على الابتكارات المضحكة.
لقد أصبح كاملكوبف أخيرا وقد تجاوز الستين سنة، وافر الغنى، أما المال فقد اكتسبه باستعمال وسائل السيد دي بونتير إذ قد أصبح يخدمه خدمة شبيهة بخدمة قيم منزل ومسخر يعرف، عند الحاجة، تقديم خدمات ثمينة في مقابل منافع مماثلة. إنه هو أيضا الآن، يملك سيارات ومزارع كرسها لزراعة الشعير حتى يزود معمل جعة أقامه في البيضاء بما يحتاجه منه. وكان ،إضافة إلى ذلك، يملك أراضي هامة مزروعة كرما ويشتهر بأنه زارع نابذ نشيط في البلاد .كان يقيم، حسب الفصول، في فاس أو الدار البيضاء حيث كان يملك منازل وفيلات. وكان، أيضا، ساعيا مصفقيا في شركة كان هو المساهم الرئيسي فيها اشتهرت بأنها تدفع للمساهمين أرباحا ضخمة فيحصل ملتهم القصاع القديم على نسب مائوية تثير إعجاب المكاتب وتعاطف الصحافة المحلية المأجورة.
أصبح إريك كاملكوبف شخصية مشهورة بما أن المال يملك هذه القدرة السحرية على تحويل غوريلا غابات شريفا من علية الناس. لقد كان القوم يتظاهرون بأنهم لم يعودوا يندهشون أمام تشكيلة الحيوانات التي كانت تزين خدين أصبحت تخططهما غضون الشيخوخة. لقد تزوج الفيلقي القديم من راقصة باليه التقطها ذات مساء عندما مر بخوارة في الجزائر العاصمة. كانت السيدة موشمة هي أيضا وإن في احتشام أكثر. كانت، وهي ما زالت شابة، تستعمل لغة سفلة الناس وأخلاطهم بفظاظة لا تخلو من نكهة .كانت خزانة ملابسها تثير العجب، ثياب فرو وفساتين حرير و ساتان وحقائب يد من جلد العظاية وقبعات ثمينة وجواهر، فالعجوز إيريك لم يكن ليرد لها طلبا.
والسيدة كانت تقيم حفلات استقبال. في البداية لم تكن حفلاتها الساهرة تجمع غير قلة من المدعوين الذين اجتذبتهم الفرنيات الشهيّة والثرثرة الخفيفة التي لا تستثني المجتمع المختار الذي كان الفيلقي القديم قد نفذ إليه. وفيما بعد أصبح القوم أكثر تسامحا في موضوع اللياقات وبذلك أصبحت مغنية المقهى المغنى 1 القديمة المدعوة المفضلة في عدد من الصالونات. كان كاملكوبف، من جهته، يقيم مآدب مفتوحة وكان طباخ استخدم بمبلغ مغر يعتني بمأكل وفير مقترن دائما بأفضل أنبذة فرنسا. لقد بزّت الشامبانيا الخمر.
كان موظفون وضباط وسواح عابرون يجالسون مستوطنين ورجال أعمال حول اللعين القديم الذي خلصه عصر الجلابة نهائيا من الحظ العاثر. لقد كان كاملكوبف، مثلما ألمحت جريدة رديئة، هو الحجة النموذجية على الديمقراطية التي طبقت حول صحفة الحساء، ولكن المسافة بين مائدة السيد وصالون السيدة الصغير لم تكن على قدر من الطول يمنع السيد البارون دي قرولو دي بنتير من أن يكون سيد الساحة.
كان شخص آخر ضمن ركاب سيارات الليموزين هو فرانسوا كوني. وهذا كان كورسيكيا قصيرا مستديرا ذا شعر قليل مجعد وساق هزيلة. وكان ثرثارا متبجحا على غرار كل مواطنيه ومعرضا، مثلهم كذلك، لأزمات صرع غالبا ما تنتهي بدموع ومعاذير.كان هو كذلك من أحظياء المغامرة المراكشية.
وليست الألقاب، في هذا الصدد، هي التي تنقصه. وإذا صدقناه فهو قد أتى من بعيد. لقد كان، بادئ ذي بدء، من أبناء عمّ نابليون مثلما هو شأن كل الكورسيكيين. وهو يدعي، وقد ولد في قرية في ضواحي أجاكسيو، أنه يتقدم، في السلالة الإمبراطورية، على كل المواطنين الآخرين في جزيرة الجمال. وهو شأنه كذلك شأن كل الكورسيكيين، قد أدغل وكان لابدّ، لدفعه إلى الاستسلام، من تجنيد ما لم يقل عن مفرزتين من الجندرمة المدعومة بمصفحات رشاشة وكلاب بوليسية. وهو إذا كان قد أصر على الإدغال فذلك، على حدّ ما كان يوضح في مونولوقاته التي لا تنتهي، عملا بتقاليد الشرف التي منها تولدت قوانين الأخذ بالثأر. هو لم يكن يعرف كولومبا ولكن والد جدّه كان واحدا من بين أفضل جنرالات الإمبراطورية وذلك على الرغم من أن لقب كوني لا يوجد لا في لوحات قوس النصر التذكارية ولا في الكتب المدرسية إلى جانب اسمي ماسينا وسيباستياني. فهذا الجدّ لا بد أن يكون، على عكس كل الكورسيكيين، مفرطا في التواضع.
حل فرانسوا كوني سنة 1907 في مراكش، وكان يقارب الثلاثين، خلف حملة الجنرال درود العسكرية وساهم في حملة الشاوية على طريقته الخاصة : أي من دون بندقية ولا كيس ظهر ولكن ضمن هذا الحشد من التجار الغشاشين الذين يبيعون الجند بالمفرق بضاعة رديئة نقدا والذين يمكن القول إنهم يكوّنون بإقامة علاقات حميمة بالمعتمدية العسكرية مدارها الرزّ والخبز والملح، ثروات في خمس ثوان. وعند سقوط فاس بعد ذلك بأربع سنوات كان قد أصبح حائزا على حوالي مائة ألف فرنك فاستقر في مدينة مولاي إدريس. وقد ضارب، مثل كاملكوبف وآخرين كبيرين، على الأراضي الذي كان يشتري المتر منها بفلسات قليلة وينتظر، في رصانة، المناقصات البلدية ويبني ويبيع ويشتري من جديد ليبيع من جديد بزيادة قيمة شائنة. وإذ كان اللاعب الماهر متأكدا من البداية من نتيجة غشه فقد أنهى الحرب الكبرى مليونيرا وسيد قصر تماما مثلما هو الأمر في الغرب الأمريكي .
إن دي غرولو دي بونتير وكاملكوبف وكوني هم فصل كتب من دماء هذه الأجناس التي أراد لويس برتران أن يصفها في آثار تدنيهم بشهادتها هي بالذات. لقد أقام سي الونوغي، ذات يوم، مقابلة مناسبة بين مزايدات السلم الرومانية ومقدمات هذه السلم الفرنسية التي التقطها ابن الحاج علاّل، وهو جالس في ظل البو إبلان، في هذه الجماعة من الكولون التي كانت تطوي هناك، قدام عينيه، طرقات فاس الساحرة… نهض إدريس متقززا.كان هذا المشهد يسبب له الغثيان.ودومت أفكار في ذاكرته وبدأ سيل من الذكريات ، لا شعوريا وبتأثير ما حصل له من انطباعات ، يتتابع تتابع ظلال متحركة تحت مرايا المشكال. لقد استحضر في نهاية الفلم بعضا من سلوك أمغار من الأمس ازاء روما ونظام استغلالها الذي جمل آنذاك بعبارة الحضارة اللاتينية. انه سلوك يوغرطة الذي كان ، على نحو خاتمة فلم متقلب، يسعى ، بعد أن يمرغ مرات أنف الشعب ـ الملك في وحل الهزائم ، الى أن يشتري بالذهب والأراضي ، ضمائر شيوخ يرحبون ، في هدوء ، بولاء هذا الذي عرض منذ قليل عقبان الفيلق لأقصى أنواع الاهانة.وكذلك هذه البصقة الشهيرة عند مغادرة العاصمة الكبيرة التي ترمز ، عبر القرون، الى كل ما تخبئه أفريقيا المهزومة من حقد على المدينة الفاسدة تحت ثوب العظمة الزائفة ومن احتقار لها.
كانت سيارات الليموزين في البعيد تطوي الأرض وراء ستار من الغبار.وكان يبدو أن الصوت الذي يردده الصدى يعبر عما حدث قبل قليل من ضوضاء. كان في داخلها معمرون أثروا يخمرون ما شربوا.إن البرنس والجلابة يعرقان من أجل هذا.لقد بصق إدريس ، هو أيضا، بكل قواه وقد ارتد منه الجذع الى الوراء ولمعت عيناه وانتفخ منخراه ، في اتجاه هؤلاء العفنين… كانت إسبانيا، في الشمال في وضع ميئوس منه. وكانت جيوشها المنهزمة، تتشظى، لقد كانت شوان أنوالا ثانية. ولم يتمكن الدكتاتور إلا بعسر من الاحتفاظ بتطوان وموانئ الساحل. وإذاك بدأت انتصارات الأمغار تمنع لاروقان من النوم فقد أصبح منذ 1921، على ما كان يؤكد في الرباط، يقلد كاتون و تيميستوكل معا. كان ينتقل بين مراكش وفرنسا مطالبا بتخريب قرطاج من جديد. ولكن القوم في باريس، إذا كانوا يوافقون على القمع، فإن الجمهورية تحرص، مع ذلك، على المحافظة على المظاهر. فلابدّ مثلما كان الشأن في فونتينوا من أن يقع الشروع في إطلاق النار عليها قبل أن تضطر إلى الردّ. ولقد تكلفت مصلحة الاستعلامات بالأمر وسحبت من الكيس واحدا من هؤلاء الشرفاء المزعومين الكثيرين الذين يفرّخون بسرعة في كل مكان تقع زاويته، اتفاقا، في أراضي ورغة المتنازع عليها. وبعد أن لقن الدرس وقع الرمي به بين سيقان الريفيين. ولقد حققت المناورة الغرض منها فحركة الأمغار تصدت،
وقد استثيرت، للدجال واستنجد الشريف بالفرنسيين وشرع البارود في الكلام. وكذلك بندقية ماك – ماهون…
اشتعلت مراكش من الحدود الجزائرية إلى الأطلنطي وكان الحركة الذين استولوا على غطاء الحصون في أودية المولوية والـإيناون والورغة ينقضّون على تازا وفاس. كانت أذن المغربي الملتصقة بالأرض، تماما مثل موريسكي القرن السادس عشر، تتسمّع في أحشاء الوطن أصوات الفرق التي رمى بها الجبل الغازي. وكانت هالة تطوّق بطل المغرب على النحو الذي طوّقت به سابقا جبهتي حنبعل ويوغرطة.
اجتاح الجواسيس القرويين. وكان أمر قد أصدره كوينلارت، بموافقة برايار، يقضي بإيقاف أو مراقبة كل طلبة المسجد وخاصة، وهذا ما يدقّقه سريّا، “الذين عرفوا بأنهم أذكياء يجدّون في الدراسة ولو كانت سيرهم لا مأخذ عليها”. لقد كان من شأن نشدان نشاط فكري ما أن يشي، في حد ذاته، بالطالب المسكين الذي تجرأ على التأكيد أن الأرض تدور وأن الجسم البشري ليس غير نسيج من العناصر الكيميائية وأن تعاليم الإسلام تتضمّن مبادئ تطابق المبادئ التي يركح إليها إعلان 1789. فيالتوستوي المسكين ا  !
إن “أوخرانا”6 آل رومانوف فاقتها، وزيادة، هذه الجمهورية المرائية التي لم تعد حتى قادرة على التمييز بين واحد مثل جوريس وواحد مثل فوشي. لقد قبض على أغلب ناشطي الجماعة وسجنوا ولكنه لم يقع الفصل بينهم لأنه لم يقع تفطن وجود جمعية تؤلف بينهم. وهكذا تمكنوا، مجتمعين، من متابعة أطوار مبارزة داود المراكشي الجالوتين الفرنسي والإسباني .كانوا على مرّ أحداث المعركة، وفي كل يوم، وفي ساعة النزهة في فناء السجن، وبعيدا عن الحراس والمساجين المصطنعين، يتبادلون، همسا انطباعاتهم. وكان كل واحد منهم، دوريا، يجتهد في استنباط العبرة من الحدث البارز في الأسبوع أو في إخضاع المعركة كلها لنقد يلائم الظروف.
لقد كان سي عبد الرحمان والسلاوي وإدريس من بين المعتقلين. وكان سي تاشفين خاضعا للإقامة الجبرية. أما سي اليزيد فلم يكن ضمن الجماعة لأنه التحق بالجبهة صحبة بعثة طلبة الجبل الأولي.
تبين عقم فن الاحتراب عند لاروقان منذ إطلاق الخرطوشة الأولى فكان ذلك مناسبة لمزاح عام في الجيش. ومن ناحية ثانية فإنه لا أحد كان البتة يشك في الأمر فأبعد الـ سيبيون الخائب ووقع الاستنجاد بنبراس المدافع عن فردين الذي قدم من فرنسا مصحوبا بأعداد من القوات المسلحة تفوق الخمس عشرة فرقة من المشاة والخيّالة والطيران والفرق المدرّعة في حين كان مدد جديد يصل من أفريقيا الشمالية. ووصل أمر للأسطول بالتحرك وشرع، قبل أن يتثبّت خط التقهقر، في مفاوضة إسبانيا بغية توحيد جهود القوتين العظميين في مواجهة نحو ثلاثين قبيلة، وأوفد جان-لويس مالفي، فخر الحزب الراديكالي الذي كاد كليمنصو أن يبعث به سنة 1917 صحبة ماتا – هيري وبولو ولونوار إلى حصن فانسين، إلى ديكتاتور كل الإسبانات. لقد توظف مالفي، وهو الذي كان، في فرنسا، ضحية اليمين، لخدمة البوربون في إسبانيا بطيبة خاطر. ولكن الأمر كان يتعلق بمراكشيين. وهذه، من ناحية أخرى لم تكن المرة الأولى التي يتحالف فيها المثلّث ومرشّة الماء المقدّس على الهلال. كما أنها لن تكون الأخيرة. وهكذا شهد العالم في شيء من الحيرة، أمتين من أوربا تعبئان الجيوش والأساطيل للتغلّب على عدد من الجبليين العازمين في مضيق تيرموبيل المغرب على الاستماتة في القتال. كان النشطاء الشبان فخورين بهذا المشهد، وكان عجب خفيف ينفخ في عروقهم فلقد كانت طاقة أرض الأجداد القديمة تفصح عن حقيقتها بحرية أمام أعينهم المنذهلة والمتحمسة في الآن نفسه في هذه المبارزة غير المتكافئة التي كان فيها المحارب المغربي الذي لا يكاد يكون مسلّحا يطلب دائما القتال جسما لجسم اقتصادا في الذخيرة.هذا الصراع الملحمي وهذه الكمائن التي تتمكّن فيها أعداد قليلة من المتطوعين من الإيقاع بكتائب ومواكب كاملة وهذه الغارات على المدفعية بسلاح لا يتعدى الخنجر وهذه الهجمات بالقنبلة اليدوية على الدبابات كل ذلك يوفّر، حقا، عناصر إلياذة جديدة يجب أن تكتب تمجيدا للشمال أفريقيين.
لقد احتيج إلى أكثر من مائتين وخمسين ألف جندي وستين جنرالا وثلاثة مشيرين منهم واحد كان يحمل على كميه السبعة نجوم التي حصل عليها في أتون فردين لإخضاع البلد الصغير في شمال مراكش المكون من الريف والجبل.
شاعت، ذات يوم، أخبار مفادها أن أمريكا سترسل بطيارين متطوعين إلى مراكش. كان سرب أطلق عليه اسم لافاييت بصدد التكوين ولكنه لم يعرف في بداية الأمر أي خصم سينصر.
لقد ملكت الحيرة النشطاء في الجماعة. إن أمريكا بلد طالع مولده الحرية ولقد تطور تاريخه في أثناء القرن الأخير متأثرا بهذا المجاز. ولكن اختيار الجنرال الذي أوفده فرجين على واشنطن لمحو إهانة 1763 أكثر مما أوفده لإعانة الثلاث عشرة مستعمرة العاصية كان يشير بالحذر. وكانت تعليقات الصحافة الفرنسية المتحمسة حول سوابق هذه الحفنة من الرؤوس الجسورة تدل بما فيه الكفاية على أن القضية، منذ الآن، مفروغ منها. وفعلا فإن الطائرات الحاملة ألوان العمّ سام شرعت، في غمرة القتال، في بصق شظاياها القاتلة في القرى المراكشية. يا للمنطق الإنساني ا لقد عبر أحفاد واشنطن وجيفرسون ومونرو ولينكولن باسم الحرية الأطلنطي لإعانة الأرتال الفرنسية الإسبانية المكلفة بإخضاع شعب بوسائل كانت تدعى شرعة الرئيس ولسون إلغاءها نهائيا. هذا الموقف أذهل الطلبة المسجونين وهذه المغامرة الماوراـ أطلنطية آلمتهم. وقد مكنتهم من أن يتأكدوا، فعلا، من خواء المظاهر العاطفية والدعاوي العقدية في غرب كان دائما يقف موقف العداء من الشرق ولذلك سلموا بضرورة الانفطام.
“فلتتذكروا، قال لهم سي تشفين منذ أن بلغ آذانهم تأكيد ما يروج في المدينة حول هذا الخبر، فلتتذكروا ما قاله لكم واحد منا ذات يوم عن موقف بيرون الذي غادر انجلترا في مشية معرقصة بسبب رجله الحنفاء، ليندفن تحت خرائب ميسولونغي باسم حريات الـ هيلاد. إن بيرون، شاعر المستقبل ومرتل آيات الليبرالية الوليدة لم يذهب، في حقيقة الأمر، إلى اليونان إلا لمحاربة الشرق مثلما سبق أن فعل ريشارد قلب الأسد باسم قبر السيد المسيح. ولا أحد يذكر أوربيا طار لنصرة بلد شرقي اجتاحته جيوش الغرب فدافع عن نفسه لأسباب شبيهة بالأسباب التي تفنن القوم في نسبتها الى أتباع كاناريس.
“لقد قاتلت الجزائر في أثناء عقود. وهي لم تعرف غير هذا المغامر الجاسوس ليون روش. ولنضف إليه المرتد جوزيف فانتيني الذي سماه تاريخ فرنسا يوسف وكذلك في ما يتعلق بتونس، الليقرو : إننا هنا بإزاء ثالوث من الأنذال .إنه إذا كانت توجد، اليوم، حقيقة، قضية تستأهل إثارة التعاطف وإلهام التضحية فهي قضيتنا. فقبل كل شيء نحن نتعرض للغزو لا لسبب إلا لأن أرضنا غنية ووسائل دفاعنا عنها ضعيفة. ثم إننا نحارب بأسلحة غير متكافئة.إنه ليس لدينا مالية ولا مصانع ومحاربونا ليس لديهم لا طائرات ولا دبابات ولا مدفعية نواجه بها قوى الخصم المتفوقة تجهيزا. إن رجالنا يسقطون في ميدان القتال من دون أن تكون لنا دولة قادرة على تقدير ما بذلوا وعلى إنجاد جيش الأرامل والأيتام الذين خلفوا وراءهم، وليس لدينا لا صحافة ولا دعاية ترد على الفرى الشنيعة التي تنصب علينا في حين أننا، من دون ريب، ضحايا هذه الحرب وهذا الشره الذي تثير، إن ابن عبد الكريم صف نحو عشرين رشاشة وعددا من المدافع لمواجهة جيش يقدر عدده الملاحظون الأقل انحيازا بمائتين وخمسين ألف جندي من دون حساب مستودع العتاد المتوفر الذي تملكه فرنسا وإسبانيا. ومع ذلك فعلى قرانا وأسواقنا يأتي أبناء عم مؤلف تشايلد هارولد بصفة متطوعين ليجربوا رصاصاتهم ومتفجراتهم”. لقد بعث بوراه يحذرهم ويهددهم بحرمانهم من الجنسية الأمريكية إن لم يعودوا الى بلادهم، همس السلاوي.
“هذا لا يعني شيئا، رد سي تاشفين.
وإذن، لم يعنّا غير الشيوعيين في هذه الحرب، معنويا على الأقل، جازف إدريس بالقول في هيئة حالمة.
“إنني أحذر منهم حذري من الآخرين عجّل سي تاشفين بالجواب. أنا لا أومن بأحد، فخيباتنا تكررت إلى حد يحول دون التسليم من دون تأكد ببوادر رأي تمليه ظروف داخلية بحت ويمكن للمرء أن يتفهمه عند شعب يهيمن عليه المذهب الرأسمالي والنظام البرلماني على حد سواء. إن نضالنا، هنا، ليس غير مناسبة لمثل هذه المعارك الانتخابية التي لا رهان لها غير السلطة. وأيا كان اللون الذي تتصف به هذه السلطة فستبقى متمسكة بالموقف نفسه منا فنحن لسنا في نظر الملكي أو الجمهوري أو الشيوعي غير مستعمرات أي قيمة استعمال7  وغير سلعة يحدد استخدامها أو مبادلتها بالنسبة إلى المجموعة الفرنسية درجات من الازدهار والمتعة تعجز الوصايا الإيديولوجية عن الفعل فيها. إن هذه المداخلات هي، من كل الوجوه، محض ديماغوجيا. ففي الزمن الذي كانت فيه مراكش تتعرض لصدام الجيشين الفرنسي والإسباني كان مجلس النواب الفرنسي في باريس يردد صدى صخب القسم الشيوعي في المجلس. كانت الأممية الثالثة تشكو عجزا دعائيا فارتمت، وهي تلاحظ أن أوربا تستعيد شيئا فشيئا عافيتها بعد ما لحقها من خراب في الحرب وتشرع في الإفلات من قبضة الأممية الثالثة وشعاراتها، ارتمت على الشرق الذي وقع نسيانه شيئا ما منذ أطروحات مؤتمر باكو فكانت الصين وشمال أفريقيا مرعاها. لقد كان خفض قيمة العملة ومنح التصدير يؤجلان الأزمات ويحدان من احتمالات بطالة متزايدة وكانت المصانع والو رشات تعمل من دون انقطاع فحافظت الأجور على قيمتها العادية ولم تكن الأسعار لتسجل، حتى ذلك الوقت، هبوطا محسوسا يربك الحياة العمالية فأصبحت الاشتراكية الديمقراطية موضع اهتمام وعناية في حين كان مثال الرخاء الأمريكي الذي تحقق في كنف الاتحادات الاحتكارية يقلل كثيرا من حظوظ تحقق الثورة الاجتماعية مثلما تنبأ ماركس ولينين بمجراها.وإذ لم يكن في إمكان الثورة أن تحافظ على قدرة إيحاء ما ولدت من أسطورة إن كفّت عن التأثير في العقول فإنها وجدت في المسألة الاستعمارية الوسيلة الملائمة لتدارك القصور في المسألة العمالية. ولقد استعمل خطباء الحزب المسألة على هذا النحو الشبيه بالليمونة المقتطفة من فرع في متناول اليد يعمد في عجالة إلى استخلاص عصيرها.
“لقد حدثتكم كذلك، أجاب سي الفحصي إدريس، عن مجموعة كاملة من المعارضين الاتفاقيين الذين استدرجتهم شجون المناقشات البرلمانية إلى الوقوف ضد المغامرات الأفريقية : ديجوبير وباسي ودولافوس وكليمنصو وقرينيي وألبين روزي وجوريس وفينيي دوكتون.
إنه لم يتبق من مناقشاتهم غير ركام من التقارير التحليلية والكشوف الثرية والأدلة التي تكفي، لو كانت العدالة هي المرجع، لنبذ الاستعمار نهائيا. ولكن لا شيء من هذا حدث .فباستثناء هذا المزاجي قرينيي الذي كان يسوغ لنفسه، وقد اعتنق الإسلام، أن يتوضأ في محلات قصر البوربون نفسها وفينيي الذي بقي إلى النهاية، رجلا شريفا، لم يكن أغلب هؤلاء السياسيون غير ديماغوجيين باحثين عن الحقائب الوزارية والإعلانات.
“أما فيما يتعلق بمواقف الأحزاب فإن الحزب الشيوعي، على الرغم من أن حدة كلام مندوبيه المندد بحرب الريف تضفي عليه طابعا خاصا، لا يخالف، هو أيضا، القاعدة الثابتة. ومن ناحية أخرى فإنه من أجل هذا كذلك وقع نصب منبر وسط الحرم البرلماني ووقع إنشاء الصحيفة في البلدان التي يمكن القول إنها تتمتع بحرية التفكير. فلا يجب عندئد فصل خطب النائب روديو عن البيئة التي انبثقت منها. إن العنصر الإيجابي الوحيد الذي تضمنته، شأنها في ذلك شأن كل خطاب معارض، هو التنديد، على مسمع من الناس، بالتعسف. وبهذا المعنى تكون هذه الخطب، وهو أمر يجب الاعتراف به، قد خدمتنا خدمة أكيدة بما أن القوانين الاستثنائية التي نخضع لها، نحن أفارقة الشمال، تمنعنا من التعبير عن مشاعرنا بحرية.
“إن هذا هو ما كان يفعله كليمنصو في 1885 تقريبا، وجوريس في الزمن الذي كان فيه فينيي الذي شاءت تقلبات الدهر أن يعين مقرر الميزانية التونسية يكتب فيه “عرق البرنوس” ويندد في المجلس بسرقات الأراضي وتعسف المصالح الإدارية في إيالة الشرق المغربي مما لم يمنع لا كليمنصو أن يقرر، وقد أصبح رئيسا للحكومة، احتلال مراكش ولا جوريس، رئيس المعارضة من موافقته وإن بتحفظ ضمني مردّه إلى عادات ديبلوسي بقدر ما هو أو ربما أكثر إلى اعتبارات عقدية.
“إن الدفاع من فوق منبر عن مطاعننا ومطالبنا أو عرضها على أعمدة الصحف، إن هذا بالنسبة إلينا هو الجانب المفيد في هذه المناقشات.
فأن يكون النائب روديو صادقا فيما يقول أو لا فهذا أمر لا يعنينا خاصة أن مصائبنا ليست بالنسبة إليه غير سلاح يصلح لمقاومة خصوم حزبه الذي ليست أهدافه، ضرورة، هي أهدافنا.
“إنه سيكون من الشاق أن نأخذ، في فورة عاطفة، بقضية تعارض على أي حال، هي أيضا، مصالحنا القومية بوصفنا مراكشيين وشمال أفريقيين، هذه العاطفة التي يبدو أنها الآن غلبت على عدد منا، لن أشاركهم فيها، بل إنني، بالعكس، أحذر منها حذري من كل دعوة إدماجية يمكن أن تدغدغ، إذا أردنا، مشاعر حالمة معينة وميولا ميالة، طبعا، إلى تبسيط ما هو شامل، ولكنها لا يمكن أن تتحقق في هذا العالم الذي يبدو أن التفكك هو الذي يقود خطاه والذي ليس في إمكان الإنسان فيه، مثلما تؤكد ذلك الدراسات حول قوانين التطور، أن يدافع عن حقه في الحياة إلا بالصراع الدائم والاحتراس من الوقوع في الأحابيل التي تترصّده من كل جهة.
“لقد عرفت، واصل سي تاشفين، جزائريين وتونسيين من الجيل الماضي ما زالوا يرعون ذكرى جوريس رعاية تدهش من تجشم ،وهو يقرأ خطاباته المتعلقة بالمسألة المراكشية، أمر متابعة تعرجات تفكير ليس فيه من الثبات غير مشاهد مجتمع مثالي يحشو بها مونولوقاته، تذكر بعدن التي كان المبشر يعد بها سكان بلدان معينة قبل وصول الراية التي ترفعها يدا الجندي والتي تغطي سلعته الوطنية. الاشتراكية ؟ الشيوعية ؟ ولكن هذه النظريات ليست إلا كلمات يمكنها مثل كلمتي الحضارة والثقافة أن تقدم علينا جاهزة على حد الحربة أو تحت شظايا قنبلة الطائرة.
“ماذا تعرفون عن هذه المواضيع التي تطلب قبل كل شيء مجتمعات انطلقت من مرحلة المشغل وبلغت الآن بل تخطت أعلى مستويات التركيز الصناعي وإنتاج المنتجات المتماثلة ؟ إن الرأسمالي يوم أن كثر في هذه المجتمعات من المصانع ومكن لها بتوظيف التطبيقات المتعاقبة والاختراعات العلمية ويوم أن أصبح همه الشاغل تحقيق تراكم الأرباح وسع توسيعا مفرطا مجال نشاطه حتى انتهى به الأمر إلى إقفار الريف لتزويد مصانعه باليد العاملة الضرورية لتشغيل جهاز مجسّي مثل هذا.
وفي هذه المجتمعات أصبحت السوق عالمية وملزمة بتطبيق قانون العرض والطلب إلى حد تظهر فيه المنافسة اليوم مثل سلاح تدعمه دواوين القنصليات والجيوش قبل أن تحل اللبس الذي تسببت فيه هذه المنافسة بالنزاعات الدامية.
“هل اقتنعتم، إن كنتم تفهمونني قليلا، إن هذا هو وضع أوربا اليوم، وشعوبها، في غالبيتها، أكدحت. إن بورجوازيتها التي أزاحت، منذ الثورة الصناعية طبقة نبلاء إقطاعية ملكت اليوم نهائيا، هي التي تتنزل اليوم منزلة القيادة بسبب مقوماتها الاقتصادية ذاتها. إن شعار السيادة بدل حامله والذهب باعتباره معيارا وحيدا لغيره من القيم، أصبح، عوضا عن سكي الفروسية القديمة ونقودها الشعارية، عنوان الطبقات الجديدة الوحيد .ومن البديهي أن تكون نتيجة تطور لم يفضي حتى الآن إلى غير الأزمات والحروب، سلبية تندرج هي ذاتها في نطاق حرب الطبقات والحروب الإمبريالية. إن هذا هو سبب ولادة الأطروحات الإشتراكية التي بإمكاننا القول إن الماركسية هي بالنسبة غليها المركز المحرك. إنني، مع كل هذا، أحرص على أن أقول لكم إنه لا علاقة لنا بهذه النظريات. وفعلا، فأي علاقة تربطنا، نحن شعب المزارعين ومربيي الحيوانات والتجار المنشدين إلى وسطنا بمجموعة روابط لا تقبل التلف بنظريات فائض القيمة والمادية التاريخية وديكتاتورية البروليتاريا ؟ إن تصورنا للأشياء ما زال على قدر من البساطة يمنعنا من المجازفة بإرباكه عند احتكاكه بجدلية الصيرورة الاجتماعية الدقيقة.
“إنه لا يتوقع من مجتمع محكوم بمفهوم حرب الطبقات أن يعيننا بقدر ما يزيد من إرباك ما يميز، في العمق، توازننا. وفي بداءة الأمر فإن عنصرنا العمالي المصنف ضمن منطقة خاصة بسبب الظروف السياسية التي تحكم المغرب، هو، باديء ذي بدء، بعيد عن أن يأمل في الاستفادة من المنافع التي يفترضها مبدأ تساوي الأجر بتساوي العمل. فهو محروم حرمانا منظما من الامتيازات النقابية والطائفية المعترف بها للعمال الفرنسيين. وفي صلب هذه الطبقة العمالية التي لا تقبل، على المستوى النظري البحت، أي تمييز عرقي ّنرى طبقة البروليتاريا الشمال أفريقية تلعب دور كبش الفداء في مقابل ارستقراطية عمالية تتمتع بأجور لا يستهان بها مثلما تتمتع بكل الحقوق التي كرستها قوانين البلد الأم، فرنسا. إن ارستقراطية الآلة هذه تحصل على ما يمكنها من العيش وزيادة وتستفيد من جملة حقوقها السياسية وتقرر مصير اللعبة الانتخابية والأحزاب التي تتنافس لنيل أصواتها وتبدي من ثمة استعدادها لدعم مصالحها في وسط المجالس التداولية أو عند حدوث نزاعات يولدها الجدل الذي لا ينتهي بين رأس المال والعمل. وبهذه الطريقة ترصن هذه الأرستقراطية العمالية وتتعقل وتتبرجز وإن أداها ذلك إلى أن تعقد ضدنا وضد طبقتنا العمالية كل مواثيق التضامن الممكنة مع أرباب الصناعة الذين يؤجرونها ومع المستوطنين الذي يخادنونها ويتملقونها باسم الوحدة الوطنية. إنه، عندما يخفق العلم الأحمر فوق أبراج “نوتردام” مثلما هو يخفق اليوم فوق جدران الكرملين، لن يتحسّن وضعنا نحن. ولتكونوا واثقين من ذلك على الرغم من مباريات الخطابة التي يقوم بها عدد من ديموستانات قصر البوربون. إن علينا، إذن، ومن دون أن نبخس ما يستحقه النائب روديو من تقدير لما أعلن، تكرارا، من حقائق شبيهة بالحجر الذي يرمي به، مرارا، في بركة الضفادع البرلمانية ،أن نتبين الخط الصحيح الفاصل بين عاطفتنا ومصالحنا. إنه لا يجب أن تخدعنا الألفاظ”.
كانت عيون الجماعة معلقة على الشمال فهناك كانت الحرب تجيش. إن مسرحية فاجعة من مسرحيات مأساة العصور الحديثة كانت أحداثها تدور في الريف من دون خاتمة ممكنة. فمن دون انقطاع كانت تصل فرق يدفع بها في الحين إلى قلب المعركة. وكان هذا الذي مكنه التاريخ من شرف إلحاق الهزيمة في جحيم فردان بوريث العرش الإمبراطوري الألماني وأفسد خطط رئاسة أركان الحرب الألمانية يجد نفسه مضطرا إلى التوقف بل قريبا من الارتداد على عقبيه بفعل عدد قليل من القبائل المراكشية كان يقوده رئيس لا يتجاوز تكوينه العسكري حدود الارتجال.
لقد امتلأ العالم سنتي 1925 و 1926 بضجة هذه المعركة باسم أمغار أجدير. ولكن الصلب انتصر. إن في إمكان البندقية أن تصمد، عند اللزوم، إزاء الرشاشة، ولكنه ليس في إمكانها أن تصمد إزاء القوى المشتركة، قوة المدفع والدبابة والطائرة والحصار. وذات مساء يوم من أيام ماي 1926 انتشر في فاس خبر قرب توقيف العمليات الحربية ووصول مبعوثي الأمغار إلى الخطوط الأمامية بغاية الحصول على شروط الهدنة .وبعد أسبوع صمت صوت المدفع ولف الصمت المغرب من جديد. ونفي البطل في المحيط الهادي عقب دجل وجدة وعقد الصفقة الذي قدم عربونها جان لويس مالفي في مدريد. ولكن مانون رولان لم تكن حاضرة فتصيح في وجه التمثال استرعاء ثانيا للحياء ا !
أطلق سراح المعتقلين فعادوا إلى القرويين. ومع أن المغرب أدهش العالم بآيات الشجاعة فإن الطلبة لم يتمكنوا من التخلّص من شيء من الشعور بالإهانة. وقد اقتضى الأمر شهرا كاملا لاستعادة حالتهم في حين كان إرب من الأمة يطير نحو الـ ريينيون . لقد دامت الملحمة خمسة أعوام وسيتواصل النضال، بالرغم من استسلام القائد، من قمم الـبو إبلان إلى براح تافيلالت طيلة سبع سنوات أخرى. فالمغرب لا يريد أن يموت.

===================================

(1) هو في الميثولوجيا الرومانية أحد آلهة روما يحرس أبوابها ويراقب من يدخل إليها ويخرج منها. ولهذا يرمز إليه بوجهين

(1) موظفو إدارة أو مستخدمو مؤسّسة.

(1) الثالث (1878-1843 قبل الميلاد) من كبار فراعنة مصر القديمة.

(1) الثاني، ملك فارس فتح مصر سنة 525 قبل الميلاد.

Torres(1) وأصله الإسباني واصح من اسمه

Weltpolitik : (1)

La Restauration (1)
Louis de Bourmont (2) ت 1846) حملته على الجزائر مرادفة ، عند المغاربة، لحملة لويس بونابارت على مصر والشام.

(1) : Wrong or right, it is my country

(1) طبيب ورجل سياسة ونائب الشعب في مجلس 1849. قتل في باريس سنة1851 في المتاريس التي أقيمت تصدّيا لانقلاب نابوليون الثالث على الجمهورية.

Risorgimento (1)
Mare Nostrum (2)

Homo homini lupus (1)
(2) أنوال، هزم محمد بن عبد الكريم الخطابي في أنوال سنة 1921 القوات الإسبانية هزيمة نكراء ، وفي هذه المعركة أفل نجم قادة كبار وبدأ نجم عدد من العسكريين في البزوغ ومنهم فرانسيسكو فرانكو

Ligue de jeunesse Allemande-Jugenbund(1)
Italia Nuova (2)

Caf’con’1

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ ⴰⴷⵍⵉⵙ ⴰⴷ ⵉ “iPad” ⵏⵙⵙⵉⵔⵎ ⴰⵜ ⵏⵙⵓⴼⵖ ⵉ “anduyd” ⵏⵖ ebook  

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal