img6.jpg

بقايا الشَّعائر الدينَّية القديمة والمعتقدات الوثنيّة عند أمازيغ العصر الوسيط الإسلامي. (2)

2- عبادة الصخور والأشجار والمغارات والماء

بجانب إيمانهم بمعتقدات له طابع كوني كما هو الشأن بالنسبة للشمس الخروف فقد مارس الأمازيغ طقوسا وشعائر تطغى عليها الطابع المحلي وتتخد لها كموضوع عبادة أشياء طبيعية. يتجه تفكيري إلى شعائر تخص الصخور والأحجار والمغارات وأخيرا المياه. لازالت بقاياها تنعم بالحياة متقنعة بأقنعة إسلامية في حياة أمازيغيي العصر الوسيط وتزخر بها المصادر العربية.

ترتبط عبادة الصخر والحجر ارتباطا وثيقا بعبادة الجبال (المرتفعات، الأعالي). تزودنا المعتقدات الأمازيغية القديمة بآثار وافرة عن ذلك. يقول [پيلين القديم وپومپو نيوس ملا] عن صخرة يتعبَّد بها سكان ليبيُّون وهي صخرة تتلقى رياحا جنوبية- بأنه ما أن تلمسها يد بشرية حتى تثور ريح عاصفة.

وتتحدث مصادر إسبانية عن وجود مثل هذه الشعيرة في أوساط الگوانش بجزر الكاناري. ففي جزيرة يالما على سبيل المثال وبالقرب من حفرة كالديرا توجد صخرة (حجرة كبيرة) تدعى إضَافْ. ولأجل الوقاية من انهيار محتمل للصخرة، تقدم قبيلة تانانسو التي تقيم بالقرب بها قرابين لها تصحبها ترانيم وأناشيد.

والقرابين هي عبارة عن حيوانات تقدَّم منها أمعائها فقط للصخرة المقدسة والباقي يوزَّع على الناس أو يؤْكل. أحيانا تقدم حيوانات عادية على مذبح الصخرة يلقى بها من أعلى الصخور المجاورة.تتحدث الروايات الإسبانية عن طقوس تخص بها صخرتين في جزيرة گران كاناريا.الصخرة الأولى تسمى تيسمار وتوجد في مقاطعة گالدار والثانية فيمانيا وتوجد في تيلدي. وعندما تصيب الجزيرة مصائب عظيمة فإن ساكنة الجزيرة تحج إلى هاتين الصخرتين وعلى رأسهم رجال كهنوتهم.

يحمل الحجيج معه ريش النخيل وجرات حليب وزبدة ويراق ذلك كله على الصخرة في أجواء من الرقص والغناء. من غير المستبعد أن صخرة مقدسة مثيلة وهي ذات حجم ضخم تدعى حجرة القائد وتتواجد في غرب الجزائر بين تياريت وغيزيلان لها علاقة وثيقة مع مثل هذا النوع من الشعائر القديمة. وقد قام [Blanchère] بوصف دقيق لها.

أعتقد أن من رواسب هذا النوع من الشعائر كذلك ما نجده في قبيلة برغواطة في غرب المغرب الأقصى. استنادا إلى رسالة من السفير البرغواطي زمُّورا الذي أقام بقرطبة في ضيافة الخليفة الأموي عام 963م، يخبر البكري بأن الأمير البرغواطي يونس أمر باجتثات كل ما لايمت بصلة بالدين الجديد.

كما أنه يجب أن نشير إلى أن هذا الملك أعلن رسميا حوالي منتصف القرن التاسع الميلادي إلْزامية عدد من العقائد التوحيدية التي تركها جدّه صالح بن طريف البرغواطي. جاء عن زمور بأنه قتل 770 معارض في مكان يدعى تاملوكاف ومنها اسم الصخرة أو الحجرة الواقفة وسط ساحة السوق المحلي.

عدد الضحايا له علاقة بالرقم السحري 7 وكانت الصخرة (أو الحجرة) تاملوكاف مكانا قديما لممارسة هكذا شعيرة ونُحِر فيه الكثير من بني البشر.

استمرت عبادة الصخر والحجر طيلة العصر الوسيط في أوساط المسلمين الإباضيين رغم كل التقوى والورع الذي عُرفوا به ومعرفتهم بالقرآن والسنة. تُحصي قائمة عن الأماكن المقدسة بجبل نفوسة (طرابلس) والمعنونة “تسمية مشاهد جبل الجبل” سلسلة منها يتردد عليها الزوار الإباضيون الصالحون طيلة القرن السادس عشر الميلادي.

ومن هذه حجرة تاسيليتن وصخرة في وادي بگالا تسمى تازْرات أي الصخرة الصغيرة أو صخرة الوادي. والجدير بالملاحظة أنه لاتوجد ولاصخرة واحدة يحج إليها الأمازيغ الإباضيون تحمل اسم شخصية إباضية مشهورة بقدسيتها وكراماتها. لايتعلق الأمر سوى بأماكن قديمة تمارس فيها شعائر أمازيغية تعود إلى فترة ما قبل دخول الإسلام إلى بلاد المغارب ولازال بعضها يحتفظ بشهرته حتى بعد تشيُّع سكان جبل نفوسة للمذهب الإباضي.

عبادة المغارات بدورها لاتقل إيغالا في شعاب التاريخ وهي الطقوس الدينية الأمازيغية. فالمغارات هي مسكن الآلهة في المتخيل الديني الأمازيغي.كان إله المغارات باكاكس أشهر الآلهة النوميديين في التاريخ القديم. تقع مغارته بالقرب من تيبيليس (اليوم أنُونا) وسبق أن كانت موضوع دراسات أركيولوجية عديدة. ثمة أيضا آلهة أمازيغية مماثلة، منها على سبيل المثال لا الحصر گداس. يوجد اسمه على رأس الآلهة المسجلة أسمائها باللاتنية على امتداد الشمال الإفريقي ونجد إلهة أمازيغية في جزيرة هيرو أو فيرو في الكاناري، كما يستفاد من مصادر إسبانية، سميت مغارة باسمها وهي مسكن للمنحرفين والجانحين. حتى بعد اعتناق الأمازيغ للإسلام وظلوا أوفياء لعبادة المغارات. أشرنا فوق إلى كتاب تسمية مشاهد الجبل الذي ظهر في القرن 16الميلادي ويتضمن لائحة بأسماء البقاع المقدسة والكلمات التي يستعملها الحجيج الإباضي في زيارته الطقوسية إليها. نجد فيها أسماء مغارات كثيرة تمارس فيها شعائر دينية محلية وهي توكيت، تينالوتين، أبوخليل، تانوت نيسلي.

لاشك أن لمغارة أبي خليل صلة بالصالح الشيخ الإباضي الأشهر أبوخليل الدرشلي الذي عاش في النصف الأول من القرن التاسع الميلادي ولاشك أنه كان يختلي بهذه المغارة. ومن غير المستبعد أن هذه المغارة كانت تحظى بالقدسية قبل الإسلام وقد يكون أبا خليل اختارها للتعبد لهذا السبب. أما مغارة تانوت نيسلي فتستمد تسميتها بلاشك من اسم شيخ غيرمعروف وقد تكون له شهرة محصورة بجبل نفوسة الأمازيغي الإباضي.

وقد لايكون هو نفسه مسلما بل عرَّافا أو صانع معجزات من العصر الوثني.

المغارتان الأخريتان لايربطهما صاحب تسمية مشاهد الجبل بأي شخصية مسلمة كما أنه عجز عن كشف النقاب عن سر الشعائر التي تحاط بها هذه المغارات بالنظر إلى محدودية نظرته الإسلامية. أم أنا فأرى بأنها ربوع كان قدامى الأمازيغ يشدون إليها الرحال قبل وصول الإسلام إلى بلاد المغارب.

يذكر الشماخي في كتاب السير مغارة يوجد بها مسجد الشيخ الإباضي أبو ميرداس محمد السدراتي وتوجد المغارة بجبل نفوسة أيضا. أما مغارة توكيت المشار إليها فوق فهي معروفة بصفتها مكانا مقدسا منذ القرن العاشر الميلادي. كما أن المغارات الآتية گيران، بني، أگاگ كانت كلها أماكن لممارسة شعائر دينية قديمة. وتتواجد في جزيرة ورغلة حيث ألِّفت في العصر الوسيط مصنفات فقهية ودينية إباضية على درجة كبيرة من الأهمية. بحوزتنا أيضا إحالات على الشعائر الدينية المرتبطة بالمغارات في بلاد المغرب الأقصى.

ثمة شعائر قديمة تقدم للأشياء الطبيعية ولازالت رواسبها حاضرة عند أمازيغيي الجزائر بالفترة الإسلامية ترتبط بالماء. منذ القديم ومجاري المياه والينابيع أو عيون الماء ترتبط في المتخيل الأمازيغي بآلهة أو جن تكتبها الكتابات اللاثنية المنقوشة هكذا genuis من ذلك ما يجده في غرب الجزائر من كتابة منقوشة باللاثنية مهداة لجنّي الوادي (genio fluminis) وبالضبط بالقرب من وادي سيگ.غير بعيد عن عيون وادي بُوْمْرزوگْ وعلى مقربة من شولا وهو مكان قديم (في محافظة القسطنطنية)، نجد كتابة منقوشة فيها اسم لجان وادي أميساگ (واسمه الجاني بومرزوگ. أخيرا نجد كتابة مهداة لـ genio fontis أو جني الينبوع (عين ماء).

وحتى بعد دخول الإسلام إلى بلاد المغارب فإن طقس عبادة المياه لم يتوقف. واستمر الناس في التردد على أمكنة المياه ولايكلفون أنفسهم حتى عناء الربط بين هذه الأماكن وشخصيات مسلمة مبجلة. تخبرنا كتابات إباضية بتفاصيل دقيقة عن استمرار هذه الطقوس المائية عند الأمازيغ. وقد سبق أن أشرنا أعلاه إلى مغارة تانوت نيسلي بصفتها واحد من أمكنة يتردد عليها الحجيج الأمازيغي في القرن السادس عشر الميلادي بجبل نفوسة استنادا إلى ما جاء في تسمية مشاهد الجبل. ولازالت بقايا الطقوس المائية بالجبل تنعم بالحياة إلى أيامنا وهو معطى يؤكده العلامة الأمازيغي النفوسي ابراهيم ؤسليمان الشماخي في وصفه للمنطقة. يقول في هذا الكتاب بأنه غير بعيد عن القلعة يوجد خزان مائي اسمه نانّاتالا أي الجدَّة الصهريج أو الخزان المائي. يأتي إليه الآباء لأجل غسل أطفالهم عندما يصيبهم مكروه ويبخرون المسك في الوقت نفسه طالبين الله معافاة فلذات أكبادهم. يتضح من هذه الحادثة بما لا يدع مجالا للشك أن الطقوس المائية هي من الطقوس الأمازيغية الموغلة في القدم. لا شك أن نانّا تالا هو الجني القديم إله الماء.

تتجلى الشعائر التعبدية أو التقريبية أو التُّبركية المرتبطة بالماء في الإغتسالات المرتبطة بالمناسبات والصلوات والقرابين والبخور. هذه الطريقة الأخيرة كانت يتم اللجوء إليها في العصر الوسيط للاستنجاد بالجن والعفاريت.

يذكر الشماخي خزانا مائيا آخر في جبل نفوسة وهو ما يعني أن الشعائر المخصصة لنانا نتالا الإلهة لا تقتصر على مكان محدد بالجبل. يخبرنا[ليفي پروفنسال] في حالة المغرب أن هناك طقوس دينية تحاط بالعيون المائية العلاجية ويعتقد أن حامي هذه العيون هو ولي مسلم يدعى مولاي يعقوب. في مثل هذه الأماكن تقام دائما قبَّة على شرف هذا الولي.

3- جِنُّ مُؤلّه وأبالسة من صنع الخيال الخرافي:

أشرت سالفا في معرض حديثي عن الصخور والمغامرات والعيون إلى أن هذا النوع من الشعائر لها صلة بالإعتقاد الديني في آلهة أو عفاريت يقيمون في هذه الأماكن الطبيعية أو يرتبطون بها على نحو ما ويكونون عادة موضع تبجيل وتقديس. لم تكن هذه هي العفاريت التي كان الأمازيغ يعتقدون في وجودها وقدراتها الخارقة.فقد كانوا يعتقدون أيضا في عفاريت يسهرون على سلامة القبيلة سيما على سلامة أفرادها الصالحين والزهاد وآخرون يستعينون بها لممارسة السحر أو التنبؤ والتكهن بما سيقع. كما أنهم يعتقدون في وجود جن شرير يجب محاربته بنفس القوة والحماس الذي يتقربون به من الآلهة. الإيمان بهذه الكائنات الأسطورية استمر عندهم طيلة العصر الوسيط الإسلامي استمرارا ملحوظا ولازالت بقايا من هذه المعتقدات تنعم بالحياة إلى عهد قريب جدا. هذا الجن يظهر تحت أشكال متنوعة. البعض منه يتمظهر في الظواهر الطبيعية وآخر يتقمص مظهرا بشريا أو حيوانيا و صنف ثالث لايظهر للعين المجردة ولايعلن حضوره إلا بالصوت والهمس: اللذان لا يدركهما إلا الموجهان إليه.

ليس هدفي ها هنا تقديم تفاسير عن وجود هذه الكائنات من عدم وجودها وكيف تشكل الإيمان بها عند أصحابها. فهذه المعتقدات نجدها هنا وهناك في بقاع المعمور. هدفي هو تقديم أمثلة جمعتها وتقديم الدليل الساطع على استدامة الرواسب الوثنية المرتبطة بالجن في المعتقدات الأمازيغية بالفترة الإسلامية نفسها.

نضع أيدينا في كتاب البكري المسالك والممالك على حجة واضحة دالة على إيمان الأمازيغ بالعصر الوسيط بالجن المؤله وتخص القبيلة الأمازيغية بنو وار يسيفان. للأسف لانعرف مكان استقرار القبيلة.

حسب ابن خلدون تنتمي القبيلة إلى التجمع القبلي ماگراوة في حين يُنْسِبها [ابن حوقل] إلى مجموعة زناتة إذ أورد اسمها ضمن القبائل الزناتية المستقرة في منطقة طرابلس الغرب.

أما فأرى أنها في عداد فروع قبيلة أورسفانة الأمازيغية الحالية المقيمة في وادي العزيزية بين مدينة طرابلس ودائرة جبل ئيفرن في الشمال الطرابلسي.

يقول البكري بأن بني واريسيفان يعتقدون في وجود الجن (الشياطين) ويسمونه شماريخ ومفردها شومروخ. إذا كان يستعدون لحرب يقدمون إليهم كقربان بقرة سوداء ليكونوا مناصرين لهم. وبطريقة رمزية يضحون بكل ما عندهم في سبيل هؤلاء سيما المؤونة وكل ما عندهم من ماشية. يتخيل بنو واريسيفان هؤلاء الجن كسحابة رمل تظهر ما أن يظهر خطر ويعني ذلك أن الجن سيكونون إلى جانبهم في المعركة القادمة. أما كونهم يمتلكون نفس طباع أهل القبيلة فآت من كون هؤلاء يقدمون إليهم أطعمة طقوسية في المآدب التي يهيئونها لضيوفهم. يحرص بنو واريسيفان على عدم ذكر اسم الله في المناسبات الطقوسية التي يتضرعون فيها إلى “الشماريخ” حسبما جاء لدى البكري وهو ما يدل دلالة واضحة على عدم اسلامية هذه المعتقدات الوثنية والأفضال المنسوبة للجن.

كما أن بقايا هذه المعتقدات استمرت في حياة القبائل الأمازيغية الأكثر إيغالا في التشبث بالدين الإسلامي كما هو شأن نفوسي الجبل الطرابلسي على سبيل المثال ومؤسسي الفرقة الإسلامية ذات التشيع المذهبي الإباضي.

معنى ذلك أنه حتى وإن كان هؤلاء الجن في خدمة الله والمذهب الإباضي فإن طبيعتهم البدائية تبقى دائما عصية على الفهم والإستيعاب.

نورد هنا ما قاله المؤرخ الإباضي الأمازيغي أبو زكريا يحيا بن أبي بكر الورجلاني من جزيرة ورغلة شمال الصحراء. ونقتبس قولته من الروايات عن الزعماء الإباضيين بكتاب السيرة وأخبار الأئمة المكتوب مباشرة بعد عام 1110/1119م.

فبعد الحرب التي خاضها النفوسيون ضد الأغالبة والمعروفة بمعركة مانو (97/896) والتي فقد فيها الأوائل خيرة مقاتليهم، ظهر سلوقي وراح يركض وسط الجثت التي غطّت ساحة الحرب وكان ذلك ليلا.

اقترب من القتلى النفوسيين وراح يدعوهم إلى ذكر اسم الله فاستجابوا كلهم للأمر. بعد ذلك مر السلوقي نفسه بالقرب من قتلى المقاتلين العرب وقال لهم: إنبحوا أيتها الكلاب المسعورة! فردوا عليه بالنباح. هذه الرواية تدل على أن هناك إيمان راسخ بتدخل الجني في حياة أهل جبل نفوسة إذ يدافع عن أرواح المقاتلين النفوسيين الذين سقطوا في ساحة المعارك ويقف في وجه أعدائهم.

صحيح أن الصورة أصابتها بعض الضبابية بإدخال عنصر الإسلام فيها. فالإسلام قرآنا وحديثا لا يأتيان على ذكر كائنات اسطورية تظهر في هيآت كالتي جاءت على لسان الأمازيغي الإباضي أبوزكريا المتحدر من قبيلة نفوسة. أما الشيخ الإباضي ادريس بن الطويل الصوفي اللواتي فقد ظهرت له جنيّة. وكان يعيش في جزيرة صوف (اليوم الوادي) بالشمال الصحراوي في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي. وفي رواية للشماخي أن هذه الجنية تلت أشعارا أمازيغية. لم يصلنا شيء عنها لكن من المؤكد أنه ليس فيها ما يناصب الرجل العداء.

ما يستحق الملاحظة هو أن كل الجن الذي يستحضره الناس هنا إما تضرعا أو في حفل طقوسي أو يحضر تلقائيا له علاقة أساسا بالنساء الكاهنات أو الساحرات. فمنذ القرم11 الميلادي والمؤرخ البيزنطي [پروكييوس] العارف الجيد بالشمال الإفريقي يقول بأن النساء هن اللآئي يتنبأن بالمستقبل عند الأمازيغ.

عند نهاية القرن الموالي ودائما قبل الفترة الإسلامية، تنسب التقاليد الإفريقية الشمالية للملكة الأمازيغية ديهيا (وسمّاها العرب الكاهنة) هذه القدرة على التنبؤ بالغيب. ولقد قادت هذه المرأة مقامة بطولية ضد الزحف العربي الهادر على بلاد الأمازيغ في النصف الثاني من القرن السابع الميلادي.إذ كان يعتقد أن الملكة الأمازيغية وهي من القبيلة الأمازيغية اليهودية گاراوا، تمتلك جنّا ينبئها بالمستقبل ولا يبخل عليها بنصيحة.

ويشير ابن خلدون إلى وجود سحرة شابات لها السلطة على أرواح النجوم في قبيلة غمارة بالريف المغربي. يمتلكن سر المناداة عليها والاتحاد معها ما يجعلهن ذوات سلطة على الرجال.

ستمرت هذه المعتقدات القديمة لفترات طويلة إذ نجد نساء في القرن 16 الميلادي يزعمن بأنهن عرّافات أو كاهنات بمدينة فاس المغربية وتربطهن علاقة صداقة بجن أبيض وحمر وأسود ويستحضرنه بإطلاق بخور من نوع خاص ثم سرعان ما يدخل الجن إلى دواخلهن وينطق بأفواههن. وهناك جن آخر يظهر لهن في قارورات مليئة بالماء. وتنسب للجن أيضا خاصية إطلاق أصوات وتسمى في هذه الحالة قائل أو هاتف. ويشم الرجال رائحتهم الزكيةّ، فينذرونهم أو يوحون لهم بنبؤة.

هكذا نلاحظ إيمانا قويا بالأرواح في الأوساط الإباضية المعروف عنها إسلامها الشديد ويجتهد هؤلاء الإباضيون في نسج روابط بين هذه الأرواح الجنية وشخصيات مسلمة وسحب قناع إسلامي عليها. في مطلق الأحوال، نحن إزاء معتقدات غير قرآنية ولا حديثية بل أمازيغية متأصّلة مرتبطة أشد الإرتباط بالجن الساكن في جسد الكاهنات العرافات بالنسبة لبروكوبيوس وبالملكة كاهينا في التصورات الشائعة بالشمال الإفريقي. أصوات هذه الأرواح تسدي نصائحا للنخبة من أهل القبيلة أو تنبئهم بالغيب.

لا تخبرنا أخبار الأنساب الإباضية عمّا إذا كانت مثل هذه الأرواح تتحدث بعد استحضارها أو تقوم بذلك تلقائيا. كثر من السير والأنساب الإباضية تتحدث عن هذا القائل و أو الهاتف أو المنبه وتأتي على ذكر أقوالهم بالأمازيغية أو مترجمة إلى العربية. وهاكم أمثلة:

بعد موت إباضي مريد يدعى موسى ابن أبي مسوار وهو شاب من جزيرة جربة في النصف اللأول من القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي تحلق الناس حول جثمانه فإذا بهم يصيخون السمع لهمس غريب (هاتف) يثني بالأمازيغية على الراحل.

إباضي آخر قضى في معركة ضد عساكر الأمير السني المعزّ بن بادريس حاكم تيموزغا الشرقية من عائلة الزيريّين في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي. وكان الهالك صالحا في زمانه وزعيما محليا يدعى أباعمر النميلي. إلتقطت أسماع الذين يجوبون ساحة المعارك طولا وعرضا بحثا عن الجثت همسا غريبا (هاتف، قائل) يلعن قاتل أبا عمر بالأمازيغية وليس بلغة القرآن.
نجد في كتب إباضية كثيرة حديثا عن ذلك الهاتف الذي يخاطب المدعوة أسيل بالأمازيغية والتي تقيم فيجبل نفوسة بالرن 11م. ينصحها الصوت ويقدم لها نبوءات (نبوءة زواجها مثلا من ابن عمها). تؤكد المصادر التاريخية الإباضية أن الناس العاديين لا يخامرهم أدنى شك في أن الصوت لجني يخاطب أسيل وهو معطى يتطابق مع المعتقدات الأمازيغية القديمة. لكن في هذه الحالة نجد أن الصوت نفسه هو الذي قال للعجوز المرتبكة والحائرة مايلي: “أخبرك بأخبار سارة والناس يعتقدون أنني جني” وحفاظا على سمعتها كامرأة إباضية صالحة تداركت أسيل الموقف وفسّرت للبسطاء من الناس أن الصوت المسموع لمسلم. وما قالته السيدة لا يقل قدرة على الإقناع. أما الصالح العلامة الاشيخ الإباضي ماكسان ابن الخير (النصف الثاني من القرن الخامس الهجري) والمنتمي لقبيلة أمازيغية تدعى بنووسيان والمقيم بجزيرة أريغ فقد التقط سمعه صوتا غريبا يخاطبه بالأمازيغية ناصحا إياه بالهروب من الخطر الذي يتهدده. سارة كذلك يسكنها جني وهي سيدة إباضية صالحة عاشت في النصف الثاني من القرن 11م كما أنها تتحدر من قبيلة لواتة وتقيم بصوف. وتعتقد أن الله هو الذي سمّى هذا الجني حسبما جاء عند كاتب إباضي صالح كما أنه يذكره بما يجب عليه القيام به ويدعوه إلى العمل الصالح ويدعى هاتف، منبه بالعربية غير أنه يخاطب مخاطبيه بالأمازيغية.

يحكى أيضا أن هاتفا آخر يسدي نصائح وإشارات تحدث إلى الشيخ الإباضي الأمازيغي الأصل عبد الله بن الحسن الذي عاش قبل القرن السادس الهجري 12 الميلادي. كما أشرت إلى ذلك فوق فنداء هذه الكائنات الخرافية يتحقق بواسطة مجموعة من الطقوس. وأحد هذه الوسائل التي يلجأ إليها لاستحضارها هي الحِضانة أي تعمُّد النوم في مكان معروف بقداسته أو يتردد عليه الجن.

سبق لهيرودوت أن قال بأن كهنة ناسامونس بشرق ليبيا يغرورون قبور أسلافهم كلما أرادوا التنبؤ بشيء. بعد الصلاة يستسلمون للنوم حيث تأتيهم رؤى نبوئية. لا زال الطوارق يمارسون طقس الحِضانة وتتردد نسائهم على مدافن قدامى سكان البلد لتمددن بجانبها ويطلبن من أرواحهم الجود عليهن بنبوءات (زبَّارْ) وهذه الأرواح (الجن) تتراءى لهن في صورة عملاق بعيون جمل. في عموم بلاد تيموزغا كل من أراد معرفة الآتي يتجه إلى المغارات التي يزورها الجن (يتعلق الأمر في الغالب بقدماء الجن أو آلهة تدود على حياض المغارات والتي أومأنا إليها فوق) أو إلى قبور الصلحاء المسلمين أي إلى الأضرحة.

لاشك أن السيدة الصالحة سارة التي ذكرت أعلاه ستتحول بدورها إلى جنية ما أن تلتحق بالسماء وبعالم الأموات. ونستشهد هنا بما قاله الشماخي في إحدى الطرائف:

نام رجل على قبر دون أن يدري أنه قبر سارة فإذا به يسمع صوتا (لاشك أنه صوتها) يعده بالرحمة الالهية مكافأة له على عمله الصالح في الحياة الدينا. شخص إباضي من جبل نفوسة تراءت له سيدة إباضية صالحة صارت في عداد الموتى في هيئة ملاك تقول نظما شعريا بالأمازيغية. أخيرا، لابد من الإشارة إلى أن القرآن والحديث لا يلمحان ولو مجرد تلميح إلى مسألة الحِضانة هذه ما يعني أنها من بقايا ورواسب المعتقدات الأمازيغية القديمة.

لايعتقد الأمازيغ في الجن الصالح والنافع فقط بل في الجن الطالح والضار أيضا. يتحدث البكري في سياق إيراده لمحمد بن يوسف الوراق عن حالة مماثلة. فقد كان هناك اعتقاد سائد في قبائل مسيلة وبنو عقيدان وهم رُحّل يقيمون بالحدود الغربية مع مصر مفاده أن البنات حين ولادتهن يتحولن إلى غولات ترتمين على الرجال. ولتفادي ذلك، يجب تقييد الرّضّع. مرة أخرى، هذا المعتقد الخرافي لايقره الإسلام فهو ببساطة من المعتقدات الأمازيغية القديمة.

يشير [روني باسي] إلى هذه الخرافة تستمد جذورها من حكاية أمازيغية لازالت تتردد على ألسنة أهل ورغلة وتدور حول أب وبنته الشرسة /الشرهة.

تستمد قبيلة أمازيغية تدعى أولاد ستوت وتنحدر من الشرسة / الشرهة تسميتها من جدّتهم الغولة التي تجوب صحراء جاريت طولا وعرضا بحثا عن اصطياد الرجال وتقديم لحمهم لصغيراتها حسبما تدعيه القبائل المعادية لهذه القبيلة.

يسمي الأمازيغ هذا النوع من الكائنات الشرهة تامزا أو تامزات أي الغولة وأَمْزَا أي الغول ويسمونها أيضا تاغزنت أو أواغْزنيُو كما أن هناك تسميات ثنائية أمازيغية تطلق على مثل هذا النوع من الجن معروفة ومتداولة.

وعلى هامش حديثنا عن الإعتقادات في الجن وأشباه الجن لابأس من الإشارة إلى حكاية أمازيغية متداولة في العصر الوسيط وتدور كلها حول أصل كلمان حفيد القائد الأمازيغي الشهير يعلن بن محمد الإفرني. فقد وضعته أمه ليس بعد معاشرة رجل بل بعد أن استحمت في عين ساخنة تشرب منها الحيوانات المفترسة. يعتقد أنها حملت من لعاب الأسد ولذلك سمي كلمان بابن الأسد وكان فعلا معروفا بشجاعته المنقطعة النظير.

ابن خلدون هو الذي وثق الحكاية ويعلق عليها بالقول أن الأمازيغ لايصدقون كلهم هذه الحكاية. يعتقد بعضهم أن إيمان الأمازيغ بكائنات فوق طبيعية يعود الإعتقاد الأمازيغي القديم في الظواهر الضوئية الرامزة للقداسة.

ولا علم لنا بهذا الصدد إلا بمعتقد واحد ورد عند المؤرخ الإباضي أبو زكريا يحيا بن أبي بكر الورجلاني، يقول بأن أمازيغيا يدعى يعقوب بن يوسف الوجراني من الشمال الطرابلسي إجتاز ليلا وبمعية أشخاص المكان الذي وقغت فيه معركة بين المقاتلين العرب والإباضيين وأسفرت عن مقتل قائد أمازيغي إباضي يدعى أبو حاتم يعقوب ابن اللبيب المالزوزي عام 73/772م.

أصيب الأشخاص بفزع وفوجئوا أشد المفاجأة عندما وقعت أعينهم على إرهاصات مشعة والحال أن المكان كله يلفه الظلام الدامس.

بقلم: تادايوش ليفيتسكي

يتبع الجزء الثالث

هذه المقالة تحتوي على تعليقات (4)

4 تعليقات ل “بقايا الشَّعائر الدينَّية القديمة والمعتقدات الوثنيّة عند أمازيغ العصر الوسيط الإسلامي. (2)”

  1. mehdi says:

    أريد التأكيد على أن مظاهر الشعائر الدينية القديمة لا تزال حاضرة إلى يومنا هذا خصوصا في المغرب وذلك بشكل متفاوت من حيث درجة الإقبال وذلك بحسب المناطق، وباعثبار قربها أوبعدها عن المراكز الحضرية التي تعثبربؤرا للتعريب ومسح ومسخ كل تجليات الأمازيغية . فبخصوص عبادة الحجر، أو التبرك بالحجر، توجد بالمغرب ، وبالضبط في المنطقة المسماة إغيل ن وارفالن بالأطلس الكبير، مزارة تسمى باللغةالأمازيغية “lalla taggunt” ، وترجمتها بالعربية تعني :”سيدتي الصخرة” ، هذه الصخرة ، وإلى حدود اليوم، لا تزال محجا للنساء والفتيات اللائي يقصدنها من أجل التبرك ودفع الأذى وكذا بغرض الزواج وطلب التوفيق في الحياة. فهذه الشعائر تتعايش جنبا إلى جنب مع شعائر الإسلام ، ولا ينظر إليها من طرف الأهالي على أنها تمظهر وثني وشرك تلزم محاربته.

  2. عادل says:

    هل كان الأمازيغ أيضا في القديم يتبركون بقبور أوليائهم كما يتبركون بالأصنام؟

  3. عادل says:

    أتمنى إعطاء مصدر حول ذلك

  4. soso says:

    wlad setout 9abila 3arabiya o ana minha

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal