img1.jpg

حذار من تجريم الأمازيغية في وطنها!

كان بإمكان أعضاء “الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية” و”أكاديمية المملكة” أن يقدموا خدمة جليلة لبلدهم وللغة العربية وللعديد من البلدان التي تنشط فيها شبكة تلك الجمعية لو أنهم بادروا بتنظيم لقاء ثقافي وعلمي حول التجربة المغربية في الإقرار بالتعدد اللغوي والثقافي وعوائق تدبيره الديمقراطي، ودعوا إليه إخوانهم من تلك الأقطار وتداولوا بشكل علمي ومجرد من أي نزوع إيديولوجي أو استيهام قومي حول إمكانيات تطوير اللغة العربية وولوجها مدارات الحداثة والمعرفة جنبا إلى جنب مع اللغات الأم المحلية التي تشكل الإطار السوسيولسني لهذه البلدان ورصيدها الثقافي وعمقها الحضاري والوطني. وسيفعلون خيرا لو تدارسوا إمكانية الاستئناس بتجارب الدول الديمقراطية التي قطعت أشواطا بعيدة في تدبير ثراءها اللغوي والثقافي والتوظيف الخلاق لذلك الرأسمال في تنمية مجالها الترابي وتعزيز شخصيتها الوطنية، واستوعبوا كيف أن إنصاف أي لغة من لغات تلك الأوطان في السياسات العمومية لم يستضعف اللغات الوطنية الأخرى التي تتقاسم معها الفضاء وتتكامل معها في الأدوار، بل عزز بالمقابل انفتاحها وتحررها من هواجس الماضي لمواجهة متطلبات الحاضر بتطوير المجتمع وتعزيز كرامته وتصريف تنوعه وثرائه.

وبما أن لقاء من هذا المستوى لا يمكن عزله عن السياق السياسي والحقوقي الذي يشهده المغرب خلال السنوات الأخيرة، ونظرا لما يمكن أن يقدمه ذلك من فرص للاستفادة والتفكير في المستقبل، خاصة بالنسبة لبلدان لا زالت تتخبط في متاهات الاستبداد والظلمات كسوريا والجزائر والسودان… فسيكون من المفيد بمكان أن يشرك في اللقاء ممثلون عن الحركة الأمازيغية والمنظمات الحقوقية والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان… لعل وعسى أن يفيدهم ذلك في شيء.

فلو صارت الأمور في هذا الاتجاه، وكان ذلك فحوى جدول أعمال من تنظيم هذه الجمعية أو هذه الأكاديمية بالعاصمة الرباط، لكان الأمر عاديا بل غاية في الأهمية، لأنه من جهة كان سينسجم مع منطق التطور واتجاه التاريخ، ومن جهة أخرى سيعطي دفعة هامة للنقاش اللغوي في بلادنا وسيمكن تلك البلدان من الاستفادة من التجربة المغربية على علتها في هذا الصدد، وقد يدفعها ذلك إلى إعادة التفكير في أوضاعها اللغوية والثقافية وفي إمكانيات تطوير لغتها العربية في انسجام سياسي وسوسيواقتصادي مع باقي لغاتها لما فيه خير لكياناتها الوطنية. لكن المثير للأسف أن ما جرى كان العكس تماما، أي عكس منطق الأشياء والتطور، إذ شارك أعضاء “الجمعية المغربية للدفاع عن اللغة العربية” في مؤتمر قومي مصغر بالعاصمة السورية دمشق، قدم على شكل ندوة علمية حول اللغة العربية، تحت الرعاية السامية للنظام البعثي، واستصدروا خلاله إعلانا ينبه إلى المخاطر التي تواجه اللغة العربية من انتشار ما سماه البيان ب”العاميات” ومزاحمتها للفصيحة، والسعي إلى تحويل “اللهجات المحلية” من المستوى الشفهي إلى المستوى الكتابي، وتقعيد “اللهجات العامية” وشرعنتها ووضع أنظمة نحوية وصرفية ومعاجم لها، كما شدد الإعلان على أن الضامن الوحيد من تلك الأخطار هو “استصدار قوانين وتشريعات لحماية اللغة العربية” ! كما أجتمع بعض الباحثين المتحمسين للتعريب الشامل للحياة العامة الوطنية في إطار ندوة أكاديمية المملكة، وتداولوا بينهم نفس الرأي والموقف، وقاربوا هذا الموضوع الشائك من نفس الزاوية ووفق قناعة أحادية، فهنئوا بعضهم البعض على هذا التوافق الذي أصطدم لا محالة بواقع الأشياء بمجرد مغادرة قاعة النقاش، لتبقى الأمور على حالها بدل التحلي بما يكفي من الجرأة والمبادرة لفتح نقاش حقيقي حول الوضع اللغوي التعددي ببلادنا.

وقبل أن نتوقف عند خطورة خطوة “الجمعية المغربية للدفاع عن اللغة العربية”ومضمون بيان دمشق بالنسبة لنا نحن المغاربة، يحق لنا أن نتساءل هل كان من قبيل الصدفة أن تتزامن “دعوة دمشق” لمواجهة مسار “شرعنة اللهجات”، و التوصية بالعمل على سن قوانين لحماية العربية ضد هذه “اللهجات”، مع إقدام فريق حزب الاستقلال على نفض الغبار عن مطبوعه الأسطوري الخاص بتعريب الحياة العامة، وإعادة تحريكه على طاولة لجنة العدل والتشريع بمجلس المستشارين؟ وهل من تمام الصدفة أن يتزامن كل ذلك مع حملة الشيطنة والتهجم التي كان الخطاب المطلبي الأمازيغي عرضة لها خلال الأسابيع الأخيرة، والهادفة إلى الربط التلقائي لأي تناول للحقوق اللغوية الأمازيغية بالارتماء في أحضان الصهيونية والعمالة للخارج؟ لكن الذي يغني عن الكثير من التمحيص هو وضوح الهدف الذي تلتقي عنده جميع تلك المساعي ألا وهو محاصرة الخطاب التصحيحي الأمازيغي ومحاولة سحب المشروعية منه ليس فقط لشل مساعي إعادة الاعتبار للهوية الأمازيغية، بل التمهيد للإجهاز حتى على النزر اليسير مما تحقق في هذا الصدد.

مشروع استيراد قانون بعثي إلى المغرب!

قانون التعريب المتطرف للحياة العامة بالمغرب المطروح للتداول أمام لجنة العدل والتشريع بالبرلمان يتجاهل عن سبق إصرار وترصد وجود لغة وطنية اسمها الأمازيغية، والعمل على استصدار مثل هذا التشريع بما يتماشى وتوصية “إعلان دمشق” بالاقتداء بالقرار الجمهوري السوري رقم 4 لسنة 2007 ، خطوات لا يمكن وصفها إلا أنها تتناقض كليا وقرار إنصاف اللغة الأمازيغية ومطلب تبويئها مكانتها العادلة في السياسات العمومية للدولة، بل الأنكى أنها تحمل إساءة بالغة لمبدأ السيادة الوطنية المغربية واستقلالية خياراتها السياسية والثقافية، واستصغارا للنموذج المغربي الذي من الحري بجمعيات وحكومات المشرق العربي أن تستفيد من مخاضات تحوله في اتجاه المستقبل، وليس توريط إحدى جمعياته وبعض من أحزابه في استنساخ تجارب لن يكون مآلها فوق أرض المغرب إلا الفشل الساخر.

كيف لنا إذن أن نقيم الدعوات التي أطلقت مؤخرا من دمشق على هامش المؤتمر المشار إليه، وضمن أي سياق يمكننا موقعة توصياته بخصوص ما عبر عنه “إعلان دمشق” ب”ضرورة التمكين للغة العربية على الأقطار العربية ” و”وجوب حماية اللغة العربية من مزاحمة اللهجات والعاميات”، وأن ذلك لا يمكن أن يتم إلا عبر “استصدار قوانين وتشريعات تحمي اللغة العربية” ؟ قد نتفهم ولع البعض بدمشق، لكن ما لا يمكننا قبوله هو اضطلاعهم المجاني بحق التقرير في السياسات اللغوية والثقافية للمغرب والسعي لتوجيه خياراته من على بعد آلاف الكيلومترات، والإنبهار بقرارات سيادية لبلدان أجنبية والسعي لتطبيقها في المغرب. وكذا الكيفية التي صار بعض دعاة العروبة المتطرفة يؤنبون بها المسؤولين المحليين والأسلوب الذي يقرعون به من تجرأ على التعبير على رأي مخالف، كاستفسارهم أو بالأحرى “استنطاقهم” لمسؤولي المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية عن موقف المؤسسة من اللغة العربية بالمغرب! أو مصادرة حرية مثقف أمازيغي عبر عن رأيه في مقال صحفي !

أما الواقع الذي يتعامى عن رؤيته عرابو المشروع البعثي عندنا فهو أنه شتان بين المغرب الذي نريد وبين أنظمة الاستبداد التي تبهرهم، وبالرغم من كل التعثرات والتأخرات، فنحن نسير في الاتجاه الممكن والذي تفصله مسافات كبيرة عن ما يجري في البلدان التي يتوسل البعض “خبراتها” في مجالات اللغة والتربية! وأن المغرب ليس محافظة تابعة لنظام مشرقي ولن يقبله أبناءه كذلك مهما طال الزمن.

التشريع آلية لضمان الحقوق أم أداة لشرعنة الإقصاء ؟

إن خطورة “دعوة دمشق” ومقترح قانون حزب الاستقلال هي أن مضمونهما التشريعي يسعى إلى تجريم الأمازيغية في موطنها المغرب، حيث أنه ولأول مرة في تاريخ إقصاء هذه اللغة ستسن قوانين لمعاقبة كل فرد أو جمعية أو مؤسسة تقدم على كتابة ملصقاتها ولافتاتها بلغتها الأمازيغية وحرفها تفيناغ الذي سبق أن حظي بالموافقة الملكية وتم إخبار الأحزاب السياسية بإقراره حرفا رسميا لكتابة هذه اللغة الوطنية.

إذا ما كان الميز ضد اللغة والهوية الأمازيغيتين للمغرب يمارس إلى حدود اليوم كنوع من العرف القانوني والسياسي المستند إلى إقصائها من الوثيقة الدستورية ونص القانون، فإن المحاولات الرامية لسن تشريعات لترسيم هذا التمييز تعد انتكاسة خطيرة وانزلاقا طائشا في اتجاه المجهول، ذلك أن هذه المساعي تتوسل آلية التشريع لفرض أمر واقع لا أخلاقي ولا ديمقراطي، وتطمح لاستغلال آليات الإجبار والإكراه التي تتيحها السلطة التنفيذية لتثبيت الميز والإقصاء. إن الأمر يتعلق، مرة أخرى وبكل وضوح ، بقانون عنصري لا يرمي إلى مجابهة اللغة الفرنسية التي لها أوطانها، بل إلى تجريم اللغة الأمازيغية على أرضها. وما يثبت ذلك أن مشروع القانون هذا، ورغم النقاش والجدل الذي أثاره كل مرة طلع به علينا إخواننا المغالين جدا في عروبتهم وإسلاميتهم منذ ثمانينيات القرن الماضي ، لم يخضع لا في شكله ولا في مضمونه لأي نوع من التعديل أو التحيين يأخذان بعين الاعتبار مستجدات وراهن السياق الثقافي والحقوقي الوطني، والاقتراحات المتكررة بوجوب أن تشمل الحماية القانونية اللغة الأمازيغية كذلك.

لسنا في حاجة للتذكير بأن الأمر هنا يتعلق بخطوة نكوصية وبتنكر صريح لشعارات الانتقال الديمقراطي وإعادة الاعتبار للهوية الوطنية ومشاريع النهوض بالأمازيغية على وجه الخصوص. إن إثارة هذه القضية مجددا دليل على ما أشرنا إليه مرات من أن النقاش السياسي والثقافي عندنا يكاد يراوح مكانه، لذا ولأننا نجد أنفسنا مرغمين على مناقشة موضوع كان ممكنا أن يعفينا منطق التطور من العودة إليه وإهدار الزمن المغربي في خلافات ضننا أننا تجاوزناها، نود التذكير بالحقيقة التي سبق للخطاب التصحيحي الأمازيغي أن لفت إليها الانتباه مرارا وهي أن اللغة، باعتبارها معطا انتروبولوجيا وثقافيا، تتجاوز مجرد الأبعاد اللغوية والتواصلية لتشكل قيمة هوياتية وعنوان كينونة ملتحمة بالإنسان، لهذا فإن أي خلل أو تفاوت في القيمة الرمزية وفي الوضعية الاعتبارية والقانونية للغات المختلفة، وبالخصوص ضمن حدود الوطن الواحد، ينسحب تلقائيا على الوضعية الاعتبارية للمنتسبين لتلك اللغات ويحكم مراتبهم في المواطنة. وعليه فإن ما يسعى إليه البعض من تجريم الأمازيغية في بلادها هو في الواقع تصنيف للمواطنين المغاربة حسب انتمائهم اللغوي والعرقي، أي التأسيس لوضعية أبارتايد لا غبار عليها قد تضرب في الصميم وحدة الوطن وترهن مستقبله بالمجهول.

الأمازيغية التي يسعون إلى تجريمها

الأمازيغية ليست مجرد لغة متجذرة في أرض المغرب، أو ثقافة مقصية للشرائح العظمى من المغاربة، بل هي، إضافة لكل ذلك، الكينونة التي شكلت ومنذ قرون طويلة “روح الأمة المغربية” وعنوان تميزها الحضاري واستقلاليتها الوطنية عن المشرق وعن الغرب على حد سواء. وبالرغم من كل الحدة والعنف التي كانت عرضة له على مدى تاريخ لقائها بالأخر، فقد نجحت، وبعبقرية منقطعة النظير، في استيعاب كل العناصر الإثنية والثقافية الوافدة على هذه الأرض، وتمكنت من شخصنتها وتلطيفها والتوليف فيما بينها، منتجة هوية مغربية أصيلة وروحا وطنية متفردة تمكنت مبكرا من بناء كيان وطني متحرر من قيود الاستعباد والتبعية لسلطة امبريالية مشرقية لم تكن ترى في “بلاد البربر” سوى منطلقا لقوافل السبايا ومصدرا لملئ بيت مال الخليفة بالجبايات والضرائب .

إن “روح الأمة المغربية” هذه، والتي تشكل الكينونة الأمازيغية جوهرها ولحمتها، هي التي جعلت من المغاربة، حينما آمنوا بها ومارسوها، أسيادا وبناة إمبراطوريات وجعلت من المغرب قوة عظمى مهابة الجانب. تلك الروح وحدها مكنته من كبح الزحف التوسعي التركماني من الشرق والأيبيري والأوروبي من الشمال، والذي يجهله الكثيرون و يتجاهله البعض هو أن هذه “الروح المغربية” لا تزال مبعث امتعاض لدى الطامعين من الشرق ومن الغرب على حد سواء. إن تعابير وتسميات مثل “بلاد البربر” و “سلطان البربر” أو كذلك “المغاربة” أو “مراكش”، بالكيفية التي كان المشارقة ينعتون بها المغاربة وبلادهم، أمثلة على أنهم كانوا إزاء أمة كاملة التفرد وفي مواجهة عنصر وطني واضح الاختلاف، ناهيك عن أنها تعكس غصة حلق دائمة لدى المشرقي اتجاه تميز أبناء هذا الوطن واعتدادهم بذاتهم واستقلاليتهم. هذه الروح، بدل رعايتها وتنميتها باعتبارها شرط نماء وكرامة المغرب الحديث كما كانت أساس كرامة المغرب الوسيط والقديم، أصبحت، ومنذ تشكيل الدولة العصرية، هدفا لأشد أنواع التهجم والتحريف، وما قانون تجريم الأمازيغية سوى محطة، جديدة – قديمة، من محطات هذا المخطط.

شيء آخر يجهله الكثيرون عندنا هو أن الأحلام الامبريالية المشرقية، ومشاعر الصلافة وعقدة الاستعلاء اتجاه العنصر والبلاد المغربيين لم تزل، وأن هذه التطلعات لا تنفك تبحث لها عن منافذ وصيغ جديدة أبرزها إيديولوجيات القومية العربية والإسلام السياسي. أما الخلاصة فهي أن أي استهداف لأمازيغية هذه الأرض هو استهداف مباشر لجوهر”روح الأمة المغربية” وعنصر تميزها واستقلاليتها عبر التاريخ، واصطفاف صريح ، عن سذاجة أو عن نية، ضد مقومات هذا الوطن وكرامة أبنائه ومستقبله الديمقراطي والتنموي

رشيد الحاحي

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal