img14.jpg

إلى المدافعين عن العربية: هذه أخطاؤكم فتداركوها!

الأستاذ : أحمد عصيد

الأستاذ : أحمد عصيد

يكتسي النقاش حول اللغات بالمغرب طابعا متعدّد المستويات، فهو نقاش ذو بعد علمي يطرح قضايا اللغات في معاجمها وأنساقها اللسنية ووظائفها الإجتماعية و مشاكل تداولها و التواصل بها و تطويرها ، وهو من جهة أخرى نقاش قانوني يطرح وضعية اللغات داخل المؤسسات وفي الفضاء العمومي، وهو في بُعد أخر نقاش سياسي يطرح مكانة اللغات في سياسة الدولة وتوجهاتها واختياراتها الرسمية ومسؤولياتها، وهو أيضا نقاش إيديولوجي وسجال عمومي يطرح علاقة اللغات بالمجال اللفظي العاطفي وبالرهانات الطبقية والإمتيازات الإجتماعية وبموضوع الإعتقاد الديني والخطابات الهوياتية و التشكيلة الإثنية للسكان إلخ..

و يتبين من هذا النقاش الدائر بأنّ السجال الإيديولوجي يغلب على الخطاب العلمي وعلى الحوار السياسي والقانوني الدقيق، مما جعل النقاش الدائر يوصف في كثير من الأحيان بـ”المعارك” التي ينبغي خوضها من أجل الوصول إلى أهداف محددة، يمكن إجمالها في إحدى الأهداف الأربعة التالية:

– إنصاف لغة مهمشة وإعادة الإعتبار إليها.

– التمكين للغة على حساب اللغات الأخرى.

– الحدّ من هيمنة لغة ما في هذا القطاع أو ذاك.

– إحداث توازن في تدبير الشأن اللغوي بالمغرب.

غير أن التفاهم في هذا الموضوع ما زال يبدو بعيدا بالنظر إلى السياسة المرتبكة المتبعة من طرف الدولة، وكذا إلى أساليب تدبير الإختلاف بين الفرقاء والتيارات والمواقف في الساحة الوطنية. وترجع صعوبات التفاهم من بين ما ترجع إليه أيضا إلى طبيعة الخطاب وأسلوب العمل الذي ينتهجه دعاة التعريب المطلق، والذين نقصد بهم أولائك الذين يسعون إلى فرض اللغة العربية كلغة وحيدة للمغاربة في المؤسسات والفضاء العام، وفي كل المجالات ذات الصلة بالهوية المغربية، وهما خطاب و أسلوب يجعلان التقارب صعبا، خاصة في السياق الحالي الذي أصبح منفتحا أكثر من ذي قبل على تجارب الشعوب الديمقراطية والتي برزت فيها بشكل أكثر من ذي قبل خطابات هوامش المغرب المنسي المرتبطة بالأشكال اللارسمية للثقافة.

ومن أهم أخطاء دعاة التعريب المطلق التي تجعل التفاهم معهم أمرا صعبا إن لم نقل مستحيلا، و التي عليهم التفكير فيها بتؤدة و رويّة لتداركها، إن كان يهمّهم حقا مصلحة بلدهم، الأخطاء التالية:

1) استهداف اللغات الوطنية:

إنّ نقطة الضّعف في خطاب “حُماة” العربية هي سقوطهم في موقف سلبي عدائي من كل تعدّد، حيث يبدو هدفهم دائما هو حذف شيء موجود عوض المطالبة بإضافة ما ينقص المشهد اللغوي، فقد طالب الأمازيغيون بحقوق لغتهم على مدى نصف قرن، لكنهم طالبوا بذلك بجانب العربية وليس على حسابها، حيث ورد بوضوح في مذكرة الجمعيات الأمازيغية إلى الملك الحسن الثاني عام 1996 من أجل تعديل الدستور عبارة “التنصيص على اللغة الأمازيغية كلغة رسمية بجانب العربية”، كما ورد في مذكرة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية إلى الملك محمد السادس في أبريل 2006، عبارة “المساواة بين اللغتين الأمازيغية و العربية في فرص النماء و التطور”. كما أنّ في الإدارة المغربية ازدواجية يعتبرها الأمازيغيون إيجابية، و يرون ضرورة إضافة الأمازيغية إلى لغات الإدارة والأوساط الرسمية لأنها اللغة الأصلية لسكان المغرب منذ آلاف السنين، والسابقة بتواجدها على الأرض المغربية على كلّ اللغات الأخرى، ولا يطالبون بحذف أية لغة أو منعها، بما في ذلك اللغة الفرنسية الأجنبية، التي لم تعد في الواقع أجنبية في المغرب، ما دام جميع المغاربة يكنون لها الكثير من الإحترام، بمن فيهم الذين لا يتقنونها، بل ويبذلون الكثير من المال لكي يتعلمها أبناؤهم في المدارس الخاصة، كما أصبحت ناقلة لواقع ثقافي مغربي بما أبدعه المغاربة فيها فكريا و أدبيا، و هذا واقع لا ينكره إلا الجاهلون.

أما عند إخواننا من دعاة التعريب المطلق فالمطالبة بالعربية لا تتمّ إلا عبر المسّ بغيرها من اللغات، وهذا جعل العربية تبدو في خطاب هؤلاء كلغة سلطة وتسلط وغلبة، لغة قسرية مفروضة بعنف الدولة المركزية، إذ لا محل لها من الإعراب في مشروع هؤلاء وفي اعتقادهم إلا على حساب اللغات الأخرى، الوطنية منها والأجنبية، فلكي تنتشر العربية في مذهبهم وتنجح وتتطور وتتداول علينا ليس تطويرها والإشتغال على معجمها و نسقها و فتحها على العلوم والمعارف العصرية، بل ينبغي خنق اللغات الأخرى ومحاصرتها ومنعها من الإنتشار وعرقلة النهوض بها حتى لا تزعج اللغة “الشريفة” أو تضايقها، علينا إجهاض عملية النهوض بالأمازيغية وتوحيدها ومعيرتها وتعليمها ووضع المعاجم لها والإعتراف الدستوري بها، وعلينا محاصرتها في الفضاء العمومي بوضع قوانين تمنع استعمالها على الواجهات وفي اللافتات والشركات والدعوات والجمعيات إلخ.. كما يقترح أعضاء من الفريق الإستقلالي بالبرلمان، وعلينا التشطيب على الفرنسية ومنع استعمالها، واستنكار الدارجة وعرقلة بروزها واعتبار الكتابة بها واستعمالها في الإشهار مؤامرة (؟!)..

ولأنّ كل هذه العمليات التسلطية تتمّ من أجل اللغة العربية فإن ذلك يكتسي طابع “الروح الوطنية” و”المهمة النبيلة”، لقد آن الأوان في الواقع لتغيير هذا الوعي الفاسد واللاوطني، فالعربية لن تعيش إلا بعبقريتها الخاصة، وليس بإبادة غيرها، كما لن تكون لها إلا المكانة التي تستحق على قدر نسقها اللسني ومعجمها ومرجعيتها وتاريخها وحمولتها الثقافية.

لقد فات هؤلاء أن الدولة بنفسها قد اعترفت بأزمة النموذج التسلطي القائم على التمركز والتوحيد القسري، فصارت تتحدث عن “الحكم الذاتي” و”عن الجهوية المتقدمة والموسعة”، مع ما يرتبط بذلك من تغييرات ثقافية هامة، في إطار وطني جامع يتمّ فيه تدبير الإختلاف والتنوع و ليس التخطيط لتصفيته وإبادته.

2) الإنغلاق وعدم القدرة على الإستماع للرأي الآخر:

دأبت الحركة الأمازيغية على مدى 45 سنة من تاريخها على توجيه الدعوة إلى الفرقاء المختلفين، وتأطير النقاش فيما بينهم في موضوع التعدّد الثقافي واللغوي ومحاولة الخروج بخلاصات تضيء للفاعلين درب التواصل في موضوع هو محط نزاع، بسبب سياسة الدولة التي أرست الميز الثقافي واللغوي سواء داخل مؤسساتها أو في المجتمع، وقد تعوّدت الجمعيات الأمازيغية على استدعاء فاعلين من مختلف التيارات من اليمين واليسار ومن الإسلاميين والقوميين سواء منهم المعتدلين أو الأكثر تشددا، فكان عبد الكريم غلاب ومحمد جسوس والعربي المساري وعبد الكريم الخطيبي ومحمد اليازغي ومحمد السّاسي وخالد الجامعي وسعد الدين العثماني ومصطفى الخلفي وعمر أمكاسو وادريس لشكر ومصطفى المسعودي وغيرهم كثير ضيوفا على مائدة النقاش الأمازيغي، بل إن كتاب الأستاذ عبد السلام يسن “حوار مع صديق أمازيغي” كان موضوع نقاش في خمسة لقاءات نظمتها جمعية أمازيغية عبر مدن مختلفة رغم أنه كتاب يعادي بالواضح حقوق الأمازيغ في لغتهم وثقافتهم الأصليتين. كان ذلك الإنفتاح لدى الأمازيغ من منطلق شعورهم بقوة خطابهم واطمئنانهم إلى عدالة قضيتهم، أما دعاة التعريب المطلق فهم لا يجتمعون إلا فيما بينهم، ولا يتذاكرون همومهم السياسية والثقافية إلا داخل قمصانهم، ولا تراهم أبدا يستدعون مثقفين ومختصين من خارج السرب العروبي المنسجم مع ذاته وبذاته، أدّى هذا إلى أن الندوات التي تعقد باسم “الدفاع عن العربية” هي ندوات تعطى فيها الكلمة في المداخلات لنفس الأشخاص الذين هم على مذهب واحد وعقيدة واحدة هي العروبة الخالصة، وهو خطاب ينعزل يوما عن يوم عن سياق الأحداث وتفاعلات المجتمع وديناميته.

إنّ معضلة هؤلاء الدعاة مزدوجة، فهم لا يريدون أن يفهموا أنهم في مجتمع تطبعه التعددية منذ الأزل، وأنّ هذه التعددية ليست واقعا هشا سطحيا أو عابرا يسهل مسحه بل هو متجذر بعمق كبير وضارب بعروقه في فجر تاريخ هذا البلد، ومن جهة أخرى لا يريدون الإعتراف بأن نموذج الدولة الذي يستلهمونه قد انتهى ومضى من حيث لن يعود، وهو النموذج التقليدي للدولة الوطنية المركزية (النمط اليعقوبي الفرنسي) الذي يعمل على التنميط و التوحيد القسري وخلق الإنسجام المصطنع القائم على الغلبة والقوة وعنف القرار الفوقي المفارق لواقع الناس.

في هذا السياق لاحظنا كيف أنّ الأكاديمية الملكية نظمت لقاء حول اللغة العربية جمعت فيه أناسا من نادي العروبة المحروس، وتكلموا داخله مردّدين نفس القناعات والمسلمات التي لا يثبت معظمها أمام النقد العقلاني، وتهجموا ما شاؤوا على اللغات الوطنية التي رأوا فيها “ضرّات” للعربية تنافس و تزاحم اللغة الرسمية ولغة القرآن، ثم انتهى أحد مشايخهم إلى القول في طمأنينة عجيبة “لقد نجحت ندوتنا”، ومعيار النجاح عند العروبيين أن يتفقوا فيما بينهم على لون واحد لا يرون أصلا سواه ، ونحن نرى أنّ النجاح الحقيقي لمثل هذه الندوات هو أن يجتمع فيها أصحاب وجهات النظر المختلفة من أنصار العربية وأنصار الأمازيغية والدارجة والحسانية وأنصار الفرنسية، ثم ينتهون إلى أمور يكون فيها خير بلدهم جميعا، ويرشدهم النقاش الموضوعي والحوار العلمي والحكمة السياسية إلى كيفية تدبير ما هو موجود بشكل لا يضرّ لا بالعربية ولا بغيرها من اللغات الوطنية، و يعطي اللغات الأجنبية مكانها الطبيعي الذي لا يضير أحدا أن تحتله، بل على العكس من ذلك يكون للجميع فيها مكاسب لا تنكر.

3) السقوط في نزعة سلفية رجعية لتبرير التعريب المطلق:

من الآليات الخاطئة التي يعمد إليها دعاة التعريب المطلق بسبب إحساسهم بضعف حججهم اللجوء إلى الدين لتبرير الفاشستية اللغوية التي تسعى لجعل العربية الكلاسيكية بديلا مطلقا لكل اللغات الوطنية والأجنبية بالمغرب، والحقيقة أنّ استعمال نعت “لغة القرآن” لا يعطي أي امتياز من الناحية الواقعية للغة العربية، بل العكس تماما، إذ من الممكن أن يقال لهؤلاء: بما أن العربية هي لغة القرآن فمجال اشتغالها الحقيقي هو المجال الديني وفضاء المسجد، و بذلك تنتهي العربية إلى مصير اللاتينية لغة الكنيسة في القرون الوسطى.

وفصل المقال في هذا المجال ينبغي أن يكون هو الوعي بوظائف اللغات في ديناميتها الإجتماعية، وليس بمدى ارتباطها بالسماء أو بنصوص مقدسة وثابتة.

4) الإنخراط في إطار قومي عربي على حساب السياق الوطني:

لجوء دعاة التعريب المطلق المغاربة إلى إخوانهم من عرب المشرق بغرض التكتل معهم ضد لغات القوميات والشعوب الأخرى من أكراد وأرمن وآشوريين وأقباط وزنوج وأمازيغ وغيرهم، تحت مظلة النظام المخابراتي السوري، واعتبارهم أن ما يُهدّد العربية هو “بروز اللهجات” ـ وليس اللغات الأجنبية ـ يضعف من مصداقيتهم و يجعلهم مستهدفين من طرف التيارات اللغوية الوطنية، عوض أن يظهروا بمظهر المدافعين عن “لغة الدولة” ضدّ اللغات الأجنبية. فالتكتل العروبي الذي أصدر “إعلان دمشق”، سقط من حيث لا يشعر في سلوك المستعمِر الذي يسعى إلى فرض لغته على الشعوب التي يحتلها، وهو ما سيؤدي حتما إلى إثارة النعرات المترتبة عن ربط اللغة العربية بهوية “العرب” أو ما يسمى بـ”الوطن العربي” الذي لا مكان فيه لغير العرب الذين هم فعلا الأقلية الفعلية في “وطنهم” المزعوم. و هو خطاب من التهافت بحيث لا يحتاج حتى إلى مجهود لنقضه.

5) عدم الإنشغال بمعجم العربية ونسقها ومشاكلها الحقيقية:

يتعامل دعاة التعريب المطلق مع اللغة العربية كما لو أنها لغة كاملة ومكتملة ولاتعاني من أية مشاكل داخلية، (أليست هي لغة الله وكلامه ولغة أهل الجنة ؟) وهم يقومون بذلك من أجل إخفاء بعض العوائق الذاتية لانتشار العربية والتي تؤدي إلى عدم قيامها بوظائف أخرى ظهر عجزها عن القيام بها، وحتى يتمكنوا من تحميل السلطة مسؤولية عدم فرضها بالقوة في مختلف المرافق، حتى ولو أدّى ذلك إلى عرقلة التواصل الفعلي مع المجتمع.

من جهة أخرى فإن الحديث عن قدرة العربية على نقل الخطاب العلمي بشكل كامل في السياق الحضاري الراهن، دون القيام بأي مجهود حقيقي لتهيئة العربية في معجمها و نسقها اللسني لهذه العملية يعدّ ترويجا لأوهام هذيانية.

6) تقديم معطيات خاطئة أو ملتبسة للجمهور:

يعمد دعاة التعريب المطلق إلى تقديم معطيات ملتبسة في شأن العربية، فهم يتحدثون عنها كما لو أنها “لغة الشعب المغربي”، أي لغة الأم ولغة التنشئة العائلية بالمغرب، ولغة الحياة اليومية في حين أن الجميع يعرف بأن العربية لا تتجاوز الأوساط الرسمية ومجال المكتوب، باعتبارها لغة السلطة و لغة الدولة، وأنها لا يمكن أن توصف بحيوية لغات التواصل اليومي والحميمي ولغة إنتاج الحياة اليومية. ومن جهة أخرى يقدمون العربية على أنها منتشرة في الأنترنيت وأنها تحتل المرتبة السابعة، وكان حريا بهؤلاء أن يتساءلوا كيف أن “لغة الله” و”لغة القرآن” و”لغة أهل الجنة” تحتل رتبة تسبقها فيها ست لغات أخرى لا علاقة لها بالله ولا بالقرآن ولا بالجنة أو بالنار، كما عليهم التأمل مليا في معظم المجالات التي توظف فيها العربية في الأنترنيت هل هي مجالات العلوم العصرية النافعة ومجالات الإبداع الفكري والأدبي والفني أم مجال البوليميك “الخوانجي” الفارغ والأساطير الخرافية في معظم الحالات.

إنّ هؤلاء بزعمهم أن العربية تستطيع القيام بجميع الوظائف بدون استثناء يتكلمون خارج الواقع.

7) الحديث باسم الشعب المغربي مع تغييبه:

يقتضي الحديث باسم الشعب المغربي الإرتباط بهمومه وبكل عناصر هويته والإصغاء إلى إبداعيته وروحه، وليس التفكير الثقافوي داخل برج مغلق والحديث عن الشعب في جهل تام به، وهذا في الواقع هو حال دعاة التعريب المطلق، الذين عليهم بذل جهد أكبر للإقتراب من الشعب الذي لا يجد أية مشكلة في استعمال لغاته المتعددة بدون عُقد مرضية أو أوهام فاشستية.

أحمد عصيد

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal