img13.jpg

ادريس رواية شمال أفريقية / تعريب محمد الناصر النفزاوي (١١)

الدكتور محمد الناصر النفزاوي

في ظــل تيزران

عاد أبو إدريس إلى الجبل وكانت تلك هي سفرته الأخيرة. لقد اغتنت هذه المرّة أفكاره.فلقد تخلّى ، وهو المسلم المستقيم، عن كلّ خرافة وتعصْرنت معتقداته وأصبح ينظر إلى الأشياء بمنظار أكثر صقيلا، فوقف، وقد استفاد من تجاربه، موقف من يستفظع الطرقية ومن يعيشون منها بخداع الجماهير الشعبية من دون رادع يردعهم. لقد أصبح الآن يعرف أن عرضا للتقوى مثل هذا لا رابطة تربطه بالدين ولا حتى بالتصوّف الذي لم يكن يُمثل منه غير ثوب رِثٍ قبيح.

لقد كان الجبل، تماما مثل مرّاكش والمغرب، مغطّى بقبابٍ تعيش في كنفها أجيال من المشعوذين الذين أحيطوا، بفعل الزمن والغباوة السائدة، بنوع من القدرة على التأثير مستمدّة من الخوف من الفَزّاعة الراقد في ِمنَصّة نعش تحت بلاط قبر. كانت عائلات كاملة من الطفيليين تثري وتتنفّذ وتمنح نفسها أنسابا عرجاء تجهد في الارتقاء بها ، بسذاجة ، إلى أَرُومة النبي. وهكذا بدا كأن نظاما طبقيا مخالفا للإسلام وخاصة للمزاج المغربي هو بصدد التمكين لنفسه على أساس حماقات مثل هذه.
إن الحاج علاّل الذي مدّته التجربة بنقد على قدر من الرهافة ، لم يفته أن يلاحظ وفرة الدم الزنجي التي تميّز هذه الطبقة من محرِّفي الأنساب.وفي أغلب الأحيان ، عندما يشرع في تشييد قبّة هذا الذي مات ، يبطُؤُ زمن الاتصاف بالقداسة الضروري لخداع الجمهور فيتأكّد وجود دلائل نموذجيّة تقنع الشقيّين السذّج مثل حالات شفاء إعجازي وحصاد وافر وتنجية من السحر بالتعزيم وإخصاب نساء عواقر أي كلّ ما تعذّر من سحر مُسْتَجاب له أو مُعَزّم عليه بواسطة تدخّل سلطة خارقة للعادة يمكّن بسهولة لثقة العامي من الناس في المشعوذ المتسلّح بالتمائم والسبح أي لردّ الاعتبار للطلسم ذي العلامات القَبلانيّة التي ظنّ أنه غرق ، نهائيا، بغرق العالم الوثني.إنه لشرور العصر الوسيط الأوروبي الذي أنصب، ِمدرَارً، عن طريق إسبانيا المتنصّرة من جديد ، على إفريقيا الشمالية، هذه التي سبق للإسلام أن أنقذها من أَذِيّة الوثن والإيقونة المفسدة .
كان ما يقدّم من قرابين لروح وليّ المكان، في البداية ، قليلا. ثم جاء زنوج لا يدري المرء من أي مكان وأسّسوا حول القبر طابورا من المتطفّلين وسمّوا أنفسهم خَدَمة للقدّيس يتلقّون، ثمنا لصيانة القبّة، ما يجود به الورعون من عطايا بُعيد كل كارثة يقع دفعها أو طلب تقع الاستجابة له. وعندئذ يقع اقتسام الحيوانات المضحّى بها من الديك العجوز المنتوف الريش الى العنز المهزولة. وفي بعض الأحيان يقدّم عجل غَضّ طِريّ ذبيحة قربانية. ويذيع الصيت وتزداد الهبات . ويتعاظم شأن طبّالينا الزنوج فيستغلونه للتدخّل في شؤون القرية وهي الخطوة الأولى نحو تدخّل أوسع في حياة القبيلة . ويصبحون مرابطين فيبدأ عدد من البلهاء ، من عجائز النساء خاصة، في تقبيل أذيال جلابياتهم.
ويختفي هذا الجيل فيكبر زنوج صغار متأثرين خطاه . وتبرأ خدودهم من الشجّات التي كانت العلامة المادية على الانحطاط الأَسْلاَفي بعد أن يكونوا قد لبسوا الجلابة الزرقاء أو البيضاء ويشيّدون زوايا. وفي الجيل الثالث، يرسمون أنفسهم أشرافا قرشيين مؤتمنين على الروح الإلاهية التي لا تنسب الى غير ولد محمد الخليقين به. وتتوافد الزيارات من كل جهة وتنقلب الأدوار فإذا بالعبد القديم يتزيّى من دون كلفة بعمامة السيد. ومع ذلك فإن هذا لا يعني
أن جنس المشعوذين هذا ينحدر، جميعه، من أرُومة وحيدة ذات لون بشرة آبَنُوسِيّ. ففي الجبل حيث ينفر الدم القومي من أن ينحطّ إلى مثل هذا التمازج، تنتدب الشعوذة المرابطية عناصرها على عين المكان. ولكن الطرق هي نفسها والنتائج ، في الحالتين، مُخيّبة للآمال.
كان الحاج علاّل ،دائما، يفكّر، وهو يرى هؤلاء الطفيليين المُتَقَلْنِسين ذوي الرقاب التي التفّت حولها سبح تائبين مزيّفين ثقيلة ، في مناقشاته مع أزهري مكّة. ولقد بثّ،منذ وقت باكر، في إدريس حذره من هؤلاء المتاجرين بالبركة.
*
* *
كانت مرّاكش، في هذا الزمن، تشْكو مرضا اجتماعيّا آخر هو قطع الطرق ذو السمات الإقطاعية . وكانت الفترة التي عقبت عودة أبي إدريس إلى البلد واحدة من أحلك الفترات المرّاكشية. فالفرنسيون الذين نفذوا من الشاوية كانوا يزحفون على مكناس. أما وجدة فقد احتلّت منذ زمن طويل. وكان الإسبان قد نزلوا بأصيلا والعرائش. وأصبح الحديث يدور حول مشاريع حملة على الريف والجبل. كانت الفوضى سائدة في فاس. وكان سلطانان(1) يتنازعان، على مرأى من المتنافسين الأجانب الكامنين، على شبح سلطة على بلد في حالة تحلّل تامٍ. وكان مغامر من الصنف الخَسيس هو الرُقّي بوحمارة يُدْمِي مراكش مُدّعيا أن له، بمقتضى بُكُوِريته، حقّا في ملك حرمه منه وزراء مولاي الحسن ويُسَرّع عمليّة تحلّل المخزن. وكان قد وجد زعماء محلّيون شقّواعصا الطاعة ولجؤوا ومن دون شفقه، إلى استخدام وسائل العنف الحاسمة.
وقد عرف الجبل واحدا من هؤلاء الملوك الجبليين ارتبط اسمه ارتباطا فاجعا، وكأنه انفلت
حيّا يرزق من رواية من روايات ادمون أبو، بانهيار الإمبراطورية الشريفية. ولقد دلّ على عهد
(1) هما عبد العزيز وعبد الحفيظ
سطوته اختطاف أوروبيين في طنجة وابتزاز مدن ساحلية وأعمال عصيان مسلّح ضدّ سلطة
الحكم المركزي. وعندما اعتقل وسُجن وحكم عليه بالقتل تمكّن من الهرب وعاد إلى قبيلته ليستأنف سلوك لص قاطع طريق. لقد اضطر السلطان أن يرسل عليه محلّته. ولكنه تمكّن بعون من قبائل تخشى النظام لأنها تتخوّف من القضاء على حياة الفوضى التقليدية التي درجت عليها، من تجنّب الخطر لا بل انه استخطف ماك لين المحيّر الذي كان يرافق إحدى الحملات بوصفه ضابط تدريب. وهذه الحادثة جدّدت التعاطف معه على الرّغم مما انجرّ عنها من تزايد ضعف سلطة المخزن وتبرير إمكانية تدخّل أجنبي. لقد وقع إطلاق سراح ماك لين بعد دفع فدية من دنانير الإمبراطورية بنى بها اللص المذكور قصرا أنيقا في مدينة أصيلا ثم انه وظّف قساوته ومكره لخدمة اسبانيا .
إن الرّقي، هذا اللصّ،و”ُقيَّاد” الجنوب الإقطاعيين ينضافون الى باعة السُّبَحِ ليشكّلوا صنفا معيّنا من الجنس الشرّير الذي كانت أفعاله الباهرة تنفرش أمام عيني الحاج علاّل بُعَيْد عودته من المشرق . وبمثل ما أطلع إدريس على مآخذه على طُفيْليي الدين، عوّده، كذلك، على ازدراء نَخّاسي الحرية في بلده.
لقد وجدت، بالتأكيد، على هامش هذه الجمهرة، وجوه استثنائية نبيلة . فمراكش التي تركت للفوضى وغدر بها واختلطت عليها الأمور لم تعدم أبطالا قادوها إلى النضال وحافظوا، على الأقل، على شرفها. واغتنى المغرب المليء منذ الأمس بأسماء مجيدة، بوجوه ملحميّة جديدة فكان منها إقطاعيون من كبريات العشائر المترحّلة مثل محمد أو حَمُّو الزياني، هذا الذي كان فارس ملاحم حقيقية رفض التحالف مع العدوّ وشرع في قتال استمرّ إلى أن لقي موتة تليق بحياته متصدّيا لقوى متفوّقة عددا. ولقد كان للمغرب أيضا، يوم أن مات ترموبيله الخاص.وكان منها رؤساء زوايا، مثل سيدي رحوّ، عرفوا كيف يتقيّدون بقوانين الشرف وتحدّوا ، بإباء، العدوّ تحدّي رجال شجعان شرفاء. وكان منها تجّار من عيار محمد أمَزْيان، فاتحة أبطال الريف. وكان منها فلاحون بسطاء مِقدَامُون أضفوا على المقاومة الوطنية طابعا إغرائيّا لم يفقد، على ما كان عليه من ظرفية، شيئا من شجاعته واتصافه بأكثر المزايا رجولية.
لقد كان هؤلاء هم الذين عرضهم الحاج علاّل على إدريس قدوةً وذلك على الرغم من أنه كان يطمح إلى أن يراه يسلك إلى إنقاذ بلده طريقا أخرى هي طريق المدرسة والمشروع الاقتصادي.
*
* *
هذا هو الوسط الذي شبّ فيه إدريس. فقد كان يَسٌدُّ ،بملازمة أبيه، فجوات التعليم المختصر الذي تلقّاه على يدي سي عبد السلام. إن حكايات الرحلات وما مثلته حياته من قدوة ونضال القبائل ضد الغزاة ، كل هذا أثر في شبابه وفتح عينيه على آفاق جديدة . لقد أصبح، سي علال، بين أبناء جلدته، شخصية جديرة بالاعتبار. فلقد أكسبته رحلاته في بلدان بعيدة شهرة تتجاوز نطاق قبيلته. ولذلك استغلّها لنشر أفكاره السلفيّة التي أصبحت منذ الآن تصطبغ بصبغة وطنية جَلِيَّة ذات مسحة تقدّميّة. لقد أصبح يتمثل حقيقة ما جرّب في خضمّ التحوّلات التي كانت إذاك تهزّ العالم الإسلامي جميعه. وقد اتخذ، من البدء، موقفا مناهضا من اللص المسلّح الذي كان يخرّب شمال مراكش لا سيما أن هذا المغامر كان يدّعي، مثلما جرت على ذلك العادة منذ قرون، أنه شريف. وعلى الرغم من فساد المخزن ومشهد الحرب الأهلية وتفريخ المطالبين بالعرش وزمرة الوزراء و”القُيّاد” والأشراف المزعومين الذين باعوا أنفسهم للأجنبي، وحبوط همّة البلد، أعلن الحاج علاّل عن موالاته القصر وشارك في ِمحَلَّة بوشته بن البغدادي التي أرسلت على المتمرّد وذلك على الرغم من انه لم يكن ينظر بعين راضية إلى وجود اسكوتلاندي ضمن هيئة أركان الرتل السلطاني.
لقد قرّر الإسبان، بعد عام من عودة الحاج علاّل من مكة، فتح الريف فاجتازوا في قوات ضخمة أسوار مليلة. وكانت الاتفاقيات الدولية تعطيهم الحق في ذلك.إن هذا هو ما يفصّله علم القضايا الضميرية الحديث الذي تولّد من تطوّر الإنسانية التي أباحت لنفسها، في هذا القرن العشرين، إجراء عملية تشريح على شعب، ومن دون أي حرج ، سالكة في ذلك مسلك البابا الكسندر السادس وهو يشطر، رمزيا، تفاحةً شطرين بغية إشباع ضَوَر أمّتيْن نصرانيتين.
اجتهد أبو إدريس في البداية في الانضمام مع سوقة عسكرية جندت في قبيلته ذاتها، إلى الشّاويّة. وكانت الخيّالة المرّاكشية إذاك تكرّر على الفرنسيين هجمات نوميديي مهربال الشهيرة. ولكن مسرح العمليات كان بعيدا. وكانت فاس ، لأنها طعمة للفوضى،عاجزة عن تأمين تدفق الإمدادات. ولذلك حَبِط مسعاه. لذلك فإن الحاج علاّل لم يتردّد، هذه المرّة، عندما بدأ المدفع يجلجل في اتجاه مليلة والإسبانيون يتقدّمون نحو الريف فنظّم ، بإعانة عدد من الأعيان “حَرْكَةً”(1) على أهبة الحرب واتجه إلى الشرق.هناك قضّى ستة أشهر وساهم مساهمة هامة في معركة برّانكو دال لوبو.
كان إدريس منصرفا إلى تربيته. وكان أبوه يترقّب أن يبلغ الثامنة عشرة فيرسله إلى فاس إذ كان يعتقد أنه يمكنه أن يجد له، بعد تربّص في القرويين، مكانا في الزيتونة أو الأزهر. كان
(1) المحاربون المتطوّعون للدفاع عن الأرض. وسيتغيّر معنى اللفظ أثناء الحرب التحريرية الجزائرية.
فيما يشبه نوعا من تبرئة الذمّة يوجّهه هذه الوجهة. وفي انتظار ذلك كان يتركه ينمو بحرّية في هواء الحياة الجبلية الطّلق بين الصيد وأحلام الوحدة والمناظرات الطويلة في ظلّ شجرة التين التي يجمع تحتها آيت أربعين القرية. (1)
كان إدريس ،فيما عدا الصيد والتأمّل والحلم في ظلّ الدِغال أو تحت ظلّ شجر كرم خريفي معتدل، يتعلّم من أبيه. وكان موضوع هذا التعليم التمهيدي هو الروايات الأبوية حول الرحلات في المغرب والمشرق وبيان السلفية وبدعة عبادة القبور والأساطير الملحمية العربية التي اقتبسها الفلكلور البربري وقراءة رحلتي ابن جبير وابن بطوطة. وهكذا كان إدريس، زمن مراهقته، قد حاز نُتفا من المعارف الجغرافية لا يستهان بها. ومع ذلك فإن هذه المعارف تقف عند الشرق الأدنى. لقد سبق أن عرف بلدان المغرب ومدنها الأساسية وطرابلس ومصر والقسطنطينية.
كانت الجماعة تجلس إما في البيت وإما في المْسِيد وإما تحت أشجار غابة كرم برّي صغيرة ذات حَجَن مصْفَرٍ. وفي غالب الأحيان في ظلّ غابة زيتون برّي نبتت في وسطها خُرنوبة منعزلة يسفر جذعها الذي نخرته السُُّرَفُ، عن لحم دامٍ تحوّل إلى منملة.وقريبا من هذا المكان تنبجس عين ماء. كانت الجماعة تتواعد في الأوقات الملائمة في الربيع كما في الخريف : الحاج علاّل وإدريس وسي عبد السلام وفقيه مُتَحدّر من قبائل دُكّالة تزوّج من فتاة من القرية فتبنّته قبيلتها. إنه سي بوعزّة.
كان الحاج علاّل يروي، أمام هذا الحفل، ويعلّم ويحاول أن يقنع. كان الجميع يتابع سرد الأخبار الأسطورية بفضول نشيط. وقد تحمّس إدريس لألف ليلة وليلة وأحدثت أُبّهة هارون الرشيد المفرطة وكَيْسُ الوزير جعفر وعلمه في خفايا الأمور ووفاء الخَصِيِ مسرور في خيال الجبلي الشاب انطباعا مُحَيّرا .لقد تأثر لذلك تأثره لمغامرات سندباد البحري ورواية فروسية عمر النعمان وحكايات قمر الزمان وزوجة الجوهري وكذلك قصّة أبي قير وأبي صير.
كان إدريس دائم الإنصات لا ينبس ببنت شفة. لقد كان إذاك في عزّ المراهقة ممشوق القوام ذا بشرة خفيفة السمرة هي أميل إلى الشحوب وشعر أسود وعينين كستنائيتين وكان يسدّ وجهه البيضوي الخالص أنف سويّ يبرز على الوجه الأكمل سحنته بوصفه جبليا مرّاكشيا شابّا. كان، عادة، يجلس مشبوك الرجلين، على الهيئة الشرقية ويطلق العنان، وقد حطّ خدّه على يده ، لعقله يهيم بحرّية في سيل الكلام الأبوي. وعندما يقاطع سي عبد السلام أو سي بوعزّة أباه في الكلام للاستفسار عن أمر ما، يتابع إدريس ،وقد أثاره الفضول، التفسير بحركات سريعة من
(1) مجلس الشيوخ ويعدّ أربعين نفرًا.

عينيه المتفحِّصتين. لم تكن العين لتضيع شيئا. والأذن أيضا.
لقد آلمته قصّة عنترة. وعندما كان أبوه يحدّثه عن هذا الفارس الذي عاش في العصر السابق على الإسلام كان انتباهه الذي اضطرب لضرورة استحضار عهود على هذا النحو من البعد ، يتوتّر توتّر نابض جديد الصنع ما زال متمرّدا على ما تقتضيه الإوَاِليّة. لم يكن يعرف بدقّة معنى قصيدة ولكن عينيه كانتا تبتلاّن دمعًا عندما يروي الحاج علاّل نهاية الفارس العربي المقدام. كان يتصوّره وقد أصابه سهم رمي به غدرا ومن الخلف في مقتل ثم انه مات على صهوة جواده بعد أن امتطاه ثانية ليؤمن انسحاب قبيلته، واقفا، ويده على الرمح في حين أحجم خصومه الذين كان يروّعهم سيفه الطويل عن التقدّم حتى نجح فطِنٌ فيهم في إثارة الجواد. وعندئذ انهار عنترة. ولكن القبيلة التي انقذها من بَلِيَّة كانت، إذاك، في منجى من الخطر.
وكانت قصّة بني هلال ، وهي أكثف مآثر، تشغفه أكثر. إنها الزحف الهلالي جميعه في القرن الحادي عشر صيغ صياغة أسطورية بما يتضمّن من أعمال فروسية: الأمير رزق وزوجاته العشر والأميرة خضراء ، أم البطل بركات حسب البعض وأبو زيد حسب البعض الآخر الذي ولدته امّه على سَحْنَاء وليد زنجي أدهش أباه إلى حد التبرّؤ منه وتطليق الأميرة وردّها إلى أبيها شريف مكة وندامة الأمير الذي آوى إلى خيمته وتخلّى عن قومه وقد كدّرته سحنة ابنه وفراق زوجة كان يفضّل ومطالب أبي زيد في ما بعد بحقّ تولّى أمور قبيلته التي استنجدت ، بعد أن هزمت واستعبدت، بالقائد العجوز والمبارزة بين الأب والابن اللذين تواجها من دون أن يتعرّف الواحد على الآخر ووقائع المبارزة وإيقاع الأمير عن مطيّته وهمّ أبي زيد برمحه في الصدر في اللحظة التي هرعت فيها الأميرة خضراء لنجدته وإصلاح ذات البين النهائي وتثبيت الأب نسبة أبنه أبي زيد. إن في هذه القصة ما هو حَِريّ بإثارة نفس إدريس.
ويقود مشتقّ آخر من هذه الرواية أبا زيد إلى تونس حيث كان الزناتي خليفة يتولّى الحكم. وفي هذه الحالة يكون المرء بإزاء حلقة أخرى من المعارك الملحميّة ومن قصائد معبّرة ثبّتها شعراء ملحميون مجهولون في الملحمة الشعرية المغربية الأساسية.
وتوجد قصة أخرى تسرّبت إلى الفولكلور القومي وهي مجموع الحكايات الخرافية حول قيْل اليمن سَيْف بن ذي يَزَنْ. هذه القصّة كانت، بالتأكيد، من ضمن ما ورد على البلاد من أورادِ الأخلاق العربية عقب أسلمة أفريقيا الشمالية. إن ولادة هذا الحدائدي الذي سيظهر، فورا ، بمظهر البطل وزهد أم قاسية فيه وإهماله في غابة أرضعته فيها غزالة حركها شعور حيواني بالرحمة مؤثر(هل هي الذئبة الرومانية التي غذتّ روموس ورومولوس؟) إلى أن آواه صيّاد وحمله إلى الأحباش الذين كبر في كنفهم وانتصاره على العملاق المختطف الذي نال به صداقة ملك البلاد ويد ابنته الأميرة شماء واختصامه مع اللّص سعدون الزنجي ورحلته إلى منابع النيل التي تحرسها الخَيَامِر وتحفظها طلاسم متدلّية من رقبة جِنّة المياه ثم عودته إلى بلاده حيث سعت أمّه إلى قتله (رواية أخرى لعودة لأوليس إلى إيتاك؟) وتحرير وطنه وتنازله عن الحكم لأبنه وحياة الشيخ التائه التي عاش ومجموعة المصائب التي كابد. إن كل هذا بلغ في هذه الرواية الفروسية مستوى من التنسيق انتهى بإدريس إلى أن يحفظها ،غيبا، والى أن يفضّلها أحسن التفضيل على الملاحم الأخرى. وكان الحاج علاّل، يضيف إلى هذا ، خرافات لقمان وهي نصائح أخلاقية وأقوال مأثورة كرّسها بين شعوب الشرق استعمال يمتدّ إلى آلاف السنين وترقى الأسطورة بنشأته إلى قوم عاد في الأزمنة الأسطورية الجزيريّة العربية القبلطوفانية.

كانت ثقافةعلى هذا النحو من الخلط تتجمّع في رأس إدريس. إن هذا لم يكن ليمثل شيئا كثيرا بالنسبة إلى مراهق كان عليه من ناحية أخرى ، أن يجدّ للحصول على درجة الباكالوريا ولكنّه كان نسبيّا كافيا لقدح نار خيال تلقائي عنده. كان هذا يغذي تأمّلاته وكان يلذّ له أن يتَمَدَّدَ ، في المساء، تحت الكرمة وأن يتابع ،وعيناه تائهتان في ذرى تيزران تعَرّج تفكيره حول مواضيع لا يكفّ عن مساءلتها بقسوة. كان يلذّ له ،كذلك، في الليلّ، أن يعتلي سطح كوخ القشّ المربّع ويتأمّل ، من هناك ، الأسرار التي تنبسط ، مُقْلِقَة، فوق رأسه. القمر والكواكب والمَجرّة وحركة كواكب النجوم ، والسماوات والنيازك والرّجم ومجموع الظواهر الكونية التي تنتشر أمام نظره القلق المفتون إذ لا مُعَلِّم درّبه، إذاك، على ما طرحت قوانين الجاذبية وما حلّت من مسائل فيدّعي أنه كان في إمكانه أن يجرؤ على رفع النقاب عن هذه الألغاز المذهلة. ولذلك كان يكتفي بالإعجاب بهذه الواجهة الكونية التي تهزّها اللانهاية. وغالبا ما يَفلت، وهو يستحضر انشغال أبيه بالمخاطر على مراكش، من دائرة تأمّلاته الاعتيادية ليفكّر في بلده. كان يُخَيّل إليه أنه يسمع جلجلة المدفع من العرائش إلى مليلة ومن فاس إلى بوذنيب. لم يكن عقله الذي لم يتفتّح بما فيه الكفاية يمكّنه من فهم مدى الخطر في تمامه ولكن بسط أبيه أوحى له أنه غاية في الشدّة وإذاك تساءل ان لم يكن على القربينة التي يحمل أن تفيد ، أيضا، في عمل آخر.
لقد سقطت فاس واستسلمت مراكش ،هي بدورها، ووقع التوقيع، برعاية مخزن جديد، على معاهدة حماية لم يفهم أحد منها لفظا ذا قيمة وبدت لعيني الجاهل من قبيل الألفاظ الملغزة .وها أن الحديث يدور على احتمال نزول الإسبان في تطوان. كل هذه الأمور كانت تجول في رأس إدريس. وبلغ به الأمر إلى تمنّي مصاحبة أبيه إلى الجهاد ،هذه المرّة . كان الجهاد شاغل الناس. وقد أصبح موضوع حديثهم في الأسواق وفي الدّشرة تحت شجرة التين الكبيرة التي تحوّلت إلى ابْنيكس القبيلة.
*
* *
كانت إشاعات منذرة بالخطر تصل من طنجة. فالإسبانيون كانوا يجمّعون الجنود. وهم الآن يستعدّون، بعد أن استعادوا أنفاسهم عقب خذلانهم في الريف، إلى الزحف على تطــوان التي كانوا يأملون في تحويلها إلى عاصمة لمنطقة حمايتهم. وما أدراك ما تطـــوان !
إنها المدينة التي تنبعث منها أناقة عواصم أمراء إسبانيا الطائفية البالية وهي المدينة المزدهرة الجاثمة، بوشاحها الأبيض، في أعلى تلّة جبل حصويّ يشرف على وادي مارتين. وهي التي اتخذ منها الجبل قرطبة له بقصورها البيضاء المبلّطة خزفا أزرق وحمّاماتها وبساتين البرتقال وصحون دورها المزهرة وحِرَفها التي حافظ فيها الصانع المراكشي على خاصيات الفن الوسيط الدقيقة !
وذات يوم تحرّكت” الحَرْكَة” في اتجاه دار بن قريش وفندق العين الجديدة، مركزي قيادة القوات الجبلية. كان الإسبانيين قد دخلوا إلى تطوان من دون قتال. وكانت طلائعهم تحتلّ أعالي لوسيان. ودوّى صوت البارود. ولكنه لم يكن للجبل قائد مجمع عليه مثلما كان شان محمد أمِزيان في الريف. وكل قبيلة كانت تخوض القتال بصفة منفردة.ومع ذاك فإن إدريس خاض، في مضائق فندق العين الجديدة القتال لأول مرّة. كان الإسبانيون القادمون من الشمال في قوات ضخمة يسعون إلى الالتحام بقوّاتهم في أصيلا عند هذه النقطة التي يشغلها متطوّعو الجبل. وقد حال خطأ في المناورة دون خروج رتل تطوان في الوقت المناسب من هذا الجانب الذي تُدافع عنه “حَرْكَات ” وادي الرأس وقبائل الضاحية التطوانية ،إلى اليمين. ولكن رتل سبتة الذي اقترب من قمم الجبال المتحكّمة في مدخل الفندق خلف أراضي بني مساور اصطدم بالقوات التي تحميه واندلع القتال.

كان الرتل الإسباني مكوّنا من قنّاصة راجلين ومن نظاميين تدعمهم بطّاريات مدفعية كثيرة. وكانت أعدادهم تضاعف أعداد الجبليين. وكانت وحدات استطلاع إضافية تدعم الرتل. وقد حاول أن يلتفّ حول الجبال التي تشرف على الفندق شمالا حتى يقطع الاتصال بطنجة ويجذب إليه أكثرية المدافعين. وهكذا يصبح في إمكان رتل الجنوب، وهو يواجه قوات محدودة العدد، أن يفاجئ بقية حماة الفندق بعد أن يكون قد طوّق جبل بني مساور حيث يكون من السهل على نيرانه أن تكنس أرض الحُصَيْن. وفضلا عن ذلك فقد كان هذا الرتل يستفيد من مدفعية لوسيان التي كانت تقصف، بنجاعة، مجموعة الوديان المتلاحقة التي تصلح تماما لنصب الكمائن التي يبرع فيها القنّاص المراكشي براعة تامة. ولكن هذا الرتل ضلّ طريقه، إمّا لضعف في القيادة أو نتيجة خطأ في التسيير بحيث أن رتل سبتة وجد في مواجهته عند نفاذه إلى مضائق الفندق الشمالية أغلبية “الحَرْكَة” وهي في موقف قتال . كانت كل المواقع من مرتفعات ومنحدرات ودروب ضيّقة وممرّات وأدغال وجَنْبَات وحفر وثنياتٍ، محصّنة بالرماة أي بهؤلاء الـ”باكوس” الذين يحتفظ الجيش الإسباني على الدوام بذكرى جدّ أليمة عنهم.
كانت سَوْقَةٌ من محاربي تيزران تترصّد الرتل من وراء ستار من البلّوط البُحْتُِري ذي الجذور العاِرشَة وهي عارية الرأس أبرزت الساعد الأيمن من الجلابة ووضعت الزعبولة في متناول اليد. وكان الحاج علاّل وإدريس وسي عبد السلام وسي بوعزّة والأسمر وكثير من زملاء إدريس القدامى في الدراسة هناك، هم أيضا، وقد تسلّحوا ببنادق متنافرة وانذهلت منهم العيون شيئا ما وهم يرون ،حقّا، اندلاع القتال. أمّا ممتلئ الخدّين فقد كان متغيّبا عن الحفل إذ ذهب به التهاب رئوي عَجيل منذ شهرين.
وقد حرص أطفال آخرون على مرافقة آبائهم فكانوا، وهم الذين تسلّح عدد منهم ولم يتسلّح العدد الآخر، ينجزون مهمّات اتصال متنوّعة. لقد كان يوجد ضمن هذا الشباب المراكشي أشباه لـبارا وفيالا !(1) وهذا إنما هو تقليد ترقى أصوله إلى مجتمعات محاريب، امتيازا، هي المجتمعات الشمال أفريقية الضاربة في القدم وكرّسه تقريبا هاميلكار، هذا الأفريقي الأسطوري، تحت رعاية بعل، بأن دفع ابنه باكرا إلى إقامة شعائر التضحية.

بدأت المعركة يسارالحَرْكَة حيث عمد مقاتلو أصيلة إلى مهاجمة الوحدات النظامية. كان يسمع صوت الرصاص مختلطا بزفير الأسلحة الأوتوماتيكية وطلقات المدفع. وتواصل القتال منذ ساعة من دون أن يلوح شيء في الجبهة التي كان فيها الحاج علاّل وأقرباؤه يترصّدون العدوّ. كانت الأوامر التي تلقّوها تقضي بحراسة المكان الذي يوجدون فيه. ذلك أنّ قرائن قويّة كانت تدلّ على احتمال هجوم إسباني على هذا الموقع. ولكن محاربين كانوا قد شرعوا، وقد نفد صبرهم، في مغادرة هذا الجزء من الجبهة ،خفية ، للالتحاق بالمعركة وكان من العسير جدّا استبقاؤهم.
(1) طفلان فرنسيان قتلا وهم يدافعان ، سنة 1793 ، عن الثورة الفرنسية.
أصبح رؤساء الأقسام في لحظة من اللحظات يخشون من إخلاء هذا المكان عندما بلغهم صراخ الرُّصَّدِ من قمة مجاورة مرفوقا بنيران أشواك الغابة إعلانا باقتراب العدوّ. احتلّ المحاربون،في الحال، المرتفعات المتحكّمة في المجَاوِز الأساسيّة وانتظروا، وأسلحتهم بأيديهم ، شنّ الهجوم.
ظهر عدد من الفرسان راكبين خيولا صغيرة. لقد كانوا مرتزقة. كانوا يتقدّمون تقدم مستطلع يسبرون الدغل والثنيات متقلّدين القرابينة وكانت اليد اليسرى تمسك بالعنان وتوجّه الدابّة عبر موقع مليء بالفخاخ. وانكشفت ، سريعًا، سريّة يمكن للمرء أن يتبيّن فيها ،بوضوح، الفرسان ببزّتهم الكاكيّة وبرنوسهم الأزرق وبالشاشية ذات الشرّابة الطويلة على الرأس.وبعد ذلك برزت من الدغل طليعة المشاة.
هزّت صيحة فرحة مديدة صف المحاربين الجبليين وتداولت الألسن لفظ “بييسا!بييسا! . و”بييسا” كنية أطلقها المراكشيون على الجندي الإسباني في شبه الجزيرة. هؤلاء الجنود ، وكلهم مجنّدون جدد، هم مزارعون مساكين اقتلعهم التجنيد العسكري من أسَِرهم ليرمي بهم في هذه البقاع الأفريقية حيث يتّخذ مصير عدد كبير منهم، ذات يوم، شكل جبهة خَرَقَتْها رصاصة أو كَشْحٍ ثَغَرَتْه طعنة خنجر يرقدان تحت بعض العُلّيق ذي الأوراق المقبّبة تقبّب تابوت حجري.
لقد كانوا يكونون ركيزة الجند الملحق بفيلقي سبتة ومليلة وكتائب المشاة الـ” كازادوريس”(1) الذين يبعث بهم ، بانتظام، إلى مراكش أو إلى أماكن أخرى. كانوا ، بالنسبة إلى معظمهم ، ينحدرون من هذه المناطق الفقيرة في اسبانيا ومن جبال نافار وليون ومن هضاب قشتالة والإكسترامادورا القاحلة. كانوا يحملون على ظهورهم ، وهم الحرّاثون وزارعو الكرم ورعاة الأبقار والخنازير الأقنان أو من ذرّية مزارعين تحرّروا ، نُدْبَة قرون من العبودية الاجتماعية. لقد كانوا جنودا أردياء. وكانوا، وهم الأشقياء حقًّا، يموّنون حفر القتلى الجماعية في بارنكو دال لوبو وكدية الروضة وفيما بعد حفر إيباران وأنوال ومنتي أرويت . ولا يكاد ضبّاطهم يفضلونهم إذ أوهنت عزائمهم، إمّا كثيرا أو قليلا، إقامات طويلة في الحاميات في المدن الإسبانية. وإذا ما وجد من بينهم ضباط جيّدون، ولقد وجد، حقّا، عددٌ منهم يستأهلون احترام الخصم، فإن هؤلاء كانوا يفضلون الهجرة إلى وحدات المرتزقة ، سواء منها الـ” ريقولاريس” أو الـ”ترسيو” إذ يمكن لكفاءاتهم أن تعثر فيهما على ميدان أكثر ملاءمة لأمزجتهم.
كانت الفيالق والكتائب تحمل أسماء رنّانة وكانت تتدلّى من ذيول أعلامها أعداد كبيرة من الأشرطة الذهبية وكان تاريخ اسبانيا يرتسم عليها ارتسام ذكرى أمجاد ذهبت من دون رجعة.
كانت أسماء آلكانْتَرا وتالافيرا ولاس نافاس تؤبّد الحروب ضد الإسلام. وكان بافي وسيرينيول
(1) حرفيًا : الصيادون

يذكّران بالفترة الإمبراطورية وكانت بيلن وأرابيل وسرقسطة تستحضر ذكرى الحروب ضدّ نابوليون. ولكنها لم تعد غير ذكريات شهيرة !
*
* *
بدأ إطلاق النار على سرّية الاستطلاع . كان إطلاق النار كثيفًا.وقد تسبّبت الطلقات الأولى في عدد من الخسائر وعادت الخيول، وقد أصابها ذعر مفاجئ، على أعقابها، مرتدّة نحو المُفْرزة التي انبطح أفرادها أرضا وزحفوا ، بعد أن فاجأتهم هذه النيران الكثيفة، هاربين. كانت ثلاثة أجياد طريحة الدغل وكانت أخرى تهبط الجبل عادية . وتجمّعت كثرة من الفرسان التي طرحتها مطاياها أرضا أو ترجّلت حول جريح يبدو أنه من الرَُّتبَاء.
كان إطلاق النار متواصلا.وسمع، من جانب الإسبان صوت مدفع رشّاش ولكنه لم يكن يبدو أن القائمين عليه ،وهم يطلقون النار عشوائيا ، كانوا يعيرون الهدف الذي تطقطق ضدّه آليتهم كثير اهتمام.
تقدّم الجبليون زحفا أو قفزا من مكان إلى آخر. وكانت سحناتهم ولون جلاباتهم تدمجهم بنوع من التكَيُّفِيَّة العادية بما فيه الكفاية في حياة الجبل ، في التربة والنبات اللذين ينزعان ، في الوقت ذاته، إلى المُغْرَةِ واخْضيضار زجاجي فكان من الصعب تمييزهم. والجبلي راجل من الطراز الأول. وهو إذا كان ينحطّ قيمة في الرماية عن الريفي فهو يفوقه في المواجهة جسما لجسم وفي الهجوم بالسلاح الأبيض. كذلك هو يتفوّق عليه في القدرة على الحركة وفي الحماسة .
وصل الحاج علاّل بعد ساعة من القتال إلى تَلْعَةٍ تشرف على خط القتال الإسباني. كانت السِرّية ، بعد هجوم معاكس، قد ترجّلت وتأهب أفرادها للانتشار استطلاعيا. كان مدى التراشق ثمانين مترا عندما أشاعت صَلْيَةٌَ عنيفة البلبلة في صفوف الـكازادوريس فتخلّى هؤلاء، إذ لم يدرّبوا على حرب الأدغال، عن متارسهم الغصْنِيّة وتراجعوا بمنتهى السرعة إلى الوراء. اندفع عدد من الضباّط مُشَوِّرين لإعادتهم إلى خط النار. ولكن التردّد عمّ فتولّت السرّية، وكان يقودها ملازم أول جسيم أبدى شجاعة حقيقة ، أمر تأمين الانسحاب ومنع المهاجمين من إحباط خطّة القتال.
لقد أصبح إطلاق النار أكثر كثافة وتصويب الطلقات أكثر سدادا فسقط عشرة مرتزقة أرضا وتدحرج على الأرض رقيب في هيئة تدلاوي شاخ في طوابير مولاي الحسن وحملت سترته شارة رتبته التعويضية وقد حطّمت رأسه رصاصة أطلقت عليه من مكان قريب نسبيا في حين بقيت جثّته سجينة الرّكاب. لقد انطلق الفرس، وقد ارتاع ، فعدا وهو يجرّ جثة فارسه عدوًا يائسا. كان المرّاكشيون يتقدّمون. وكان عدد منهم، قد بادر ، وقد شجّعه تراجع الـكازادوريس، إلى تحسّس مقبض الخنجر في حين أخرج آخرون المسدّس من القراب .كان مساعد جريح ترك في أرض المعركة قد ألقى بمسدّسه وهو يهمس بعدد من كلمات التضرّع. وقد التقط سي بوعزّة ، بعد أن جرّده من سيفه ، المسدّس الملقى على الأرض بخفة وأمر بنقله تحت ستار من المصطكًا.
إن الرصاصة غالية الثمن في الجبل ولذلك يقتصد فيها. وعلى المحارب ألا يطلق الرصاص إلا عن قرب.ولكنه إذا انسحب العدو من أمامه، ينقاد، عندئذ،إلى حالة تبذير عام.وهذا هو بالذات ما حدث يومئذ. كان الـكازادوريس،وهم يتراجعون، يسعون إلى بلوغ واد صغير يشقّه مجرى ماء جاف.لقد اعتقدوا، في هلعهم، أنهم واجدون في هذا الانسحاب وسيلة تخرجهم من ورطتهم.وكان ذلك خطأ منهم. فرغم جهود قائد الرتل وضبّاطه تسارع التقهقر. وقد رأى قائد فصيلة المدفعية الذي أصلى سلاحه، لزاما عليه أن يحشوه ثانية. ولكن البغال المجرّدة من شُكُلِها تشتّتت، هي بدورها بسبب ارتياعها من إطلاق النار وفرار القنّاصة. ولم يكن من السهل على الإسباني، رغما عن مواهبه البِغَالية، أن يطاردها وأن يكبح جماحها وأن يستردّها. إن البغل يكاد يكون كلّ شيء في حياة الجبلي. إنه وسيلة الاتصال والنقل . وهو يعين في الحرث عندما تسمح مساحة الأرض ، وهي جدّ محدودة، للمزارعين بأن يستبدلوا المعزقة بالمحراث البسيط . وهو يساهم في دراس الحبّ وفي السّلوَجة. ويمثّل روثه مع خِتْي البقر الدَّمَال الصالح لتسميد البساتين وأشجار العنب. وهو يدير الِمعصار الزّيتي والناعورة . وهو قانع قناعة الجبلي، يكتفي بالقدر الضئيل من التبن وبين الفينة والفينة، بقبضة من الشعير أو من الذرّة الصفراء يحملها إليه صاحبه في باطن اليد. وعلى الرغم من نظام المجاعة هذا فإن بنيته ، دائما ، على صلابة نموذجيّة. ففي إمكانه ، لمتانته وجلده، أن يقطع ، وهو محمّل بأثقال مرهقة، مسافات فائقة وأن يبلغ مرتفعات مُدَوِّخة . إنه، إذا صحّ القول، جمل الجبل. ويعد موت بغل ، في الجبل المغربي، من الأوراس الى الجبل، نكبة عائلية جديرة بأن تذكر في لائحة النائحات .
ولذلك لم يكن للمرء أن يتصوّر مبلغ الحماسة التي استولت على القوم منذ أن لمح محاربو تيزران بغال شعبة المدفعية. لقد اندفعوا نحوها وهم يشدّون على ذيل الجلابة. ولقد كان هذا منهم طيشا إذ وقعوا، وهم يتعرّون، في زاوية رمي الآلة التي لم تفكّك بعد. وقد تراجعت الجلابات عندما فاجأتها النار وتشكّل الدفاع إلى تلّة تحميها أجَمَةً من الجََنْبَات وارتمت أرضا وهي توجّه، بدورها ، نحو الأسبانيين نارا مكثّفة.
لقد كلّفتهم وثبتهم إلى الأمام عددا من الخسائر من بينها خسارة شيخ عجوز كان ، فضلا عن ذلك، عالم القبيلة وسبق أن سال دمه دفاعا عن الوطن منذ المعركة التي خاضها مولاي العبّاس ، سنة 1859 ، ضد الجنرال بيريم في وديان كاستيليخوس. كان إذاك شابا بمقدار.وبعد نصف قرن من ذلك التاريخ، ها أن رصاصة تصيبه وقد بلغ سنّ مؤَلّف المزامير، في الحالب الأيسر لتستقرّ في الِمعَى.
لقد كان طويلا جسيما. وكان برأسه المدوّرَةِ المتوارية وراء لحية بيضاء مروحية الشّكل وخدّيه الورديين وعينيه الزرقاوين الفاتحتين سليل هؤلاء الإيبيريين الأصليين الذين أسلموا بعيد كسيريس وفضّلوا ،وهم المسلمون الخلّص، أن يهجروا وطنهم عندما كفّ صوت المؤذن عن الدعوة إلى الصلاة من مآذن مُرْسِيَة. ولقد كان دوما يحمل إسما إسبانيا.
أجلي العالم الجريح الذي كان يرتّل في هدوء ، وهو ممدّد على نقّالة من الأغصان مغطّاة ببساط ملطّخ بالدماء، مقاطع مأتمية من بردة الإمام البوصيري. كان يفارق الحياة في سنّ الشيخوخة مثلما يفارقها رواقِيٌ إذ مات متأثرا بإصابته بعد خمسة أيام.
آلت القيادة إلى محارب قديم آخر من محاربي الجبل. وكان القائد الجديد، وهو مجايل للسابق وإن كان أقلّ منه قوّة ، يشكو ألما في قصبات الرّئة ويقضي وقته بين السّعال والبصاق.ومع ذلك فهو لم يكن يفتقر إلى الشجاعة أو إلى الرشاد. وكان جسمه الواهن يشهد بالمعارك الكثيرة التي خاضها طيلة حياة متقلّبة. فلا الرصاص ولا الخنجر أخطآه. ولقد شارك ، هو أيضا، في معارك كاستيليخوس ورافق،بصفة قاريء قرآن، طوابير السلطان في كل أنحاء مراكش.
كانت رأسه خريطة جغرافية مجالها الإمبراطورية ولكنه لم يكن يتجاوز البتة نطاق المولوية. كان يحب الحاج علال ويعجب بأسفاره. وكان، مثله ، سلفيّا خصما للحالة الآسنة التي انتهى إليها أمر مرّاكش.
وعندما وصلت حَرْكَة تيزران إلى الفندق اقترح ، بموافقة العالم الأندلسي العجوز الذي أصابته قبل أيام قليلة رصاصة اسبانية إصابة قاتلة ، تعيين أبي إدريس قائدا لها. ولقد رفض الحاج علاّل العرض واقترح ،بدوره، وبسند من سي بوعزّة، ترشيح مقاتلي حروب 1859. وبعد أن أزيح سي بوعزّة من المعركة وقع تداول أمر تعيين الحاج علاّل من جديد ولكنه ، انحناء منه أمام حكماء القبيلة ، أبدى رغبته في أن تؤول القيادة إلى رفيق القائد القتيل القديم في السلاح.
تحمّل ، إذن ، سي بن عمار، في غمرة القتال ، مسؤولية قيادة قوّات تيزران. والقائد الجديد ينحدر من غزاوة . وقد اشتهر بأنه التواضع ذاته. كان ينتسب إلى هذا الصنف من البشر الذي يرى أن الحياة امتحان ولا يفرّط في أي فرصة تتيح إمكان الاتحاد في الإحساس بالخالق. كان يرى في الجهاد كمال حياة كُرّست لخير الآخرين ويعتقد ، في أمانيه السامية والساذجة معا ، أن الدفن تحت دغل عُلَيْق الفندق هو آمن سبيل يمكن أن يقوده إلى رحاب النعيم. ولقد قبل مستسلما دوره الجديد.
كانت الرشاشة نشيطة ترش بنيرانها ستار الشجر الذي يختبئ تحته ” الجَبَالَة”. ولكن الطلق لم يكن، لضعف في التصويب ، ليحدث ضررا كبيرا. كانت الرصاصات تضيع. ولكن المرّاكشيين ،هم أيضا ، كانوا في وضٍع سيّئ . كانوا يحتلون خطّا واقعا في منحدر الجبل وكان عليهم أن يتعالوا حتى يتمكّنوا من تبادل النار على نحو أفضل إذ كان يستحيل عليهم أن يلتفّوا حول تشكيلة المقاومة التي تعترضهم من دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء تسلّق العوائق التي تستهدفها رماية الخصم .
كان الوقت يمر ّ من دون أن يعزم أي فريق من المتحاربين على اتخاذ قرار كفيل بأن يحسم ، لصالحه،المعركة. كان الجَبَالة يردّون على نيران الإسبانيين المكثّفة ولكن قليلة النجاعة بضربات خاطفة منفردة. وفي اللحظة التي كان فيها سي بن عمار والحج علاّل وعدد آخر من المقاتلين يتشاورون في أمر القرارات التي عليهم أن يتخذوها، بدت ، فجأة ، من الـكازادوريس حركة تقهقر تغطيها نيران الرشاشات ونيران مفرزة من النظاميين كانت تمنع الوصول إلى الموقع الذي نصب فيه المدفع الرشّاش. وقد أشار راصدان نصّبا للرصد فوق إحدى الروابي إلى تقهقر المفرزة بواسطة نيران أشعلاها. وبذلك لم يعد جنب مركز المقاومة الأيْمن محميًّا. ولكن زمر الحماية تراصّت حول المدفع الرشاش. ونتيجة ذلك أصبح من الممكن شنّ هجوم على أن يحتمل المهاجمون عددا من الخسائر التي لا مفرّ منها

طالب سي بن عمار بانعقاد مجلس حرب يحسم الأمر. وفي هذه اللحظة برز سي بوعزة وجمع من الجبليين من غيل وهم يقتادون ثلاثة أسرى يرجفون خوفا .لقد نجوا من الموت وكانوا ضمن جماعة من الـكازادوريس ضلّت طريقها فوقعت في كمين نصب بمهارة في طرف خِيس بلّوط. كان عمر الواحد منهم لا يتجاوز العشرين وكان اثنان منهم من نافار أما الثالث فقد جاء من أراغون السفلى . كانت فرائص التعسين الثلاثة ترتعد عند رؤية هؤلاء الجبليين الملتحين ذوي السحنة المسْمَرَّة والنظرة الشِرسة. وكانوا يتضرّعون ، في كلام غير مفهوم ، حتى ينجوا من التهلُكَة . كانت الكلمة التي تردّدها شفاههم مرارا هي أمي. جرّد الجنود التعسون من عتادهم فلم يكونوا، بما كانوا يلبسون من بزة عسكرية صفراء مُسَمَّرة وبما يغطّي الرأس من كسكيت سوداء مشروطة الحواشي من دون واقية وجه وبما يعصب الساقين من مِسْمَاةٍ وبما وافق القدم من حذاء ،ليظهروا على هيئة جدّ مرعبة.
أحضر الثلاثة أمام سي بن عمار الذي كان يترأس مجلس الحرب وأجلسوا، في
انتظار نهاية المجلس، تحت عفصيّة كأنها نبتت هناك خطأ. وبعد بأن مدّوا بما يروى عطشهم جاءهم القوم بشيء من الخبز وبحفنة من التين الجاف.
قرّر المجلس الهجوم الفوري. واستحضر سي بن عمار قبل أن يلتحق بـالحركة السجناء أمامه وطرح عليهم ، بعد أن طمأنهم ، أسئلة مختلفة حول قواتهم ونسبة القوّات المرتزقة المشاركة في المعركة واتجاه تقهقر الرّتل . وقد عدل عن الاستجواب لفقدان مترجم قادر على نقل الكلمات بدقّة. ولكنّه التمس من سي بوعزّة قبل الذهاب، أن يبعث بالأسرى إلى الفندق محاطين بحراسة ناجعة وبأن يقع السهر على سلامتهم حتى يعود. كان الجزء الأكبر من الرتل الإسباني قد سبق إلى إخلاء مواقعه وكانت المفرزة المكلّفة بالمدفع الرشاش تتهيأ، هي أيضا، لمغادرة خنادقها. ولم يعد في الإمكان التفريط في دقيقة واحدة. لقد تأكّد الهجوم فورا. استدعى سي بن عمار أفضل رماة تيزران فحضر عدد منهم. وكان إدريس من بينهم. كان على فريق المتطوّعين أن يتسلّق فوق نوع من الحَدََرِ الذي يشرف على الجبل الذي كان جزء من سوقة تيزران قد دلف إلى أسفله حتى يتمكّن من تسديد نيرانه بنجاعة إلى مفرزة الساقة وإسكات الرشاش.
هذه المناورة يجب أن تنفّذ حالا ومن دون إثارة انتباه الخصم . لذلك غادر الرماة خطوطهم زاحفين بالتتابع ، وبنادقهم في أيديهم من دون ضجة. كان لونهم يلتبس بلون الدغل. ولم يكن في إمكان العين الأكثر دُرْبَةً أن تتبيّن في حركتهم إلا مجرّد حفيف أغصان. وقد كفتهم عشر دقائق للتسلل عبر حاجز الجَنْبات التي تغطي التقبّت الجبلي الذي اتخذ شكل منحدر فأصبحت الرشاشة وفريق الحماية منذ ذلك الوقت في مدى أسلحتهم. غير أن المرء ليس يمكنه من هذا المكان أن يميّز الأشياء بين شبكة الأوراق الكثيفة الملتفّة . فأحيانا تبرز أيدٍ وسيقان وأوراك وصدور في هذه الجهة أو تلك لكن الأهداف تبقى مع ذلك مشوّشة.
حلّ كل واحد في موقعه . وكان الرشاش ، في الأسفل ، يُولول. كان يحامي عن الانسحاب لا سيما أنه تمكّن من ملاحظة مجموعات من الجنود على بعض المسافة تبذل قصارى جهدها من أجل كبح جماح بغال الرتل التي ما زالت على ذعرها. انعقف إدريس ، متبوعا بسي عبد السلام وثلاثة آخرين ، يسارا، والتفّ حول النقطة التي يصدر منها صوت الـطق-طق الرشاشي الذي يصمّ الآذان إلى أن بلغ مكانا يمكنه منه أن يشرف على الخصم.
كان ذلك على بعد يقارب المائة وعشرين مترا من قطعة السلاح . كان يتبيّن، جيّدا، ومن دون أن ينكشف، فوج الجنود ويرى، في الآن نفسه في مكان أبعد بقليل، جنودا آخرين بصدد إلجام البغال وجرّها نحو ممرّ ينسحب منه سيل الجند المتقهقر.
كان الخمسة مسلّحين ببندقيات صغيرة أنتجتها مصانع أوفيديو استنساخا للنموذج المستعمل في الجيش الألماني . كانت الأسلحة حديثة الصنع وكانت الذخيرة من الخراطيش كافية لحرب تدوم يوما.لاحظ إدريس من المَطَلّ الذي حلّ فيه، من الوهلة الأولى، أن وضع مسار الرصاصة سيعرقل رمايته وأن من الصعب على طلقاته أن تصيب أهدافها لاضطراره إلى أن يصوبها من موقع منحرف. لذلك قرّر أن يتقدم في اتجاه الرشاش. ولكن حدث في اللحظة التي كان فيها يفكر في أن يحسم أمره ، تشابك عام حول قطعة السلاح . ذلك أن قسما من الجبالة انقضّوا، فجأة ، مشرعين خناجرهم . كانت حركة التفاف تتوضّح أمام عينيه. فبقي إدريس، وقد فاجأته سرعة الهجوم وجمّده المشهد الذي يدور أمام عينيه، منذهلا لحظة وعيناه محدّقتان في كتلة من الخضرة يرى فيها أقرباءه يندفعون للهجوم ورأى جزءًا من حركة تيزران تنفذ نحو الرشاش وتنقضّ على الجنود الجاثين وراء متراس العليق.كان سي بن عمار يتقدمهم وقد اعتمدت إحدى يديه على عصا الخرّوب القديمة وأمسكت الثانية بمسبحة. ولحسن الحظ ، كان الضابط قد صوّب سلاحه يمين مرقب أوراق الشجرة الذي فاجأ منه المراكشيون بعد أن دفعوا الـكازادوريس حماة الرشاش مطلقين صيحات حرب.
لقد شاهد أباه وسي بوعزّة والأسمر يتقدّمون قفزا وسط القسم الثاني من الحَرْكة. ولسوف يبدأ الإشتباك جسما لجسم. لم يعد المهاجمون على مسافة أبعد من ثلاثين مترا من قطعة السلاح عندما طرقت طقطقة عاصفة الهواء بطلقات قضْبَة صلْيِها. وتملّكت إدريس مشاعر الوجوم فقد رأى سي بوعزة ، في لمحة سريعة سرعة البرق ، يتدحرج على الأرض. ورأى جبلييْن آخرين يسقطان هما وخصماهما اللذان أمسكا بهما من وسط الجسم. ورأى الأسمر يرتمي ، وقد أعاقته بندقية المشاة الطويلة، تحت خَلَنْجٍ ورأى الحاج علاّل يتقدّم نحو قطعة السلاح موزعا ضربات من عقب بنقديته يمينا وشمالا في حين كان واحد من أبناء عمومته انعزل قليلا خلف الملحمة يسدد رصاصة إلى رقيب يهم بالفرار. ولكن صفوف الجَبَالة كانت تنجلي وكان الرشاش يطلق النار .
لم يدم هذا الانذهال طويلا . فقد أخذ إدريس يجري وأمسك ببندقيته في اتجاه الرشاش.كان إدريس يثب ، وقد عصب رأسه بمنديل مشجّر وبلغت منه الزعبولة ربلة الساق وأسفرت الجلابة عن اليد اليمنى ورفعت “بلغتاه” إلى العقب،مثلما يثب طاووس فتي. عدّل الضابط ، وقد هدّدته جماعة سي بن عمار، رشاشه ووجّه مدفع سلاحه ، بعد أن ترك مجموعة الحاج علاّل ، إلى الجهة التي اعتقد أنها مهدّدة أكثر من غيرها. وعندما لاحظ إدريس هذه المناورة تنفس الصعداء: فأباه الآن في مأمن.
كان،آنذاك، بعيدا عن المركز الذي يدور فيه التلاحم جِسْمًا ِلِجسْمٍ بما لا يكاد يزيد عن عدد من الأمتار. وكان قلبه يخفق وصدغاه يلتهبان. اندسّ في دغل من الإكليل كانت أغصانه تستند إلى نتوء صخري لا يكاد يتميّز عن مستوى الأرض. كان المكان ملائما. فبإمكانه منه أن يطلق النار بسهولة على الإسبانيين من دون أن ينكشف. وصل سي عبد السلام صحبة جماعته الصغيرة ورمى واحد منهم في قعر برنسه ، في هدوء لا مزيد عليه، وقد نسي الخطر، بقنفد مُكَوّر كان قد فاجأه وهو بصدد الاستمتاع بأساريع في أسفل الدغل.جثَوا على الأرض. وأوصاهم إدريس بأن يركّزوا نيرانهم على سدنة الرشاش. وفي اللحظة التي كان فيها يعمّر بندقيته حوّل اهتمامه، لا إراديا وبتأثير واحد من هذه الإرتكاسات التي تتحدّى بمقدار كبير العقل البشري،عن الوضع حدثٌ صغير شبيه بهذا الذي دفع، قبل قليل، صاحبه إلى التوقف عن عدوه ليذهب فيلتقط، وهو يكاد يكون في مدى نار العدو، حيوانا ضرعيا تعسا صغيرا منشغلا بالإغتذاء بيساريع في ظل سَرْخَسٍ. لقد لاحظ إدريس تلك اللحظة، عبر الإكليل الذي قام بالنسبة إليه مقام الملجأ، آثار شَيْهَم ما زالت حديثة فسمح لنفسه ، وقد نسي أباه وسي بوعزة الذي مازال يحتضر أو مات وسي بن عمّار العجوز الذي كان يلمحه وهو يواجه الرصاص وقد يسقط هو بدوره ، بأن تتيه في ملاحقة آثار الطريدة.
أعادته صَلْيةٌ مُدَوّيّة إلى مشاهد أقلّ رَعَوّية وانطفأت بادرة الابتسامة التي أضاءت للحظة ، وجهه وألقى ، وقد عَبَسَ ، نظرة خاطفة على ميدان المعركة .
لقد كفّ الرشاش عن إطلاق النار فقد احمر صُلْبُه وقد حمي إلى درجة البياض واستهلك، إضافة إلى ذلك، ذخيرة عَرَبَة ٍأولى. وكان أحد سََدنَته طريح الأرض وكان الآخران اللذان أضناهما الجَبَالَة المحيطون بهما وأفزعاهما، لا يبديان أي عجلة في تجهيز الثاني. لقد أبدى الضابط القائم على قطعة السلاح ، وهو ملازم، الفاريز(1) ،شاب تماما ، جرأة رائعة في المعركة.لقد كان في منتهى الإنهاك . كانت هيئته ، على الرغم من وجهه المُسْوَدّ وبزّته الرثيثة ورأسه
(1) ):الفاريز : صنف عسكري في الجيش الإسباني والأصل العربي واضح في الكلمة.

المضَمّدة ومنظره النحيف شيئا ما والذي لا يوحي بظاهره الصحّة، أبعد ما تكون عن هذه الهيئة النفّاجة المضحكة في ادعائها والتي هي عيب زملائه في الجيش الإسباني الأكثر بروزا.
! آه كم كان يختلف عن أمثال هؤلاء الجخافين
نظر إليه إدريس بحزن وأحسّ، رغما عنه ، بنوع من النفور من أن يلحق أذى بهذا الباسل الذي حلّ بمراكش لمحاربة أناس لم يكن حتى يعرفهم
إن الشجاعة ملزمة دائمًا. ولقد كان إدريس ذا إحساس بذلك. وما عليه، من ناحية أخرى، إلا أن ينظر إلى العجوز سي بن عمّار الجامد أمام فوهة السلاح القاتل في موقف تحدّ بليغ حتّى يقتنع بحتمية هذا الأمر المطلق الذي هو صوت الضمير. كان ما يزال فريسة هذا الجدل الداخلي عندما استلفت نظره وجود مرتزق يركض حاملا شريطي خراطيش أخذ الفاريز يعمل بحركة من يده جريئة سريعة في نسقِها في مُلْقِم رشاشه.
ارتجفت جوارح إدريس وأثّر فيه هذه المرّة الشعور بالواجب الذي كان يدفع بالضابط الأجنبي إلى زرع الموت بين المراكشيين بدقة نابضٍ ميكانيكي وصمت فيه الكائن الذاتي وتمدّد الذهن إلى مناطق باطنة واستحال الشعور، إذ أصبح في حالة إيحاء ، الى شعورإنسان آلي خاضع لنسق من الارتكاسات الفطرية. خفض إدريس، ببطء، سلاحه في اتجاه الضابط الذي كان ، قبل ثوان معدودات ، يثير في نفسه تأملات على هذا القدر من الرهافة وسدّد. وانطلقت الرصاصة. كان الضابط يواصل تجهيز سلاحه. ودوت طلقة ثانية محدثة صوتا راعِدًا.
طارت أخشاب شظّتها الطلقة ونبت الرصاصة في حدّة صوت زيز الحصاد.
كان الإسباني يدير الرشاش على نوابضه. وسمع انفجار ثالث.ما من نتيجة . تفوّه إدريس بشتيمة مرفوقة باختلاج في العينين نحو السماء لم يكن خاليا من فكرة تجديفيّة. ولقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يخرج فيها إدريس عن طوره. ومع ذلك فقد كانت رمايته دقيقة. كانت طلقاته جدّ محكمة ولكن مسار الرصاصة كان يمرّ عبر غطاء من الأدغال بلغت من الالتحام حدّا جعل الرصاصات ، عند الاصطدام بها ، إما تنحرف عن مسارها أو ترتدّ إلى الوراء . لقد كان الظرف خطرا فقفز إدريس من ملجئه وقطع عددا من الأمتار وانبطح بخفّة وشرع في التصويب إلى الضابط وكان إصبع هذا، إذاك، على الزناد ويكاد مدفع الرشاش يلامس صدر سي بن عمّار الذي كان يضحي بنفسه في استخفاف مهيب. شدّ ابن الحاج علاّل قندق البندقية إلى كتفه وعيّن،من خلال قمحة البندقية ، جسم الفاريز الذي كان يجانبه وضغَط على الزناد. وفي أقل من ثانية كان الرشاش ، بدوره، يتشظى . انتصب الإسباني بحيويّة وسقط إلى الأمام حاملا يديه إلى بطنه. لقد أصيب.وضاعت رصاصات الآلة في الهواء على عدّة سنتيمترات فوق عمامة سي بن عمّار.كان هذا يرفع عصاه على مدفع الرشاش المهجور في حين كان الجَبالَة يصرعُون آخر الناجين الذين مكثوا في مواقعهم.
احتضن المرتزق الذي حمل شريطي الخراطيش ، وهو رجل متين ذو وجه سُخَاِميّ، الملازمَ. وإذاك رأى إدريس الزنجي. إن الارتكاس النفسي الذي سبّب عنده، قبل لحظة من الآن ، شحنة تعاطف إزاء الضابط الإسباني هو نفسه الذي نفّره، هذه المرّة ، من الخائن.
كان الأسود كائنا نحت على شكل جبّار. وكانت عينان جامحتان تسمان وجه سجين محكوم عليه بالأشغال الشاقّة ترتسم عليه علامات عاهة وراثية.ولسوف يلتقفه المراكشيون عندما استولى، بعد أن ترك الضابط المصاب إصابة قاتلة يسقط أرضا، على البندقية الصغيرة التي تتدلّى من كتفه. فلقد عدّلها وتأهّب لإطلاق النار عندما انهار مطلقا صرخة مفجعة وقد أصابته رصاصة في غرّة الجبين . لقد كان سي عبد السلام هو الذي أطلق النار.
توقّفت المعركة. والرتل الذي دحرت ميسَرَتُه وميمنته كان الآن يتقهقر الى لوسيان وقد تكبّد في مسيرته خسائر محسوسة. واستولى على المدفع الرشاش الجَبَالَى الذين حصدوا ، إضافة إلى ذلك ، وفرة من البنادق والخراطيش.
وقد وقع أسر حوالي خمسة عشر سجينا ، كلهم إسبانيون والاستيلاء على حوالي عشرين بغلا وقتل ثلاثة جَبْلِيين وأصيب إثنان آخران إصابات قاتلة وجرح أربعة عشر .
أسرع إدريس ، وقد توقّفت المعركة ، إلى الفاريز فعثر عليه ملتويّا مسندا ظهره إلى
سور من المصطكا. إن بزّته لم تعد غير خرقة دامية.وكان وجهه الذي حال إلى شحوب داكن يوحي ، حقيقة، أن أيام حياته أصبحت معدودات.وأمامه كانت تتمدّد جثة الأسود. وكان ثلاثة مرتزقة آخرون ينتظرون ، موثوقي الأيدي، مثولهم بين أعضاء مجلس حرب الحَرْكَة .
استحمل إدريس المِحفّة التي استخدمت في نقل القائد المصاب منذ بداية المعركة ومدّد عليها الفاريز بكل ما قدر عليه من حيطة واصطحبه إلى الفندق حيث كان يوجد في قسم رئيسي من المنزل، سي بوعزة والمساعد الذي أسِر وحوالي عشرة جرحى من الفريقين . كان المشهد مُكِْربًا. إن أنين الجرحى والدم المتجمد على البشرة والثياب وشحوب الوجوه والهذيان والنفس النتن وظلام المكان الذي يعقب مشاهد اليوم المأساوية ، كل ذلك كان يستنفد ما بقي للفرد من بقيّة قوى ويبديه على هيئة من الوَهْن المستسلم الذي يمثله ببهيمة مُحْتضَرَة . ولا يسع المرء ، وهو يشهد هذه الويلات ، أن يدفع عنه هذا التفكير في أن الإنسان ليس ، على كل حال ، إلا عبد هذه الحتمية التافه، هذه الحتمية التي يتلاقى فيها خافت ومضات العقل الذي هو ،على ما يؤكّد عدد من نوابغ الفكر، الدلالة القاطعة التي تُنَبِّلُه وتُمَيِّزه عن جنس الحيوان.

لقد عقب ما سبق من حماسة فيض من الرحمة. وساد داخل البيت المتهدّم سكون رَهق. كان سي بوعزّة يهذي . كان يبدو أنه شارف الموت.وكان ، وكما لو كان ما زال يتحدّث إلى أتباعه أثناء الهجوم، لا يكفّ عن تكرار القول”ِشدْ على الصدر تحكم الرأس”. لقد كانت هذه، تقريبا ، كلماته الأخيرة. لقد انتقل من الحياة الى الموت من دون عميق إدراك. فخرج ادريس. وخارج البيت وجد المجلس مجتمعا ، في الساحة ، برئاسة سي بن عمّار وكان أبوه في عداد المجتمعين .
كان القوم يحاكمون المرتزقة الثلاثة الذين ألقي عليهم القبض والسلاح في أيديهم .
ذكر سي بن عمّار الآيات الأساسية في الشريعة التي تعاقب الخيانة بالقتل ودعَم حُجَجَه بشواهد من السنة واستند إلى سابقة معركة بدر التي قاضى فيها النبي قرشيْين ثبت تواطؤهما مع الوثنيين وأمر بإعدامهما ، على ما كانت عليه طبيعته من نزوع إلى الرحمة. وذكر بأحكام خالد في اليمن على المرتدّين التي وافقه عليها الخليفة أبوبكر بما له من سلطة. واستند إلى مالك وشارحي الموطأ. ولكنه، على الرغم مما بسط من حججٍ دامغةٍ على المرتدّين ، التمس الرحمة بالنسبة إلى اثنين منهم أكّدت أخبار جديرة بالثقة أنهما ربّا أسرة واقترح إرسالهما إلى شعوان حيث تقع مراقبتهما بإحكام.لم يكن قادرا بالنسبة إلى الثالث على أن يدّعي أيّ ظرف مخفِفٍ لصالحه بل إن شهودا رأوه يصوّب بندقيته إلى جريح جبلي . ونتيجة ذلك لم يجد سي بن عمّار بدّا من أن يطلب تطبيق حكم الإعدام .
قرّر المجلس ،إذن ، نزولا عند طلب رئيسه، سجن الجنديين المتزوّجين وإعدام الأعزب. وقد نفّذ الحكم فورا.
حاول إدريس ، من غير جدوى ، أن يتوسّط في الأمر حتى لتخفيف الحكم بالإعدام. وقد رفض ذلك سي بن عمّار رفضا قاطعا متذرّعا بتعذّر إبطال قرار اتّخذ بمقتضى الشريعة ومطابق لظروف الوضع الاستثنائي. فاقتيد الشقي إلى منخفض واد وربط إلى جذع بلوط عتيق. وقد سقط مصابا برصاصات قضاته من دون أن يبدي لا خوفا ولا بسالة إذ لم يكن كثير الدهش مما يحدث. لقد اتخذ له ، وقد جاء من بلدته البعيدة عيدا أوطنن في قعر بلاد السوس، من رجليه هاديا مثلما يقال عندنا في المغرب فقادتاه من مدينة إلى أخرى.
لم يكن لهذا الجندي النظامي الذي ولد في بلد غاف ٍ وسط مجتمع جَمّدته رتابة شالّة وأعاقته هموم مبتذلة ونخرته أدواء اقتضت دائما وسائل استئصال حاسمة حتى يشفى منها أو يقلل من تأثيرها فيه، أي حق في الإعتراض على ما يحلّ به.
إنه لم يكن غير ضحية مجهولة جرفها إعصار العصر الكاسح. وحالته لا تتعلق بتحليل شخصي بقدر ما تتعلّق بنتائج قضية اجتماعية كثرت عواملها وتعقّدت . إن سي بن عمّار ، إذا شئنا ، إنما يدعو كل مراكش والمغرب جميعه إلى المثول بين يديه في صورة المرتزقة الثلاثة الذين يحاربون في صفوف الرتل العدو .
هذا النظامي لم يعرف البتّة كيف أبحر من تارودنت ليجنح في تطوان. كان ، تماما مثل متشرّدي العصور الوسطى ، يمشي من دون أن يحدد خُطوط سيره.ولقد وجد في تطوان مدينة نائمة تعيش ، على مرمى عدّة كيلومترات من ضفاف أوروبا ، عيشة تذكر في جميع وجوهها بإسبانيا أمراء الطوائف في الفترة التي عقبت ضربة لاس نافاس دي تولوزا (1) القاتلة. إنه لا شيء تغيّر. كانت المدينة التي تسفر عن مظهر بشاشة موروثة مسترخية على هذا النحو من الكسل الذي يشي بانحطاط الشعوب.
كانت تحافظ على أفضال حضارة عاصرت السلاح الأبيض ودولاب المغزل. وكانت طريقتها في العيش تتحدّى، في هذا القرن العشرين الذي ينتقل فيه المخبر، في اكتشافاته الغريبة ، من أعجوبة إلى أخرى، قوانين الصيرورة الاجتماعية التي هي شرط الحياة المتحضّرة الملزم.ولا تكاد قصورها المبلّطة وصحون دورها المزهرّة وردا وياسمينا وينابيعها وفسقياتها السُّماقية وحماماتها البخارية وما يكسو سكانها من قماش صوفي وحريرونسيج موصلي ومطبخها المنتقى وإسلامها السطحي لتخدع العين المتنبَّهة التي تتبيّن في ما وراء هذه الصحّة المزيّفة، عُضال إيهان بيّن العلامات. وما كان يحدث في تطوان كان يحدث كذلك في فاس ومراكش والرباط وسلاّ مثلما كان يحدث في تلمسان والجزائر وتونس.
لقد كان الطّننّي الذي حلّ من سوس موطن مولده بهذه المدينة يحس أنه غريب فيها غربة وادراس التي تكاد منحدرات الجبل فيه تلمس أسوار المدينة المرينية. وما هو المخرج من
هذه الحالة ؟لقد بلغت جِهَوِيَّةٌ سكانها حدّا يشعر الغريب الذي يعيش فيها بنوع من الإقصاء
(1) موقعة العقاب (ج عقبة) في النصوص العربّة سنة 1212 وهي تعتبر بداية نهاية الإسلام في إسبانيا
وبأنه مبعد تلفظه هذه المدينة التي يكثر فيها الناس من التضرّع إلى إله الرحمة والتي لا يتنزّه أي مواطن يحترم نفسه في أنهجها إلا حاملا مسبحة في يد و اللبدة تحت الإبّط.
وما هذا إلا فضيلة موقوتة كان يشبهها الحاج علاّل ، في النقاش الذي كان يدور بينه وبين إدريس وسي عبد السلام ،بفضيلة هذين المكِّيَيْن اللذين كان يتذكّر سلوكهما الماكر في الوقت الذي كان فيه ظل الأزهري يرعد ، موجّها سبّابته إليهما ، مندّدا بمنافقي الإسلام….
وكيف يعيش المرء فيها ؟
إن الطَنَنّي التعس لا يعرف، وهو الذي ولد في وسط القبيلة ، مهنة غير تأجير ساعديه العَضِلَيْن. ولكنه كان من المخاطرة في بلد مجرّد من الصناعة حيث تنتفي حتى الرأسمالية وحيث ما زالت التجارة المركَنْتِيليّة والحِرَفِيّة ملفوفتين في قمطيهما القروسطيين، أن يعثر فيها على بعض وسائل العيش. وحتى لو افترض المرء هذه الإمكانية فإن العادة السائدة فيها ستعارض تشغيله .
إن مؤسسات متداعية مازالت تتحكّم من أعلى الى أسفل في الإنتاج الحرفي المراكشي. فنحن مازلنا نعيش في زمن رابطة النقابات حيث تحكم كل شيء أعراف منغلقة وحيث لا يحق للأجنبي البتّة أن يدخل فيها. إن أهل الحرفة “الهنتة” بـ”معلميهم” و”حرفائهم” الذين لا يحصلون،على امتداد سنين وفي فترات متدرّجة، على تدريب مهني بقدر ما يخضعون لسيطرة مؤسسة لها طقوسها ورتبها كما هو الشأن في الجمعيات الماسونية يرصدون كل شيء.
فمن الطبيعي أن يقع إبعاد من يتقدم إليها باحثا عن شغل.
التضامن المشترك؟ إن الزكاة قد اختفت منذ زمن طويل من وصايا الإسلام ولم يتبقّ من مجموع الاعتقادات الراسخة المهيب غير صلوات يومية مُلَبّسة بأنفال يعمد إليها في كل وقت وفي غير محلّها وكأن طاعة الخالق لا تقتضي غير هذه الرياضة البدنية التي بدا أن كلّ روح قد طرد منها صراحة. ويصوم القوم أيضا رمضان مع احتمال أن تتحوّل لياليهم إلى بَشَمٍ بطني حقيقي. وقد يغض النظر عن الأمر لو كان يمكن للأجنبي، عملا بالإحسان الذي ألحّ عليه الإسلام ، أن يجتاز مرّة واحدة على الأقل،عتبة قاعة طعام العيّاشين هذه.
إن الواقع عكس ذلك. ففي حين ترن طيسان الشاي فوق طبق النحاس الُمفَضّض ويتجشأ الأكَلَة إيذانا ببلوغ ضفاف الهناء ، ينام الطَنَنّي جائعا مرتجفا بردًا على بورياء مُغَبّرة بُسطت في زاوية مسجد فقير فيذهب مباشرة، وقد نكل الجوع بأحشائه والتبست عليه السبل وثبّط همّته مشهد الأنانية الذي يحيط به ويضايقه، إلى الثكنة حيث أحدث الأجنبي الذي حلّ قبل قليل بالمدينة مكتبا لتجنيد الجنود المرتزقة. وهناك يُزَوّد ببندقية وبالعتاد ويعيّن له رقم طابوره أو مَعِيّته ويقبض منحة تطوّعه إضافة إلى شَهِْريَتِه المقرّرة فيلتحق بالـ” عشرة” التي عليه أن يعايشها.
إن هذه ،في حياته ،هي المرّة الأولى التي لم يعد فيها التعس التائه مجرّد حطام تتقاذفه الصدف. إن له الآن بيتا مؤقّتا وهو، في المساء يتذوق ،هو أيضا ، طاجينه ويدخّن ِسْبسِيَه ويترشّف ، متلذّذا ، طاسة الشاي المطعّمة مِسْكًا أو نَعْنَعًا.
ويكتسب التعس، وهو يتمرّد على حظه ، عادات جديدة هي ، عموما ، سيئة. فهو مساء سداد
الـ” المونة” (1)يشتري له ،مثلما يفعل رفاق المرقد ،نصف لتر من عرق الـمهيّة من مردوك (2)المكان وعائلة (3) أذبل جمالَها استعمالٌ طويلٌ وممارسة فظّة. وبذلك يرسو ، هو
أيضا ، على ضفاف هناء سيتَكَشَّف فيما بعد كابوسا مزعجا. ثم يذهب، وقد تشيّع لراية أجنبية، ضمن رتل لمحاربة إخوانه.ومن واد إلى واد ومن طاقة وزّال إلى دغل مصطكّا يقع رتله على حركة يشتبك معها في قنال سيكفّر الطننّي التعس في نهايته ، تحت شجرة بلوط نخرة ضمر جذعها، عن خطأ ولادته في هذا العالم في منعطف سيئ من منعطفات تاريخ بلاده . لقد ولد وعاش ومات على هذا النحو أي على هذا الابتذال الذي لا مزيد عليه.
*
* *
عاد سي بن عمّار و الحاج علاّل، بعد التضحية بالطننّي، إلى داخل الفندق وقد سبقهما إدريس إلى المكان. كان جسد سي بوعزّة قد مُدّد في زاوية من الفناء .وليس على جثته ،حسب طقوس الجهاد، أن تُغسَّل إذ أن الموت في ميدان الشرف قد طهّر روحه سلفا ويمكنه أن يمثل عالي الجبين ، بين يدي العدل. فدفن بثيابه الملطّخة دمًا.ولقد اصطفّت معه جثث المقاومين الجبليين الأربعة الذين سقطوا أثناء المعركة وجلس سي عبد السلام عند رؤوسهم، وشرع في ترتيل سورة ياء سين هذه الزاد الأخير الأسمى الذي تناله أرواح الشهداء.
اقترب إدريس من جديد من الـفاريز صحبة أبيه وسي بن عمار.كان عدد من الأسرى الإسبانيين قد مدّدوا قائدهم على بورياء واجتهدوا ،بعد أن نزعوا عنه دُرّاعته، في سدّ الجرح الذي يكشف عن بطنه. كان النزيف يفعل فعله. وإذا لم تتوفّر خدمات جرّاح ماهر فإن الضابط محكوم عليه بموت
أكيد. طلب أحد الجنود الأسبان قماشا أبيض فنزع سي بن عمّار ،تلقائيّا، في حركة تشرّفه مثلما
تشرّف معه الجنس الذي ينتمي إليه، “تشاميرَهُ” وقدّمه إلى الجندي ثم انحنى على الجريح وشرع في حثه على الاستسلام. كان يحدّثه بالعربية بصوت أبوي يكاد يكون ملاطفا. ومع ذلك فإن هذا الرجل قد
(1) المرتّب
(2) يهودي
(3) بغيّ

أصدر منذ قليل حكمًا بالإعدام على واحد من مواطنيه منحدر من ذات الدم الذي ينحدر منه.إن المغرب مازال يخبّئ تحت قشرته الفظّة كنوزا من هذه الطيبة الفروسية. تبلّل جفنا إدريس ولاحظ، في عنق الفارز خيطا تدلّت في ذيله حُلْيتان.كانت احداهما قطعة فضة صغيرة بيضوية الشكل نقشت عليه صورة عذراء البيلار. إن الضابط ، ما من شكّ في ذلك، أراغوني أو ينتمي إلى كتيبة مجنّدة من شمال شرق شبه الجزيرة. ذلك أن تأثير عذراء البيلار، على الرغم مما اكتسبته من صيت في العبادة الشعبية نادرا ما يتجاوز حدود أسقفية سرقسطة لأن الديانة أو بالأحرى الإكليروسية نمت في اسبانيا نموّا دفع كل مقاطعة إلى أن ترسم لأم المسيح أيقونة خاصة بها. أما الحلية الثانية فهي مُنَمْنَمة تمثل سيدة عجوزا يغطي شعرها الوشاح التقليدي. إنها،على الأرجح ، أم الضابط.
اقترح إدريس على أبيه إرسال ساع إلى قائد الرتل الإسباني بغية استحضار جرّاح أو مَقْعَدة يحمل عليها الجريح إلى لوسيان فنزل الحاج علاّل وسي بن عمّار عند رغبته. ولكن الفاريز أصبح، الآن، في حالة غيبوبة ولم يلبث أن مات.
دفن الأموات فجر اليوم التالي فحفرت، غير بعيد من جدران الفندق ، حفائر منفصلة عن بعضها البعض، قبر في كل واحد منها ميت من الأموات.ولقد حصل الضابط على قبر خاص به.وهكذا ألقى الموت الذي تمّحي على عتبته كل أحقاد الأرض، على أنْشَازِ من التراب صغيرة كفنا منسوجا من السكينة والسلام.
تلا سي بن عمّار صلاة الأموات للجميع وتضرّع إلى الله ،وهو يرفع يديه نحو السماء ملتمسا هذه الرحمة التي لم تكف الإنسانية في يوم من الأيام عن التماسها على الرغم مما تأتي من أفعال وتنزع ،على الدوام ، إلى القسوة والى الشرور.
لم تلبث الأعمال الحربية أن توقفت. فعقدت ، بطلب من الإسبانيين، هدنة لصالح قاطع الطريق الذي سلف ذكره والذي سارع، مكرّرا سلوك قرد الحكاية على لسان الحيوانات ، إلى الاستفادة من صنيع غيره.
كانت السنة ، آنذاك ، سنة 1914. وكانت الحرب الكبرى قد اندلعت في أثناء ذلك.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal