img6.jpg

من أبطال المقاومة الأمازيغية: محمد الشريف أمزيان (الحلقة 19)

تمهيــــد:
يعد محمد الشريف أمزيان من أبطال المقاومة الأمازيغية المغربية في القرن العشرين إلى جانب محمد بن عبد الكريم الخطابي وموحى أوحمو الزياني وعسو أوباسلام وآخرين. وقد واجه محمد الشريف أمزيان من جهة أولى الفتان بوحمارة الذي أرعب السكان الريفيين نهبا وفتكا وإذلالا ، وعاث فيهم إفسادا وتخريبا إلى أن طرده الشريف خاسئا منكسرا من عاصمته قصبة سلوان، ومن جهة ثانية قاوم المحتل الإسباني لمدة ثلاث سنوات إلى أن استشهد في 15 ماي سنة 1912م بقبيلة بني سيدال بعد أن باعه إخوانه من قومه وعقيدته إلى جينيرالات الإسپان طمعا واسترزاقا.
هذا، و قد كانت مقاومة الشريف للدعي بوحمارة من الأسباب التي أدت بالفتان إلى نهايته إبان عهد مولاي عبد الحفيظ على يد القائد الشجاع الناجم الأخصاصي، كما أن مقاومة الشريف للمحتل الإسپاني أخرت تغلغله في منطقة الريف لاستغلال ثرواته المعدنية عدة سنوات. إذاً، من هو محمد الشريف أمزيان؟ وماهي الأسباب التي ساهمت في ظهور مقاومة البطل الريفي الأول؟ وماهي أهم المراحل التي قطعتها هذه المقاومة ؟ وما هي النتائج التي ترتبت عنها داخليا وخارجيا ؟ هذا ماسنعرفه في هذه الدراسة المتواضعة.

1-من هــو محمد أمزيان؟

من المعروف تاريخيا أن محمد أمزيان هو الشريف سيدي محمد أمزيان بن الحاج محمد بن حدو، ويمتد في نسبه إلى شرفاء الأدارسة، الذين بدورهم يمتدون في شجرتهم السلالية إلى آل البيت النبوي الشريف. و قد أكسبه هذا النسب الجليل مكانة دينية وروحية واجتماعية كبيرة بين قومه الريفيين، وأضفوا عليه نسب الشريف إشادة به وتعظيما.
وعلى أي، فقد ولد الشريف الصوفي الزاهد في قبيلة بني بويفرور قرب مدينة الناظور سنة 1859م أو 1860م تقريبا، ودرس القرآن الكريم بالكتاب، واحترف تجارة البغال والأبقار التي كان ينتقل بها بين الريف والجزائر. وتولى شؤون زاوية أبيه مع إصلاح ذات البين ومعاملته للناس معاملة حسنة وغيرته الشديدة على الوطن والدين وإخماد الفتن والقلاقل والقضاء على الإحن والأحقاد التي انغرست في نفوس الريفيين وتجذرت فيها بسبب ميلهم إلى القتل والاعتداء والنهب والثأر إبان عهد السيبة وضعف الحكم المركزي في منطقة الريف، لذلك نال الشريف ثقة الأهالي وأضفت عليه قبائل قلعية وقبائل الريف صفات التشريف والتقدير والاحترام.
ونظرا لسمو أخلاقه، كان يرافق كل من يريد الهجرة إلى الجزائر للعمل في الزراعة والفلاحة، وكان الشريف ذا نفوذ كبير بين قبائل الريف دينيا وروحيا واجتماعيا واقتصاديا ؛ لكونه من كبار الملاكين والأغنياء يحسن إلى الضعفاء والمساكين، ويميل إلى الزهد والتقوى والورع على الرغم من ثرائه وكثرة غناه. وكرس حياته كلها للجهاد في سبيل الله وتوحيد قبائل الريف لطرد اللعين بوحمارة والتخلص من المحتل الإسپاني. وقد استشهد الشريف في معركة عزيب علال أوقدور في 15 مايو 1912م ببني سيدال على يد المتعاونين مع الاستعمار وبالضبط على يد السرجان القائد محمد حسني التابع لفرقة الريگولاريسRegulares تحت إمرة الكاپورال كونثالو ساوكو Gonzalo Sauco. وقد دفن الشريف أمزيان في بلدة أزغنغان، وسماه المغفور محمد الخامس بطل الريف الأول.

2-أسباب ظهور مقاومة محمد الشريف أمزيان:

ماكانت مقاومة محمد الشريف أمزيان لتظهر إلى الوجود لو لم يكن هناك ما يؤرق بال الريفيين ويثير ضمائرهم ويقلق راحتهم؛ لأن الريفيين في شمال المغرب الأقصى كانوا لايرضون بالذل والخزي والعار، وكانت أنفتهم وكرامتهم فوق كل شيء، يمكن لهم أن يفعلوا الكثير من أجل الدفاع عن حريتهم و صون شرفهم و حماية عرضهم.
ومن الأسباب التي أشعلت سعير مقاومة محمد الشريف أمزيان ظهور الزعيم الفتان بوحمارة في منطقة الريف الذي ادعى أنه المولاي محمد بن السلطان الحسن الأول. وبذلك، خرج عن طاعة السلطان مولاي عبد العزيز، وكبد قوات المغرب آنذاك خسائر مادية وبشرية كانت من العوامل غير المباشرة لدخول المستعمر الأجنبي إلى المغرب وفرض حماية 1912م.
وقد ساهمت ثورة الفتان بوحمارة في نشر الفساد والرعب والعبث بمصالح الناس وحريمهم وقتل الأبرياء وانتهاك أعراض الناس بدون حق شرعي، وساهم في انتشار الخيانة والغدر، وسمح لجيشه أن يفعل مايشاء في منطقة الريف بدون حسيب ولا رقيب.
ولكن الشريف لم يرض بهذا الوضع المأساوي المقيت، فوحد القبائل القلعية والريفية لمواجهة هذا القادم اللعين . ومن ثم، أعلن الشريف في الأسواق اليومية والأسبوعية وعبر المشاعل التي توقد فوق الجبال اندلاع المقاومة للقضاء على بوحمارة وجيشه المغتصب الذي دوخ الجيش الحكومي منذ سنة 1902م إلى أن تولى مولاي عبد الحفيظ الحكم و تكليف القائد الناجم الأخصاصي لمقاتلته والقبض عليه.
والسبب الثاني الذي أشعل ثورة الشريف أمزيان هو رغبة إسبانيا في مد سكة حديدية وبناء مجموعة من الجسور والقناطر تمتد من مشارف مليلية إلى بلدة أزغنغان على مسافة 20 كيلومترا، وذلك في 9 يوليوز 1907م ، والغرض من كل هذا هو الوصول إلى مناجم الحديد الموجودة بمنطقة أفرا ووكسان، بعد أن باع بوحمارة منجم وكسان لشركة إسپانية ومنجم إحرشاون لشركة فرنسية لمدة تسعة وتسعين سنة مقابل خمسة ملايين من البسيطات، وكان جنود بوحمارة هم الذين يحرسون العمال الذين يشتغلون في هذين المنجمين.
لكن محمد الشريف أمزيان – بعد أن استشار السلطان المولاي عبد الحفيظ – لم يسمح للقوات الغازية تحت قيادة حاكم مليلية الجنرال مارينا باستغلال المنجمين. فأرسل الجنرال العمال للشروع في بناء القناطر والجسور تمهيدا لوضع السكة فواجههم المجاهدون، فأعلن الجنرال مارينا حربه الشنعاء على الريفيين وقائدهم المقاوم البطل محمد الشريف أمزيان.
هذا، وقد أشعل دخول مارينا إلى الناظور فتيل مجموعة من المعارك التي ستكبد الجيش المحتل خسائر عدة في العتاد والمال ، وستحصد الكثير من الأرواح البشرية من قتلى وجرحى وجمعا من الضباط والقواد والجنرالات وأصحاب الرتب العليا في الجندية والقيادة العسكرية.
وعليه، فلم تندلع شرارة مقاومة محمد الشريف أمزيان إلا لسببين رئيسيين ألا وهما: فتنة بوحمارة، وغزو الجيش الإسباني لمنطقة الريف من أجل السيطرة على مناجم الحديد بمنطقة بني بويفرور. وهناك من يضيف سببا ثالثا لظهور مقاومة الشريف يتمثل في جبهة أصدقاء إسبانيا ( Amigos De España) التي جمعت المتعاونين مع الاستعمار وخونة القضية الريفية، وكان الشريف يحارب هؤلاء ويجاهد فيهم للحد من شوكتهم، وكانت هذه الجبهة هي التي قامت باغتيال قائد المقاومة الريفية محمد الشريف أمزيان على يد السارجان القائد محمد حسني التابع لفرقة الريگولاريس تحت إمارة الكابورال كونثالو ساوكو Gonzalo Sauco .

3-تطور مقاومة محمد أشريف أمزيان:

عرفت مقاومة محمد الشريف أمزيان في سنوات العقد الأول من القرن العشرين وبالضبط مابين 1909م و1912م مرحلتين أساسيتين: مرحلة مجابهة ثورة الفتان بوحمارة والتي انتهت بطرد بوحمارة من سلوان، والمرحلة الثانية التي انتهت باستشهاد الشريف أمزيان بعد أن كبد المستعمر الإسباني خسائر مادية ومالية وبشرية أثارت الرأي الأيبيري لمدة طويلة وأشار إليها المؤرخون الإسبان والأجانب على حد سواء.

أ‌-مقاومة الشريف أمزيان للفتان بوحمارة:

عرف المغرب منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي أوضاعا متردية على جميع المستويات منذ مولاي عبد الرحمن بعد هزيمتي إيسلي وهزيمة تطوان، فأصبح المغرب خاضعا لإملاءات الدول الأجنبية وضغوطاتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية والاجتماعية. وصار المغرب بعد ذلك يعرف تقلبات سياسية واقتصادية واجتماعية ، وكثرت الفتن وارتفعت الأسعار وتهرب الناس من دفع الضرائب الشرعية وغير الشرعية على الرغم من الإصلاحات التي قام بها مولاي الحسن الأول من النواحي المالية والإدارية والتربوية والعسكرية. لكن ظروف المغرب ستزداد تأزما مع تولية مولاي عبد العزيز الذي تولى الحكم بعد وفاة أبيه الحسن الأول، وقد تولى شؤون الدولة وتسيير دواليب الحكم وعمره لايتجاوز 22 عاما. وقد واجه في عهده عدة مشاكل داخلية وخارجية، وعجز عن حلها بسبب حدود تجربته المتواضعة في الحكم وقصور خبرته في مجال التسيس وتدبير شؤون الأمة. وقد اضطر للتوقيع على مقررات الجزيرة الخضراء سنة 1906م؛ مما ولد القطيعة بينه وبين الرعية.
وقد أدى ضعف مولاي عبد العزيز وسجنه لأخيه محمد بن الحسن الأول إلى ظهور الفتان بوحمارة الذي استغل الظروف التي كانت تمر بها الدولة المغربية لصالحه من أجل السيطرة على الحكم بعد أن ادعى أنه هو محمد بن الحسن الأول الوريث الشرعي للسلطان بدلا من مولاي عبد العزيز.
والمقصود بهذا الفتان الدعي هو الجيلالي بن إدريس الزرهوني الملقب ببوحمارة وأيضا بالروكي ينتمي إلى قبيلة أولاد يوسف التي تستقر بزرهون.عمل الروكي في السلك المخزني مدة طويلة، وسجنه أبا أحماد مع المنبهي لمشاركته في مؤامرة على مولاي عبد العزيز. وبعد خروجه من السجن، مكث فترة في الجزائر ، ومنها رجع قاصدا تازة التي اتخذها عاصمة له، فبايعته القبائل الواقعة بين فاس وتازة، وانضمت إلى دعوته كافة قبائل المغرب الشرقي والريف، واستولى على قصبة فرخانة ووجدة واتخذ سلوان عاصمة لحكمه، وكان على اتصال مباشر مع السلطات الإسبانية في مليلية ، ومع السلطات الفرنسية في الجزائر التي كانت تمده بالأسلحة والعتاد والأموال ويتسلمها بقرية أركمان بالناظور. وقد ألحق الفتان هزائم متتالية بجيش المولى عبد العزيز مستفيدا من الدعم الإسباني والفرنسي على حد سواء.
وبناء على ما سبق ذكره، فقد انطلقت ثورة بوحمارة سنة 1902م من العاصمة فاس ليؤلب قلوب الناس على السلطان مولاي عبد العزيز، وبعد ذلك اتجه إلى تازة التي اتخذها عاصمة لحكمه، وفي تلك الفترة واجه الجيش الحكومي في عدة معارك انتصر فيها بوحمارة، وكبد الجيش السلطاني خسائر مادية كبيرة، فأثرت هذه الخسائر سلبا على المجتمع المغربي وهيبته الخارجية وسيادته الداخلية. واستقطب بوحمارة معظم القبائل التي توجد في وسط المغرب وشماله وشرقه؛ بسبب إحساس الشعب بالظلم من جراء السياسة الجائرة التي كان يتبعها المقربون من السلطان مولاي عبد العزيز. ومن المعلوم أن هذه السياسة كانت تقوم على الإفقار والتجويع وفرض الضرائب الشرعية وغير الشرعية على المواطنين الفقراء الذين لايستطيعون تحملها، وكل ذلك من أجل تمويل السلطان لحملاته العسكرية التي كانت تستهدف إخماد ثورة الفتان؛ مما سيضطر السلطان مولاي عبد العزيز إلى الاقتراض من فرنسا، و سيدفع هذا الاقتراض المغرب إلى تقديم مجموعة من التنازلات والقبول بسياسة الحماية الأجنبية على المغرب في مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906م.
وقد راقب السلطان ثورة بوحمارة جيدا وتتبعها عن كثب، وتوصل إلى أن هذه الثورة كانت تحركها الأيدي الفرنسية بالجزائر تمهيدا لاحتلال المغرب، لذلك كتب السلطان مولاي عبد العزيز رسالة موجهة لقبائل بني مالك في يوليوز 1905م يقول فيها:” تحركت الإيالة الجزائرية لاقتراح أمور تضر برعيتنا الشريفة، واستمر طموحها للحوادث المخوفة، وتشوفت غاية التشوف إلى مديد الترامي على المسلمين وحددت شوكتها للاستيلاء على قوة الدين…
إن الفتان إنما يروج بتروجهم وإغرائهم وأنهم هم الممدون له ليحصلوا على قصدهم ورجائهم، ويتوصلوا به لتفريق كلمة الرعية…. وصارت الإيالة الجزائرية تمد الفتان بما يتقوى به قولا وفعلا، وتصدرت لإغراء القبائل على متابعته عمدا لا جهلا، وأخذت في تحريك الأسباب التي يترتب عليها في الرعية الانحلال والاضطراب.
ولازلنا نتحمل مالا يطاق من وجوه المدافعة… ولو اطلع المسلمون على مايلحق المخزن في ذلك لتسارعوا لإعانته برقابهم وأولادهم…ولخرجوا عما يملكونه رغبة في الإنقاذ من الخطب العظيم…لأن حفظ الرعية لايدوم إلا بالقوة الإسلامية وتلك القوة لاتنضبط للمخزن إلا بالاستعداد التام الذي يصان به النظام وتنفذ به الأحكام. ووسائل الاستعداد لاتتوفر إلا بالإعانة الجارية من الرعية والجباية.”
وتبين لنا هذه الرسالة العزيزية مدى التأثير السلبي الذي تركته فتنة بوحمارة على خزينة المغرب وماليته التي استنزفتها الحملات العسكرية؛ مما جعل السلطان يستعجل القبائل المغربية لمساعدته جبائيا و ماليا وبشريا.
واشتدت فتنة بوحمارة قوة وتمركزا في مناطق تازة مرورا بمدينة وجدة ونزولا بمنطقة الريف، حيث اتخذ بوحمارة قصبة سلوان التي بناها المولاي إسماعيل سنة 1678م عاصمة لحكمه، كما سيطر على قصبة فرخانة لحماية مصالح الإسپان بعد معركة سيدي ورياش سنة1894م.
وبعد أن تقربت قبائل قلعية والريف من بوحمارة الذي كان يدعي النسب الشريف والسلطة الشرعية ويتخذ الزهد والتصوف مطية لتخدير الناس، تفطن محمد الشريف أمزيان إلى مكره ودهائه ففضحه بين الناس وطالب الريفيين بمقاومته. بيد أن الريفيين في البداية لم يحركوا ساكنا ، بل ناصروه ونافحوا عنه وقربوه وصاهروه كالقائد البويفروري الحاج محمد بن شلال، فوجد بوحمارة مأمنه بين الريفيين ويقول جيرمان عياش في هذا الصدد بأن الريف الشرقي هو الذي وجد بوحمارة فيه” أنصاره الأشد تحمسا، وفيه وجد الموارد والرجال… وفيه تمكن من إنشاء قاعدة لمخزنه”.
وكان من نتائج هذا التحريض من قبل الشريف، أن اتجه بوحمارة بجيشه إلى أزغنغان للتخلص منه ، ولما لم يجده بمنزله، سرق كل محتوياته، وعاد خائبا إلى سلوان بعد أن علم بفرار الشريف إلى قبائل الريف للاحتماء بها. وبعد ذلك، قصد الشريف مليلية لاجئا، ولم يخرج من منفاه إلا بعد هزيمة العبد القائد المساعد الأيمن لبوحمارة في معركة إمزورن أمام المجاهدين الريفيين.
وإثر هذه الموقعة، شرع بوحمارة في الانتقام من كل القبائل المساندة للشريف والثأر كذلك من القبائل التي لا تريد الاستسلام لسلطته، فانتفض القلعيون والريفيون على الدعي المشعوذ بوحمارة، فواجهوه في 16 معركة ناهيك عن المناوشات الخاطفة، فكبدوه خسائر جسيمة في العتاد والأرواح.
وفي الأخير، حاصر محمد الشريف أمزيان قصبة سلوان من جميع الجهات، فاضطر بوحمارة لمغادرة عاصمته متوجها نحو ملوية وبعد ذلك إلى تازة، وهناك سيلتحم جنود بوحمارة في عدة معارك مع الجيش الحكومي إبان فترة حكم المولاي عبد الحفيظ الذي كان يقوده القائد المحنك الناجم الأخصاصي الذي سيهزم الفتان في عدة مواقع، وسيقبض على بوحمارة سنة 1909م ، ويسلمه للسلطان أسيرا مذلولا، و الذي سيأمر بسجنه لمدة 21 يوما ثم ينفذ فيه حكم القتل والإعدام في 12 شتنبر من نفس السنة.

ب‌-مقاومة الشريف أمزيان للمحتل الإسپاني:

بعد أن طرد محمد الشريف أمزيان الفتان بوحمارة من منطقة الريف بصفة عامة ومن سلوان بصفة خاصة، وحد القبائل القلعية والريفية لمواجهة المستعمر الأجنبي الذي كان يتمركز بمليلية بقيادة الحاكم العسكري الجنرال مارينا والذي كان يتأهب لاحتلال منطقة الريف لاستغلال مناجم الحديد بوكسان وإحرشاون. وفي هذا يقول الزعيم الوطني المغربي علال الفاسي:” وفي سنة تسع بعد تسعمائة وألف، جمع الإسبان بضواحي مليلية جيشا ذا ثلاث فرق وقرروا غزو الريف ، فانبرى لمقاومتهم بطل الريف الأول السيد محمد أمزيان،واشتد القتال بين الريفيين والإسبان مدة سنتين، تكبد فيها الإسپانيون خسائر كبيرة، يقدرها مؤرخوهم بعشرة آلاف قتيل، من بينهم الجنرال بنتوPINTOS ، والجنرال ڤيكاريو VICARIO. وقد أبلت قبيلة قلعية في هذه المواقع البلاء الحسن” .
ولما علمت إسپانيا بوجود الحديد في الناظور عن طريق مجموعة من الخبراء الجواسيس، وقّع بوحمارة على وثيقة الاستغلال وأخذ نصيبه المالي من ذلك. فقررت الحكومة الإسپانية مد السكة الحديدية من مليلية نحو جبل وكسان، بيد أن المجاهدين الريفيين رفضوا مد هذه السكة في أرض مغربية، فحاول الجنرال مارينا إغراء الشريف بأموال عدة، ولكن الشريف رفض بيع ولو شبر واحد من تلك الأرض.
وعلى الرغم من هذا الرفض الصريح، تعنت مارينا في موقفه الاستعماري، فأمر عماله ببناء الجسور والقناطر استعدادا لمواصلة مد السكة نحو المنجمين: وكسان وإحرشاون. فهاجم المجاهدون الغزاة وكبدوهم خسائر لابأس بها، واستغل مارينا الفرصة ليعلن الحرب على الشريف أمزيان، فتقدم بقوات ضخمة مستعملا في توغله المدافع والرشاشات والمناطيد والأسلحة الجهنمية المتطورة، وكان دوي المدافع يثير الرعب في نفوس السكان المحليين؛ مما اضطروا للهروب والاختباء في الكهوف والمخابئ والحفر.
وبلغ مارينا في هجومه إلى سيدي علي وتيمكارت، و تحصن جيشه بوضع أسلاك كهربائية استعدادا لمواصلة القتال بعد أن سيطر على مارتشيكا وقرية أركمان والجزر الجعفرية.
وبعد أن استنفر الشريف القبائل القلعية والريفية ، خرج بالمجاهدين لمواجهة المحتل الغاشم في معركة سيدي موسى، فكبد الغازي المحتل خسائر بشرية جمة مست حتى ذوي الرتب العسكرية السامية، وفي هذا يقول الحاج العربي الورياشي:” واستمر الحال هكذا إلى ليلة الحادي والعشرين من يوليوز سنة 1909م هاجم رجال قبائل الريف مراكز الإسپان بناحية سيدي موسى، حتى وصلوا في هجومهم إلى الأسلاك الشائكة التي من عادة الإسبان أنهم يحصنون بها مراكزهم الحربية، فكانت بين الفريقين معركة عنيفة قتل فيها من الإسبان ثلاثة وثلاثون جنديا، وجرح منهم واحد وستون.
وفي صبيحة واحد وعشرين يوليوز، استؤنف القتال فنتج عنه قتل ثلاثة وعشرين جنديا إسبانيا وجرح خمسة منهم، واستشهد من المجاهدين سبعة عشر رجلا.
وفي ثالث وعشرين يوليوز استأنف المجاهدون هجومهم بقيادة الشريف سيدي محمد أمزيان على مراكز الإسپان بناحية سيدي موسى، فكانت المعركة أعنف من سابقتها فنتج عن ذلك قتل ضابطين كبيرين من الإسبان أحدهما برتبة كلونيل وهو: بننسي أليرس كرر، والثاني برتبة اليوطنان كولونيل وهو:خنس أبينيس مرن، وجرح من الضباط ثمانية عشر وجميع من أصيب من الضباط بين قتيل وجريح ست وعشرون نفرا، وقتل من الجنود ستة وأربعون وجرح منهم مائتان وأربعة وثلاثون.”
وبعد هزيمة الجنرال مارينا في معركة سيدي موسى، أرسلت الحكومة الإسبانية جنرالا آخر يسمى بنتو Pinto على رأس جيش ضخم لسحق المقاومين الريفيين. بيد أنه سينهزم أمام القائد المقاوم الشريف أمزيان الذي اتبع حربا غير نظامية وسياسة حفر الخنادق والمخابئ واستعمال البنادق والسيوف والسلاح الأبيض في مجابهة جيش العدو المدجج بالأسلحة الجهنمية المتطورة، وكانت نهاية الجنرال القتل في معركة وادي الذئب ( إغزار ن ووشان) في السابع والعشرين من يوليوز 1909م.
وأسفرت المعركة الخالدة عن مقتل الجنرال بينتو قائد الجيش الإسباني” وخمسة من كبار الضباط بين كولونيلات واليوطنان كولونيلات واثني عشر ضابطا بين قبطان واليوطنان، وجرح ثمانية وثلاثين ضابطا من صغار الضباط.
كما قتل سبعمائة جندي، وهذا العدد المذكور، الذي أصيب في وادي الذيب ومعارك ناحية سيدي موسى جاءت إفادتها في بعض التواريخ الرسمية الإسبانية المسمى” إسبانيا في عهد أبطالها”، حسبما هو مذكور في العدد الثالث وما بعده من الأعداد” .
وبعد معركة وادي الذيب ببني أنصار، ستعقبها معركة أخرى بقبيلة بني شيكار سينتصر فيها المجاهدون وذلك في عشرين شتنبر 1909م تسمى بمعركة إجذياون التي ” تقدم إليها الإسپانيون من مليلية …بجيش يزيد عدده على أربعة آلاف جندي وضابط تحت قيادة الجنرال ألفاو، والجنرال طوبار، والجنرال موراليس، فاعترض طريقهم الشريف ومن معه من عناصر قبائل الريف، كبني سعيد وبني سيدال وبني بوغافر وغيرهم، وعدد المجاهدين في هذه الوقعة ألف وخمسمائة مجاهد، وهي الواجهة الحربية الشمالية، والتحم الريفيون مع الإسپان هناك في ملحمة عظيمة، أبلى فيها المجاهدون، خصوصا بني سعيد البلاء الحسن الذي لم يكن في حساب الإسپان، حتى أدى الحال إلى الاشتباك بالسلاح الأبيض، استمات فيها الإسبان ليزيلوا عنهم عار المعركة وادي الذيب، واستمات المغاربة دفاعا عن وطنهم، ولزوال هيبة أسلحة الإسپان، فإن المجاهدين حصلوا على أسلحة كثيرة غنموها من الإسپان في المعارك المتقدمة، وصاروا يقاتلونهم بها، وأخيرا تقهقر الجيش الإسپاني إلى الوراء، وجرح الجنرال موراليس، ولحقت الإسبان خسارة فادحة في الأرواح والعتاد الحربي.”
ولما علم مارينا أنه من الصعب القضاء على المقاومة الريفية بقيادة الشريف أمزيان، مادامت هذه المقاومة تتكئ على الوحدة الوطنية ووحدة الشعور الديني والوحدة القبلية، قرر اتباع سياسة ” فرق تسد”، فعمد إلى إغراء القبائل بدفع النقود وتقديم المساعدات لها في شكل رشاوى وإغراءات مادية ومالية وإدارية، فجند مارينا الكثير من الريفيين في سلك البوليس و والأعوان والجواسيس والمخبرين مقابل أجرة يومية (بسيطتان في اليوم) ، يسترزق بها هؤلاء الخونة عادمي الضمير وفاقدي الوازع الديني والأخلاقي، فاستسلم الريفيون لهذه الأطماع، فقبلت قبيلتا فرخانة وبني شيكار بسياسة المهادنة والخضوع للإسپان. ومن جهة أخرى، تهاونت القبائل الأخرى في تلبية نداء الجهاد، وتماطل الريفيون في ذلك وتقاعسوا، وعاد الورياغليون إلى مساكنهم لما علموا بخيانة الريفيين المنتمين إلى دائرة قلعية. وتراجعت شعبية الشريف أمزيان والتفاف الناس حوله . وفعلا، لقد نجحت سياسة ” فرق تسد ” التي اتبعها حاكم مليلية الجنرال مارينا، وهكذا ” أدرك الإسبان منذ الحرب التي فجرها ضدهم محمد أمزيان أن أخطر ما يهدد وجودهم في منطقة نفوذهم هي وحدة المقاومة الوطنية ضدهم. وظلت تلك هي القضية الرئيسية التي وجهوا إليها اهتمامهم طيلة الفترة من عام 1912 إلى عام 1919م. وطيلة هذه الفترة، كان شعار الإسپان هو” فرق تسد” ، فعملوا على توجيه القبائل بعضها ضد البعض الآخر، وقاموا بتجنيد الريفيين من المنطقة الشرقية ضد إخوانهم من جبالة في المنطقة الغربية، ونقلوا المجندين من جبالة إلى الريف للقيام بنفس العمل ضد الريفيين، وحاولوا طوال الوقت تعميق عوامل الانقسام والتفرقة بين سكان منطقة نفوذهم من خلال العداء المستحكم القائم على القتل والأخذ بالثأر والدفاع عن الشرف” .
وساعد تهاون الريفيين في أداء واجبهم الجهادي المستعمر المحتل لمد نفوذه في قرية أركمان وسهل بوعرگ واحتلال مرشيكا والسيطرة على مدينة الناظور ، واحتل جيش العدو هضبة تنيمرت القريبة من أفرا وقلعة سلوان واقتربوا من قبيلة بني بويفرور بجيش يقدر بــ17 ألفا ومعه أربع وأربعون مدفعا من مختلف العيارات يشرف عليه الجنرال طوبار والجنرال ألفاو والجنرال موراليس والجنرال أگلير والكولونيل أرندو بصحبة قائدهم الأعلى الجنرال مارينا حاكم مليلية.
وعندما أراد الجيش الإسباني التقدم نحو أزغنغان لاحتلال مناجم وكسان بقيادة الجنرال طوبار والجنرال ألفاو والجنرال ڤكاريو لقي هزيمة شنعاء في معركة جبل بنرزوف فوق سلوان. وأسفرت المعركة عن فرار الجنرالين ألفاو وطوبار ومقتل الجنرال ڤكاريو وموت القبطان ريبوي، وكان لهذا القبطان يد من المعدن الأبيض ولتلك اليد أصابع موجودة إلى حد الآن في متحف دار الآثار العسكري .
وتشبه هذه المعركة وقعة وادي الذئب” فاغتم الإسپانيون لهذا الحادث؛ لأنه قتل وجرح فيها عدد كثير منهم. وبالجملة، فإن هذه المعركة الخالدة كانت عظيمة على الإسبان …. وإن الإسبان لما فروا تركوا وراءهم عددا من العربات مملوءة بالموتى والجرحى. وكان القائد الأعلى للجيش الإسپاني الجنرال مرينا في ذلك اليوم فوق رأس جبل بوغنجاين، ومنه كان يصدر أوامره إلى الجنرالات المذكورين الذين كانوا في المعمعة الحربية. بيد أن هذا الانتصار لم يفد شيئا، لأن العدو احتل معاقل المجاهدين وهي الجبال المنيعة جبال سيدي أحمد الحاج، وتازوطا” .
وبعد ذلك ، احتل الجيش الإسباني أزرو همار وأزغنغان وجبل وكسان وتوغل في الريف حتى وصل وادي كرت، وكان يعتمد في توغله على البوليس والجنود الريفيين الذين أرعبوا إخوانهم في اللغة والملة وأكثروا فيهم الظلم و الفساد.
وفي تلك الفترة ، كان الشريف أمزيان يستنهض همم الريفيين من قبائل بني السعيد وبني ورياغل وبني توزين وتمسمان وبني وليشك وبني بوغافر وغيرها لمواجهة العدو المحتل. ولما علم الإسپان بمساعدة الريفيين للشريف أمزيان في حربه ضد العدو الغازي، أبحر الجنرال لوكي إلى مليلية وبعد ذلك اتجه نحو قبائل بني ورياغل قصد الانتقام منهم ، لكن الريفيين تصدوا له بالنار فرجع الأسطول خائبا إلى عقر داره. فأسس الشريف معسكرا للمجاهدين ببني سعيد ألا وهو” باجنادة” أي رباط المجاهدين.
و في السابع والعشرين من دجنبر سنة إحدى عشرة وتسعمائة وألف، وصل رجال قبائل الريف من بني ورياغل وأگزناية وبقيوة وبني يطفت وبني بوفراح وبني عمارت وتمسمان وبني توزين وغيرهم إلى أجنادة، المركز الجديد بجبل بني سعيد، …وقد وصل عدد المجاهدين في هذه الحملة اثني عشر ألف مقاتلـ،، وعبر بهم الشريف وادي كرت واحتل قرية إزرورا بقبيلة بني بوغافر التي التحم فيها المجاهدون مع جيش الإسپان وانتصر عليهم الريفيون انتصارا باهرا.
وأسفرت المعركة على قتل مجموعة من الضباط العسكريين” كالكولونيل أسبيو واليوطنا كلونيل سانث والقبطان منويل ترزس والقبطان أنطونيو مينديز والقبطان إخوان الرويس، والقبطان مثيوس إليپيه ، وجماعة من صغار الضباط، وجرح الجنرال سلباريو جرحا بليغا مات بعده، وقتل من ضباط الجيش الإسباني عدد آخر، سوى من ذكر، وأما القتلى والجرحى من الجنود فعددهم مرتفع جدا. كما قتل وجرح من المجاهدين عدد كبير، وبالجملة، فمعركة إزرورا معركة هائلة.
وبعد مدة وقع تبادل الأسرى، ومن كان بيد الإسبان من أسرى المسلمين بين المجاهدين والإسبان ” .
وبعد معركة إزرورا، دخل المجاهدون في عدة اشتباكات مع الكولونيل دي ريڤيرا في وادي كرت، وأسفرت المعركة عن انكسار رجل الكولونيل ، كما قتل الجنرال سلبادور أديزا ردنيير في مركز إزحافان وإمعروفان وذلك في 14 أكتوبر1911م.
وقد واصل المحتل توغله في الشمال الشرقي باحتلال زايو إلى أن وصل وادي ملوية الذي يفصل بين النفوذ الفرنسي والنفوذ الإسپاني. واحتل كذلك في سنة 1912م جبل العروي وقبيلة بني بويحيى. وقد جاء في العدد الثامن من مجلة” إسپانيا في عهد أبطالها ” صحيفة 249 وما بعدها ماحاصله: إن الإسبانيين جهزوا جيشا من البوليس، والأهالي زيادة عن جيشهم النظامي بقيادة الحاكم العسكري لمدينة مليلية الجنرال كارسيا ألدابي ( Carcia Aldave) وتوجهوا إلى هضبة العروي بقبيلة بني بويحيى واحتلوها ولم يلاقوا في احتلالها مقاومة شديدة سوى مناوشات نتج عنها قتل الضابط برتبة اليوتنان كان قائدا المفرقة التي كانت تقاتل بالمدافع الرشاشة يسمى موراليس ( Morales) الخ.
وامتدت جهات القتال من البحر الأبيض إلى وادي ملوية، مساحتها نحو مائة كيلومترات.
ويسمع دائما في جميع هذه الجهات ليلا ونهارا دوي المدافع وأصوات البنادق.
وبينما المجاهدون يسيطرون على الموقف، ومراكز العدو، ومن جملتها مدينة مليلية مهددة بالخطر إذا بحادث مؤلم يحدث فجأة.” وهذا الحادث الخطير هو استشهاد القائد المجاهد الشريف محمد أمزيان مع جماعة من أتباعه المجاهدين في بني سيدال في 15 ماي 1912م. و قد كان وراء مقتله إخوانه من الريفيين الذين كان يثق فيهم الشريف ثقة عمياء، فباعوه خيانة وغدرا للجيش الإسپاني الذي حاصره في مسجد بالمدشر الذي يسمى حجرة على قرب كدية حامد ببني سيدال.
وبعدما أخذ إلى مستشفى بمليلية للتأكد من هويته وصحة موته، وقف أمام نعشه مجموعة من الإسپانيين ذكورا وإناثا احتراما له وإجلالا بسبب غيرته على دينه ووفائه لوطنه ، ونقلوه إلى أزغنغان ليدفن في مقبرة جده سيدي أحمد بن عبد السلام.

4-نتائج مقاومة محمد أشريف أمزيان:

أ- نتائج المقاومة داخل المغرب:

من أهم نتائج مقاومة محمد الشريف أمزيان داخل المغرب طرد بوحمارة من منطقة الريف والمساهمة في تضعضع جيشه الذي كبده الشريف خسائر عدة في الأرواح والعتاد، وسهل على الجيش الحكومي الانقضاض عليه بسرعة وأسر الفتان بوحمارة.
ومن النتائج الأخرى، مقاومة الشريف للمحتل الإسباني والوقوف في وجهه ثلاث سنوات، لذا، فقد أخره زمنيا فلم يستكمل قبضته الكاملة على قبائل قلعية وقبائل الريف إلا بعد استشهاد الشريف. وما أن استراح الإسپان من مقاتلة المقاوم الشريف أمزيان حتى دخل في حرب ثانية مع بطل الريف الثاني محمد عبد الكريم الخطابي الذي كبد الجيش الغازي خسائر هائلة بشرية ومادية ومالية في عدة معارك ولاسيما المعركة الخالدة التي تسمى بمعركة أنوال سنة 1921م .
وعلى الرغم من بسالة مقاومة الشريف أمزيان وتأثيرها السلبي على الرأي العام الإسباني محليا ومركزيا، فإن المخزن المغربي لم يقدر مقاومة الشريف في عهد المولاي عبد الحفيظ بسبب ضعف الدولة أمام ضغوطات الدول الرأسمالية الاستعمارية ؛ مما جعل السلطان يرسل إلى الريف القائد البشير بن سفاح في 25 أكتوبر 1909م ليتوسط بين حكام مليلية وزعماء قبائل الريف لوضع حد لتلك الحروب التي كانت بين الجانبين.
ولكن التقدير الحقيقي سيكون من قبل الملك المغفور له محمد الخامس الذي أشاد كثيرا بمقاومة محمد الشريف أمزيان واعتبره بطل الريف الأول، كما أشاد أيضا الملك الحسن الثاني وابنه الملك محمد السادس بمقاومة الشريف أمزيان وببطولته الخارقة، وأثنيا كذلك على أسرة المجاهد في أزغنغان ، ومنحا لها كل العون الجدير بها، وقدما أيضا جميع أنواع المساعدات المعنوية والمادية والمالية التي تستحقها.

ت‌-نتائج المقاومة داخل إسبانيا:

ولكن أخطر هذه النتائج هو التأثير السلبي لهزائم جيش الاحتلال على الرأي الدولي بصفة عامة والرأي الإسباني بصفة خاصة، بعد هزيمة المحتل في معركة سيدي موسى، وفي هذا يقول المؤرخ الحاج العربي الورياشي:” وبعدما وصلت أنباء هذه الخسائر التي لحقت بالجيش الإسپاني في ناحية سيدي موسى إلى إسبانيا اندهش الإسبانيون لسماعها ودخلهم فزع عظيم، وصارت حكومتهم تفكر في شخصية قوية إسبانية تستطيع القضاء على مقاومة المغاربة الريفيين، فوقعت أنظارها على القائد الشهير الفارس الشجاع الجنرال بينتو، فأرسلته على رأس جيش قوي منتخب من ناحيتي برشلونة ومدريد،فأبحر بجيشه إلى مليلية فوصلها في السادس والعشرين من يوليوز سنة 1909م.”
ومن المعارك التي أثرت سلبا على الرأي الإسباني المحلي بمدينة مليلية والرأي المركزي ( مدريد وبرشلونة) واغتموا لها كثيرا معركة وادي الذئب ببني أنصار ووقعة جبل بنزروف بسلوان ناهيك عن معارك أخرى كمعركة إزرورا ومعركة إجذياون ومعركة وادي كرت ومعركة إزحافان وإمعروفان.
ولما فشلت إسبانيا في مواجهة مقاومة الشريف أمزيان ، شرعت تلصق التهم بحليفتها فرنسا المنافسة لها في احتلال المغرب ، وبعد ذلك بدأت تتهم كلا من تركيا وألمانيا على دعمها للريفيين بالأسلحة والمؤن العسكرية.
واتخذت هذه الخسائر الحربية داخل إسبانيا طابعا مركزيا ووطنيا، و أسفر عنها ازدياد المعارضة الشعبية داخل إسپانيا التي اعتبرت ذهاب الجيش إلى الريف المغربي ليس بنزهة أو حملة تمشيطية يقوم بها البوليس أو الشرطة أو الجنود كما قيل لهم ، وإنما هي حرب حقيقية ضروس أزهقت أرواح الكثير من الجنود الإسپان. لذا تخوف الشعب الإسپاني من استمرار هذه الحرب التي كلفت الدولة الكثير من الأموال والبشر. فانتفض الشعب في برشلونة من يوم 25 إلى 31 يوليوز من سنة 1909م، وسمي هذا الأسبوع بأسبوع المأساة أو التراجيديا La semana tragica de Barcelona.
وصارت إسپانيا الإمبريالية تظهر بصورة مشوهة داخل البلد وخارجه :” إذ أصبحت مولد الطغاة الكبار، ومولد كبريات جرائم حرب المغرب لسنة 1909م، لأن المغرب تحول إلى مقبرة للآلاف من أبناء هذا الشعب الغافل، حيث انتزعوا من مساكنهم ليقتادوا إلى المذابح”.
وأثرت هذه الحرب كذلك على الموقع السياسي للوزير أنطونيو مورا، وساهمت في اندلاع ثورات شعبية بدأت تشكك في النظام الرأسمالي الإسپاني والنظام السياسي الحاكم:” ومن انعكاسات هذه الانتفاضة الدامية انتقالها كالعدوى إلى مختلف المدن الإسپانية، حيث حرضت الأحزاب الاشتراكية والتقدمية الرأي العام الإسپاني ضد الحرب ودعته لمعارضتها والوقوف في وجه الرأسماليين الإسپان. فترتب عن نجاح هذه الانتفاضة أن أصبح النظام الإسپاني في خطر، ولاسيما ممثله أنطونيو مورا (Antonio Maura )، كما أنه أمام قوة الانتفاضات وأمام بشاعة حرب المغرب، التي كانت تصل أخبارها إلى الرأي العام، أجبر وزير الداخلية الإسپاني لاثييربا (La Cierva ) إلى إعلان الرقابة على كل أنباء الحرب الآتية من المغرب، كما أجبر على إلغاء كل الضمانات الدستورية وقطع الاتصالات الهاتفية والتلغرافية مع المغرب، حتى أصبحت برشلونة عمليا منعزلة عن العالم هذا إضافة إلى إعلان حالة الطوارئ التي سمحت للجيش بالتدخل في الأحداث.”
وتنامت الروح الثورية لدى الطبقة البروليتارية الإسبانية التي نادت بالثورة الجمهورية عبر الشعارات الراديكالية التي رفعتها في برشلونة بواسطة الإضراب العام الذي حقق نجاحا جماهيريا ملموسا مع التنديد بالطبقة الرأسمالية المعدنية وتحدي الملكية التي كان يمثلها ألفونسو13. وانتهت هذه الثورة التي تزعمها فرانسيسكو فيريرFrancisco Ferrer بإعدامه رميا بالرصاص.
واتهم الرأي العام الإسپاني القيادات العسكرية العليا بأنها:” هي التي خلقت ظروف هذه الحرب من أجل الترقي في التراتبية العسكرية، علما بأن كل حرب تتطلب أموالا طائلة، وأن الشعب الإسپاني كان في أمس الحاجة إليها”.
ومن نتائج المقاومة الريفية سقوط حكومة أنطونيو مورا، وعوضت بالحكومة الليبرالية لسيخيموندو موريت ( Segismundo Moret) في 21 أكتوبر من سنة 1909م، واستقالت هذه الحكومة بدورها في 9 فبراير 1910 لتعوض بحكومة بديلة يقودها خوصي كاناليخاس José Canalejas )).
وانشغل البرلمان الإسباني بقضية الريف وبالضبط في جلسات يوليوز من سنة 1910م؛ لكون هذه القضية المصيرية أصبحت تؤرق الرأي العام الإسباني وكذا حكام مدريد ورجال السياسة والإعلام، وبدأ البرلمانيون وزعماء الأحزاب السياسية ينصحون الحكومة بالتخلي عن مشروعها الإمبريالي .
و قام الملك ألفونسو 13 بزيارة لمنطقة الريف مرفوقا بوزير الحكومة كاناليخاس ووزير الحربية أثنار Aznar ووزير البحرية أرياس دي ميراندا Arias de Miranda ، وكان الهدف من هذه الزيارة تقديم الدعم المعنوي والنفسي للقوات الإسبانية الموجودة في جبهات القتال.

ث‌-نتائج المقاومة على مستوى مدينة مليلية:

سببت الخسائر المتكررة التي عرفتها القوات العسكرية الإسبانية في استقالة الجنرال خوصي مارينا José Marina حاكم مليلية بسبب خلافات جوهرية عويصة مع الحكومة المركزية وعدم تنفيذه للقرارات والأوامر العسكرية الصادرة من العاصمة ، وعدم نجاحه في درء الخسائر والهزائم المتكررة التي لحقت الجيش الإسپاني في منطقة الريف أمام قوات الشريف محمد أمزيان.
أما تأثير هذه المعارك على مدينة مليلية فكان على العموم مأساويا ، إذ ” عمت حالات الرعب والاستياء بها بسبب القضاء على جيش قاعدتها العسكرية خلال شهر يوليوز 1909م، وعاشت العائلات الإسپانية بها مآتم بسبب كثرة القتلى وتفشي أوبئة داخل المدينة، لاسيما التيفوييد ( حمى تيفة) والتيفوس( الحمى الصفراء)،فأجبرت السلطات الصحية بمدريد على إرسال بعثات طبية إلى مليلية للسهر على التنظيم الصحي المحكم بالمخيمات العسكرية”.

خاتمـــــة:
ونستنتج من خلال هذا العرض أن القائد المجاهد محمد الشريف أمزيان من أهم أبطال المقاومة الأمازيغية المغربية، فقد كرس كل جهوده لمحاربة الفتان بوحمارة الذي أراد تحويل منطقة الريف إلى منطقة السيبة والنهب والغصب، بيد أن الشريف طرده من الريف مذلولا مخزيا. كما حارب الشريف أمزيان من جهة ثانية القوات الإسپانية الغازية التي كانت تستهدف استغلال مناجم أزغنغان وأفرا لتصدير حديدهما إلى إسپانيا لتحريك دواليب الاقتصاد وتطوير الصناعة المدنية والعسكرية. وقد كبد الشريف القوات الغازية عشرة آلاف قتيل حسب الإحصائيات الإسبانية الرسمية ناهيك عن الخسائر المادية والمالية ومقتل بعض الجنرالات خاصة الجنرال بنتو والجنرال ڤكاريو دون ذكر الكثير من القتلى العسكريين ذوي الرتب السامية في الجيش الإسپاني.
ومن أهم نتائج مقاومة الشريف أمزيان طرد بوحمارة من منطقة الريف أولا ومن سلوان ثانيا والمساهمة في التعجيل للقضاء عليه نهائيا من قبل الجيش الحكومي الحفيظي علي يد القائد الناجم بن مسعود بن مبارك الأخصاصي القائد المشهور ، وتأخير تغلغل الإسپان في منطقة الريف لمدة ثلاث سنوات من سنة 1909م إلى سنة 1912م، ليواصل عبد الكريم الخطابي بطل الريف الثاني بعد ذلك حرب الجهاد ضد الإسپان في بني ورياغل وقبائل الريف المجاورة.

ملاحظـــة:
جميل حمداوي، صندوق البريد 5021 أولاد ميمون، الناظور، المغرب.
jamilhamdaoui@yahoo.fr
www.jamilhamdaoui.net

الهوامش:

– رشيد يشوتي: ( بعض الخصوصيات والنتائج التي حققتها مقاومة قبائل قلعية للتوغل الإسباني بالريف الشرقي في بداية القرن العشرين)،المقاومة المغربية عبر التاريخ أو مغرب المقاومات، الجزء الأول، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، الرباط، الطبعة الأولى سنة 2005م، ص:183م، الهامش؛
– علال الخديمي: التدخل الأجنبي والمقاومة بالمغرب، صص:58-59؛
– جرمان عياش: أصول حرب الريف، ترجمة محمد الأمين البزاز وعبد العزيز التمسماني خلوق، نشر SMER ، الدار البيضاء، 1992م ص:129؛
– علال الفاسي: الحركات الاستقلالية، ص:106؛
– الحاج العربي الورياشي: الكشف والبيان عن سيرة بطل الريف الأول سيدي محمد أمزيان ، المطبعة المهدية، تطوان، الطبعة الأولى سنة 1976م، ص:122-123؛
– الحاج العربي الورياشي: الكشف والبيان عن سيرة بطل الريف الأول سيدي محمد أمزيان ، المطبعة المهدية، تطوان، الطبعة الأولى سنة 1976م، ص:126؛
– الحاج العربي الورياشي: نفس المرجع، ص:129؛
– عثمان بناني: ( حول المقاومة المغربية للاستعمار الإسباني 1912-1926م)، مجلة أبعاد فكرية، المغرب، العدد الأول، السنة الأولى،يناير 1989م، ص:52؛
– الحاج العربي الورياشي: نفس المرجع، ص:135؛
– الحاج العربي الورياشي: نفس المرجع، ص:141؛
– الحاج العربي الورياشي: نفس المرجع، ص:143؛
– الحاج العربي الورياشي: نفس المرجع السابق، ص: 150
– الحاج العربي الورياشي: نفسه، ص:123؛
– Madariaga Maria De Rosa: España y el Rif, cronica de una historia casi olvidada.ED UNED.Melilla 1999, p:390.D’après le Boletin oficial de la zona de protectorado español en Marrueccos, 1916.Année4, p:1008;
– Emile Temime y otros: Historia de la España contemporànea desde 1808 hasta nuestros dias.Ed, Ariel.Barcelone 1989.3eme édition.Traduction, Albert Carreras.P:208;
– نقلا عن رشيد اليشوتي: نفس المقال، ص:187؛
– رشيد اليشوتي: نفس المقال، ص:188؛
– رشيد اليشوتي: نفس المقال، ص:191؛
– رشيد اليشوتي: نفس المقال، ص:191؛
– رشيد يشوتي: نفس المقال، ص:186.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal