img17.jpg

على مسؤوليتي – يعيش الذل العربي !

“سقطتْ غرناطةٌ/-للمرّةِ الخمسينَ – من أيدي العربْ./سقطَ التاريخُ من أيدي العربْ./سقطتْ أعمدةُ الروحِ، وأفخاذُ القبيلهْ./ سقطتْ كلُّ مواويلِ البطولهْ./ سقطتْ إشبيليهْ.. /سقطتْ أنطاكيهْ../سقطتْ حطّينُ من غيرِ قتالٍ../سقطتْ عموريَهْ../ سقطتْ مريمُ في أيدي الميليشياتِ/ فما من رجلٍ ينقذُ الرمزَ السماويَّ/ ولا ثمَّ الرجولهْ.” نزار قباني، قصيدة المهرولون، أكتوبر 1995.
عرفت دولة لبنان خلال صيف 2006 أمطارا صيفية غزيرة في شكل عدوان إسرائيلي على أراضيها على خلفية أسر حركة المقاومة اللبنانية المتمثلة في حزب الله لجنديين إسرائيليين قصد مبادلتهما فيما بعد بأسرى لبنانيين قابعين في السجون والمعتقلات الإسرائيلية منذ سنين عديدة، وفي طليعتهم سمير القنطار الذي يعتبر عميد الأسرى اللبنانيين، مع العلم أن هذه الحملة الإسرائيلية على لبنان- وحسب ما بينته الصحافة الإسرائيلية نفسها- كان مخططا لها منذ مدة وكان محتملا أن تنطلق في شهر أكتوبر أو نونبر على أبعد تقدير. وبغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع حزب الله ذي التوجه الشيعي والذي يترأسه حسن نصر الله، وبغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا كذلك مع دولة إسرائيل التي يعتبرها العديدون واحة للديمقراطية في الشرق الأوسط فيما يتعلق بسياستها الداخلية وفي التعامل مع مواطنيها، وليس فيما يتعلق بتعاملها مع جيرانها… فإن ما أوقعته الألية العسكرية والحربية الإسرائلية من مجازر بلبان في قانا والقاع والضاحية الجنوبية من بيروت وبعلبك وصور وغيرها من المناطق اللبنانية بما في ذلك من قتل بشع للمدنيين الأبرياء أطفالا كانوا أو نساء أو شيوخا، وتدمير للبنى التحتية من مدارس وجسور ومستشفيات ومراكز الكهرباء والاتصالات، وتشريد للعائلات اللبنانية الفقيرة والبئيسة التي لم يكن بمقدورها من الناحية المادية السفر إلى الخارج ومغادرة البلاد هربا من ويلات هذه الحرب التي أتت على الأخضر واليابس، يجعلني من موقعي المتواضع كناشط وحقوقي أمازيغي أعلن تضامني التام واللامشروط مع شعب لبنان في هذه المحنة التي مرت به. بكل بساطة لأن صيحة الضمير الإنساني تفرض ذلك أولا، كما أن ثقافتي الأمازيغية في جانبها الإنساني تفرض علي أن أقف ضد الظلم وأتضامن مع المظلومين الذين لا سند ولا مناصر لهم ثانيا، كما أن المرجعية الدولية لحقوق الإنسان التي أتبناها بكل ترسانتها من المفاهيم والمواثيق والمعاهدات والإعلانات الدولية تفرض علي القول بأن ما وقع في لبنان هو بالواضح جرائم حرب تتنافى مع القانون الدولي الإنساني، ولذلك فإن هذه المرجعية المشار إليها تلزمني أن أعلن تضامني ثالثا.
إن ما وقع في لبنان وما واكبه من تطورات وتحركات ومواقف وتحولات يجب أن يكون بالنسبة للعالم ككل فرصة ثمينة وذهبية لاكتساب الدروس واستخلاص العبر المهمة. ولكل واحد الحق والحرية في استنتاج هذه الدروس والعبر من الزاوية التي يريد.
إن السؤال الذي أرقني وقض مضجعي- كمغربي وأمازيغي- إبان هذه الأزمة اللبنانية مع الاحترام الكامل لكل دماء الأبرياء التي أسيلت أثناءها، أبرياء لا ذنب ولا ناقة ولا جمل لهم في هذه الحرب، هو كالتالي: ما هي بعض الدروس المستفادة من هذه الحرب والتي يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي على التوجه المستقبلي لبلدي المغرب ؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، أرى من الضرورة بمكان إبراز مجموعة من المعطيات البنائية للجواب على السؤال المطروح والتي أظهرتها هذه الحرب، هذه المعطيات أتمنى أن تأخذ ولو القليل من التفكير والتأمل العميقين ليس فقط لدى كل أمازيغي أو كل مغربي، بل لدى كل إنسان تحضنه تربة تامازغا في موريطانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر, ولدى كل إنسان حر بالعالم أجمع.
لقد انطلقت الحرب على لبنان- الذي يعتبر بلدا عربيا بل وعضوا في الجامعة العربية- وسط صمت وتواطؤ رسمي عربي واضح، بل إن السيد حسن نصر الله- الأمين العام لحزب الله- اعتبر في إحدى خطبه المواكبة للحرب أن الموقف العربي من هذه الأزمة ساهم في إطالة مدتها، وبالتالي ارتكاب مزيد من المجازر وسقوط المزيد من الضحايا الذين لا ذنب ولا مسؤولية لهم كما أسلفت، وقال أيضا أن هناك غطاء عربيا للحملة الإسرائيلية على دولة لبنان تمثل بالدرجة الأولى في الصمت الرسمي للحكام والمسؤولين والأنظمة العربية طيلة أيام هذه الأزمة. كما أن أحد المسؤولين الكبار في دولة قطر، وحسب ما تناقلته وكالات الأنباء، قال أن إسرائيل أخذت الضوء الأخضر للهجوم على لبنان من عند بعض الدول “الوازنة” و “المؤثرة” في منطقة الشرق الأوسط وأساسا منها مصر والسعودية وذلك في رد على وزير خارجية السعودية لما قال بأن القنابل الذكية التي تطلقها طائرات ف16 الحربية الإسرائيلية على لبنان إنما يتم شحنها من إحدى القواعد العسكرية الأمريكية المتواجدة في قطر. هذا هو المعطى الأول الذي ينبغي أخذه بعين الاعتبار.
المعطى الثاني يتمثل في أن السيد حسن نصر الله، الذي لم يقم إخوانه العرب الرسميون الذين يتوفرون على الجيوش النظامية والأسلحة المختلفة الأنواع والأشكال في مواجهة أعتى قوة عسكرية بالمنطقة والتي تحمل قواتها العسكرية شعار الجيش الذي لا يقهر، تبرأ فعلا بشكل كلي وعلني صريح من العرب قائلا لهم في تصريحات نقلتها ورددتها القنوات الفضائية الإخبارية أكثر من مرة بأنه لا يريد سيوف العرب ولا يريد حتى قلوبهم، بل إنه خاطبهم قائلا لهم بأنهم لا شأن لهم بهم.
أما المعطى الثالث فيتجسد في أن العالم غير العربي برمته تحرك في مسيرات مليونية حاشدة مناهضة لهذه الحرب على لبنان ومنددة بها ومتضامنة مع الشعب اللبناني بما في ذلك داخل إسرائيل مع حركة دعاة السلام داخلها، باستثناء الدول التي يطلق عليها مجازا وجزافا الدول العربية. أما ما وقع في هذا الجانب التضامني فمما يندى له الجبين، فإذا كان النائب البريطاني الشهير جورج كالاوي هو ورفاقه في تحالف “أوقفوا الحرب” قد قاد الحملات المناهضة للحرب، وإذا كان البابا بينيديكت السادس عشر، بابا الفاتيكان، قد دعا إلى إيقاف الحرب مناديا المسيحيين عبر العالم إلى الصلاة من أجل ذلك، وإذا كان الرئيس الفينزويلي هوكو تشافيز قد عبر في خطاب رسمي عن تضامنه مع لبنان معلنا سحب سفير بلاده المعتمد في تل أبيب، وإذا كان الناس قد خرجوا تضامنا في إيران وباكستان وباريس وإسطمبول وغيرها. وإذا كان منطلق كل هذا الزخم العالمي من التضامن والمساندة هو منطلق إنساني محض لا علاقة له بالعرق العربي أو التضامن العربي كما تعلمنا في مدارسنا وكما مللنا من سماعه في إذاعات وتلفزات وخطب العرب الرسميين، فماذا فعل هؤلاء العرب حقيقة حتى في هذا الجانب التضامني البسيط الذي لا يستدعي لا حشدا للجيوش ولا إشهارا للأسلحة ؟
لقد قام حكام العرب بمنع شعوبهم من إبداء مشاعر التضامن مع الشعب اللبناني، وكل فرد تجرأ على ذلك فإنه لن يسلم من التطبيق الحرفي والدقيق لمقتضيات قوانين الطوارئ والتجمع والتجمهر غير المرخص بهما وغيرها من قوانين العرب المجحفة الجاهزة والمنافية للحقوق والحريات الإنسانية في أبسط تجلياتها. ولذلك نجد أن السلطات الأردنية مثلا قامت بالاعتداء على مجموعة من المثقفين الأردنيين وفي طليعتهم الكاتب والصحفي إبراهيم علوش لما نظموا وقفة احتجاجية أمام السفارة الإسرائيلية في العاصمة عمان، وأن السلطات المصرية قامت بمحاصرة المتظاهرين لأكثر من مرة في باحات ساحة جامع الأزهر أثناء صلاة الجمعة حتى لا تخرج المظاهرات إلى الشارع العام فتكتسب مزيدا من المناصرين، وقامت سلطات السعودية باستعمال القوة والعنف لتفريق شيعة سعوديين اعتزموا التضامن السلمي مع حزب الله. وأكثر من ذلك، استنفرت السعودية فقهاءها “الأجلاء جدا” واستصدرت منهم فتوى شرعية تقول بأن التضامن مع حزب الله حرام في حرام. ما شاء الله !
أما المعطى الرابع فيتمثل في أنه منذ اللحظات الأولى لاندلاع هذه الأزمة، كانت مجموعة من الدول تتحرك على الصعيد الدولي من أجل استصدار قرار عاجل من مجلس الأمن قصد وقف إطلاق النار حماية لحياة المدنيين، والعجب العجاب أن هذه الدول التي تحركت لأجل ذلك ليست عربية. ونجد هنا أن فرنسا قامت بجهد حثيث من أجل إيقاف العمليات العسكرية إضافة إلى الاتحاد الأروبي، وظهر الرئيس جاك شيراك هو ووزيره في الخارجية دوستوبلازي وممثل السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا على شاشات التلفاز داعين إلى التعجيل بوقف الأزمة أكثر مما ظهر عليها الحكام العرب. بل حتى أن المؤتمر التي عقد من أجل ذلك انعقد في روما ولم ينعقد مثلا في القاهرة أو شرم الشيخ أو الدوحة أو الرياض أو عمان أو صنعاء أو غيرها من عواصم العريبان ! بل إن العرب الرسميين فشلوا حتى في جمع شتات جامعتهم العربية لعقد قمة طارئة، لا بل إن قصة الإعداد ثم الفشل فيما بعد مثيرة للشفقة فعلا أكثر مما هي مثيرة للسخرية، والخبر اليقين موجود عند العبد الله الصالح !
أما بعد، فماذا يستفاد من كل هذه المعطيات ؟
1- الأزمة التي عرفها لبنان – وهو بلد عربي مؤسس للجامعة العربية وهو عضو بها وهو البلد الأصلي لمجموعة من “الرواد” الذين نظروا لحركة القومية العربية وشكلوا عمودها الفقري فكريا من قبيل: شكيب أرسلان وميشيل عفلق وغيرهما- تؤكد بالملموس أن العرب الرسميين مشروع حقيقي للفشل وعاجزون عن مواجهة من هم أقوياء منهم. ولا يستعرضون عضلاتهم إلا حين يقمعون الأقليات والشعوب المتعايشة معهم مثل الأكراد والأمازيغيين بشتى أنواع القمع المادي الرمزي والتضييق عليهم بعدم منحهم حقوقهم في السيادة والتعليم والإعلام والشغل والقوانين…كما أن هذه الأزمة، فضلا عن أزمتي فلسطين والعراق وغدا ربما سوريا، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هناك نوعا من الذل والإذلال وغياب الكرامة يترسخ مع العرب الرسميين ويجعل الفرد الذي يرتبط بهم ذليلا وعديم الكرامة وعبدا مملوكا لا يستطيع اتخاذ القرار تماما كما هي الأنظمة والحكومات العربية تابعة لسيدها جورج بوش. وربما هذه من الأشياء التي حدت منذ أكثر من عقد بالشاعر الكبير نزار قباني أن يكتب قصيدته المعروفة: ” متى يعلنون وفاة العرب”، وحدت بالزعيم الشيعي حسن نصر الله أن يتبرأ مؤخرا من العرب جملة وتفصيلا.
فلماذا إذن، في ظل هذه الحالة المزرية التي يعيشها العرب، يختار بلدي المغرب الاصطفاف والانتماء إلى جانب هؤلاء الفاشلين داخليا وخارجيا ؟ أيريد أن يكون بدوره تابعا غير ذي إرادة ؟ لماذا لا يشكل بلدي المغرب وبلدان تامازغا عامة قطيعة مع الإيديولوجيا العربية التي أثبتت فشلها على أكثر من صعيد ويعلن صراحة ومن غير تردد اعتماده وتبنيه للانتماء الأمازيغي هوياتيا وحضاريا وواقعيا لأنه النقيض لانتماء الوهم العربي, لأن الانتماء الأمازيغي هو مشروع يتوجه للمستقبل في حين أن نقيضه مشروع لترسيخ الفشل وبالتالي التقهقر إلى الوراء ؟
2- إن ما عاشه لبنان في هذا الصيف ووقوفه وحيدا في مواجهة إسرائيل – التي يعتبرها كل العرب عدوا لهم لكن على المستوى الشفوي ليس إلا- أثبت بالواقع الملموس أن العرب الرسميين لا ينبغي أن نعول عليهم، لأنهم سيخذلونك لا محالة، وأنهم لن ينجدوك ولن ينقذوك من أية أزمة ولن يتضامنوا معك حتى، وأن ما يسمى الوحدة العربية ما هي إلا وهم حقيقي لن يتحقق أبدا، وأن ما يسمى باتفاقية الدفاع العربي المشترك التي وقعها الحكام العرب وتقتضي الدفاع عن أية دولة عربية تتعرض لعدوان خارجي لا أساس لها من التفعيل والتطبيق, وأن ما يسمى بالقمم واللقاءات العربية التي تصرف عليها مبالغ مالية خيالية ما هي إلا لقاءات لتبديد أموال الشعوب وربطها برهانات وتحديات هي في أصلها فاشلة. وأن ما يسمى بأغنية الحلم العربي التي يترنم بها أطفالنا وشبابنا في المدارس وأنشطة الجمعيات وفي المخيمات الصيفية ودور الشباب ما هو في الحقيقة إلا كابوس عربي كما أكدت الوقائع في لبنان!
فلماذا إذن يرهن بلدي المغرب مستقبل شعبه بأكمله برهانات عروبية فاشلة ومبنية على الوهم ؟ ولماذا لا ينسحب بلدي المغرب من جامعة الوهم هاته، الجامعة العربية، ويخصص بالتالي المبالغ المالية الطائلة التي تصرف سواء للانخراط السنوي فيها وفي منظماتها الموازية وما أكثرها وسواء التي تصرف على الوفود المغربية التي تشارك فيها، يخصصها لينفق على التنمية في المناطق الأمازيغية التي تفتقر إلى كل شيء في التعليم والصحة وعمل العاطلين وباقي القطاعات الاجتماعية ؟
كخلاصة أولية، إن الحركة الأمازيغية هي على صواب تام حين تنتقد حركة القوميين العرب وهي على صواب تام لما أسست فكرها على أساس القطيعة مع المشرق العربي، لأن ما حصل في لبنان مؤخرا يجعلنا نؤكد على ضرورة القطع مع المشرق العربي والانتماء إليه، وضرورة العودة إلى الذات والجذور بتبني الانتماء الهوياتي الأمازيغي لهذه المنطقة، منطقة تامازغا، وعدم السعي وراء سراب ووهم يسمى الوحدة العربية. لأن الجري وراء هذا الوهم المتوهم هو الذي جعل مسؤولينا على كافة المستويات يفرطون ليس فقط في الانتماء الأمازيغي باعتباره الانتماء الحقيقي لهذا البلد، بل وفي ثقافة يعتبرها الكثيرون بمثابة عجلة النجاة بالنسبة للإنسانية جمعاء، إنها الثقافة الأمازيغية.
وعلى مسؤوليتي: عاش ويعيش الذل العربي!
sifawrachid@yahoo.fr

بقلم \ رشيد نجيب سيفاو

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal