img13.jpg

العلاقات الاقتصادية والثقافية بين الدولة الرسمية وبلدان جنوب الصحراء الكبرى وأثرها في نشر الإسلام هناك

قبل الحديث في هذا الموضوع أود أن أعطي نبذة قصيرة عن الوضع السياسي في المغرب الكبير في أواخر أيام الدولة الأموية وعقب سقوطها وذلك تسهيلاً لفهم العلاقات بين المغرب العربي وبلدان جنوب الصحراء الكبرى.

انتابت المغرب الكبير عدة ثورات نظمها وقام بها الخوارج الصفرية والاباضية لأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية يتركز معظمها حول ظلم وسوء الإدارة الأموية بهذا الإقليم . ومن أهم تلك الثورات ثورة ميسرة المدغري الصفري المذهب في المغرب الأقصى وأبى الخطاب المعافري الأباضي في المغرب الأدنى.

تمكنت الثورة الأولى من تحطيم السلطة الأموية بالمغربين الأقصى والأوسط عقب عدة ضربات متلاحقة قاسية وجهها الثوار ضد الدولة الأموية نتج عنها تكوين دولة لهم في سجلماسة في 140 هـ/758م عرفت بدولة بني واسول أو بني مدرار استمرت حتى 296 هـ/909م (1). واستطاعت الثورة الثانية أي الاباضية من إعلان أمامه لها في طرابلس 140 هـ/ 758 م إلا أنه سرعان ما اصطدمت عقب سقوط الدولة الأموية بالدولة العباسية الفتية التي أرسلت جيوشاً متتابعة لإخماد الفتنة في المغرب وتمكنت من هزيمة الاباضية وقتل قائدهم أبي الخطاب في معركة تاورغه 144هـ/761م.

على أثر هذه الهزيمة فر أحد قادة الاباضية وهو عبد الرحمن بن رستم الذي كان والياً على مدينة القيروان من قبل أبي الخطاب, إلى جنوب الجزائر حيث اعتصم في منطقة تاهرت الوعرة التي حاصرتها جيوش العباسيين بعض الوقت بقيادة ابن الأشعث, الذي اضطر إلى فك الحصار والرجوع شرقاً . وعلى أثر انسحاب الجيش العباسي أعاد الأباضيون تنظيم صفوفهم واعلان إمامة لهم في جنوب الجزائر واتخذوا من مدينة تاهرت عاصمة لهم واختاروا عبد الرحمن بن رستم إماماً لهم 160هـ/777م.

وهكذا تأسست هذه الدولة وشملت رقعة واسعه من المغرب الأدنى والأوسط فشملت أغلب أراضى الجزائر وجنوب تونس وغرب وجنوب ليبيا حتى مشارف نهري النيجر والسنغال وبذلك سيطرت على منطقة استراتيجية واسعة تمر بها طرق القوافل التجارية بين البحر المتوسط ووسط وغرب أفريقيا الغنية بمواردها من الذهب وريش النعام والعاج وغيرها مما أدى إلى ازدهار هذه الدولة اقتصادياً في فترة وجيزة(2).

إن العلاقات التاريخية بين المغرب وغرب ووسط أفريقيا كانت قائمة منذ القدم على الرغم من وجود الصحراء الكبرى بين الإقليمين. إلا أنها لم تمنع نهائياً الاتصالات بين الإقليمين كما تشير الدلائل التاريخية في العصور القديمة, بل إن هذا النشاط تطور بعد الفتح العربي ليؤسس ما أصبح يعرف بتجارة عبر الصحراء (Trans_Sahara Trade) التي نقلت المفاهيم الاسلامية الجديدة إلى مختلف أنحاء أفريقيا.

ما هي دوافع العلاقات بين الدولة الرستمية وشعوب جنوب الصحراء؟ وما أهم الطرق التجارية التي كانت تمر بها تجارة القوافل؟ وما أهم السلع التجارية التي كانت تحملها القوافل التجارية بين كلا الاتجاهين؟ وما دور هذه الأنشطة في نشر الإسلام والحضارة الإسلامية في أفريقيا الغربية؟ وما نتائجها؟

سأحاول في هذه المقالة الإجابة عن الأسئلة السابقة مستخدماً ما تمكنت الحصول عليه من مصادر ومراجع منشورة ومخطوطة.

تعتبر الدولة الرستمية من أولى الدول الإسلامية في العصور الوسطى في شمال أفريقيا التي أقامت علاقات اقتصادية وسياسية مع شعوب ما وراء الصحراء الكبرى.

ومن الواضح أن جوهر هذه العلاقات كان اقتصادياً بالدرجة الأولى أي أن العامل الاقتصادي والتجاري والسعي وراء الربح كان أهم حافز لعبور الصحراء وتحمل الكثير من التضحيات. وحيث أن تجار الدولة الرستمية كانوا في غالبيتهم مسلمين كان عليهم بدون شك كما تقتضي التعاليم الإسلامية تطبيق القوانين والمعاملات المالية الإسلامية في تعاملهم أينما رحلوا, هذا بالإضافة إلي مزاولتهم الشعائر الاسلامية بهذه البلدان مثل الصلاة والصوم مما أثار انتباه الإفريقيين الذين تعرفوا لأول مرة على هذا الدين الجديد من التجارة وتأثروا تدريجياً بهم مما أدى إلى اعتناق الكثيرين منهم الإسلام والدخول فيه (3).

إن بعد المسافة بين شمال أفريقيا وغربها وطول المدة التي يقتضيها التجار في إفريقيا , أدى بالكثير من التجار إلى الزواج من السكان المحليين في هذه البلدان التي يتعاملون معها مما خلق جيلاً مختلطاً كسب ديناً وثقافة جديدة بالإضافة إلى ثقافته الأصلية مما ساعد في سرعة انتشار الإسلام .

بالإضافة إلى هذا كله كان تجار الدولة الرستمية المسلمون وغيرهم من دول المغرب الإسلامية يدخلون في مجالات ومناقشات دينية عقائدية مع السكان المحليين مما جعل مهمة التجار مهمة اقتصادية تبشيرية بفعل حماسهم لنشر الدين الإسلامي طمعاً في الأجر والثواب عند الله عند نجاحهم في كسب الوثنيين إلى الدخول في الإسلام كما سنرى بعد قليل.

إن الوضع السياسي للدولة الرستمية باعتبارها في حالة عداء مستمر مع الدولة العباسية في المشرق العربي ومع إمارة الأغالبة التابعة للعباسيين في أفريقية (تونس ) ودولة الأدارسة في المغرب الأقصى, حتم عليها الاتجاه إلى جنوب الصحراء الكبرى والبحث عن مصادر للمواد الخام التي تحتاجها ولأسواق لتصريف مصنوعاتها وبضائعها التي تحولها من موانئها على البحر عن المتوسط, الآتية من أوربا إلى بلدان غرب ووسط أفريقيا.

إن موقع عاصمة الدولة الرستمية, تاهرت مكنها من السيطرة على سلسلة من الطرق التجارية التي تؤدي إلى مختلف الاتجاهات كما يذكر ابن الصغير المالكي الذي كان معاصراً لهذه الدولة(4) وبالتالي جعلها مركزاً هاماً للتبادل التجاري والثقافي لمدة قرن ونصف تقريباً.

إن الطريق التجاري الأول كان يربط تاهرت بمدينة سجلماسة عاصمة دولة بني مدرار الصغيرية التي تربطها علاقات مذهبية وأسرية مع بني رستم. وتعبر مدينة سجلماسة نقطة تجمع للقوافل الذاهبة إلي غرب أفريقيا(5) . ومن سجلماسة تسير القوافل على الطريق المؤدي إلى تغازا ثم إلى أودغشت ومن هناك إلى غانا (6). والطريق الثاني يبدأ من تاهرت ويمر بواحة ورجله ( ورجلان) إلى تادمكة إلى أن ينتهي عند مدينة (جوجو) جوا (goa) على نهر النيجر (7) أما الطريق الثالث الذي يربط الإقليم الشرقي من الدولة الرستمية (طرابلس وفزان) بأفريقيا الوسطى فينقسم إلى طريقين الأول : يربط طرابلس بجبل نفوسه, (الجبل الغربي الآن) ماراً بغدامس إلى تادمكه حتي منحنى نهر النيجر , والثاني يربط طرابلس بزويله مع بحيرة تشاد وإقليمي كانم وبرنو (8) هذه الطرق التجارية لم تكن الوحيدة التي كانت تسلكها القوافل بين شمال ووسط وغرب أفريقيا ولكنها كانت المعابر الرئيسية المعروفة في تلك الحقبة من الزمن.

إن أهم السلع التجارية التي كانت تنقلها القوافل بين غرب ووسط أفريقيا والمغرب العربي هي الملح والذهب والرقيق . فشعوب أفريقيا جنوب الصحراء كانت بحاجة ماسة للملح وذلك لاستعماله في أغراض مختلف وفي الطعام حيث يفقد الجسم كميات كبيرة منه في المناطق الحارة بالعرق وحيث يصعب نقله من الشواطيء البحرية لارتفاع درجة الحرارة وعدم وجود مناجم الملح الذي يمكن نقله إلى مسافات طويلة بهذه المناطق كان على هذه الشعوب أن تعتمد على مناجم تغزا في الصحراء الكبرى التي تحت سيطرة تجار شمال أفريقيا.

ونظراً لحاجة شعوب جنوب الصحراء الماسة الى الملح تجدها تقايض الذهب بالملح وقد لاحظ المؤرخ الأندلسي محمد بن عبد الرحمن بن حامد أن الحمل الواحد من الملح كان يساوي حملين من الذهب (9).

ولاحظ الجغرافي ياقوت الحموي (575_625/1179_1229م) أن أثمن شيء في خزينة ملك جوا (goa) كان الملح (10). ويذكر الرحالة والجغرافي الشهير ابن حوقل الذي زار أوغشت 340/951م أن ثمن حمل من الملح كان يتراوح بين مائتين إلى ثلاثمائة دينار من الذهب (11).

أما البكرى الجغرافي الشهير (توفي 487هـ/1095م) فيذكر هو الآخر أن ملك غانا حافظ على ثروة بلاده من الملح فقد فرض ضريبة قدرها دينار من الذهب على كل حمل يدخل إلى بلاده وديناران على كل حمل مماثل يغادرها (12). ويعطي هذا المؤشر على أهمية هذه المادة كسلعة مطلوبة في هذه البلاد في تلك الأيام.

ويقول الرحالة المغربي الكبير ابن بطوطة (704_779هـ/1304_1377م) الذي قام بزيارة إلى بلاد السودان (أراضي مالي ونيجيريا وغانا والسنغال) أن حمل واحد من الملح في المدينة مالي كان يعادل عشر مثقال من الذهب ويصل في بعض الإحيان إلى أربعين مثقالاً ويذكر كذلك أن سكان تلك المناطق يستعملون الملح كعملة للتبادل بدلاً من الذهب والفضة (13).

لقد استمرت أهمية الملح إلى القرن السادس عشر حيث لاحظ الرحالة الأوروبي (aiviceca da mosta”1432-1480م”) الذي زار غرب أفريقيا, أن سكان هذه المناطق يستهلكون كميات كبيرة من الملح وذلك لكي يتجنبوا جفاف أجسامهم (14). ويؤيده رحالة أوربي آخر هو (valentine fernandes) في كثرة استعمال هذه البلدان للملح فيقول أنهم يستعملون الملح لعلاج العديد من الأمراض (15). وفي سنة 1526م يقول الرحالة الحسن بن محمد الوزان المعروف ب( leo afrcano) أنه رأى أن ثمن حمل الجمل من الملح يباع بثمانين (ducats) ذهباً في مدينة تمبكتو وهو ثمن مرتفع حسب رأيه (16).

ما الذي جعل الملح غاليا في هذا الجزء من أفريقيا؟ إن السبب الرئيس في غلاء سعر الملح هو ندرته في المناطق وكثرة الطلب عليه لكثرة استعماله في الطعام وغيرها من شئون الحياة هذا بالإضافة إلى أن الملح لم يكن متوفراً في غرب ووسط أفريقيا بكميات تكفي حاجة الاستهلاك. إن الملح الذي كان يستخرج من شواطئ المحيط لا تسمح درجة الحرارة والرطوبة المرتفعة بنقله إلى داخل القارة حيث كان الطلب عليه كثيرا.

لذلك كان أهم مصدر لاستخراج الملح هي مناجم تغازا الواقعة على عمق قامتين أو 12 قدماً ثم يقطع ويحمل إلى الجنوب ليستبدل بالذهب (17). أما المصدر الآخر لاستخراج الملح فكان من منطقة أوليل في إقليم جداله بالقرب من المحيط الأطلسي (18). أما سلعة الذهب التي كانت مطلوب بكثرة في المغرب العربي وأوروبا فكان تجار الدولة الرستمية ودول المغرب يحصلون عليها من بلاد غانا الشهيرة بمناجم الذهب حتى إن المؤرخين والجغرافيين العرب أطلقوا عليها بلاد الذهب (19).

طبقا لما يذكره البكري إن أنقى أنواع الذهب كان يستخرج من مناجم غاديرو(Gadiaro) بالقرب من الساحل الجنوبي للسنغال وبالقرب من مدينة كيس (Kayes) ويقول البكرى أيضاً أن مدينة غاديرو هذه مركز الذهب تقع على مسافة عشرين يوماً من مدينة غانا (كومبي صالح). وأن أحسن أنواع الذهب في العالم انذاك كانت تأتي من مدينة أودغشت (20). أما السلعة الثالثة التي كانت تصدر من وسط غرب أفريقيا إلى المغرب العربي والبحر المتوسط فهي الرقيق الذين كانوا يستخدمون كيد عاملة في شتى الحرف (21).

بالإضافة إلى الذهب والرقيق كانت بلدان جنوب الصحراء تصدر إلى شمال أفريقيا سلعاً أخرى مثل العطور وريش النعام وجوز الكولا والجلود والعاج (22). وبالمقابل حمل تجار المغرب وبالذات التجار الرستميون إلى هذه البلدان الملابس والمنسوجات والورق والسيوف والاهم من ذلك كله الملح كما ذكرنا آنفا . ومع هذه الأشياء المادية حمل التجار من شمال إفريقيا إلى الجانب الآخر من غرب ووسط أفريقيا المعرفة , بشتى أنواعها وحضارة العالم الآخر, العالم الإسلامي بمفاهيم الدين الإسلامي والقانون والدولة وأنماط جديدة من التعليم والفن المعماري ومحاصيل وصناعات ومهارات جديدة (23).

ولقد ازدهرت التجارة ازدهاراً كبيراً في فترة الدولتين الرستمية والمدرارية ويذكر لنا المؤرخ ابن حوقل انه رأى في مدينة سجلماسه التي تمر بها قوافل المغرب الأوسط في طريقها إلى غانا مارا بتغازا. صكاً بمبلغ قدره 42000 ديناراً من الذهب دينا لتاجر من أوغشت على آخر من سجلماسة. ويضيف ابن حوقل أنه لم ير من قبل حجم هذه المعاملة المالية في الشرق العربي وأنه لما حكاها للناس ببغداد لم يصدقوه (24) . ويذكر ابن حوقل دليلاً آخر على أزهار التجارة أبان هذه الفترة فيقول أن مدينتي تاهرت وسجلماسه 307 هـ /920م كانت تنذر نصف دخل خزينة الدولة الفاطمية ويأتي من مدينة سجلماسة وحدها بفضل التجارة مع بلدان جنوب الصحراء (25) . وتشير المصادر الاباضية أن بعضاً من التجار من جنوب تونس وإقليم طرابلس قد قاموا بزيارة السودان لغرض التجارة وفي الوقت نفسه قاموا بالدعوة للدين الإسلامي بين القبائل الوثنية هناك . وعلى الرغم من أن أغلب هذه المصادر قد كتب بعد سقوط الدولة الرستمية 296هـ/909 م إلا أنها بدون شك تعكس النشاط الاقتصادي والعلاقات التي كانت قائمة مع بلدان جنوب الصحراء الكبرى. وفيما يلي سرد لبعض أهم الإشارات التي تذكرها تلك المصادر ونوردها هنا لنبرهن عن دور هذه الأنشطة الاقتصادية في توثيق عرى العلاقات بين شمال القارة و غربها ووسطها وفي نفس الوقت نشر الإسلام في تلك الربوع والتي كان من نتائجها تكوين دول وإمبراطوريات إسلامية .

إن أقدم المعلومات عن العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الدولة الرسمية وشعوب جنوب الصحراء نجدها لدى ابن الصغير المالكي الذي عاش في العاصمة الرسمية تاهرت وكتب تاريخه عن هذه الدولة في الفترة ما بين 281_ 294 هـ /895_907م) فيقول بصدد الحديث عن تطور مدينة تاهرت .. إن طرق التجارة فتحت مع جميع البلدان المجاورة مثل السودان (26). ويضيف ابن الصغير عن الحديث عن عهد الإمام أفلح بن عبد الوهاب (208_ 240هـ/ 824_855م) انه أرسل وفداً دبلوماسياً برئاسة أحد أعوانه المسمى محمد بن عرفه بهدايا إلى ملك السودان (27). وعلى الرغم من أن ابن الصغير لم يورد اسم الملك والمملكة التي زارها مبعوث الدولة الرستمية فإنه يعتقد أن البلاد التي زارها هي مملكة السنغاي وعاصمتها جوا (goa) على منحنى نهر النيجر .

ويذكر المؤرخ أبو الربيع الوسياني (النصف الثاني من القرن عشر) أن أفلح بن عبد الوهاب كان قد فكر في القيام بزيارة جوا (جو جو) إلا أن والده منعه من ذلك (28) وعندما أصبح إماماً أراد تعزيز علاقاته التجارية والسياسية بإقامة علاقات ودية مع دولة السنغاي الناشئة في حوض نهر النيجر فقام بالزيارة المذكورة.

ويقول الجغرافي أبو عبيد البكري(توفي 487هـ/ 1095م) إن تاجراً مسلماً من المغرب العربي استطاع أن يقنع ملك غانا بأن يعتنق الإسلام(29). لكن البكري لم يذكر لنا لا اسم الملك الذي الذي اعتنق الإسلام ولا اسم التاجر المسلم الذي كان سبباً في اعتناق ملك غانا الإسلام.

ويشير كذلك المؤرخ أبو العباس الدرجيني (القرن الثالث عشر الميلادي ) في كتابه طبقات المشائخ أن جد والده علي بن يخلف النافوسي وهو تاجر من بلدة نقطة بجنوب تونس قد سافر إلى غانا لغرض التجارة وتمكن وهو هناك من أن يقنع ملك غانا بالدخول في الدين الإسلامي (30) .

إن نفس هذه الحادثة يذكرها كذلك المؤرخ أبو العباس الشماخي (توفي 928هـ/1522م) في كتابه السير حيث يقول : إن الملك الذي اعتنق الإسلام كان ملك غانا ولكن حادثة الاعتناق حدثت في مدينة مالي (31).

ويبدو أن كلً من الدرجيني والشماخي قد علما بما ذكره البكري وافترضا أن ذلك التاجر كان علي بن يخلف النافوسي. ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن هناك من المؤرخين المحدثين من يرى أن الدرجيني أراد أن يضفي على نفسه مجداً خاصاً بأن زعم ذلك التاجر الذي ذكره البكري كان أحد أجداده.ويذكر ابن خلدون (توفي 808هـ/ 1406م) أن أول من اعتنق الاسلام في مالي ملكها برمندانه (32). وعلى الرغم من أن ابن خلدون لا يذكر كيف اعتنق برمندانة الإسلام ولكن مما لا شك فيه أنه لابد وأن التقى بأحد التجار المسلمين الذين كانوا يأتون إلى مالي للتجارة بأعداد كبيرة .

وعن المزيد من هذه الاتصالات التجارية والثقافية نود أن نورد بعضاً منها لنؤكد صحة وأثر تلك الاتصالات في نشر الإسلام في بلدان جنوب الصحراء الكبرى. وفي هذا المجال يذكر لنا المؤرخ الوسياني ( القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي) بأن تاجراً يسمي أبو محمد عبد الله السدراتي قد قام برحلة تجارية إلى السودان (23).ويزودنا مؤلف كتاب سير المشائخ (القرن الثاني عشر.م.) بأن بعض التجار المسلمين من شمال إفريقيا الذين سافروا إلى السودان لغرض التجارة كان من بينهم تاجر يدعى فلحون ابن إسحاق بن واسين الذي قام بزيارة إلى غانا عن طريق سجلماسة حيث توفي هناك (34). ويضيف كذلك أن تاجراً آخر يسمى تاملي الوسياني الذي كان فقيراً في بداية حياته وعندما ذهب إلى تادمكة حيث أصبح غنياً جداً بسبب التجارة ومن هناك بعث ست عشرة صرة من الذهب تحتوي كل منها على خمسمائة دينار من الذهب إلى بلدته القصور التي كان بها في جنوب تونس وقد أمر بتوزيع هذه الأموال كصدقة على فقراء المسلمين ببلدته (35).

ونعلم من المصادر الاباضية أن عالماً آخر يدعي أبو موسى هارون بن أبي عمران الوسياني من بلاد الجريد بجنوب تونس ذهب إلى ورجلان حيث عرض عليه منصب معلم بمرتب مائة دينار ولكنه رفض ذلك وغادر الواحة إلى غانا للتجارة واستقر بمدينة غيارو حيث قضى حياته هناك إلى أن توفي (63). إن مثل هذا المعلم والفقه بدون شك كان داعية للدين الاسلامي أينما حل من خلال دروسه التي كان يعطيها بالمساجد وفي حلقات الدرس ومن خلال اتصالاته بالناس في تلك المناطق.

إن العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية بين إقليم طرابلس الذي كان يمثل الجزء الشرقي من الدولة الرستمية والذي كان يزودها بالرجال والأموال كان على علاقة وطيدة بغرب ووسط أفريقيا. لقد كانت هذه الاتصالات تتم من خلال طريقتين تجاريتين هامين . يبدأ الأول من مدينة طرابلس ماراً بجبل نفوسة (جبل الغربي الآن ) إلى غدامس ومنها إلى مدينة تادمكة على نهر النيجر. أما الطريق الثاني فيربط بحيرة تشاد بواحة زويلة ومنها يتفرع إلى نقط مختلفة تنهي عند البحر المتوسط (37).

أن المصادر التاريخية الإسلامية تؤكد هذه الاتصالات بوضوح منذ القرن الثالث الهجري بين طرابلس وبلاد التكرور ( السنغال ) ومن هذه المصادر المؤرخ الشماخي الذي يذكر لنا أن قافلة تجارية كانت قادمة من بلاد التكرور ووصلت إلى الجبل الغربي حيث استقبلها حاكم الجبل من قبل الدولة الرستمية ميمون بن محمد أبو عمر الذي رفض هدية مقدارها 400 ديناراً قدمت له من هذه القافلة. ويضيف الشماخي أن هذا الحاكم نفسه كان مهتماً بالتجارة مع بلاد السودان وكان يشجعها (38). ويمكن أن نستدل من الإشارة السابقة على أن حجم التجارة بين إقليم طرابلس وبلاد السودان الغربي كان كبيراً.

ويزودنا البكري بحقيقة أخرى عن انتشار الاسلام والثقافة الاسلامية ببلاد السنغال فيقول بإن ملك بلاد التكرور ( السنغال ) المدعو ورجابي بن دابيس قد اعتنق الإسلام ومن الواضح أن اسلام هذا الملك قد حدث في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري حيث نعلم أنه توفي 432هـ /1041م وطلب هذا الملك من أتباعه اعتناق الاسلام وبالتالي تبعه الكثيرون منهم بإعلان إسلامهم(40).

على الرغم من أن البكري لم يشر إلى الكيفية التي أسلم بها ملك بلاد التكرور ولا إلى هوية من تمكن من إقناعه بالتحول الى الدين الإسلامي وبالتالي إسلام عدد كبير من رعيته .

إلا أنه من الواضح أن التجار المسلمين من شمال أفريقيا وبالذات من الدولة الرستمية الذين كانوا يتوافدون بكثرة وباستمرار هم المسئولون عن ذلك.

أن العلاقات الاقتصادية والثقافية كانت قوية كذلك بين إقليم طرابلس ومنطقة بحيرة تشاد (السودان الأوسط أو وسط أفريقيا ) ويبدو واضحاً من إشارة يذكرها لنا المؤرخ الشماخي حيث يقول: ( إن حاكم جبل نفوسه ( جبل الغربي الآن) ) أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني الذي كان والياً على الجبل إبان حكم الإمام الرستمي أفلح بن عبد الوهاب (208_240هـ/955م) كان يتكلم بالإضافة إلى اللغة العربية والبربرية لغات إفريقية أخرى مثل الكانمني وغيرها (41).

ويشير المؤرخ الوسياني كذلك إلى أن طبيباً يسمي عبد الحميد الفزاني (من إقليم فزان) قد قام برحلة طويلة إلى السودان في القرن الثالث الهجري ابتدأها من جبل نفوسه إلى هناك لمدة شهر (42).ويضيف المؤرخ الشماخي أن شيخاً من جبل نفوسه يعرف بأبي القاسم الفوسطاني (قتل في معركة مانو 283هـ/896م بين الدولة الرستمية ودولة الأغالبة) إنه قام قبل موته برحلة إلى السودان حيث تمكن هناك من إقناع ملك محلي (ربما شيخ قبيلة) باعتناق الإسلام(43).

إن هذه الإشارات المتفرقة رغم اقتضابها فإنها تشير بكل تأكيد إلى علاقات وطيدة بين الدولة الرستمية وشعوب جنوب الصحراء الكبرى.

إن العلاقات بين الدولة الرستمية وشعوب جنوب الصحراء كانت علاقات تجارية وثقافية ذات طابع سياسي قائمة على المصالح المشتركة بين الجانبين. ونرى أنها استمرت حتى بعد سقوط الدولة الرستمية للفاطميين 296هـ/909 م. حيث فر العديد من الرستميين وأنصارهم من سكان تاهرت إلى ورجلان وتأدمكة وجوا وغانا وبلاد التكرور وكانم برنو وأودغشت و غيرها من بلاد السودان , حيث أسسوا لهم أحياء كاملة بل في بعض الأحيان مدناً وقرى نشروا فيها ثقافتهم (44).

ويقول البكري بأن مدينة أودغشت كانت تسكنها بطون من قبائل هاجرت من المغرب الأوسط والأدنى منها برمنجانه ونفوسه ولواته وزناته ونزاو(45).

ويؤكد استمرار هذه العلاقات المؤرخ ابن حماد (1150_1230م) حيث يذكر أن الثائر أبو زيد مخلد بن كيداد الذي قام بثورة ضد الدولة الفاطمية 332هـ/944م كان قد ولد في مدينة تادمكة ورافق والده في رحلاته من أجل التجارة الى مدينة جوا على نهر النيجر وأخيراً رجع إلى بلدته قسطيليه (توزر) في جنوب تونس. وبعد هزيمة هذه الثورة فر العديد من أنصارها الى السودان هروباً من اضطهاد الفاطميين حيث عاشوا هناك(46).

إن أهم نتائج هذه الاتصالات الاقتصادية والسياسية والثقافية بين المغرب وشعوب بلدان جنوب الصحراء الكبرى منذ الفتح العربي هي انتشار الاسلام والحضارة الإسلامية بالتدريج إلى أن أدى في النهاية إلى تكوين دول وإمبراطوريات إسلامية مثل غانا ومالي والسنغاي وكانم وبرنو.وهذه الدولة بدورها قامت بنشر الاسلام بين الشعوب الافريقية وتكونت على أثر ذلك مراكز علمية إسلامية في مدن عديدة أبرزها تمبكتو وكانو وفيها انتشرت المعاهد والمساجد الاسلامية.

الهوامش

1. الرقيق القيرواني: تاريخ أفريقيا والمغرب, حققه المنجي الكعبي (تونس : رقيق السقطي 1968)_ ص 109 _ 122.

ابن عذارى المراكشي: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ج1 حققه وراجعه ج.كولان وليفي بروفنسال.

2. ابن عذارى : البيان المغرب ج1 ص72 للمزيد من التفاصيل عن نشأة الحركة بالمغرب وقيام الدولة الرستمية. انظر بحثنا عن الدولة الرستمية.

EI_HAREIR, IDRIS. THE RUSTUSTUMID STATE, PHD.DESSIRTATION PRESENTED TO THE UNIVERSITY OF UTAH,1976,PP-23-40.

3. توماس أرنولد : الدعوة إلى الإسلام, ترجمة حسن إبراهيم (القاهرة 1957) 281_282.

4. ابن الصغير المالكي: ذكر بعض الأخبار في الأئمة الرسميين.ونشر وتحقيق

DE MOTYLINSKI, ACTES DE XIVE CONGRESS INTERNATIONAI DES ORIENTALISTS ALGER,(10(1905))P.13.

5. أبو إسحاق إبراهيم الأصطخري: المسالك والممالك نشر وتحقيق دي خوبه ليدن: بريل 1967 ص 359.

6. أبو عبيد البكرى : المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب .حققه د يسلان الجزائر: المطبعة الحكومية.1857ص 149_161.

7. نفس المصدر ص 182

8. نفس المصدر ص 182_110,الشريف الادريسي: صفه المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس, حققه دوزى ودي خوبه ليدل: مطبعة بريل, 1967 ص 132_133.

9. محمد بن عبد الرحمن بن حامد الأندلسي: (تحفة الألباب) نشر في..

JONRNAI OF ASIATQUE STUDIES, VOI.CCVII,(1925),P.42.

10. شهاب الدين عبد الله ياقوت الحموي: معجم البلدان ج7 حققة محمد وأحمد الخانجي وأحمد الشنيطي القاهرة : مطبعة السعادة 1906 ص 302.

11. أبو القاسم النصيبني بن حوقل : كتاب صورة الأرض ط2 حققة د يخويه ليدن , مطبعة بريل , 1967 ص 151.

12. البكري: المغرب ,ص 176.

13. أبو عبد الله بن بطوطه: رحلة ابن بطوطة بيروت : دار صادر , 1964 ص 674.

14. Alvice. Ce Da Mosta Relations des Voyages a la Cote Occidentale d Afrigue Trans by M. Schefer. Paris E. Leroux 1895 p.56.

15. Valentine Fernandes description de la Cote dAfrigue Ceuta a ugeneral Trans by p De cenival T. Mond Paris Larose 1938 p. 87.

16. Al Hasan Ibn Muhammad al Wazzan Leo Africano The History and Description of Africa Vol 3. Trans by J. percy 2. Ed. By R. Brown. London The Haklute Society 1896 p. 824.

17. نفس المصدر : ص 800_824 , البكري, المغرب ,ص161.

18. الادريسي : صفة المغرب , ص 2 ,32, المعرب , ص 171.

19. أبو الحسن علي المسعودي, مروج الذهب , ترجمة وتحقيق دي مينارد باريس : المطبعة الامبراطورية 1861, النص العربي ص39.

20. البكري , المغرب , ص 176, أبو حامد الأندلسي : تحفة الألبلب ص 245.

21. اليعقوبي , البلدان, ص 345 البكري , المغرب ص7 , والاصطخري. المالك ص44.

22. E.BOVILL,THE GOLDEN TRADE OF THE MOORS, 2ND.ED .(LONDON:OXFORD UNIVERSITY PRESS (1968) P.XI.

23. نفس المصدر ص11.

24. ابن حوقل: صورة الأرض ص99.

25. نفس المصدر ص99_155.

26. ابن الصغير, أخبار الأئمة ص 132.

27. نفس المصدر ص31.

28. أبو الربيع سليمان الوسياني , كتاب السير. صورة من مخطوط في حوزة الباحث .ص32.

T. LEWICKI,”QUELQUES EXTRAITS LBEDITES RELATIFS AUX VOYAGES DES COMMERCANTS DES MISSIONAIRES LBADITES NORD-AFRICAINES AN PAYS DU SOUDAN OCCIDANTAL ET CENTRAL AU MOYEN AGE”

FOLIO ORIENTALIA V. LL (1960)PP.7IC.

29. البكري ,المغرب ,ص 178.

30. أبو العباس أحمد الدرجيني, طبقات الاباضية, مخطوط القاهرة دار الكتب رقم 12561 ورقة 214.

31. أبو العباس الشماخي , كتاب السير مخطوط, القاهرة دار الكتب ,تاريخ 769, ورقة 170.

32. عبد الرحمن بن خلدون, تاريخ ابن خلدون ج5 حققة داغر بيروت: دار الكتاب اللبناني 1959ص 931.

33. أبو الربيع سليمان الوسياني , كتاب السير , مخطوط في حوزة المؤلف ص51.

34. مجهول المؤلف. كتاب سير المشائخ, مخطوط في حوزة الباحث ضمن المخطوط السابق ص124 ؛ الشماخي,السير , ورقة 176 , 180.

35. كتاب سير المشائخ , ص 78؛ الشماخي , السير, ورقة 150.

36. الشماخي , السير , ورقة 150.

37. البكري, المغرب ,ص11, 182.

38. الشماخي, السير , ورقة 90_91.

39. البكري , المغرب .ص172.

40. نفس المصدر ص 172.

41. الشماخي , السير , ورقة 52؛

T.LEWICHI, “THE IBADIITES I” ARABIC AND NORTH AFRICA” JONRNAL OF ASISATIQUE STUDIES V, 13,(1971)PP.126-127.

42. الوسياني ,السير, ص4؛ الدرجينني , طبعات , ورقة138.

43. الشماخي, السير ,ورقة 106_107.

44. البكري, المغرب, ص 172_183.

45. نفس المصدر 150-159.

46. أبو عبد الله محمد بن حماد , أخبار ملوك بني عبيد , ترجمة إلى الفرنسية فون ديرهيدن مع النص العربي 18,

Paris: jules carbonel & paul geutherl 1927)p.18.

عن هذه الثورة انظر كذلك : تقي الدين أحمد المقريزي: اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء ج1 حققة جمال الدين الشيال القاهرة: دار التحرير ص1967 ص 75_85.

————————————-

المصدر : مجلة البحوث التاريخية . س 5 ، ع 1 (يناير 1983) : ص 75-87.

بقلم \ د.إدريس صالح الحرير

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك

    ⵉⵎⵓⴷⴰⵔ – ⴰⵙⵍⵎⴷ ⵙ ⵜⵡⵍⵍⴰⴼⵉⵏ


ⵉⴷⵔ ⴰⴼ ⵜⴰⵡⵍⵍⴰⴼⵜ ⴼⴰⴷ ⴰⴷ ⵙⵓⴳⴳⵣⴻⴷ ⴰⴷⵍⵉ ⴰⴷ ⵏⵖ  ⵉⴷⵔ ⴷⴰ

  • ما رأيك في موقع تاوالت الجديد ؟






    بين النتيجة

    Loading ... Loading ...
  • tamatart

    tamatart



    taddart

    ٍradio awal